نحن كبشر، رواة بالفطرة، نروي لأنفسنا سرديات تناسب معتقداتنا، خصوصاً حين يسيطر الخوف علينا، فنبدأ بملء الفراغات من عندنا.
في لبنان، حيث بات الاستقطاب شبه غريزة، نفترض.
نفترض أن من يريدون السلام هم عملاء أو خونة، نفترض أنهم لا يكترثون لأبناء وطنهم في الجنوب، نفترض أنهم يريدون فقط أن “يعيشوا” بأيّ ثمن حتى لو بقيت أجزاء من البلاد تحت الاحتلال أو التهديد الإسرائيليين.
لكن هذه افتراضات، وهي غالباً خاطئة.
فالذين يُسارع كثيرون إلى وصفهم بالعملاء دفعوا هم أيضاً ثمناً لما كان يُسمّى يوماً مقاومة، هم أيضاً عرفوا الاغتيال، والشهادة، والتهجير، والدمار، والخسارة، ومجتمعاتهم دُمّرت أيضاً، وقراهم وأحياؤهم أُفرغت أيضاً، ومدنيوهم أُجبروا أيضاً على مغادرة بيوتهم.
هم يعرفون جيّداً الكلفة التي يدفعها أهل الجنوب اليوم، لا لأن معاناتهم متطابقة، بل لأن تاريخ لبنان الحديث جرّ مراراً جماعات مختلفة إلى حروب وخيارات سياسية لم تكن تملك السيطرة الكاملة عليها.
ما سُمّي مقاومة في عقود سابقة لم يمنع خراب لبنان، وما يُسمّى مقاومة اليوم لم يحمِ البلد أيضاً، وكانت النتيجة مزيداً من الدمار، ومزيداً من التهجير، ومزيداً من فقدان السيادة على أجزاء من لبنان.
هذا لا يُعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن اعتداءاتها واحتلالها وتدميرها وانتهاكاتها، لكنّه يفرض علينا أيضاً أن نطرح سؤالاً لبنانياً: من يقرّر الحرب والسلم في هذا البلد؟ من يملك سلطة تعريض الناس للحرب؟ ومن يُحاسَب عندما تُدمَّر بلدات بكاملها ويُهجَّر المدنيون؟
اليوم، الواقع ماثل أمامنا. لبنان لا تحكمه دولة واحدة متماسكة، هو مشرذم بين مراكز قوى متنافسة: الدولة الرسمية، والنظام الأمني والسياسي الموازي لـ”حزب الله”، والمنظومة المالية والمصرفية التي أسهمت في إنتاج أحد أسوأ الانهيارات في تاريخ لبنان الحديث.
الحكومة الحالية لم تخلق كل هذا، لقد ورثت اقتصاداً منهاراً، ومؤسّسات ضعيفة، وقطاعاً عاماً مدمَّراً، ونظاماً مصرفياً معطّلاً، وطبقة سياسية منقسمة، وبلداً أنهكته الحرب.
لكنّ قول ذلك لا ينبغي أن يتحوّل إلى مديح أعمى، فالحكومة يجب أن تُقاس بما تنجزه: الشفافية، والمساءلة، وإعادة الإعمار، وحماية المواطنين، واستعادة الخدمات العامّة.
بعد خروج الجيش السوري من لبنان، عاش البلد عقدين من الخلل، والشلل، والاغتيالات، والحروب، والانهيار المالي، وتآكل المؤسّسات، ولم يكن “حزب الله” وحلفاؤه خارج هذا النظام، لقد كانوا جزءاً من معظم الحكومات والتسويات السياسية الكبرى، ولا سيّما بعد 7 أيّار/ مايو 2008، حين أُعيد تشكيل ميزان القوى داخل لبنان بالقوّة.
لذلك لا يستطيع “حزب الله” اليوم أن يفصل نفسه عن النظام الذي ساهم في بنائه والهيمنة عليه، ولا يستطيع مؤيّدوه تحميل الدولة الحالية مسؤولية كل كارثة، فيما يتجاهلون السنوات التي كان فيها “حزب الله” وحلفاؤه جزءاً من السلطة، يشكّلون الحكومات، ويعطّلون القرارات، ويحمون السلاح الموازي، ويشاركون في النظام نفسه الذي أنتج هذا الفشل.
في المقابل، لا ينبغي لمن يؤيّدون استعادة سلطة الدولة أن يتصرّفوا كما لو أن الدولة اليوم سليمة، وفعّالة، وبريئة. فالدولة اللبنانية خذلت مواطنيها مرّات كثيرة، كانت فاسدة، وطائفية، وبطيئة، وانتقائية، وغائبة بقسوة في أحيان كثيرة، لذلك يجب إعادة بنائها، لا التغنّي بها أو إضفاء صورة رومانسية عليها.
تحاول الحكومة اليوم، بأدوات محدودة، التخفيف من حجم الأضرار والبدء بالتعافي، وقد تحرّكت عبر خطط لإعادة الإعمار، ومساعدات طارئة، ومحاولات لاستعادة الطرق، والمياه، والكهرباء، والصحّة، والتعليم، والخدمات البلدية، كما جرى تأمين بعض التمويل الدولي، بما في ذلك دعم للبنى التحتية الأساسية وللتعافي الطارئ.
لكنّ الحاجات لا تزال أكبر بكثير من الموارد المتاحة، ويجب مراقبة العمليّة بدقّة كي لا تتحوّل إعادة الإعمار إلى فصل جديد من الزبائنية، أو الفساد، أو التمييز بين المناطق.
إقرأوا أيضاً:
هذا العمل، إذا أُنجز بشفافية وعدالة، يستحقّ أن يُعترف به أيضاً كأحد أشكال المقاومة: مقاومة عبر بناء الدولة، وإعادة الإعمار، والمساءلة العامّة، وحماية المواطنين.
فإذا كان البعض يصرّ على تسمية المواجهة المسلّحة مقاومة، فمن حقّنا أيضاً أن نسمّي الجهد الهادف إلى ترميم البلدات، واستعادة الخدمات، وتثبيت الناس في أرضهم، والحفاظ على ما تبقّى من البلد، شكلاً من أشكال المقاومة.
لا يستطيع لبنان أن ينجو عبر المسارات الفاشلة نفسها. فقد أظهرت الحروب الأخيرة أن الشعارات وحدها لا تصنع السيادة. فالاستقلال من دون مؤسّسات عاملة، ودبلوماسية موثوقة، وقدرات حديثة، وعلاقات دولية قويّة، ليس استقلالاً حقيقياً. لا يمكننا أن نعيش في عام 2026 بأدوات العام 2006 ولغته وأوهامه.
هذه ليست رغبة في مديح مجاني للحكومة، بل إصرار على استعادة الدولة ولو كانت ضعيفة لموقعها من الدويلات والميليشيات والمافيا…
أنا لا أثق بالدولة لأنها مثالية، أثق بفكرة الدولة لأن كل البدائل الأخرى فشلت بطريقة أخطر، أثق بالدولة فقط بقدر ما يمكن جعلها خاضعة للمساءلة، وشفّافة، وقادرة على حماية جميع المواطنين بالتساوي.
وأثق بكل قوّة سياسية، وبكل مجموعة مدنية، وبكل مواطن يرفض شكلي الأسر معاً: أسر الدويلات المسلّحة، وأسر الإفلات المالي من العقاب.
فلنتوقّف عن الافتراض.
لنتوقّف عن اتّهام كل من يريد السلام بالخيانة.
لنتوقّف عن التظاهر بأن الحرب من دون موافقة وطنية هي سيادة.
ولنتوقّف عن تكرار النمط نفسه فيما ننتظر نتيجة مختلفة.
إقرأوا أيضاً:












