يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كرة القدم ورأس المال وأفيون شعوب اليوم! (1 من 2)

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الحنق على إنفانتينو ومشروعه ومنطقه الرأسمالي الصرف وصل إلى حدّ الحديث عن مقاطعة اتحادات القارات الثلاث مسابقات الفيفا، طالما بقي في منصبه، وهو ما يعني فعلياً شلّ الفيفا. آخر الأخبار تقول إن اتحاد كرة القدم الأوروبي بصدد تقديم اتهامات جنائية ضد إنفانتينو.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قامت الدنيا ولم تقعد بعد على رئيس اتحاد كرة القدم العالمي (الفيفا، FIFA اختصار Fédération Internationale de Football Association، الاتحاد الدولي لرابطة كرة القدم)، السويسري جياني إنفانتينو، والظاهر أن خروجه من منصبه مسألة وقت. أعلن الرئيس الأميركي أنه يدعم استمرار إنفانتينو في منصبه، لكن لا يبدو أن ذلك سيضمن له السلامة. إنفانتينو أهدى ترامب جائزةً “مُخترعةً” للسلام، وجامله في الإبقاء على لاعب أميركي كان يجب أن يُستبعد من واحدة من مباريات كأس العالم الأخيرة (مباراة خسرتها الولايات المتحدة على أي حال).

لكن الظاهر أن علاقة غير مباشرة بين الرجلين ترتبط بما حاول إنفانتينو القيام به، وسبّب ثورةً ضده. قبل نحو شهرين، خرج رئيس الفيفا بمقترح سماه Forward FIFA Enterprise، “مشروع إلى الأمام فيفا”، الذي هدف إلى خلق شركة جديدة لإدارة حقوق بيع التذاكر والحقوق التجارية لكل مسابقات الفيفا، على أن يطرح 21 في المئة من الكيان الجديد لمساهمات رأس المال الخاص. طرف في الفكرة جوشوا كوشنير، أخو جاريد كوشنير، زوج ابنة دونالد ترامب.

واجه المقترح معارضة شديدة، بخاصة من اتحادات كرة القدم في كل من آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية والوسطى، بما يشمل منطقة الكاريبي. بداهةً، دخول الاستثمار المعني فقط بالربح يعني تسليم هذه الرياضة ذات الشعبية الهائلة إلى منطق السوق.

وهذا التوجه لم يُظهر إنفانتينو فقط كصاحب فكرة معينة جوبهت برفض واسع، بل كمتآمر يسعى الى خدمة رأس المال، وخائن للأمانة التي يحملها كرئيس منتخب لاتحاد رياضي واسع الثراء والنفوذ. حسب بيان مشترك، حادّ اللغة، أصدرته اتحادات القارات التي ذكرناها: “القيادة في كرة القدم ليست للاستحواذ، ولا هي للاستئثار بـ، أو السعي إلى، السلطة. بل هي مسؤولية خدمة عائلة كرة القدم التي تقع على عاتق من وثقت به [ليتحمل هذه الأمانة]”.

ويضيف الخطاب، في اتهام مبطن لإنفانتينو: “حين يكسر الخداع الثقة، حين يضع فرد نفسه فوق الجماعة التي ائتمنته على السلطة، فإن الواجب قد تمّ التخلي عنه”.

الحنق على إنفانتينو ومشروعه ومنطقه الرأسمالي الصرف وصل إلى حدّ الحديث عن مقاطعة اتحادات القارات الثلاث مسابقات الفيفا، طالما بقي في منصبه، وهو ما يعني فعلياً شلّ الفيفا. آخر الأخبار تقول إن اتحاد كرة القدم الأوروبي بصدد تقديم اتهامات جنائية ضد إنفانتينو.

لكن أي قوة هذه التي تنفرد بها هذه اللعبة لتغطي أخبارها على أنباء الحروب والكوارث؟ أي أهمية فائقة يسلم بها معظمنا؟ أي كنز استثماري وسياسي هي؟

الفيفا لا تفتقر إلى المال، حتى وإن كان مقترح إنفانتينو، الذي سارع إلى سحبه، قادراً على اجتذاب المزيد منه. ثراؤها الفاحش يؤشر، من جهة، إلى المردود المالي الهائل لكرة القدم، ويدفع، من جهة أخرى، إلى التساؤل عن الغرض من جلب استثمارات لمؤسسة شديدة الغنى وغير هادفة للربح، كما يصرح موقع الفيفا على الإنترنت.

تعمل الفيفا على أساس دائرة مالية عمرها أربع سنوات، تمتد من مسابقة كأس عالم إلى المسابقة التالية. في الدورة السابقة (2019-2022)، التي انتهت بكأس العالم في قطر، بلغ إجمالي دخل الفيفا 7.57 مليار دولار، وفي الدورة الحالية، 2023-2026، قفز دخل المؤسسة إلى 15 مليار دولار، بعد كأس عالم موسّع لعبت فيه 48 دولة (الرقم المستهدف كان 13 مليار دولار فقط). علماً أن المعتاد أن تخرج المنظمة بفوائض مالية، أي أن يكون الإنفاق أقل بنسبة معتبرة من الدخل.

هذا المردود المالي الهائل يأتي بصفة رئيسية من بيع حقوق بث المباريات، والشراكات التجارية، ورعاية رأس المال الخاص لنشاطات معينة (sponsorships)، ثم البند الأكبر: بيع تذاكر المباريات، بما في ذلك التذاكر المعاد بيعها، إذ تتقاضى الفيفا 15 في المئة من إعادة بيع التذاكر من كل من البائع والمشتري. علماً أن كل هذه المعلومات وأكثر موجودة، مثلاً لا حصراً، على موقع الفيفا، وعلى صفحات قسم الرياضة في موقع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وأيضاً موقع صحيفة الغارديان البريطانية.

وإن شئت مزيداً من الأدلة على الاستثمارات الهائلة في عالم كرة القدم وما تدرّه من عوائد ضخمة، فاعلم، مثلاً، أن قيمة نادي ريال مدريد تُقدّر بتسعة مليارات ونصف المليار دولار، ونادي إف سي برشلونة بسبعة مليارات ونصف المليار، أما الناديان الإنكليزيان مانشستر يونايتد وليفربول فبـ7.2 مليار و6.2 مليار على التوالي، وأخيراً وليس آخراً: باريس سان جيرمان، وقيمته 5.8 مليار دولار.

تأتي معظم مردودات هذه الأندية المالية من بيع التذاكر وحقوق البث وبيع حقوق التعاقد مع اللاعبين، وأيضاً من حقوق الإعلانات، في المباريات وعلى ما يلبسه اللاعبون. مثلاً لا حصراً، يقدّر إجمالي مداخيل ريال مدريد السنوية بـ1.265 مليار دولار، وباريس سان جيرمان بـ912 مليون دولار، ومانشستر يونايتد بـ865 مليون دولار.

أما “أسعار” اللاعبين عند “شراء” نادٍ لهم من نادٍ آخر، فتصل مثلاً إلى 220 مليون دولار في حال النرويجي إيرلينغ هالاند، الذي يلعب لنادي مانشستر سيتي الإنكليزي (راتبه السنوي عام 2025 تخطى السبعة والعشرين مليون جنيه إسترليني)، وفي حال الإسباني الأمين جمال تبلغ “قيمته” أيضاً 220 مليون يورو، وفي حال الفتى الفرنسي-المغربي أيوب بوعدي، ابن الثامنة عشرة، فالقيمة مئة مليون يورو، ثمن انتقاله من نادي ليل الفرنسي إلى مانشستر سيتي بعقد يمتد الى خمس سنوات.

إذاً، “رسملة” اللعبة جارية على أي حال، فهي أثمن من أن تُترك. لكن حتى مع الأرقام التي ذكرناها، هل نحن فعلاً واعون بقوتها؟ أمثلة التأثير الهائل أكثر من أن تُحصى.

بُعيد الحرب العالمية الثانية، حُرمت ألمانيا المهزومة من المشاركة في كأس العالم المقام في البرازيل عام 1950، ثم سُمح لها، أو تحديداً لألمانيا الغربية، بالمشاركة في مسابقة 1954 التي أقيمت في سويسرا. هزم الألمان الغربيون كل من لعبوا خلال المسابقة باستثناء المجر، التي جرعتهم هزيمة ثقيلة: 8-3. لكن هذا كان في مراحل المسابقة الأولى، أي بالنقاط لا بالتصفيات. من ثم نجح الألمان في الوصول إلى النهائي ليلاقوا مرة أخرى الفريق المجري، الذي كان يُعتبر أسطورة آنذاك، إذ لم يكن قد هُزم لأربع سنوات ونصف متتالية.

فوز “الفريق الذهبي”، كما كان يُعرف الفريق المجري، بدا أكيداً، لكن ألمانيا الغربية فازت بثلاثة أهداف لهدفين. الإنجاز الكروي هذا كان أول نصر من أي نوع يناله الألمان بعد هزيمتهم المُذلّة في الحرب العالمية الثانية.

إن شئت مؤشراً إلى ردة الفعل، فرحلة عودة المنتخب الألماني الفائز من العاصمة السويسرية برن، حيث أقيمت المسابقة، إلى ميونيخ داخل ألمانيا، مسافة الرحلة فيها 480 كيلومتراً، استغرقت يومين، إذ تخلى الألمان عن انضباطهم الشهير، وقوطع القطار مراراً باحتفالات صاخبة عمت البلاد عموماً ومسار الفريق الفائز خصوصاً. المباراة تُعرف إلى اليوم بـ”معجزة برن”.

رأى ألمان في الفوز لحظة ميلاد قومي جديد، إذ وهبت أمة مهزومة إنجازاً تفتخر به (وكان هذا قبل “المعجزة الاقتصادية” التي أعادت إحياء الاقتصاد الألماني). ومن الطريف أيضاً أن هذه المباراة ترتبط بعلامة ألمانية شهيرة، أديداس، التي منحت اللاعبين الألمان أحذية خفيفة بمسامير قصيرة ملائمة للعب على العشب، ومع انهمار المطر يوم المباراة، منحهم هذا المنتج الألماني ميزة هائلة على منافسيهم المجريين.

“معجزة برن” أنعشت الروح القومية في شعب مهزوم، ومنحت فخراً بدا كبيراً لأمة كان العار جاثماً على صدرها. لكن مشاهد أخرى تبدو أقل إيجابية بكثير، وإن أكدت قوة اللعبة وسعة تأثيرها.

في تموز/ يوليو 1969، نشبت حرب استمرت مئة ساعة بين دولتي هندوراس والسلفادور في أميركا الوسطى، فجّرتها مباراة كرة قدم بين فريقي البلدين. كرة القدم كانت “العامل المساعد”، إذ كانت هناك أسباب أخرى، لكن الحرب القصيرة، لدور اللعبة فيها، عُرفت بـ”حرب كرة القدم”.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، أدت مباراتان بين مصر والجزائر، أقيمتا في القاهرة والخرطوم، إلى تراشق إعلامي وجماهيري انحدر إلى حد البذاءة. حدة المشاعر ساعتها تخبرنا أن البلدين لو كانتا جارتين لشهدتا “حرب كرة قدم” أخرى بينهما. لكن لا بد أن المشهد، المضحك المبكي هذا، خدم الأنظمة الحاكمة في البلدين كأداة إلهاء فعالة.

نموذج آخر لكرة القدم كأداة تخدير سياسي وقع عام 1978، عندما أقيمت مسابقة كأس العالم في الأرجنتين، التي كانت آنذاك تحت حكم عسكري بعد انقلاب أطاح حكومة منتخبة عام 1976. استخدمت الديكتاتورية العسكرية مسابقة كأس العالم للتغطية على قمعها الوحشي لمعارضيها، فيما عُرف اصطلاحاً بـ”الحرب القذرة”، التي كان أشهر جرائمها الإخفاء القسري.

تردد أن الطغمة الحاكمة تدخلت في نتائج المباريات لضمان فوز فريق البلاد بالكأس، بخاصة مباراة مع بيرو فازت فيها الأرجنتين بستة أهداف مقابل لا شيء، لتضمن نقاطاً كافية لدخول التصفيات النهائية. فازت الأرجنتين بالكأس بهزيمتها هولندا، وأقيمت المباراة النهائية في استاد يبعد نحو ميل من أحد أسوأ معتقلات النظام العسكري الحاكم. رُوي أن المعتقلين كانوا يعانون ألواناً من القهر، بينما صيحات عشرات الآلاف من المشجعين تصمّ آذانهم.

خدمة كأس العالم للطغمة العسكرية الحاكمة لم تأتِ أُكلها إلا لسنوات قليلة. الروح القومية التي يفترض أن المسابقة شدت من أزرها كانت مبرراً لدخول حرب الفوكلاند عام 1982، التي أذلت البلاد وأتت على حكم الجنرالات الذي سقط في العام نفسه، وتبعت ذلك محاكمتهم على جرائمهم الكثيرة.

ثم مشهد مصري عايشته أورثني عداءً للعبة. قبل عقدين، تحديداً في شباط/ فبراير 2006، غرقت العبارة المصرية السلام 98 في عرض البحر الأحمر، وغرق معها مئات من المصريين العاملين في المملكة العربية السعودية، وأكثر من مئة من غير المصريين. تصدر الخبر نشرات الأخبار على كل القنوات العالمية، وكنت أتابعه لحظة بلحظة متنقلاً بينها.

تصادف ذاك اليوم المشؤوم مع إحدى مباريات مسابقة كأس الأمم الأفريقية التي كانت مقامة في مصر. وبينما كنت أتابع أخبار الكارثة، كنت أسمع أصوات التهليل من استاد القاهرة الذي كان قريباً من سكننا. فاز المنتخب المصري؛ وخرج الناس يحتفلون في الشوارع، بينما ركاب السفينة الغارقة بين مفقود وجثة طافية ووليمة لقروش البحر الأحمر.

بعد ذلك بأسبوع كانت المباراة النهائية، وفيها فاز المنتخب المصري على فريق ساحل العاج ليحصد كأس الأمم الأفريقية. حضر المباراة النهائية رئيس البلاد وقتها حسني مبارك وزوجته، وفي مشهد تغنى به الإعلام آنذاك، ما إن صفّر الحكم معلناً نهاية المباراة حتى احتضنت السيدة الأولى، آنذاك، زوجها فرحة بـ”النصر المبين”. ثم دامت لساعات احتفالات غطت على بكاء ثكالى العبارة الغارقة وأيتامها. لا أذكر حداداً أُعلن، ولا مطالبة بالحد من الاحتفال، لا منعه، مراعاة للكارثة التي كانت.

كرة القدم وكأسها الأفريقي لم يغطيا فقط على الحزن، بل حجّما الاهتمام العام بما حدث. المعلومات التي أنتجتها التحقيقات تحدثت عن كم هائل من الفساد والتراخي. إحدى الروايات تحدثت عن حريق في بطن السفينة، ضُخّت مياه بحر لإطفائه، لكن مضخات سحب المياه كانت معطلة، فمالت السفينة حتى غرقت.

مالك السفينة اشتراها من إيطاليا بعد خدمة زادت على عشرين عاماً، ثم ضاعف طاقتها على حمل الركاب والسيارات، بما في ذلك إضافة طوابق زائدة عليها. كل ذلك، في ما يبدو، من دون حساب لما يعنيه هذا من تقليل لمستوى الأمان.

أيضاً دارت تساؤلات عن مدى سرعة استجابة السلطات المصرية آنذاك لنداء الاستغاثة الآتي من العبارة. سفينة مصرية أخرى تلقت نداء الاستغاثة، لكنها لم تحاول إنقاذ أحد (قيل آنذاك إنها كانت متهالكة كأختها الغارقة، ومن ثم لم يرد القبطان المغامرة بتغيير اتجاهه). لكن ربما كان أكثر الأفعال خسةً ما صدر عن ربان السفينة الغارقة، إذ كان أول من غادر طلباً للنجاة وترك الركاب يواجهون مصيرهم.

سبقت هذه المصيبة كوارث مماثلة أزهقت مئات الأرواح، لكن أقربها صلةً غرق عبارة أخرى للشركة المالكة نفسها باسم السلام 95 خلال عام 2005، علماً أن مالك السفينة وأبناءه أفلتوا من أي حكم بالسجن، ولو حتى بالقتل غير العمد للمئات (بعض التقديرات وضعت رقم ضحايا السلام 98 فوق الألف).

في هذا اليوم المشؤوم في 2006، وبعدها بأسبوع، نجحت كرة القدم في إلهاء الناس تماماً، إلى حد غابت فيه حتى الرغبة في مراعاة مشاعر الناجين وأهالي الضحايا. علماً أن السنوات الأخيرة من حكم مبارك شهدت حوادث عدة من هذا الصنف تنمّ كلها عن التراخي والترهل والفساد والقصور نفسها، إن لم يكن غياباً كاملاً للمتابعة والمحاسبة. وكان أكثرها مشهدية، حيث تساوي الصورة ألف كلمة، واقعة حريق قطار الصعيد (شباط/ فبراير 2002) وصور الجثث المتفحمة فيه؛ أُزهقت ثلاثمائة وواحدة وستون نفساً خلال دقائق، بين ميت حرقاً وقافز حاول الفرار من اللهيب فقتلته السقطة من القطار المسرع.

انفجر الغضب مؤجلاً في 2011، وكان ممن شارك فيه مشجعو كرة القدم.

16.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes

الحنق على إنفانتينو ومشروعه ومنطقه الرأسمالي الصرف وصل إلى حدّ الحديث عن مقاطعة اتحادات القارات الثلاث مسابقات الفيفا، طالما بقي في منصبه، وهو ما يعني فعلياً شلّ الفيفا. آخر الأخبار تقول إن اتحاد كرة القدم الأوروبي بصدد تقديم اتهامات جنائية ضد إنفانتينو.

قامت الدنيا ولم تقعد بعد على رئيس اتحاد كرة القدم العالمي (الفيفا، FIFA اختصار Fédération Internationale de Football Association، الاتحاد الدولي لرابطة كرة القدم)، السويسري جياني إنفانتينو، والظاهر أن خروجه من منصبه مسألة وقت. أعلن الرئيس الأميركي أنه يدعم استمرار إنفانتينو في منصبه، لكن لا يبدو أن ذلك سيضمن له السلامة. إنفانتينو أهدى ترامب جائزةً “مُخترعةً” للسلام، وجامله في الإبقاء على لاعب أميركي كان يجب أن يُستبعد من واحدة من مباريات كأس العالم الأخيرة (مباراة خسرتها الولايات المتحدة على أي حال).

لكن الظاهر أن علاقة غير مباشرة بين الرجلين ترتبط بما حاول إنفانتينو القيام به، وسبّب ثورةً ضده. قبل نحو شهرين، خرج رئيس الفيفا بمقترح سماه Forward FIFA Enterprise، “مشروع إلى الأمام فيفا”، الذي هدف إلى خلق شركة جديدة لإدارة حقوق بيع التذاكر والحقوق التجارية لكل مسابقات الفيفا، على أن يطرح 21 في المئة من الكيان الجديد لمساهمات رأس المال الخاص. طرف في الفكرة جوشوا كوشنير، أخو جاريد كوشنير، زوج ابنة دونالد ترامب.

واجه المقترح معارضة شديدة، بخاصة من اتحادات كرة القدم في كل من آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية والوسطى، بما يشمل منطقة الكاريبي. بداهةً، دخول الاستثمار المعني فقط بالربح يعني تسليم هذه الرياضة ذات الشعبية الهائلة إلى منطق السوق.

وهذا التوجه لم يُظهر إنفانتينو فقط كصاحب فكرة معينة جوبهت برفض واسع، بل كمتآمر يسعى الى خدمة رأس المال، وخائن للأمانة التي يحملها كرئيس منتخب لاتحاد رياضي واسع الثراء والنفوذ. حسب بيان مشترك، حادّ اللغة، أصدرته اتحادات القارات التي ذكرناها: “القيادة في كرة القدم ليست للاستحواذ، ولا هي للاستئثار بـ، أو السعي إلى، السلطة. بل هي مسؤولية خدمة عائلة كرة القدم التي تقع على عاتق من وثقت به [ليتحمل هذه الأمانة]”.

ويضيف الخطاب، في اتهام مبطن لإنفانتينو: “حين يكسر الخداع الثقة، حين يضع فرد نفسه فوق الجماعة التي ائتمنته على السلطة، فإن الواجب قد تمّ التخلي عنه”.

الحنق على إنفانتينو ومشروعه ومنطقه الرأسمالي الصرف وصل إلى حدّ الحديث عن مقاطعة اتحادات القارات الثلاث مسابقات الفيفا، طالما بقي في منصبه، وهو ما يعني فعلياً شلّ الفيفا. آخر الأخبار تقول إن اتحاد كرة القدم الأوروبي بصدد تقديم اتهامات جنائية ضد إنفانتينو.

لكن أي قوة هذه التي تنفرد بها هذه اللعبة لتغطي أخبارها على أنباء الحروب والكوارث؟ أي أهمية فائقة يسلم بها معظمنا؟ أي كنز استثماري وسياسي هي؟

الفيفا لا تفتقر إلى المال، حتى وإن كان مقترح إنفانتينو، الذي سارع إلى سحبه، قادراً على اجتذاب المزيد منه. ثراؤها الفاحش يؤشر، من جهة، إلى المردود المالي الهائل لكرة القدم، ويدفع، من جهة أخرى، إلى التساؤل عن الغرض من جلب استثمارات لمؤسسة شديدة الغنى وغير هادفة للربح، كما يصرح موقع الفيفا على الإنترنت.

تعمل الفيفا على أساس دائرة مالية عمرها أربع سنوات، تمتد من مسابقة كأس عالم إلى المسابقة التالية. في الدورة السابقة (2019-2022)، التي انتهت بكأس العالم في قطر، بلغ إجمالي دخل الفيفا 7.57 مليار دولار، وفي الدورة الحالية، 2023-2026، قفز دخل المؤسسة إلى 15 مليار دولار، بعد كأس عالم موسّع لعبت فيه 48 دولة (الرقم المستهدف كان 13 مليار دولار فقط). علماً أن المعتاد أن تخرج المنظمة بفوائض مالية، أي أن يكون الإنفاق أقل بنسبة معتبرة من الدخل.

هذا المردود المالي الهائل يأتي بصفة رئيسية من بيع حقوق بث المباريات، والشراكات التجارية، ورعاية رأس المال الخاص لنشاطات معينة (sponsorships)، ثم البند الأكبر: بيع تذاكر المباريات، بما في ذلك التذاكر المعاد بيعها، إذ تتقاضى الفيفا 15 في المئة من إعادة بيع التذاكر من كل من البائع والمشتري. علماً أن كل هذه المعلومات وأكثر موجودة، مثلاً لا حصراً، على موقع الفيفا، وعلى صفحات قسم الرياضة في موقع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وأيضاً موقع صحيفة الغارديان البريطانية.

وإن شئت مزيداً من الأدلة على الاستثمارات الهائلة في عالم كرة القدم وما تدرّه من عوائد ضخمة، فاعلم، مثلاً، أن قيمة نادي ريال مدريد تُقدّر بتسعة مليارات ونصف المليار دولار، ونادي إف سي برشلونة بسبعة مليارات ونصف المليار، أما الناديان الإنكليزيان مانشستر يونايتد وليفربول فبـ7.2 مليار و6.2 مليار على التوالي، وأخيراً وليس آخراً: باريس سان جيرمان، وقيمته 5.8 مليار دولار.

تأتي معظم مردودات هذه الأندية المالية من بيع التذاكر وحقوق البث وبيع حقوق التعاقد مع اللاعبين، وأيضاً من حقوق الإعلانات، في المباريات وعلى ما يلبسه اللاعبون. مثلاً لا حصراً، يقدّر إجمالي مداخيل ريال مدريد السنوية بـ1.265 مليار دولار، وباريس سان جيرمان بـ912 مليون دولار، ومانشستر يونايتد بـ865 مليون دولار.

أما “أسعار” اللاعبين عند “شراء” نادٍ لهم من نادٍ آخر، فتصل مثلاً إلى 220 مليون دولار في حال النرويجي إيرلينغ هالاند، الذي يلعب لنادي مانشستر سيتي الإنكليزي (راتبه السنوي عام 2025 تخطى السبعة والعشرين مليون جنيه إسترليني)، وفي حال الإسباني الأمين جمال تبلغ “قيمته” أيضاً 220 مليون يورو، وفي حال الفتى الفرنسي-المغربي أيوب بوعدي، ابن الثامنة عشرة، فالقيمة مئة مليون يورو، ثمن انتقاله من نادي ليل الفرنسي إلى مانشستر سيتي بعقد يمتد الى خمس سنوات.

إذاً، “رسملة” اللعبة جارية على أي حال، فهي أثمن من أن تُترك. لكن حتى مع الأرقام التي ذكرناها، هل نحن فعلاً واعون بقوتها؟ أمثلة التأثير الهائل أكثر من أن تُحصى.

بُعيد الحرب العالمية الثانية، حُرمت ألمانيا المهزومة من المشاركة في كأس العالم المقام في البرازيل عام 1950، ثم سُمح لها، أو تحديداً لألمانيا الغربية، بالمشاركة في مسابقة 1954 التي أقيمت في سويسرا. هزم الألمان الغربيون كل من لعبوا خلال المسابقة باستثناء المجر، التي جرعتهم هزيمة ثقيلة: 8-3. لكن هذا كان في مراحل المسابقة الأولى، أي بالنقاط لا بالتصفيات. من ثم نجح الألمان في الوصول إلى النهائي ليلاقوا مرة أخرى الفريق المجري، الذي كان يُعتبر أسطورة آنذاك، إذ لم يكن قد هُزم لأربع سنوات ونصف متتالية.

فوز “الفريق الذهبي”، كما كان يُعرف الفريق المجري، بدا أكيداً، لكن ألمانيا الغربية فازت بثلاثة أهداف لهدفين. الإنجاز الكروي هذا كان أول نصر من أي نوع يناله الألمان بعد هزيمتهم المُذلّة في الحرب العالمية الثانية.

إن شئت مؤشراً إلى ردة الفعل، فرحلة عودة المنتخب الألماني الفائز من العاصمة السويسرية برن، حيث أقيمت المسابقة، إلى ميونيخ داخل ألمانيا، مسافة الرحلة فيها 480 كيلومتراً، استغرقت يومين، إذ تخلى الألمان عن انضباطهم الشهير، وقوطع القطار مراراً باحتفالات صاخبة عمت البلاد عموماً ومسار الفريق الفائز خصوصاً. المباراة تُعرف إلى اليوم بـ”معجزة برن”.

رأى ألمان في الفوز لحظة ميلاد قومي جديد، إذ وهبت أمة مهزومة إنجازاً تفتخر به (وكان هذا قبل “المعجزة الاقتصادية” التي أعادت إحياء الاقتصاد الألماني). ومن الطريف أيضاً أن هذه المباراة ترتبط بعلامة ألمانية شهيرة، أديداس، التي منحت اللاعبين الألمان أحذية خفيفة بمسامير قصيرة ملائمة للعب على العشب، ومع انهمار المطر يوم المباراة، منحهم هذا المنتج الألماني ميزة هائلة على منافسيهم المجريين.

“معجزة برن” أنعشت الروح القومية في شعب مهزوم، ومنحت فخراً بدا كبيراً لأمة كان العار جاثماً على صدرها. لكن مشاهد أخرى تبدو أقل إيجابية بكثير، وإن أكدت قوة اللعبة وسعة تأثيرها.

في تموز/ يوليو 1969، نشبت حرب استمرت مئة ساعة بين دولتي هندوراس والسلفادور في أميركا الوسطى، فجّرتها مباراة كرة قدم بين فريقي البلدين. كرة القدم كانت “العامل المساعد”، إذ كانت هناك أسباب أخرى، لكن الحرب القصيرة، لدور اللعبة فيها، عُرفت بـ”حرب كرة القدم”.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، أدت مباراتان بين مصر والجزائر، أقيمتا في القاهرة والخرطوم، إلى تراشق إعلامي وجماهيري انحدر إلى حد البذاءة. حدة المشاعر ساعتها تخبرنا أن البلدين لو كانتا جارتين لشهدتا “حرب كرة قدم” أخرى بينهما. لكن لا بد أن المشهد، المضحك المبكي هذا، خدم الأنظمة الحاكمة في البلدين كأداة إلهاء فعالة.

نموذج آخر لكرة القدم كأداة تخدير سياسي وقع عام 1978، عندما أقيمت مسابقة كأس العالم في الأرجنتين، التي كانت آنذاك تحت حكم عسكري بعد انقلاب أطاح حكومة منتخبة عام 1976. استخدمت الديكتاتورية العسكرية مسابقة كأس العالم للتغطية على قمعها الوحشي لمعارضيها، فيما عُرف اصطلاحاً بـ”الحرب القذرة”، التي كان أشهر جرائمها الإخفاء القسري.

تردد أن الطغمة الحاكمة تدخلت في نتائج المباريات لضمان فوز فريق البلاد بالكأس، بخاصة مباراة مع بيرو فازت فيها الأرجنتين بستة أهداف مقابل لا شيء، لتضمن نقاطاً كافية لدخول التصفيات النهائية. فازت الأرجنتين بالكأس بهزيمتها هولندا، وأقيمت المباراة النهائية في استاد يبعد نحو ميل من أحد أسوأ معتقلات النظام العسكري الحاكم. رُوي أن المعتقلين كانوا يعانون ألواناً من القهر، بينما صيحات عشرات الآلاف من المشجعين تصمّ آذانهم.

خدمة كأس العالم للطغمة العسكرية الحاكمة لم تأتِ أُكلها إلا لسنوات قليلة. الروح القومية التي يفترض أن المسابقة شدت من أزرها كانت مبرراً لدخول حرب الفوكلاند عام 1982، التي أذلت البلاد وأتت على حكم الجنرالات الذي سقط في العام نفسه، وتبعت ذلك محاكمتهم على جرائمهم الكثيرة.

ثم مشهد مصري عايشته أورثني عداءً للعبة. قبل عقدين، تحديداً في شباط/ فبراير 2006، غرقت العبارة المصرية السلام 98 في عرض البحر الأحمر، وغرق معها مئات من المصريين العاملين في المملكة العربية السعودية، وأكثر من مئة من غير المصريين. تصدر الخبر نشرات الأخبار على كل القنوات العالمية، وكنت أتابعه لحظة بلحظة متنقلاً بينها.

تصادف ذاك اليوم المشؤوم مع إحدى مباريات مسابقة كأس الأمم الأفريقية التي كانت مقامة في مصر. وبينما كنت أتابع أخبار الكارثة، كنت أسمع أصوات التهليل من استاد القاهرة الذي كان قريباً من سكننا. فاز المنتخب المصري؛ وخرج الناس يحتفلون في الشوارع، بينما ركاب السفينة الغارقة بين مفقود وجثة طافية ووليمة لقروش البحر الأحمر.

بعد ذلك بأسبوع كانت المباراة النهائية، وفيها فاز المنتخب المصري على فريق ساحل العاج ليحصد كأس الأمم الأفريقية. حضر المباراة النهائية رئيس البلاد وقتها حسني مبارك وزوجته، وفي مشهد تغنى به الإعلام آنذاك، ما إن صفّر الحكم معلناً نهاية المباراة حتى احتضنت السيدة الأولى، آنذاك، زوجها فرحة بـ”النصر المبين”. ثم دامت لساعات احتفالات غطت على بكاء ثكالى العبارة الغارقة وأيتامها. لا أذكر حداداً أُعلن، ولا مطالبة بالحد من الاحتفال، لا منعه، مراعاة للكارثة التي كانت.

كرة القدم وكأسها الأفريقي لم يغطيا فقط على الحزن، بل حجّما الاهتمام العام بما حدث. المعلومات التي أنتجتها التحقيقات تحدثت عن كم هائل من الفساد والتراخي. إحدى الروايات تحدثت عن حريق في بطن السفينة، ضُخّت مياه بحر لإطفائه، لكن مضخات سحب المياه كانت معطلة، فمالت السفينة حتى غرقت.

مالك السفينة اشتراها من إيطاليا بعد خدمة زادت على عشرين عاماً، ثم ضاعف طاقتها على حمل الركاب والسيارات، بما في ذلك إضافة طوابق زائدة عليها. كل ذلك، في ما يبدو، من دون حساب لما يعنيه هذا من تقليل لمستوى الأمان.

أيضاً دارت تساؤلات عن مدى سرعة استجابة السلطات المصرية آنذاك لنداء الاستغاثة الآتي من العبارة. سفينة مصرية أخرى تلقت نداء الاستغاثة، لكنها لم تحاول إنقاذ أحد (قيل آنذاك إنها كانت متهالكة كأختها الغارقة، ومن ثم لم يرد القبطان المغامرة بتغيير اتجاهه). لكن ربما كان أكثر الأفعال خسةً ما صدر عن ربان السفينة الغارقة، إذ كان أول من غادر طلباً للنجاة وترك الركاب يواجهون مصيرهم.

سبقت هذه المصيبة كوارث مماثلة أزهقت مئات الأرواح، لكن أقربها صلةً غرق عبارة أخرى للشركة المالكة نفسها باسم السلام 95 خلال عام 2005، علماً أن مالك السفينة وأبناءه أفلتوا من أي حكم بالسجن، ولو حتى بالقتل غير العمد للمئات (بعض التقديرات وضعت رقم ضحايا السلام 98 فوق الألف).

في هذا اليوم المشؤوم في 2006، وبعدها بأسبوع، نجحت كرة القدم في إلهاء الناس تماماً، إلى حد غابت فيه حتى الرغبة في مراعاة مشاعر الناجين وأهالي الضحايا. علماً أن السنوات الأخيرة من حكم مبارك شهدت حوادث عدة من هذا الصنف تنمّ كلها عن التراخي والترهل والفساد والقصور نفسها، إن لم يكن غياباً كاملاً للمتابعة والمحاسبة. وكان أكثرها مشهدية، حيث تساوي الصورة ألف كلمة، واقعة حريق قطار الصعيد (شباط/ فبراير 2002) وصور الجثث المتفحمة فيه؛ أُزهقت ثلاثمائة وواحدة وستون نفساً خلال دقائق، بين ميت حرقاً وقافز حاول الفرار من اللهيب فقتلته السقطة من القطار المسرع.

انفجر الغضب مؤجلاً في 2011، وكان ممن شارك فيه مشجعو كرة القدم.

16.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية