ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كلُّ بيتٍ يحمل غائباً في “الصقلاوية”: 10 سنوات على تغييبِ نحو 700 رجل عراقي!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في منتصف عام 2016،  فرت مئات العائلات من المعارك بين داعش والقوات العراقية، أثناء ذلك، وعلى يد “مجهولين” لم يتم تحديد هويتهم إلى الآن، اختفى مئات الرجال والفتيان بعد فصلهم عن عائلاتهم أثناء النزوح من مناطق شمال الفلوجة باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الأمنية. اليوم، بعد عشر سنوات على اختفائهم، لا خبر عنهم ولا بحث جدي، والعائلات ما زالت تنتظر إلى الآن.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في عام 2016، كانت ملاك سلوان تفكر في هدية وعدها بها والدها، مقابل نجاحها في امتحانات البكالوريا،  لم تكن تعرف أن الوعد سيبقى معلقاً لعقد كامل، تقول ملاك: “كانت تفصلني أيام عن امتحانات البكالوريا. وعدني أبي بأنه سيشتري لي هدية، قيراطاً من الذهب، إذا اجتزت الامتحانات بنجاح. قبل أن يحدث ذلك دخل داعش واضطررنا لمغادرة الصقلاوية يوم 3/6/2016”.

تضيف ملاك (30 عاماً) مستذكرةً ذاك اليوم: “في الطريق إلى بغداد، أوقفتنا قوة مسلحة مجهولة. أخذوا أبي وأخي بحجة تدقيق أسمائهم في الحاسبة، لكنهم احتجزوهما لأسباب أمنية، وقالوا لنا: غادروا أنتم وسيخرجون بعد أيام. مرت عشر سنوات وما زالت هناك شوكة في قلبي لا أستطيع انتزاعها. كان في نفسي أن أخبر أبي أنني نجحت وتخرجت وتزوجت وأنجبت طفلاً أسميته باسمه”.

قصة ملاك ليست استثناءً في الصقلاوية. ففي الثالث من حزيران/ يونيو 2016، وبينما كانت مئات العائلات تهرب من نيران الحرب بين تنظيم داعش والقوات العراقية، بدأت واحدة من أكثر القضايا غموضاً وإثارة للجدل في العراق الحديث، مئات الرجال والفتيان اختفوا بعد فصلهم عن عائلاتهم أثناء النزوح من مناطق شمال الفلوجة باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الأمنية.

قرى بلا رجال

في قرية البعكاش التابعة لناحية الصقلاوية، تجلس أم عدي، التي تجاوزت الستين من عمرها، على رأس عائلة فقدت تسعة من أبنائها دفعة واحدة، أكبر أبنائها من مواليد 1981 وأصغرهم من مواليد 1988.

تروي أم عدي تفاصيل اللحظة التي غيرت حياتها: “فرحنا بدخول القوات الأمنية واتجهنا باتجاههم رافعين رايات بيضاء، كنت أنا وأولادي التسعة مع أبنائهم، سبعة من أولادي كانوا متزوجين، عزلوا النساء والأطفال وحدهم والرجال وحدهم. ليلاً نقلونا في سيارات، لكن النساء والأطفال فقط. عندما سألنا عنهم قال أحد المسلحين: ستة أيام فقط ونطلق سراحهم بعد أن نتأكد منهم على الحاسوب”.

تضيف أم عدي: “لم يعد في قرية البعكاش ولا في الأزركية رجال، بقيت نساء وأطفال فقط، غُيّب جميع الرجال في القريتين”.

ذهبت أم عدي إلى بغداد مرات عدة بحثاً عن إجابات: “كلهم كانوا يقولون لنا تدللين وما يكون خاطرك إلا طيب، لكن بلا نتيجة. أنا أعيل سبع كنائن وأربعة عشر حفيداً وحفيدة”، وتضيف: “أي رجل موجود الآن في المنطقة لم يكن أصلاً موجوداً وقت الحادثة ونجا منها، أملي بالله كبير أن يكونوا على قيد الحياة. اثنان منهم كانا طفلين يدرسان في الصف الثالث المتوسط”.

في قرية الأزركية المجاورة، ما زالت أم عمار (61 عاماً)، تنتظر أبناءها الأربعة، تقول: “لدي أربعة مخطوفين من أولادي، عندما سلمنا على القوات الأمنية عزلونا عنهم، بعدها لم أرَ أحداً منهم، أخذوهم من أمام عيني على طريق أبو فياض. سألتهم: أولادي وين تردون بيهم؟ قالوا: حجية بس نتأكد منهم على الحاسبة ونرجعهم”.

وتتابع: “تعرضنا للحصار والأذية والتجويع من داعش، هربنا منهم باتجاه القوات الأمنية، لكن استقبلتنا مصيبة أكبر، أنا امرأة كبيرة بالعمر، غداً سأموت، لكن ما ذنب الأطفال؟”، ترك أبناء أم عمار الأربعة وراءهم 13 فرداً باتوا يعيشون على كفالتها.

أما أم صفاء (55 عاماً)، فتقول إن زوجها وأبناءها الخمسة اختفوا جميعاً، وبينهم طفلان كانا بعمر الـ15 عاماً، تقول: “عزلونا وقت أذان المغرب، خطفوا أطفالي من تحت عباءتي وهم يبكون وأنا أبكي”. وتتذكر كلمات ابنها الأكبر: “قال لي، يمه اتركينا، بعد ثلاثة أيام سنرجع”. لكن الأيام الثلاثة تحولت إلى عشر سنوات.

وتضيف: “الحشد الشعبي قالوا لنا قولوا إن جهة مجهولة خطفتهم، لكن لم تكن هناك جهة مجهولة، الطريق الذي دخلنا منه كان فوقه طيران الجيش العراقي ودبابات وهمرات وجنود عراقيون”، وتؤكد أن زعيم منظمة بدر هادي العامري أخبرهم آنذاك: “ثلاثة أيام ونتركهم، ويمكن تجدونهم أمامكم في عامرية الفلوجة”، لكن أم صفاءا لم ترَ أبناءها ولا زوجها حتى اليوم.

أين اختفى مئات الرجال؟

بدأت المأساة مع موجات النزوح من مناطق الصقلاوية والبعكاش وأبو فياض خلال معارك استعادة الفلوجة من تنظيم داعش في حزيران/ يونيو 2016، العائلات التي خرجت رافعة الرايات البيضاء كانت تعتقد أنها وصلت إلى بر الأمان. لكن روايات سكان المنطقة تتفق على سيناريو واحد تقريباً: فصل الرجال والفتيان الذين تجاوزت أعمار بعضهم الـ13 عاماً عن النساء والأطفال، ثم اقتيادهم إلى جهات مجهولة بحجة “التدقيق الأمني”. ومنذ ذلك التاريخ لم يظهر المئات منهم مجدداً.

تختلف التقديرات بشأن أعداد المختفين، ففيما تتحدث شهادات الأهالي عن أكثر من 700 رجل، أشارت تقارير وشهادات أخرى إلى أرقام تتراوح بين 643 و850 مفقوداً من الصقلاوية ومحيطها.
وتشير إفادات ذوي الضحايا إلى أن المختفين تراوحت أعمارهم بين 13 و81 عاماً، وفي بعض الحالات، غُيِّبت عائلات كاملة من الرجال، تاركين خلفهم نساءً وأطفالاً من دون معيل.

بالنسبة الى محمد المحمدي، أحد أبناء الصقلاوية وذوي المفقودين، لم يعد الملف قضية سياسية أو قانونية أو إعلامية، بل تحول إلى جرح مفتوح يرافق كل تفاصيل الحياة اليومية، ويروي بداية رحلته مع النزوح قائلاً: “نحن منطقة ريفية، وصار هجوم على المنطقة وبعد قصف شديد نزحنا باتجاه الفلوجة. بقينا فيها ستة أشهر، وبعد موجات نزوح متفرقة وصلنا إلى منطقة البعكاش. بقينا أسبوعاً، وبعدها بدأ الأهالي ينزحون بالاتجاه المعاكس لطريق الخروج”.

يؤكد المحمدي أن والده فُقد في منطقة الجفة، أبو فياض عند الساعة السادسة مساء يوم 2 حزيران/ يونيو 2016، ويقول: “تفرقت عائلتي عن والدي، تم نقلنا من منطقة إلى منطقة ومن سيارة إلى سيارة حتى وصلنا إلى المخيمات”.

يضيف أن العائلات بقيت تسأل عن الرجال المفقودين في كل محطة نزوح: “أتى نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي  أبومهدي المهندس وبقينا في بيت قرب مقبرة المصالحة. كانت النساء تسأل: زلمنا وين؟ وكانت الإجابة: من عليه شيء لا يخرج، والأبرياء راح تشوفونهم أمامكم”.

ويتابع: “بعدما وصلت الى المخيمات أصبحت الأخبار تصلنا يوماً بعد يوم، كانت العائلات تصل من دون رجال، وبعد أيام عاد بعض الرجال وعليهم آثار تعذيب عنيفة وعظام مكسورة. بعضهم علمنا أنهم دخلوا السجون، أما الذين نتحدث عنهم اليوم فلم يعودوا أبداً ولم يُسجنوا رسمياً”.

ويؤكد أن والده مفقود منذ عشرة أعوام من دون أي معلومة مؤكدة: “قالوا لنا إنهم في المنشآت، ثم بالمزرعة، ثم بمعسكر طارق، ثم بالناصرية، ثم في سجن المطار، بحثنا في كل مكان ولم نجد أي أثر لهم”.

شائعات تصنع أملاً ثم تقتله

تركت قضية الرجال المختفين آثاراً اجتماعية واقتصادية قاسية على العائلات، فغياب الحسم القانوني لمصائر المختفين، يعني إيقاف رواتبهم من الدولة، ناهيك بالألم المتجدد عن كل إشاعة،  إذ يستعيد المحمدي واحدة من أكثر الذكريات التي بقيت عالقة في ذهنه، يقول إنه بعد نقلهم من منطقة الجفة إلى قرب مقبرة المصالحة كانوا يشاهدون أعمال حفر ليلية،  ويذكر: “كنا في بيت قريب من المقبرة، ليلاً كانت هناك حفارات تعمل، عندما سألنا قالوا لنا: دا نسوي سواتر لأن عدنا شهداء”.

ويلفت الى أن الخوف سيطر على العائلات تلك الليلة: “العائلات لم تنم، جاءت سيارات لفصائل مختلفة؛ بدر، وكتائب الإمام علي، وسرايا الخراساني، وحزب الله، وسرايا السلام، وفصائل أخرى، سيارات سوداء وأشخاص يحملون أسلحة وأدوات حفر وفؤوساً، كانت تتجه جميعها نحو منطقة الجفة”. كما يذكر سماع تهديدات وشتائم طائفية من بعض العناصر المسلحة تجاه العائلات النازحة، ويردف: “عندي تسعة مفقودين من عائلتي، والدي وخالي وعمي وأولاد عمي وأقارب آخرون، بعضهم اختفى حتى من جسر بزيبز”.

ملف مفتوح منذ سنوات

قضية الصقلاوية لم تعد قضية محلية تخص قرية أو ناحية أو محافظة، بل أصبحت جزءاً من ملف أوسع يتعلق بآلاف المفقودين في العراق خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش. وتشير تقديرات وردت في تصريحات حقوقية وإعلامية إلى أن عدد المغيبين والمفقودين قسراً في العراق يتجاوز الـ26 ألف شخص، وعلى الرغم من مرور سنوات على انتهاء المعارك الكبرى ضد التنظيم، لم يُحسم مصير أعداد كبيرة منهم.

في ظل ما يصفه الأهالي بغياب الاستجابة الرسمية الكافية، أُعلن عن تشكيل فريق شبابي مدني لمتابعة ملف مغيبي الأنبار، وجاء في بيان الإعلان: “انطلاقاً من المسؤولية الإنسانية والمجتمعية، نعلن عن تشكيل فريق شبابي مدني يُعنى بمتابعة ملف مغيبي الأنبار والعمل على دعم الجهود السلمية والقانونية الرامية إلى الكشف عن مصيرهم والتواصل مع الجهات المعنية بما يضمن حق العائلات في معرفة الحقيقة”.

من بين أعضاء الفريق أياد الراوي، الذي قال لـ”درج”: “المنطقة من سجن أبو غريب إلى أطراف الرمادي منطقة صحراوية واسعة وسهلة لأي نظام أو ميليشيا أو جماعة مسلحة لإخفاء الجرائم التي تمس الإنسانية”، ويشير إلى أن الحديث عن المقابر الجماعية ليس جديداً.

ويضيف: “بين 2004 و2010 سرى حديث عن العثور على بقايا مقابر بشكل أولي، لكن لم يتم الكشف عنها رسمياً. وبعد 2014 أصبحت المنطقة تحت سيطرة أطراف مختلفة بالتناوب، داعش والحكومة والفصائل المسلحة”. ويؤكد أن مئات المقاطع المصورة أظهرت عمليات تنكيل وانتهاكات في تلك المناطق.

ويقول: “لدينا مغيبون في القائم نقلهم داعش إلى سوريا، ولدينا مغيبون في الصقلاوية والعوجة وصلاح الدين وبلد والثرثار وبغداد وبابل. أين هؤلاء؟ لا أحد يقبل أن يدين نفسه”. ويلفت الى أن الفريق يسعى الى الضغط لعقد جلسة استماع علنية في مجلس محافظة الأنبار، كما أطلق مبادرات لدعم عائلات المفقودين.

بعد عشر سنوات من الاختفاء، ما زالت العائلات عالقة بين روايتين: رواية تقول إن المفقودين أحياء في أماكن احتجاز مجهولة، ورواية أخرى تؤكد أنهم قُتلوا منذ سنوات، وبين الروايتين، تستمر حياة آلاف النساء والأطفال المعلقة قانونياً واجتماعياً ونفسياً، بانتظار إجابة رسمية لم تصل بعد.

جدل سياسي حول المختفين 

قضية المختفين تحول إلى محط جدل سياسي وتبادل للاتهامات في العراق، رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي كان من أكثر السياسيين صراحة في توصيف الملف، إذ قال: “سنبقى نلاحق المجرمين والقتلة الذين غيبوا الأبرياء في الصقلاوية والرزازة وجرف الصخر، وهم أنفسهم الذين قتلوا المتظاهرين وغيبوهم”.

لكن التصريح الأكثر إثارة للجدل جاء عندما أعلن أنه لم يعد يؤمن بإمكانية عودة المفقودين أحياء: “أنا وعدت بحلٍّ لذويهم، لا يوجد حل غير هذا، يجب أن نغيّر أسماءهم ونصارح الناس بالحقيقة”، وأضاف: “المغيبون ليسوا مغيبين، هم مغدورون لأنهم فارقوا الحياة”.

وكشف الحلبوسي عن وجود تفاهمات سياسية تهدف إلى شمولهم بقانون ضحايا الإرهاب ومؤسسة الشهداء وتعويض عائلاتهم: “جزء من الاتفاق السياسي أن يتم شمولهم بقانون ضحايا الإرهاب ومؤسسة الشهداء وتعويض عوائلهم. لا يجب الاستمرار بتضليل العوائل”.

من جهته، استعاد رئيس مجلس النواب السابق محمود المشهداني تفاصيل اجتماع جمعه برئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، وبحسب المشهداني “للمغيبين عوائل والتزامات شرعية وإرث وطلاق وزواج، وأردنا حلاً للقضية”، وأضاف: “الكاظمي قال بالنص: جميع المغيبين في بطن دجلة”. وأثار هذا التصريح جدلاً واسعاً عندما أعلنه المشهداني للرأي العام.

لكنه أوضح لاحقاً: “هو لا يقصد أنهم رُموا حرفياً في دجلة، وإنما كان يقصد أن جميعهم تمت تصفيتهم”.

وأكد المشهداني أن الوفد طالب الحكومة بوثائق رسمية تؤكد وفاة المغيبين، وأشار: “طلبنا من الحكومة وثائق رسمية تثبت أنهم متوفون”، وتابع: “سألناه من شارك بتغييبهم؟ فقال: الكل، ويقصد المكونات الثلاثة”، لكن الملف توقف عند هذا الحد، بحسب المشهداني: “لم نحصل على أي وثيقة رسمية، ولم نتلقّ أي إجابة من وزارة الدفاع أو الداخلية أو الأمن الوطني”.

على الضفة الأخرى، دعا رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر إلى اعتماد المسار الجنائي والعلمي في التعامل مع القضية، وطالب بكشف هويات الضحايا، إجراء فحوصات الحمض النووي، تمكين ذوي الضحايا من معرفة مصير أبنائهم، وإعلان جميع التفاصيل للرأي العام بشفافية.

كما دعا إلى “تحقيق شفاف ومستقل بإشراف الجهات المختصة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان ومجلس النواب”، وأكد أن إنصاف ضحايا الصقلاوية وسائر ضحايا الإخفاء القسري “ليس مطلباً سياسياً أو فئوياً، بل واجب وطني”.

أما رئيس حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي فاعترض على مصطلح “المغيبين”، قائلاً إنه “يعطي طابعاً سياسياً وطائفياً، والأصح أنهم مفقودون”. وأضاف: “لو سألتني: هل يوجد مفقودون أبرياء لا علاقة لهم بداعش أو الإرهاب؟ سأقول نعم موجودون”. لكنه أكد في الوقت نفسه أن “عدد المشاركين مع داعش من المفقودين ليس قليلاً”، موضحاً أن “العدد الكلي من الأبرياء منهم لا أعرفه”.

ووجّه الخزعلي انتقادات مباشرة إلى القوى السياسية السنية، قائلاً: “يختفون سنوات ويظهرون أياماً عند الحديث عن الملف”، كما أشار إلى ملف مفقودي كركوك: “أتحدى من يطالب بمفقودي الصقلاوية أن يطالب بمفقودي كركوك بنفس الوضوح”.

رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي كشف أنه فتح تحقيقاً واسعاً في ملف الصقلاوية خلال فترة رئاسته للحكومة، وأوضح: “وضعت تحت تصرف اللجنة جميع القطعات الأمنية، وأي مكان يريدون الكشف عنه يتم الكشف عنه فوراً”، لكن نتائج التحقيق، بحسب العبادي، لم تصل إلى ما كانت تتوقعه عائلات المفقودين، إذ أكد:”لم يعثروا على شيء”، كما شكك في الأرقام المتداولة بشأن أعداد المختفين: “رقم 700 مضخم جداً، وحتى قريب من هذا الرقم لا يوجد شيء يثبته”.

خلال عقد كامل من الزمن، لم تنجح أي حكومة أو لجنة تحقيق أو جهة سياسية في إنتاج رواية نهائية مقبولة لدى جميع الأطراف، العائلات ما زالت تنتظر، السياسيون يتبادلون الاتهامات، والجهات الحقوقية تطالب بتحقيقات مستقلة، أما الحقيقة، فما زالت معلقة بين شهادات الناجين، وتصريحات المسؤولين، والمقابر الجماعية التي يعاد اكتشافها بين حين وآخر في صحراء الأنبار.

المقابر الجماعية… هل تحمل الصحراء الإجابة؟

في 17 أيار/ مايو 2026، عاد ملف مغيبي الصقلاوية إلى واجهة الأحداث مجدداً، ليس بسبب إعلان حكومي أو نتائج تحقيق قضائي، بل بسبب اكتشاف مقابر جماعية في منطقة الصقلاوية شمال الفلوجة.

وبينما رأت جهات رسمية أن المقابر تعود إلى ضحايا حقبة النظام السابق في ثمانينات القرن الماضي، شكك ناشطون وحقوقيون وذوو مفقودين في هذه الرواية، معتبرين أن أي استنتاج يسبق الفحوصات الجنائية وتحليل الحمض النووي يمثل قفزاً على الحقيقة.

وهكذا عاد السؤال القديم ليفرض نفسه مجدداً: هل يمكن أن تقود المقابر الجماعية إلى كشف مصير مئات المفقودين؟ أم أن الحقيقة ستبقى مدفونة تحت الرمال؟

على خلفية الجدل المتصاعد، وصل محافظ الأنبار ورئيس اللجنة الأمنية العليا في المحافظة عمر مشعان دبوس إلى موقع المقبرة الجماعية المكتشفة في سهل عكاز بناحية الصقلاوية. وأكد دبوس “أهمية التعامل مع هذا الملف الإنساني والوطني بأقصى درجات المسؤولية”.

الناشط في حقوق الإنسان عبد العظيم عادل طالب مؤسسة الشهداء في الأنبار وبغداد بالتنسيق مع الجهات المختصة واعتماد أعلى درجات الشفافية، وقال: “يجب توضيح الفرق بين المقابر الجماعية العائدة لحقبة النظام السابق وبين المقابر والانتهاكات التي حدثت بعد عام 2003”. وشدد على ضرورة إبقاء عائلات الضحايا على اطلاع دائم بمجريات التحقيقات والفحوصات الخاصة بالتعرف على الرفات.

في بيان صدر عن مركز جنيف الدولي للعدالة، أعلن أنه يتابع “بقلق بالغ” النداءات الصادرة عن قوى مجتمعية ومنظمات حقوقية وعائلات ضحايا بشأن المقابر الجماعية المكتشفة في الأنبار، وأبدى اعتراضه على ما وصفه بـ”التصريحات المتعجلة” التي نسبت الرفات إلى حقبة زمنية محددة قبل استكمال الفحوص الجنائية وتحليل الحمض النووي والاستماع إلى شهادات الأهالي.

 وأكد البيان ضرورة  “وقف التصريحات الرسمية والإعلامية التي تحسم هوية الضحايا قبل انتهاء الفحوص”. وختم المركز بيانه بالقول: “الحقيقة لا ينبغي أن تدفن مرتين: مرة في المقابر الجماعية، ومرة في بيانات رسمية متعجلة”.

ما علاقة إيران؟

في خضم النقاشات المتعلقة بالمسؤولية، برزت اتهامات تربط بعض الفصائل المسلحة المدعومة من إيران بملف الصقلاوية، الخبير الأمني علاء النشوع وصف ما حدث بأنه: “جريمة ترتقي إلى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب”.

وقال إن الضحايا كانوا من المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بتنظيم داعش، وأضاف أن التحقيقات والشهادات المتوافرة تشير إلى أن الجريمة استهدفت المئات من النازحين، فضلاً عن سكان المنطقة الذين بقوا في منازلهم وأراضيهم.

 ورأى النشوع أن المؤشرات المتوافرة تشير إلى تورط ما وصفه بـ”فصائل الحشد الولائي المحسوبة على إيران“.

الجدل بشأن مسؤولية بعض الفصائل المسلحة ليس جديداً، ففي أعقاب الحادثة مباشرة، أعلن محافظ الأنبار آنذاك صهيب الراوي أن نتائج لجنة التحقيق المحلية أشارت إلى مقتل عشرات النازحين، وفقدان أثر 643 شخصاً.

وقال الراوي إن الدلائل التي توافرت للجنة تشير إلى تورط فصيل من فصائل الحشد الشعبي، بين عناصره مقاتلون غير عراقيين، في تنفيذ ما وصفه بـ”مجزرة الصقلاوية”، كما تحدث عن مصادرة مستمسكات النازحين الرسمية وسياراتهم ومصوغاتهم الذهبية، لكن تلك النتائج لم تتحول إلى أحكام قضائية أو إجراءات معلنة حاسمة، وبقي الملف مفتوحاً حتى اليوم.

عشر سنوات من الانتظار

مضت عشر سنوات منذ أن وقفت ملاك سلوان على طريق النزوح، وهي تظن أن غياب والدها لن يطول سوى أيام قليلة، توالى الزمن عقداً كاملاً منذ أن أُبلغت أم عدي أن أبناءها التسعة سيعودون بعد “ستة أيام” فقط، قبل أن تمتد الأيام وتبتلع الوعد.

خلال هذه السنوات تغيّرت حكومات، وتعاقب رؤساء وزراء، وتشكلت لجان تحقيق، وأُطلقت وعود، وصدرَت بيانات، وتبادل السياسيون الاتهامات، واختلفوا حتى على توصيف القضية نفسها: هل هم مغيبون؟ أم مفقودون؟ أم مغدورون؟

يعتمد هذا التحقيق على شهاداتٍ مباشرة لذوي المفقودين في الصقلاوية والبعكاش والأزركية، إضافةً إلى تصريحات مسؤولين وسياسيين وناشطين وبياناتٍ حقوقية وإعلامية تناولت الملف خلال السنوات الماضية. ويعرض التحقيق مختلف الروايات المتعلقة بالقضية كما وردت على لسان أصحابها، مع إسناد جميع الاتهامات والاستنتاجات إلى مصادرها من دون تبنّي أي رواية غير محسومة قضائياً. 

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
04.06.2026
زمن القراءة: 12 minutes

في منتصف عام 2016،  فرت مئات العائلات من المعارك بين داعش والقوات العراقية، أثناء ذلك، وعلى يد “مجهولين” لم يتم تحديد هويتهم إلى الآن، اختفى مئات الرجال والفتيان بعد فصلهم عن عائلاتهم أثناء النزوح من مناطق شمال الفلوجة باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الأمنية. اليوم، بعد عشر سنوات على اختفائهم، لا خبر عنهم ولا بحث جدي، والعائلات ما زالت تنتظر إلى الآن.

في عام 2016، كانت ملاك سلوان تفكر في هدية وعدها بها والدها، مقابل نجاحها في امتحانات البكالوريا،  لم تكن تعرف أن الوعد سيبقى معلقاً لعقد كامل، تقول ملاك: “كانت تفصلني أيام عن امتحانات البكالوريا. وعدني أبي بأنه سيشتري لي هدية، قيراطاً من الذهب، إذا اجتزت الامتحانات بنجاح. قبل أن يحدث ذلك دخل داعش واضطررنا لمغادرة الصقلاوية يوم 3/6/2016”.

تضيف ملاك (30 عاماً) مستذكرةً ذاك اليوم: “في الطريق إلى بغداد، أوقفتنا قوة مسلحة مجهولة. أخذوا أبي وأخي بحجة تدقيق أسمائهم في الحاسبة، لكنهم احتجزوهما لأسباب أمنية، وقالوا لنا: غادروا أنتم وسيخرجون بعد أيام. مرت عشر سنوات وما زالت هناك شوكة في قلبي لا أستطيع انتزاعها. كان في نفسي أن أخبر أبي أنني نجحت وتخرجت وتزوجت وأنجبت طفلاً أسميته باسمه”.

قصة ملاك ليست استثناءً في الصقلاوية. ففي الثالث من حزيران/ يونيو 2016، وبينما كانت مئات العائلات تهرب من نيران الحرب بين تنظيم داعش والقوات العراقية، بدأت واحدة من أكثر القضايا غموضاً وإثارة للجدل في العراق الحديث، مئات الرجال والفتيان اختفوا بعد فصلهم عن عائلاتهم أثناء النزوح من مناطق شمال الفلوجة باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الأمنية.

قرى بلا رجال

في قرية البعكاش التابعة لناحية الصقلاوية، تجلس أم عدي، التي تجاوزت الستين من عمرها، على رأس عائلة فقدت تسعة من أبنائها دفعة واحدة، أكبر أبنائها من مواليد 1981 وأصغرهم من مواليد 1988.

تروي أم عدي تفاصيل اللحظة التي غيرت حياتها: “فرحنا بدخول القوات الأمنية واتجهنا باتجاههم رافعين رايات بيضاء، كنت أنا وأولادي التسعة مع أبنائهم، سبعة من أولادي كانوا متزوجين، عزلوا النساء والأطفال وحدهم والرجال وحدهم. ليلاً نقلونا في سيارات، لكن النساء والأطفال فقط. عندما سألنا عنهم قال أحد المسلحين: ستة أيام فقط ونطلق سراحهم بعد أن نتأكد منهم على الحاسوب”.

تضيف أم عدي: “لم يعد في قرية البعكاش ولا في الأزركية رجال، بقيت نساء وأطفال فقط، غُيّب جميع الرجال في القريتين”.

ذهبت أم عدي إلى بغداد مرات عدة بحثاً عن إجابات: “كلهم كانوا يقولون لنا تدللين وما يكون خاطرك إلا طيب، لكن بلا نتيجة. أنا أعيل سبع كنائن وأربعة عشر حفيداً وحفيدة”، وتضيف: “أي رجل موجود الآن في المنطقة لم يكن أصلاً موجوداً وقت الحادثة ونجا منها، أملي بالله كبير أن يكونوا على قيد الحياة. اثنان منهم كانا طفلين يدرسان في الصف الثالث المتوسط”.

في قرية الأزركية المجاورة، ما زالت أم عمار (61 عاماً)، تنتظر أبناءها الأربعة، تقول: “لدي أربعة مخطوفين من أولادي، عندما سلمنا على القوات الأمنية عزلونا عنهم، بعدها لم أرَ أحداً منهم، أخذوهم من أمام عيني على طريق أبو فياض. سألتهم: أولادي وين تردون بيهم؟ قالوا: حجية بس نتأكد منهم على الحاسبة ونرجعهم”.

وتتابع: “تعرضنا للحصار والأذية والتجويع من داعش، هربنا منهم باتجاه القوات الأمنية، لكن استقبلتنا مصيبة أكبر، أنا امرأة كبيرة بالعمر، غداً سأموت، لكن ما ذنب الأطفال؟”، ترك أبناء أم عمار الأربعة وراءهم 13 فرداً باتوا يعيشون على كفالتها.

أما أم صفاء (55 عاماً)، فتقول إن زوجها وأبناءها الخمسة اختفوا جميعاً، وبينهم طفلان كانا بعمر الـ15 عاماً، تقول: “عزلونا وقت أذان المغرب، خطفوا أطفالي من تحت عباءتي وهم يبكون وأنا أبكي”. وتتذكر كلمات ابنها الأكبر: “قال لي، يمه اتركينا، بعد ثلاثة أيام سنرجع”. لكن الأيام الثلاثة تحولت إلى عشر سنوات.

وتضيف: “الحشد الشعبي قالوا لنا قولوا إن جهة مجهولة خطفتهم، لكن لم تكن هناك جهة مجهولة، الطريق الذي دخلنا منه كان فوقه طيران الجيش العراقي ودبابات وهمرات وجنود عراقيون”، وتؤكد أن زعيم منظمة بدر هادي العامري أخبرهم آنذاك: “ثلاثة أيام ونتركهم، ويمكن تجدونهم أمامكم في عامرية الفلوجة”، لكن أم صفاءا لم ترَ أبناءها ولا زوجها حتى اليوم.

أين اختفى مئات الرجال؟

بدأت المأساة مع موجات النزوح من مناطق الصقلاوية والبعكاش وأبو فياض خلال معارك استعادة الفلوجة من تنظيم داعش في حزيران/ يونيو 2016، العائلات التي خرجت رافعة الرايات البيضاء كانت تعتقد أنها وصلت إلى بر الأمان. لكن روايات سكان المنطقة تتفق على سيناريو واحد تقريباً: فصل الرجال والفتيان الذين تجاوزت أعمار بعضهم الـ13 عاماً عن النساء والأطفال، ثم اقتيادهم إلى جهات مجهولة بحجة “التدقيق الأمني”. ومنذ ذلك التاريخ لم يظهر المئات منهم مجدداً.

تختلف التقديرات بشأن أعداد المختفين، ففيما تتحدث شهادات الأهالي عن أكثر من 700 رجل، أشارت تقارير وشهادات أخرى إلى أرقام تتراوح بين 643 و850 مفقوداً من الصقلاوية ومحيطها.
وتشير إفادات ذوي الضحايا إلى أن المختفين تراوحت أعمارهم بين 13 و81 عاماً، وفي بعض الحالات، غُيِّبت عائلات كاملة من الرجال، تاركين خلفهم نساءً وأطفالاً من دون معيل.

بالنسبة الى محمد المحمدي، أحد أبناء الصقلاوية وذوي المفقودين، لم يعد الملف قضية سياسية أو قانونية أو إعلامية، بل تحول إلى جرح مفتوح يرافق كل تفاصيل الحياة اليومية، ويروي بداية رحلته مع النزوح قائلاً: “نحن منطقة ريفية، وصار هجوم على المنطقة وبعد قصف شديد نزحنا باتجاه الفلوجة. بقينا فيها ستة أشهر، وبعد موجات نزوح متفرقة وصلنا إلى منطقة البعكاش. بقينا أسبوعاً، وبعدها بدأ الأهالي ينزحون بالاتجاه المعاكس لطريق الخروج”.

يؤكد المحمدي أن والده فُقد في منطقة الجفة، أبو فياض عند الساعة السادسة مساء يوم 2 حزيران/ يونيو 2016، ويقول: “تفرقت عائلتي عن والدي، تم نقلنا من منطقة إلى منطقة ومن سيارة إلى سيارة حتى وصلنا إلى المخيمات”.

يضيف أن العائلات بقيت تسأل عن الرجال المفقودين في كل محطة نزوح: “أتى نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي  أبومهدي المهندس وبقينا في بيت قرب مقبرة المصالحة. كانت النساء تسأل: زلمنا وين؟ وكانت الإجابة: من عليه شيء لا يخرج، والأبرياء راح تشوفونهم أمامكم”.

ويتابع: “بعدما وصلت الى المخيمات أصبحت الأخبار تصلنا يوماً بعد يوم، كانت العائلات تصل من دون رجال، وبعد أيام عاد بعض الرجال وعليهم آثار تعذيب عنيفة وعظام مكسورة. بعضهم علمنا أنهم دخلوا السجون، أما الذين نتحدث عنهم اليوم فلم يعودوا أبداً ولم يُسجنوا رسمياً”.

ويؤكد أن والده مفقود منذ عشرة أعوام من دون أي معلومة مؤكدة: “قالوا لنا إنهم في المنشآت، ثم بالمزرعة، ثم بمعسكر طارق، ثم بالناصرية، ثم في سجن المطار، بحثنا في كل مكان ولم نجد أي أثر لهم”.

شائعات تصنع أملاً ثم تقتله

تركت قضية الرجال المختفين آثاراً اجتماعية واقتصادية قاسية على العائلات، فغياب الحسم القانوني لمصائر المختفين، يعني إيقاف رواتبهم من الدولة، ناهيك بالألم المتجدد عن كل إشاعة،  إذ يستعيد المحمدي واحدة من أكثر الذكريات التي بقيت عالقة في ذهنه، يقول إنه بعد نقلهم من منطقة الجفة إلى قرب مقبرة المصالحة كانوا يشاهدون أعمال حفر ليلية،  ويذكر: “كنا في بيت قريب من المقبرة، ليلاً كانت هناك حفارات تعمل، عندما سألنا قالوا لنا: دا نسوي سواتر لأن عدنا شهداء”.

ويلفت الى أن الخوف سيطر على العائلات تلك الليلة: “العائلات لم تنم، جاءت سيارات لفصائل مختلفة؛ بدر، وكتائب الإمام علي، وسرايا الخراساني، وحزب الله، وسرايا السلام، وفصائل أخرى، سيارات سوداء وأشخاص يحملون أسلحة وأدوات حفر وفؤوساً، كانت تتجه جميعها نحو منطقة الجفة”. كما يذكر سماع تهديدات وشتائم طائفية من بعض العناصر المسلحة تجاه العائلات النازحة، ويردف: “عندي تسعة مفقودين من عائلتي، والدي وخالي وعمي وأولاد عمي وأقارب آخرون، بعضهم اختفى حتى من جسر بزيبز”.

ملف مفتوح منذ سنوات

قضية الصقلاوية لم تعد قضية محلية تخص قرية أو ناحية أو محافظة، بل أصبحت جزءاً من ملف أوسع يتعلق بآلاف المفقودين في العراق خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش. وتشير تقديرات وردت في تصريحات حقوقية وإعلامية إلى أن عدد المغيبين والمفقودين قسراً في العراق يتجاوز الـ26 ألف شخص، وعلى الرغم من مرور سنوات على انتهاء المعارك الكبرى ضد التنظيم، لم يُحسم مصير أعداد كبيرة منهم.

في ظل ما يصفه الأهالي بغياب الاستجابة الرسمية الكافية، أُعلن عن تشكيل فريق شبابي مدني لمتابعة ملف مغيبي الأنبار، وجاء في بيان الإعلان: “انطلاقاً من المسؤولية الإنسانية والمجتمعية، نعلن عن تشكيل فريق شبابي مدني يُعنى بمتابعة ملف مغيبي الأنبار والعمل على دعم الجهود السلمية والقانونية الرامية إلى الكشف عن مصيرهم والتواصل مع الجهات المعنية بما يضمن حق العائلات في معرفة الحقيقة”.

من بين أعضاء الفريق أياد الراوي، الذي قال لـ”درج”: “المنطقة من سجن أبو غريب إلى أطراف الرمادي منطقة صحراوية واسعة وسهلة لأي نظام أو ميليشيا أو جماعة مسلحة لإخفاء الجرائم التي تمس الإنسانية”، ويشير إلى أن الحديث عن المقابر الجماعية ليس جديداً.

ويضيف: “بين 2004 و2010 سرى حديث عن العثور على بقايا مقابر بشكل أولي، لكن لم يتم الكشف عنها رسمياً. وبعد 2014 أصبحت المنطقة تحت سيطرة أطراف مختلفة بالتناوب، داعش والحكومة والفصائل المسلحة”. ويؤكد أن مئات المقاطع المصورة أظهرت عمليات تنكيل وانتهاكات في تلك المناطق.

ويقول: “لدينا مغيبون في القائم نقلهم داعش إلى سوريا، ولدينا مغيبون في الصقلاوية والعوجة وصلاح الدين وبلد والثرثار وبغداد وبابل. أين هؤلاء؟ لا أحد يقبل أن يدين نفسه”. ويلفت الى أن الفريق يسعى الى الضغط لعقد جلسة استماع علنية في مجلس محافظة الأنبار، كما أطلق مبادرات لدعم عائلات المفقودين.

بعد عشر سنوات من الاختفاء، ما زالت العائلات عالقة بين روايتين: رواية تقول إن المفقودين أحياء في أماكن احتجاز مجهولة، ورواية أخرى تؤكد أنهم قُتلوا منذ سنوات، وبين الروايتين، تستمر حياة آلاف النساء والأطفال المعلقة قانونياً واجتماعياً ونفسياً، بانتظار إجابة رسمية لم تصل بعد.

جدل سياسي حول المختفين 

قضية المختفين تحول إلى محط جدل سياسي وتبادل للاتهامات في العراق، رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي كان من أكثر السياسيين صراحة في توصيف الملف، إذ قال: “سنبقى نلاحق المجرمين والقتلة الذين غيبوا الأبرياء في الصقلاوية والرزازة وجرف الصخر، وهم أنفسهم الذين قتلوا المتظاهرين وغيبوهم”.

لكن التصريح الأكثر إثارة للجدل جاء عندما أعلن أنه لم يعد يؤمن بإمكانية عودة المفقودين أحياء: “أنا وعدت بحلٍّ لذويهم، لا يوجد حل غير هذا، يجب أن نغيّر أسماءهم ونصارح الناس بالحقيقة”، وأضاف: “المغيبون ليسوا مغيبين، هم مغدورون لأنهم فارقوا الحياة”.

وكشف الحلبوسي عن وجود تفاهمات سياسية تهدف إلى شمولهم بقانون ضحايا الإرهاب ومؤسسة الشهداء وتعويض عائلاتهم: “جزء من الاتفاق السياسي أن يتم شمولهم بقانون ضحايا الإرهاب ومؤسسة الشهداء وتعويض عوائلهم. لا يجب الاستمرار بتضليل العوائل”.

من جهته، استعاد رئيس مجلس النواب السابق محمود المشهداني تفاصيل اجتماع جمعه برئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، وبحسب المشهداني “للمغيبين عوائل والتزامات شرعية وإرث وطلاق وزواج، وأردنا حلاً للقضية”، وأضاف: “الكاظمي قال بالنص: جميع المغيبين في بطن دجلة”. وأثار هذا التصريح جدلاً واسعاً عندما أعلنه المشهداني للرأي العام.

لكنه أوضح لاحقاً: “هو لا يقصد أنهم رُموا حرفياً في دجلة، وإنما كان يقصد أن جميعهم تمت تصفيتهم”.

وأكد المشهداني أن الوفد طالب الحكومة بوثائق رسمية تؤكد وفاة المغيبين، وأشار: “طلبنا من الحكومة وثائق رسمية تثبت أنهم متوفون”، وتابع: “سألناه من شارك بتغييبهم؟ فقال: الكل، ويقصد المكونات الثلاثة”، لكن الملف توقف عند هذا الحد، بحسب المشهداني: “لم نحصل على أي وثيقة رسمية، ولم نتلقّ أي إجابة من وزارة الدفاع أو الداخلية أو الأمن الوطني”.

على الضفة الأخرى، دعا رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر إلى اعتماد المسار الجنائي والعلمي في التعامل مع القضية، وطالب بكشف هويات الضحايا، إجراء فحوصات الحمض النووي، تمكين ذوي الضحايا من معرفة مصير أبنائهم، وإعلان جميع التفاصيل للرأي العام بشفافية.

كما دعا إلى “تحقيق شفاف ومستقل بإشراف الجهات المختصة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان ومجلس النواب”، وأكد أن إنصاف ضحايا الصقلاوية وسائر ضحايا الإخفاء القسري “ليس مطلباً سياسياً أو فئوياً، بل واجب وطني”.

أما رئيس حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي فاعترض على مصطلح “المغيبين”، قائلاً إنه “يعطي طابعاً سياسياً وطائفياً، والأصح أنهم مفقودون”. وأضاف: “لو سألتني: هل يوجد مفقودون أبرياء لا علاقة لهم بداعش أو الإرهاب؟ سأقول نعم موجودون”. لكنه أكد في الوقت نفسه أن “عدد المشاركين مع داعش من المفقودين ليس قليلاً”، موضحاً أن “العدد الكلي من الأبرياء منهم لا أعرفه”.

ووجّه الخزعلي انتقادات مباشرة إلى القوى السياسية السنية، قائلاً: “يختفون سنوات ويظهرون أياماً عند الحديث عن الملف”، كما أشار إلى ملف مفقودي كركوك: “أتحدى من يطالب بمفقودي الصقلاوية أن يطالب بمفقودي كركوك بنفس الوضوح”.

رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي كشف أنه فتح تحقيقاً واسعاً في ملف الصقلاوية خلال فترة رئاسته للحكومة، وأوضح: “وضعت تحت تصرف اللجنة جميع القطعات الأمنية، وأي مكان يريدون الكشف عنه يتم الكشف عنه فوراً”، لكن نتائج التحقيق، بحسب العبادي، لم تصل إلى ما كانت تتوقعه عائلات المفقودين، إذ أكد:”لم يعثروا على شيء”، كما شكك في الأرقام المتداولة بشأن أعداد المختفين: “رقم 700 مضخم جداً، وحتى قريب من هذا الرقم لا يوجد شيء يثبته”.

خلال عقد كامل من الزمن، لم تنجح أي حكومة أو لجنة تحقيق أو جهة سياسية في إنتاج رواية نهائية مقبولة لدى جميع الأطراف، العائلات ما زالت تنتظر، السياسيون يتبادلون الاتهامات، والجهات الحقوقية تطالب بتحقيقات مستقلة، أما الحقيقة، فما زالت معلقة بين شهادات الناجين، وتصريحات المسؤولين، والمقابر الجماعية التي يعاد اكتشافها بين حين وآخر في صحراء الأنبار.

المقابر الجماعية… هل تحمل الصحراء الإجابة؟

في 17 أيار/ مايو 2026، عاد ملف مغيبي الصقلاوية إلى واجهة الأحداث مجدداً، ليس بسبب إعلان حكومي أو نتائج تحقيق قضائي، بل بسبب اكتشاف مقابر جماعية في منطقة الصقلاوية شمال الفلوجة.

وبينما رأت جهات رسمية أن المقابر تعود إلى ضحايا حقبة النظام السابق في ثمانينات القرن الماضي، شكك ناشطون وحقوقيون وذوو مفقودين في هذه الرواية، معتبرين أن أي استنتاج يسبق الفحوصات الجنائية وتحليل الحمض النووي يمثل قفزاً على الحقيقة.

وهكذا عاد السؤال القديم ليفرض نفسه مجدداً: هل يمكن أن تقود المقابر الجماعية إلى كشف مصير مئات المفقودين؟ أم أن الحقيقة ستبقى مدفونة تحت الرمال؟

على خلفية الجدل المتصاعد، وصل محافظ الأنبار ورئيس اللجنة الأمنية العليا في المحافظة عمر مشعان دبوس إلى موقع المقبرة الجماعية المكتشفة في سهل عكاز بناحية الصقلاوية. وأكد دبوس “أهمية التعامل مع هذا الملف الإنساني والوطني بأقصى درجات المسؤولية”.

الناشط في حقوق الإنسان عبد العظيم عادل طالب مؤسسة الشهداء في الأنبار وبغداد بالتنسيق مع الجهات المختصة واعتماد أعلى درجات الشفافية، وقال: “يجب توضيح الفرق بين المقابر الجماعية العائدة لحقبة النظام السابق وبين المقابر والانتهاكات التي حدثت بعد عام 2003”. وشدد على ضرورة إبقاء عائلات الضحايا على اطلاع دائم بمجريات التحقيقات والفحوصات الخاصة بالتعرف على الرفات.

في بيان صدر عن مركز جنيف الدولي للعدالة، أعلن أنه يتابع “بقلق بالغ” النداءات الصادرة عن قوى مجتمعية ومنظمات حقوقية وعائلات ضحايا بشأن المقابر الجماعية المكتشفة في الأنبار، وأبدى اعتراضه على ما وصفه بـ”التصريحات المتعجلة” التي نسبت الرفات إلى حقبة زمنية محددة قبل استكمال الفحوص الجنائية وتحليل الحمض النووي والاستماع إلى شهادات الأهالي.

 وأكد البيان ضرورة  “وقف التصريحات الرسمية والإعلامية التي تحسم هوية الضحايا قبل انتهاء الفحوص”. وختم المركز بيانه بالقول: “الحقيقة لا ينبغي أن تدفن مرتين: مرة في المقابر الجماعية، ومرة في بيانات رسمية متعجلة”.

ما علاقة إيران؟

في خضم النقاشات المتعلقة بالمسؤولية، برزت اتهامات تربط بعض الفصائل المسلحة المدعومة من إيران بملف الصقلاوية، الخبير الأمني علاء النشوع وصف ما حدث بأنه: “جريمة ترتقي إلى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب”.

وقال إن الضحايا كانوا من المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بتنظيم داعش، وأضاف أن التحقيقات والشهادات المتوافرة تشير إلى أن الجريمة استهدفت المئات من النازحين، فضلاً عن سكان المنطقة الذين بقوا في منازلهم وأراضيهم.

 ورأى النشوع أن المؤشرات المتوافرة تشير إلى تورط ما وصفه بـ”فصائل الحشد الولائي المحسوبة على إيران“.

الجدل بشأن مسؤولية بعض الفصائل المسلحة ليس جديداً، ففي أعقاب الحادثة مباشرة، أعلن محافظ الأنبار آنذاك صهيب الراوي أن نتائج لجنة التحقيق المحلية أشارت إلى مقتل عشرات النازحين، وفقدان أثر 643 شخصاً.

وقال الراوي إن الدلائل التي توافرت للجنة تشير إلى تورط فصيل من فصائل الحشد الشعبي، بين عناصره مقاتلون غير عراقيين، في تنفيذ ما وصفه بـ”مجزرة الصقلاوية”، كما تحدث عن مصادرة مستمسكات النازحين الرسمية وسياراتهم ومصوغاتهم الذهبية، لكن تلك النتائج لم تتحول إلى أحكام قضائية أو إجراءات معلنة حاسمة، وبقي الملف مفتوحاً حتى اليوم.

عشر سنوات من الانتظار

مضت عشر سنوات منذ أن وقفت ملاك سلوان على طريق النزوح، وهي تظن أن غياب والدها لن يطول سوى أيام قليلة، توالى الزمن عقداً كاملاً منذ أن أُبلغت أم عدي أن أبناءها التسعة سيعودون بعد “ستة أيام” فقط، قبل أن تمتد الأيام وتبتلع الوعد.

خلال هذه السنوات تغيّرت حكومات، وتعاقب رؤساء وزراء، وتشكلت لجان تحقيق، وأُطلقت وعود، وصدرَت بيانات، وتبادل السياسيون الاتهامات، واختلفوا حتى على توصيف القضية نفسها: هل هم مغيبون؟ أم مفقودون؟ أم مغدورون؟

يعتمد هذا التحقيق على شهاداتٍ مباشرة لذوي المفقودين في الصقلاوية والبعكاش والأزركية، إضافةً إلى تصريحات مسؤولين وسياسيين وناشطين وبياناتٍ حقوقية وإعلامية تناولت الملف خلال السنوات الماضية. ويعرض التحقيق مختلف الروايات المتعلقة بالقضية كما وردت على لسان أصحابها، مع إسناد جميع الاتهامات والاستنتاجات إلى مصادرها من دون تبنّي أي رواية غير محسومة قضائياً.