ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كرسي رئاسة الوزراء في العراق: صراع النفوذ الأميركي والإيراني على المكشوف!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

العراق اليوم يقف أمام لحظة سياسية حساسة، فاختيار رئيس الوزراء المقبل لن يكون خطوة روتينية، بل اختباراً لمدى قدرة القوى السياسية على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وحجم استعدادها لتجنب صدامات قد تهدد استقرار البلاد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يقترب العراق من واحدة من أكثر محطات تشكيل السلطة تعقيداً منذ سنوات، مع بدء القوى السياسية تداول أسماء المرشحين المحتملين لرئاسة الوزراء المقبلة. وفيما تبدو صورة المشهد ضبابية ومشحونة بالتردد، يقف الإطار التنسيقي الشيعي عند مفترق طرق، هل يمضي باتجاه ما تمليه طهران، أم يلتقط الرسائل الأميركية حول ضرورة إبعاد الفصائل المسلّحة عن تشكيل الحكومة؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد توقعات في كواليس السياسة، بل تحولت إلى محور نقاشات علنية، بعدما دخلت واشنطن وطهران بثقل واضح على خط صناعة القرار العراقي.

تؤكد مصادر سياسية قريبة من نقاشات تشكيل الحكومة، أن رسائل واشنطن جاءت هذه المرة مختلفة وأكثر صراحة: لن يكون هناك تمثيل للفصائل المسلحة ولا دور لإيران في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، بدأت الإدارة الأميركية بإيصال رسائل أكثر تشدداً عبر قنوات دبلوماسية وعسكرية.

في سياق الضغط الأميركي على الساحة العراقية، أثار مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق، مارك سافايا، جدلاً واسعًا بعد نشره تدوينة باللغة العربية على منصة “إكس”، أكد فيها أن مصالح الشعب العراقي والمنطقة تعتمد على عراق كامل السيادة وخالٍ من “التدخل الخارجي الخبيث، بما فيه من إيران ووكلائها”. وبعد ساعات، حذف سافايا النسخة العربية من التصريح وأبقى على النص الإنكليزي فقط، والذي شدّد فيه على أن مهمته في العراق تهدف إلى دعم استقراره وإدخاله في “الشرق الأوسط الجديد”.

تأتي هذه الخطوة في إطار استراتيجية أميركية واضحة لإبعاد الفصائل المسلحة عن صناعة القرار العراقي وضمان تشكيل حكومة تتسم بالاستقلالية عن النفوذ الإيراني، وهو ما يعكس صعوبة الخيارات التي تواجه الإطار التنسيقي الشيعي بين ما تمليه طهران وما تسعى واشنطن الى فرضه. تصريح سافايا لم يُقرأ على أنه مجرد بيان، بل إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة لن تتهاون في حماية مصالحها الإقليمية عبر التأثير المباشر على اختيار رئيس الوزراء المقبل، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي ويضع البلاد بين كرسيين، كرسي النفوذ الأميركي وكرسي النفوذ الإيراني.

في المقابل، تستمر طهران بالضغط على الإطار التنسيقي لضمان اختيار شخصية قادرة على حماية نفوذها السياسي والأمني داخل العراق. وتبدو هذه الضغوط أكثر وضوحاً بعد تصاعد التوتر الإقليمي ومحاولة إيران تثبيت مواقع قواها في المنطقة، بما في ذلك بغداد.

وبين الطرفين، يجد الإطار نفسه مضطراً للموازنة بين علاقته الاستراتيجية مع طهران ومصالحه المتزايدة التي باتت مرتبطة بشكل مباشر بعلاقة مستقرة مع واشنطن.

مرشحون خارج السياق

في مشهد يليق بكواليس السياسة العراقية، لا بخيالات روايات الديستوبيا، تقدم محللون سياسيون وصحافيون ممن عملوا سابقاً على تلميع صورة فصائل مسلحة قبل الانتخابات، بملفات ترشيحهم لمنصب رئيس الوزراء، كأنما تحوّل المنصب إلى جائزة لمن يكتب بياناً جيداً، أو من يملك فيديو دعائياً متقناً لجهة ما.

تخيّل بلداً مثل العراق، بجراحه وتاريخه وتضحياته، يأتيه رئيس وزراء “ميليشياويّ، طائفيّ، مهرّج”، كما تصف الألسن الغاضبة في الشارع، ليتولى أعلى منصب في الدولة! أي استخفاف هذا؟ هل سيُكرّس القتل على الهوية مرة أخرى؟ هل نتوقع رئيساً يتخاذل وقت الأزمات، فيسلم ثلث البلد لتنظيمات إرهابية أو لقوى خارج الحدود؟ وهل يُستبعد أن يبيع، كما حدث سابقاً، أبناء جلدته قرباناً لكرسي يصونه من السقوط؟

السوداني بين ولاية ثانية وشكوك الإطار

وسط تعدد الأسماء، يبقى رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني المرشح الأبرز لولاية ثانية، لكنه ليس المرشح المتفق عليه داخل الإطار.
وعلى رغم أن السوداني حافظ خلال ولايته على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، فإن بعض فصائل الإطار ترى أن تقاربه النسبي مع واشنطن قد يشكل نقطة ضعف.

وتشير مصادر سياسية إلى أن تحفظات بعض الفصائل تعود إلى جملة من المواقف التي اعتُبرت “محسوبة أميركياً”، من بينها محاولات تهدئة الساحة الأمنية وتقليص نفوذ بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى موقفه الذي أثار جدلاً حين رشّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام.

وعلى رغم ذلك، يظل السوداني خياراً واقعياً بالنسبة الى الإطار، خصوصاً في ظل غياب مرشح بديل قادر على الحصول على قبول داخلي وخارجي من دون أن يثير أزمات جديدة.

تحذير أميركي حاسم

في ذروة الجدل السياسي، خرج القائم بالأعمال في السفارة الأميركية ببغداد، جوشوا هاريس، بتحذير واضح: “القادة العراقيون يدركون أن إشراك الفصائل المسلحة في الحكومة المقبلة يتعارض مع الشراكة بين بغداد وواشنطن”.

هذا التصريح لم يُقرأ على أنه رسالة عابرة، بل انعكاس لموقف أميركي ثابت يشترط تخفيف نفوذ الفصائل داخل مؤسسات الدولة مقابل استمرار التعاون الاقتصادي والعسكري بين البلدين.

تعقيدات لا تنتهي

لا يعيش العراق أزمة أسماء، بقدر ما يعيش أزمة خيارات وإرادات، فالقرار الداخلي لم يعد منفصلاً عن الصراع الإقليمي والدولي، وكل طرف يحاول أن يثبت حضوره في لحظة تبدو حساسة بالنسبة الى جميع اللاعبين.

وفي ظل الانقسام داخل الإطار التنسيقي، والتوتر بين طهران وواشنطن، وتراكم الضغوط الاقتصادية، تبدو عملية اختيار رئيس الوزراء جزءاً من معركة أكبر تتجاوز حدود بغداد، وتمتد إلى ملفات المنطقة برمتها.

الإطار لن يغامر بخسارة ما بناه خلال السنوات الماضية من نفوذ مالي وسياسي. ولهذا، قد يسعى إلى اختيار شخصية مقبولة من الجميع، أو على الأقل لا تستفز أحداً من الأطراف الدولية.

درس السنوات الماضية

منذ عام 2003، لم تُظهر القوى السياسية العراقية استعداداً للتنازل عن نفوذها أو امتيازاتها. فهي مستعدة للتضحية بالكثير للحفاظ على مصالحها، لكنها ليست مستعدة للتضحية بما يمنحها السلطة والثروة، إذ نُشر أخيراً تقرير أميركي يفيد بأن المالكي مستعد لسحب سلاح الفصائل لو دعمته أميركا بترشيحٍ لرئاسة الوزراء.

ولهذا، فإن عملية اختيار رئيس الوزراء المقبل لن تكون قائمة على معايير الإصلاح أو بناء الدولة، بل على حسابات الربح والخسارة، وعلى قدرة المرشح على استيعاب الضغوط المحلية والخارجية من دون أن يهدد مراكز النفوذ التقليدية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

وفقاً للمعطيات الحالية، هناك ثلاثة سيناريوهات مطروحة بقوة، وهي:
التجديد للسوداني، وهو السيناريو الأكثر هدوءاً بالنسبة الى الإطار والمجتمع الدولي، لكنه يعتمد على مدى قبول الفصائل به واستعدادها لتقديم تنازلات محدودة.

أو اختيار مرشح توافقي جديد، قد يكون شخصية أقل إثارة للجدل، لكنه سيحتاج إلى وقت طويل لتثبيت شرعيته، وقد يواجه ضغوطاً متضاربة من الأطراف المتنفذة.

أو فرض مرشح مدعوم من الفصائل المسلحة، وهو السيناريو الأخطر، لأنه قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، ويعيد البلاد إلى دائرة التوتر الأمني.

وتحدد المواد الدستورية المدد الزمنية اللازمة لولادة الحكومة الجديدة بما يقارب أربعة أشهر من تاريخ إعلان النتائج، لكنها ليست مددَ إلزامية، إذ استخدم الدستور تعبير “خلال” الذي يعني أنها حدٌّ أقصى ويمكن إنجاز الإجراءات قبل نهايتها. هذا يمنح العملية السياسية مرونة كبيرة، إذ يمكن تقليص الفترة إلى أسابيع قليلة إذا استُثمر اليوم الأول من كل استحقاق دستوري، ما يجعل تشكيل الحكومة ممكنًا قبل كانون الثاني/ يناير 2026 بدلًا من امتدادها إلى آذار/ مارس.

وتُظهر التجارب السياسية في العراق أن عملية اختيار شاغلي المناصب الثلاثة العليا: رئاسة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء غالباً ما تمتد إلى ما بعد المدد الدستورية المقررة، في تجاوز صريح لنص الدستور ومبدأ التداول الديمقراطي للسلطة. ويعود هذا التكرار إلى غياب أي جزاء أو تبعات قانونية تُفرض عند الإخلال بهذه المدد، إذ لم يحدد الدستور آلية للتعامل مع هذا التعطيل، ما فتح الباب أمام تكرار الخرق في دورات انتخابية متعددة.

العراق اليوم يقف أمام لحظة سياسية حساسة، فاختيار رئيس الوزراء المقبل لن يكون خطوة روتينية، بل اختباراً لمدى قدرة القوى السياسية على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وحجم استعدادها لتجنب صدامات قد تهدد استقرار البلاد.

المشهد لا يزال ضبابياً، والقرارات النهائية لم تُحسم بعد، لكن المؤكد أن العراق يتجه نحو مرحلة سياسية معقدة قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، خصوصاً إذا أصرت الفصائل على فرض خياراتها أو رفعت طهران وواشنطن منسوب الضغط المتبادل.

في المحصلة، هل تسعى القوى السياسية فعلاً الى بناء دولة مستقرة؟ أم أنها تتعامل مع منصب رئيس الوزراء بوصفه مجرد حلقة جديدة في صراع النفوذ؟

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
15.12.2025
زمن القراءة: 6 minutes

العراق اليوم يقف أمام لحظة سياسية حساسة، فاختيار رئيس الوزراء المقبل لن يكون خطوة روتينية، بل اختباراً لمدى قدرة القوى السياسية على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وحجم استعدادها لتجنب صدامات قد تهدد استقرار البلاد.

يقترب العراق من واحدة من أكثر محطات تشكيل السلطة تعقيداً منذ سنوات، مع بدء القوى السياسية تداول أسماء المرشحين المحتملين لرئاسة الوزراء المقبلة. وفيما تبدو صورة المشهد ضبابية ومشحونة بالتردد، يقف الإطار التنسيقي الشيعي عند مفترق طرق، هل يمضي باتجاه ما تمليه طهران، أم يلتقط الرسائل الأميركية حول ضرورة إبعاد الفصائل المسلّحة عن تشكيل الحكومة؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد توقعات في كواليس السياسة، بل تحولت إلى محور نقاشات علنية، بعدما دخلت واشنطن وطهران بثقل واضح على خط صناعة القرار العراقي.

تؤكد مصادر سياسية قريبة من نقاشات تشكيل الحكومة، أن رسائل واشنطن جاءت هذه المرة مختلفة وأكثر صراحة: لن يكون هناك تمثيل للفصائل المسلحة ولا دور لإيران في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، بدأت الإدارة الأميركية بإيصال رسائل أكثر تشدداً عبر قنوات دبلوماسية وعسكرية.

في سياق الضغط الأميركي على الساحة العراقية، أثار مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق، مارك سافايا، جدلاً واسعًا بعد نشره تدوينة باللغة العربية على منصة “إكس”، أكد فيها أن مصالح الشعب العراقي والمنطقة تعتمد على عراق كامل السيادة وخالٍ من “التدخل الخارجي الخبيث، بما فيه من إيران ووكلائها”. وبعد ساعات، حذف سافايا النسخة العربية من التصريح وأبقى على النص الإنكليزي فقط، والذي شدّد فيه على أن مهمته في العراق تهدف إلى دعم استقراره وإدخاله في “الشرق الأوسط الجديد”.

تأتي هذه الخطوة في إطار استراتيجية أميركية واضحة لإبعاد الفصائل المسلحة عن صناعة القرار العراقي وضمان تشكيل حكومة تتسم بالاستقلالية عن النفوذ الإيراني، وهو ما يعكس صعوبة الخيارات التي تواجه الإطار التنسيقي الشيعي بين ما تمليه طهران وما تسعى واشنطن الى فرضه. تصريح سافايا لم يُقرأ على أنه مجرد بيان، بل إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة لن تتهاون في حماية مصالحها الإقليمية عبر التأثير المباشر على اختيار رئيس الوزراء المقبل، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي ويضع البلاد بين كرسيين، كرسي النفوذ الأميركي وكرسي النفوذ الإيراني.

في المقابل، تستمر طهران بالضغط على الإطار التنسيقي لضمان اختيار شخصية قادرة على حماية نفوذها السياسي والأمني داخل العراق. وتبدو هذه الضغوط أكثر وضوحاً بعد تصاعد التوتر الإقليمي ومحاولة إيران تثبيت مواقع قواها في المنطقة، بما في ذلك بغداد.

وبين الطرفين، يجد الإطار نفسه مضطراً للموازنة بين علاقته الاستراتيجية مع طهران ومصالحه المتزايدة التي باتت مرتبطة بشكل مباشر بعلاقة مستقرة مع واشنطن.

مرشحون خارج السياق

في مشهد يليق بكواليس السياسة العراقية، لا بخيالات روايات الديستوبيا، تقدم محللون سياسيون وصحافيون ممن عملوا سابقاً على تلميع صورة فصائل مسلحة قبل الانتخابات، بملفات ترشيحهم لمنصب رئيس الوزراء، كأنما تحوّل المنصب إلى جائزة لمن يكتب بياناً جيداً، أو من يملك فيديو دعائياً متقناً لجهة ما.

تخيّل بلداً مثل العراق، بجراحه وتاريخه وتضحياته، يأتيه رئيس وزراء “ميليشياويّ، طائفيّ، مهرّج”، كما تصف الألسن الغاضبة في الشارع، ليتولى أعلى منصب في الدولة! أي استخفاف هذا؟ هل سيُكرّس القتل على الهوية مرة أخرى؟ هل نتوقع رئيساً يتخاذل وقت الأزمات، فيسلم ثلث البلد لتنظيمات إرهابية أو لقوى خارج الحدود؟ وهل يُستبعد أن يبيع، كما حدث سابقاً، أبناء جلدته قرباناً لكرسي يصونه من السقوط؟

السوداني بين ولاية ثانية وشكوك الإطار

وسط تعدد الأسماء، يبقى رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني المرشح الأبرز لولاية ثانية، لكنه ليس المرشح المتفق عليه داخل الإطار.
وعلى رغم أن السوداني حافظ خلال ولايته على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، فإن بعض فصائل الإطار ترى أن تقاربه النسبي مع واشنطن قد يشكل نقطة ضعف.

وتشير مصادر سياسية إلى أن تحفظات بعض الفصائل تعود إلى جملة من المواقف التي اعتُبرت “محسوبة أميركياً”، من بينها محاولات تهدئة الساحة الأمنية وتقليص نفوذ بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى موقفه الذي أثار جدلاً حين رشّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام.

وعلى رغم ذلك، يظل السوداني خياراً واقعياً بالنسبة الى الإطار، خصوصاً في ظل غياب مرشح بديل قادر على الحصول على قبول داخلي وخارجي من دون أن يثير أزمات جديدة.

تحذير أميركي حاسم

في ذروة الجدل السياسي، خرج القائم بالأعمال في السفارة الأميركية ببغداد، جوشوا هاريس، بتحذير واضح: “القادة العراقيون يدركون أن إشراك الفصائل المسلحة في الحكومة المقبلة يتعارض مع الشراكة بين بغداد وواشنطن”.

هذا التصريح لم يُقرأ على أنه رسالة عابرة، بل انعكاس لموقف أميركي ثابت يشترط تخفيف نفوذ الفصائل داخل مؤسسات الدولة مقابل استمرار التعاون الاقتصادي والعسكري بين البلدين.

تعقيدات لا تنتهي

لا يعيش العراق أزمة أسماء، بقدر ما يعيش أزمة خيارات وإرادات، فالقرار الداخلي لم يعد منفصلاً عن الصراع الإقليمي والدولي، وكل طرف يحاول أن يثبت حضوره في لحظة تبدو حساسة بالنسبة الى جميع اللاعبين.

وفي ظل الانقسام داخل الإطار التنسيقي، والتوتر بين طهران وواشنطن، وتراكم الضغوط الاقتصادية، تبدو عملية اختيار رئيس الوزراء جزءاً من معركة أكبر تتجاوز حدود بغداد، وتمتد إلى ملفات المنطقة برمتها.

الإطار لن يغامر بخسارة ما بناه خلال السنوات الماضية من نفوذ مالي وسياسي. ولهذا، قد يسعى إلى اختيار شخصية مقبولة من الجميع، أو على الأقل لا تستفز أحداً من الأطراف الدولية.

درس السنوات الماضية

منذ عام 2003، لم تُظهر القوى السياسية العراقية استعداداً للتنازل عن نفوذها أو امتيازاتها. فهي مستعدة للتضحية بالكثير للحفاظ على مصالحها، لكنها ليست مستعدة للتضحية بما يمنحها السلطة والثروة، إذ نُشر أخيراً تقرير أميركي يفيد بأن المالكي مستعد لسحب سلاح الفصائل لو دعمته أميركا بترشيحٍ لرئاسة الوزراء.

ولهذا، فإن عملية اختيار رئيس الوزراء المقبل لن تكون قائمة على معايير الإصلاح أو بناء الدولة، بل على حسابات الربح والخسارة، وعلى قدرة المرشح على استيعاب الضغوط المحلية والخارجية من دون أن يهدد مراكز النفوذ التقليدية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

وفقاً للمعطيات الحالية، هناك ثلاثة سيناريوهات مطروحة بقوة، وهي:
التجديد للسوداني، وهو السيناريو الأكثر هدوءاً بالنسبة الى الإطار والمجتمع الدولي، لكنه يعتمد على مدى قبول الفصائل به واستعدادها لتقديم تنازلات محدودة.

أو اختيار مرشح توافقي جديد، قد يكون شخصية أقل إثارة للجدل، لكنه سيحتاج إلى وقت طويل لتثبيت شرعيته، وقد يواجه ضغوطاً متضاربة من الأطراف المتنفذة.

أو فرض مرشح مدعوم من الفصائل المسلحة، وهو السيناريو الأخطر، لأنه قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، ويعيد البلاد إلى دائرة التوتر الأمني.

وتحدد المواد الدستورية المدد الزمنية اللازمة لولادة الحكومة الجديدة بما يقارب أربعة أشهر من تاريخ إعلان النتائج، لكنها ليست مددَ إلزامية، إذ استخدم الدستور تعبير “خلال” الذي يعني أنها حدٌّ أقصى ويمكن إنجاز الإجراءات قبل نهايتها. هذا يمنح العملية السياسية مرونة كبيرة، إذ يمكن تقليص الفترة إلى أسابيع قليلة إذا استُثمر اليوم الأول من كل استحقاق دستوري، ما يجعل تشكيل الحكومة ممكنًا قبل كانون الثاني/ يناير 2026 بدلًا من امتدادها إلى آذار/ مارس.

وتُظهر التجارب السياسية في العراق أن عملية اختيار شاغلي المناصب الثلاثة العليا: رئاسة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء غالباً ما تمتد إلى ما بعد المدد الدستورية المقررة، في تجاوز صريح لنص الدستور ومبدأ التداول الديمقراطي للسلطة. ويعود هذا التكرار إلى غياب أي جزاء أو تبعات قانونية تُفرض عند الإخلال بهذه المدد، إذ لم يحدد الدستور آلية للتعامل مع هذا التعطيل، ما فتح الباب أمام تكرار الخرق في دورات انتخابية متعددة.

العراق اليوم يقف أمام لحظة سياسية حساسة، فاختيار رئيس الوزراء المقبل لن يكون خطوة روتينية، بل اختباراً لمدى قدرة القوى السياسية على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وحجم استعدادها لتجنب صدامات قد تهدد استقرار البلاد.

المشهد لا يزال ضبابياً، والقرارات النهائية لم تُحسم بعد، لكن المؤكد أن العراق يتجه نحو مرحلة سياسية معقدة قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، خصوصاً إذا أصرت الفصائل على فرض خياراتها أو رفعت طهران وواشنطن منسوب الضغط المتبادل.

في المحصلة، هل تسعى القوى السياسية فعلاً الى بناء دولة مستقرة؟ أم أنها تتعامل مع منصب رئيس الوزراء بوصفه مجرد حلقة جديدة في صراع النفوذ؟