ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كم مجزرة يجب أن تقع كي تخسر صديقك؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

خلال الأشهر الماضية، بدا واضحاً أن النجاة الجماعية من الحرب لم تكن كافية لصياغة فهم مشترك حول العنف الذي اختبره السوريون معاً ولو بدرجات متفاوتة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خلال السنة التي تلت سقوط نظام الأسد، خسر سوريون أشياء كثيرة لم تقتصر على بيوتهم أو شعورهم بالأمان، بل توسّعت لتشمل صداقات وعلاقات امتدّت بينهم لسنوات. لم يكن السبب هذه المرّة متعلّقاً بالهجرة أو بتغيّر ظروف الحياة، بل بسبب المواقف التي أبدوها بعد المجازر التي قامت بها عناصر تابعة للسلطة الجديدة في كل من الساحل والسويداء. فجأة، وجد كثيرون أنفسهم أمام أشخاص ظنّوا أنهم يعرفونهم جيّداً، وهم يبرّرون القتل، أو يشكّكون في شهادات الضحايا، أو يتعاملون مع الدم كأنه تفصيل سياسي قابل للنقاش. 

بالنسبة لي، لم يكن الأمر مجرّد متابعة لنقاشات عامّة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو سماع قصص متفرّقة من أصدقاء مقرّبين، بل يتعلّق بأشخاص جمعتني بهم سنوات من التفاصيل اليومية والذكريات المشتركة. أشخاص كنت أعتقد أننا استطعنا الوصول إلى تعريف مشترك لمفاهيم كبرى، كالظلم والعنف الطائفي الذي عانى منه السوريون خلال سنوات الحرب.

قرأت ما كتبوه أكثر من مرّة، ربما لأنني كنت أبحث عن تفسير أقلّ قسوة، أو عن احتمال لسوء فهم. لكنّ المشكلة كانت بأن المكتوب أوضح من اللازم ولا يحتمل التأويلات التي تترك مجالاً لاستمرارية الصداقة. كان التعامل مع المجازر من قِبلهم كأنها رواية قابلة للتشكيك، أو حدث يحتاج إلى المزيد من التبرير قبل الاعتراف به، أمراً حاسماً لا يعود ما بعده كما قبله.

ما كشفته هذه اللحظة لم يكن مجرّد اختلاف في المواقف، بل هشاشة ما كنّا نعتقد أنه مقياس أخلاقي مشترك بيننا. فبعد كل ما عاشه السوريون خلال السنوات الماضية، بدا صادماً أن يتحوّل قتل الأبرياء مرّة أخرى إلى مادّة للإنكار أو التبرير، وكأننا لم نتعلّم شيئاً من كل ذلك الخراب.

وهم التجربة المشتركة

اعتقد الكثير من السوريين أن التجربة القاسية التي عاشوها كفيلة، ولو جزئياً، بإنتاج حساسية أعلى تجاه العنف والقتل والإقصاء الطائفي. بدا الأمر أحياناً وكأن مجرّد النجاة من سنوات الحرب، ومشاهدة هذا الكم من الخسارات، يمكن أن يدفع بالسوريين نحو الاتّفاق حول ما يجب ألّا يتكرّر مرّة أخرى. كان هناك افتراض غير معلن بأن من عاش الخوف نفسه، أو اختبر فقدان الأحبة والنزوح والإذلال، سيصبح أكثر قدرة على تمييز الظلم حين يتكرّر أمامه، وأكثر حذراً من اللغة التي تبرّره أو تخفّف وقعه.

ربما احتاج السوريون إلى تصديق هذه الفكرة لفترة طويلة، لأنها كانت تمنح معنى ما لكل هذا الألم. فكرة أن المعاناة الجماعية، رغم قسوتها، يمكن أن تنتج وعياً مختلفاً، أو أن تترك أثراً أخلاقياً يجعل تكرار العنف أكثر صعوبة في المستقبل. لكنّ ما حدث بعد سقوط النظام كشف شيئاً أكثر تعقيداً، وهو أن التجربة نفسها لا تترك الأثر ذاته لدى الجميع، وأن النجاة من العنف لا تعني بالضرورة رفضه حين يقع على آخرين.

كان صادماً بالنسبة لي أن أكتشف كيف يمكن لبعض الأشخاص إعادة استخدام اللغة نفسها التي سبّبت لهم الأذى في وقت سابق، لكن هذه المرّة ضدّ ضحايا آخرين. فجأة، عادت مفردات التخوين والتشكيك والتبرير للظهور، وإن بصيغ مختلفة وأكثر حداثة أحياناً. صار من السهل اختزال الضحايا ضمن هويّاتهم الطائفية أو السياسية، وتحويل المجازر إلى نقاش تقني حول السياق والأسباب والخلفيات، بدلاً من التعامل معها ككارثة إنسانية يفترض أن تكون كافية بحدّ ذاتها لفرض موقف أخلاقي واضح.

ما بدا مرعباً في تلك اللحظات لم يكن فقط وجود هذا الخطاب، بل سهولة انتشاره بين أشخاص عرفتهم لسنوات، وشاركتهم نقاشات طويلة عن العدالة والخوف والطائفية والعنف. أشخاص كنت أعتقد أن التجربة السورية نفسها خلقت بيننا فهماً ضمنياً لما يعنيه أن يُقتل الناس بسبب هويّاتهم، أو أن يتحوّل المدنيون مرّة أخرى إلى أرقام قابلة للتبرير ضمن أيّ سردية سياسية.

مع الوقت، بدأت ألاحظ أن كثيراً من النقاشات لم تكن تدور حول المجازر نفسها، بقدر ما كانت تدور حول أحقيّة الضحايا بالتعاطف. كان هناك دائماً شرط غير معلن يسبق الاعتراف بالألم: من هؤلاء؟ ماذا كانوا يمثّلون؟ وهل ينتمون إلى “الجهة الصحيحة” سياسياً أو طائفياً؟ وكأن الموت وحده لم يعد كافياً لاستحقاق الحزن أو الإدانة.

ربما كان الجزء الأصعب في كل ذلك هو اكتشاف أن الكثير من العلاقات القديمة كانت قائمة على افتراضات غير مختبرة. افتراض أن المرور الجماعي بتجربة العنف أنتج بالضرورة قيماً مشتركة، أو أن الخوف الذي عاشه السوريون لسنوات جعلهم أكثر قدرة على فهم خوف الآخرين. لكن في لحظات الانهيار الكبرى، تظهر أحياناً مسافات لم تكن مرئية من قبل، ويصبح واضحاً أن مشاركة الألم لا تعني دائماً مشاركة الطريقة التي نفهمه أو نتعامل معه بها.

في لحظة ما، يصبح من الصعب الفصل بين الشخص الذي عرفته لسنوات، وبين اللغة التي يستخدمها لتبرير قتل الآخرين أو التشكيك في معاناتهم. ليس لأن الناس فقدوا حقّهم في الاختلاف، بل لأن بعض المواقف تترك أثراً يتجاوز النقاش السياسي نفسه، وتمسّ شيئاً أعمق يتعلّق بكيفية النظر إلى حياة الآخرين، وإلى معنى العدالة نفسه بعد كل ما عاشه السوريون.

القطيعة بوصفها خسارة شخصية

بالنسبة إلى كثير من السوريين، لم تكن القطيعة مع الأصدقاء أو المعارف قراراً سهلاً أو حادّاً كما قد يبدو من الخارج. في معظم الأحيان، لم تحدث على شكل مواجهة مباشرة أو إعلان واضح لنهاية العلاقة، بل جاءت تدريجياً، عبر الصمت أحياناً، أو عبر التوقّف البطيء عن الحديث، أو ذلك الشعور الثقيل الذي يظهر فجأة أثناء قراءة منشور جديد أو سماع تعليق عابر.

بعض العلاقات كانت أقدم من الثورة نفسها. صداقات تشكّلت في المدرسة أو الجامعة أو سنوات العمل الأولى، وعبرت مراحل كثيرة من التغيّر السياسي والنزوح والخسارات الشخصية. لهذا، بدا مؤلماً أن تنتهي بهذه الطريقة، أو أن تصبح مثقلة إلى هذا الحدّ بأسئلة أخلاقية يصعب تجاوزها.

في أوقات كثيرة، حاول البعض الحفاظ على هذه العلاقات عبر تجاهل النقاشات السياسية أو تجنّب المواضيع الحسّاسة. كان هناك ميل دائم للاعتقاد أن ما يجمع الناس أكبر ممّا يفرّقهم، أو أن التعب السوري الجماعي يستحقّ هدنة مؤقّتة من الانقسامات الحادّة. لكنّ المجازر الأخيرة دفعت كثيراً من هذه التوازنات الهشّة إلى الانهيار، وفجأة، صار الصمت نفسه يبدو نوعاً من التواطؤ، وأصبح تجاهل ما يُقال أصعب من مواجهته.

لم تكن المشكلة فقط في اختلاف المواقف، بل في الإحساس بأن العلاقة نفسها فقدت شيئاً أساسياً كان يسمح باستمرارها. فحين يتحوّل قتل المدنيين إلى موضوع قابل للتبرير أو التشكيك، يصبح من الصعب العودة إلى الأحاديث اليومية العادية، أو التصرّف كأن شيئاً لم يتغيّر.

بالنسبة لي، لم تكن القطيعة هي الجزء الأصعب، بل الإحساس بأنني أنظر إلى أشخاص أعرفهم منذ سنوات بعيون مختلفة تماماً. كأن شيئاً كان مخفيّاً طوال الوقت، ثم ظهر فجأة دفعة واحدة، تاركاً وراءه خليطاً من الخذلان والحزن وعدم القدرة على فهم كيف يمكن لكل هذه المسافة أن تكون موجودة، دون أن نلاحظها سابقاً.

ربما لهذا تبدو هذه القطيعات أثقل من مجرّد خلافات سياسية عابرة. فهي لا تتعلّق فقط بالموقف من حدث معيّن، بل بإعادة النظر في علاقات طويلة بُنيت على تصوّرات معيّنة عن الآخرين، ثم اكتشاف أن هذه التصوّرات لم تكن صلبة كما بدت يوماً.

ما الذي يبقى بعد كل هذا؟

لا تكمن قسوة هذه المرحلة في الانقسام نفسه، فالسوريون عاشوا خلافات سياسية وطائفية حادّة لسنوات طويلة، وإنما في الطريقة التي دخل بها هذا الانقسام إلى العلاقات الشخصية الحميمية، وإلى المساحات التي كان يُفترض أنها أكثر أماناً واستقراراً. فجأة، صار كثير من الناس يعيدون النظر في صداقاتهم القديمة، وفي الصورة التي احتفظوا بها عن الأشخاص المقرّبين منهم.

خلال الأشهر الماضية، بدا واضحاً أن النجاة الجماعية من الحرب لم تكن كافية لصياغة فهم مشترك حول العنف الذي اختبره السوريون معاً ولو بدرجات متفاوتة. 

مع كل مجزرة أو حدث أمني طائفي، كان يظهر مقدار التباعد في الطريقة التي يفهم بها الناس الألم، وفي الجهة التي يختارون التعاطف معها، وفي الحدود التي يعتبرونها مقبولة أو قابلة للتبرير.

ربما لهذا لم تبدُ هذه الخلافات عابرة أو قابلة للتجاوز بسهولة، فبعض المواقف تغيّر شكل العلاقة نفسها، وتجعل العودة إلى المساحة القديمة أمراً صعباً، حتى دون خصام مباشر أو قطيعة معلنة. يكفي أحياناً أن يرى الإنسان شخصاً قريباً منه يتعامل بخفّة مع دماء الآخرين حتى يشعر أن شيئاً أساسياً تبدّل داخله تجاهه.

في النهاية، لا تترك المجازر أثرها على الضحايا وحدهم، وإنما تمتدّ أيضاً إلى الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم بعضاً، وإلى قدرتهم على الاستمرار في علاقات كانت تبدو مستقرّة وواضحة يوماً ما. وربما لهذا يشعر كثير من السوريين اليوم أن ما فقدوه خلال هذه المرحلة لا يمكن اختصاره بالخسائر السياسية أو المادّية فقط، لأن جزءاً من الخسارة يتعلّق أيضاً بانهيار الإحساس بأن التجربة السورية خلقت، بالضرورة، مساحة أخلاقية مشتركة بين من عاشوها.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…

خلال الأشهر الماضية، بدا واضحاً أن النجاة الجماعية من الحرب لم تكن كافية لصياغة فهم مشترك حول العنف الذي اختبره السوريون معاً ولو بدرجات متفاوتة. 

خلال السنة التي تلت سقوط نظام الأسد، خسر سوريون أشياء كثيرة لم تقتصر على بيوتهم أو شعورهم بالأمان، بل توسّعت لتشمل صداقات وعلاقات امتدّت بينهم لسنوات. لم يكن السبب هذه المرّة متعلّقاً بالهجرة أو بتغيّر ظروف الحياة، بل بسبب المواقف التي أبدوها بعد المجازر التي قامت بها عناصر تابعة للسلطة الجديدة في كل من الساحل والسويداء. فجأة، وجد كثيرون أنفسهم أمام أشخاص ظنّوا أنهم يعرفونهم جيّداً، وهم يبرّرون القتل، أو يشكّكون في شهادات الضحايا، أو يتعاملون مع الدم كأنه تفصيل سياسي قابل للنقاش. 

بالنسبة لي، لم يكن الأمر مجرّد متابعة لنقاشات عامّة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو سماع قصص متفرّقة من أصدقاء مقرّبين، بل يتعلّق بأشخاص جمعتني بهم سنوات من التفاصيل اليومية والذكريات المشتركة. أشخاص كنت أعتقد أننا استطعنا الوصول إلى تعريف مشترك لمفاهيم كبرى، كالظلم والعنف الطائفي الذي عانى منه السوريون خلال سنوات الحرب.

قرأت ما كتبوه أكثر من مرّة، ربما لأنني كنت أبحث عن تفسير أقلّ قسوة، أو عن احتمال لسوء فهم. لكنّ المشكلة كانت بأن المكتوب أوضح من اللازم ولا يحتمل التأويلات التي تترك مجالاً لاستمرارية الصداقة. كان التعامل مع المجازر من قِبلهم كأنها رواية قابلة للتشكيك، أو حدث يحتاج إلى المزيد من التبرير قبل الاعتراف به، أمراً حاسماً لا يعود ما بعده كما قبله.

ما كشفته هذه اللحظة لم يكن مجرّد اختلاف في المواقف، بل هشاشة ما كنّا نعتقد أنه مقياس أخلاقي مشترك بيننا. فبعد كل ما عاشه السوريون خلال السنوات الماضية، بدا صادماً أن يتحوّل قتل الأبرياء مرّة أخرى إلى مادّة للإنكار أو التبرير، وكأننا لم نتعلّم شيئاً من كل ذلك الخراب.

وهم التجربة المشتركة

اعتقد الكثير من السوريين أن التجربة القاسية التي عاشوها كفيلة، ولو جزئياً، بإنتاج حساسية أعلى تجاه العنف والقتل والإقصاء الطائفي. بدا الأمر أحياناً وكأن مجرّد النجاة من سنوات الحرب، ومشاهدة هذا الكم من الخسارات، يمكن أن يدفع بالسوريين نحو الاتّفاق حول ما يجب ألّا يتكرّر مرّة أخرى. كان هناك افتراض غير معلن بأن من عاش الخوف نفسه، أو اختبر فقدان الأحبة والنزوح والإذلال، سيصبح أكثر قدرة على تمييز الظلم حين يتكرّر أمامه، وأكثر حذراً من اللغة التي تبرّره أو تخفّف وقعه.

ربما احتاج السوريون إلى تصديق هذه الفكرة لفترة طويلة، لأنها كانت تمنح معنى ما لكل هذا الألم. فكرة أن المعاناة الجماعية، رغم قسوتها، يمكن أن تنتج وعياً مختلفاً، أو أن تترك أثراً أخلاقياً يجعل تكرار العنف أكثر صعوبة في المستقبل. لكنّ ما حدث بعد سقوط النظام كشف شيئاً أكثر تعقيداً، وهو أن التجربة نفسها لا تترك الأثر ذاته لدى الجميع، وأن النجاة من العنف لا تعني بالضرورة رفضه حين يقع على آخرين.

كان صادماً بالنسبة لي أن أكتشف كيف يمكن لبعض الأشخاص إعادة استخدام اللغة نفسها التي سبّبت لهم الأذى في وقت سابق، لكن هذه المرّة ضدّ ضحايا آخرين. فجأة، عادت مفردات التخوين والتشكيك والتبرير للظهور، وإن بصيغ مختلفة وأكثر حداثة أحياناً. صار من السهل اختزال الضحايا ضمن هويّاتهم الطائفية أو السياسية، وتحويل المجازر إلى نقاش تقني حول السياق والأسباب والخلفيات، بدلاً من التعامل معها ككارثة إنسانية يفترض أن تكون كافية بحدّ ذاتها لفرض موقف أخلاقي واضح.

ما بدا مرعباً في تلك اللحظات لم يكن فقط وجود هذا الخطاب، بل سهولة انتشاره بين أشخاص عرفتهم لسنوات، وشاركتهم نقاشات طويلة عن العدالة والخوف والطائفية والعنف. أشخاص كنت أعتقد أن التجربة السورية نفسها خلقت بيننا فهماً ضمنياً لما يعنيه أن يُقتل الناس بسبب هويّاتهم، أو أن يتحوّل المدنيون مرّة أخرى إلى أرقام قابلة للتبرير ضمن أيّ سردية سياسية.

مع الوقت، بدأت ألاحظ أن كثيراً من النقاشات لم تكن تدور حول المجازر نفسها، بقدر ما كانت تدور حول أحقيّة الضحايا بالتعاطف. كان هناك دائماً شرط غير معلن يسبق الاعتراف بالألم: من هؤلاء؟ ماذا كانوا يمثّلون؟ وهل ينتمون إلى “الجهة الصحيحة” سياسياً أو طائفياً؟ وكأن الموت وحده لم يعد كافياً لاستحقاق الحزن أو الإدانة.

ربما كان الجزء الأصعب في كل ذلك هو اكتشاف أن الكثير من العلاقات القديمة كانت قائمة على افتراضات غير مختبرة. افتراض أن المرور الجماعي بتجربة العنف أنتج بالضرورة قيماً مشتركة، أو أن الخوف الذي عاشه السوريون لسنوات جعلهم أكثر قدرة على فهم خوف الآخرين. لكن في لحظات الانهيار الكبرى، تظهر أحياناً مسافات لم تكن مرئية من قبل، ويصبح واضحاً أن مشاركة الألم لا تعني دائماً مشاركة الطريقة التي نفهمه أو نتعامل معه بها.

في لحظة ما، يصبح من الصعب الفصل بين الشخص الذي عرفته لسنوات، وبين اللغة التي يستخدمها لتبرير قتل الآخرين أو التشكيك في معاناتهم. ليس لأن الناس فقدوا حقّهم في الاختلاف، بل لأن بعض المواقف تترك أثراً يتجاوز النقاش السياسي نفسه، وتمسّ شيئاً أعمق يتعلّق بكيفية النظر إلى حياة الآخرين، وإلى معنى العدالة نفسه بعد كل ما عاشه السوريون.

القطيعة بوصفها خسارة شخصية

بالنسبة إلى كثير من السوريين، لم تكن القطيعة مع الأصدقاء أو المعارف قراراً سهلاً أو حادّاً كما قد يبدو من الخارج. في معظم الأحيان، لم تحدث على شكل مواجهة مباشرة أو إعلان واضح لنهاية العلاقة، بل جاءت تدريجياً، عبر الصمت أحياناً، أو عبر التوقّف البطيء عن الحديث، أو ذلك الشعور الثقيل الذي يظهر فجأة أثناء قراءة منشور جديد أو سماع تعليق عابر.

بعض العلاقات كانت أقدم من الثورة نفسها. صداقات تشكّلت في المدرسة أو الجامعة أو سنوات العمل الأولى، وعبرت مراحل كثيرة من التغيّر السياسي والنزوح والخسارات الشخصية. لهذا، بدا مؤلماً أن تنتهي بهذه الطريقة، أو أن تصبح مثقلة إلى هذا الحدّ بأسئلة أخلاقية يصعب تجاوزها.

في أوقات كثيرة، حاول البعض الحفاظ على هذه العلاقات عبر تجاهل النقاشات السياسية أو تجنّب المواضيع الحسّاسة. كان هناك ميل دائم للاعتقاد أن ما يجمع الناس أكبر ممّا يفرّقهم، أو أن التعب السوري الجماعي يستحقّ هدنة مؤقّتة من الانقسامات الحادّة. لكنّ المجازر الأخيرة دفعت كثيراً من هذه التوازنات الهشّة إلى الانهيار، وفجأة، صار الصمت نفسه يبدو نوعاً من التواطؤ، وأصبح تجاهل ما يُقال أصعب من مواجهته.

لم تكن المشكلة فقط في اختلاف المواقف، بل في الإحساس بأن العلاقة نفسها فقدت شيئاً أساسياً كان يسمح باستمرارها. فحين يتحوّل قتل المدنيين إلى موضوع قابل للتبرير أو التشكيك، يصبح من الصعب العودة إلى الأحاديث اليومية العادية، أو التصرّف كأن شيئاً لم يتغيّر.

بالنسبة لي، لم تكن القطيعة هي الجزء الأصعب، بل الإحساس بأنني أنظر إلى أشخاص أعرفهم منذ سنوات بعيون مختلفة تماماً. كأن شيئاً كان مخفيّاً طوال الوقت، ثم ظهر فجأة دفعة واحدة، تاركاً وراءه خليطاً من الخذلان والحزن وعدم القدرة على فهم كيف يمكن لكل هذه المسافة أن تكون موجودة، دون أن نلاحظها سابقاً.

ربما لهذا تبدو هذه القطيعات أثقل من مجرّد خلافات سياسية عابرة. فهي لا تتعلّق فقط بالموقف من حدث معيّن، بل بإعادة النظر في علاقات طويلة بُنيت على تصوّرات معيّنة عن الآخرين، ثم اكتشاف أن هذه التصوّرات لم تكن صلبة كما بدت يوماً.

ما الذي يبقى بعد كل هذا؟

لا تكمن قسوة هذه المرحلة في الانقسام نفسه، فالسوريون عاشوا خلافات سياسية وطائفية حادّة لسنوات طويلة، وإنما في الطريقة التي دخل بها هذا الانقسام إلى العلاقات الشخصية الحميمية، وإلى المساحات التي كان يُفترض أنها أكثر أماناً واستقراراً. فجأة، صار كثير من الناس يعيدون النظر في صداقاتهم القديمة، وفي الصورة التي احتفظوا بها عن الأشخاص المقرّبين منهم.

خلال الأشهر الماضية، بدا واضحاً أن النجاة الجماعية من الحرب لم تكن كافية لصياغة فهم مشترك حول العنف الذي اختبره السوريون معاً ولو بدرجات متفاوتة. 

مع كل مجزرة أو حدث أمني طائفي، كان يظهر مقدار التباعد في الطريقة التي يفهم بها الناس الألم، وفي الجهة التي يختارون التعاطف معها، وفي الحدود التي يعتبرونها مقبولة أو قابلة للتبرير.

ربما لهذا لم تبدُ هذه الخلافات عابرة أو قابلة للتجاوز بسهولة، فبعض المواقف تغيّر شكل العلاقة نفسها، وتجعل العودة إلى المساحة القديمة أمراً صعباً، حتى دون خصام مباشر أو قطيعة معلنة. يكفي أحياناً أن يرى الإنسان شخصاً قريباً منه يتعامل بخفّة مع دماء الآخرين حتى يشعر أن شيئاً أساسياً تبدّل داخله تجاهه.

في النهاية، لا تترك المجازر أثرها على الضحايا وحدهم، وإنما تمتدّ أيضاً إلى الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم بعضاً، وإلى قدرتهم على الاستمرار في علاقات كانت تبدو مستقرّة وواضحة يوماً ما. وربما لهذا يشعر كثير من السوريين اليوم أن ما فقدوه خلال هذه المرحلة لا يمكن اختصاره بالخسائر السياسية أو المادّية فقط، لأن جزءاً من الخسارة يتعلّق أيضاً بانهيار الإحساس بأن التجربة السورية خلقت، بالضرورة، مساحة أخلاقية مشتركة بين من عاشوها.