ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كم منزل تألفه الفتاة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يلاحقني الخوف من الخطف، ويقمعني الخوف من وصمة قد تطال مَن حولي. أنا التي لم تقبل القمع يوماً، بتّ راضخة. وهذا الإحساس الذي لا يشبهني، يزيد طبقات الغيظ فوق طبقات الخوف التي تأبى إلّا أن تتراكم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شابّ يحمل أركيلة على ظهر درّاجته النارية. فتاة شقراء جميلة ترتدي ثوباً أحمر، في العاشرة من عمرها ربما. أناس متجمّعون أمام دكان. سيّدات يراقبن الطريق ويتأملنك بحشرية بالغة لمعرفة مَن تكون. مشهد عادي في قرية صغيرة بعيدة عن الضوضاء، ربما لا.

بات العادي أمراً مستغرباً في قريتي، وأصبح الخروج المعتاد بعد أسابيع من الانعزال في بيتك مغامرة لاكتشاف المجهول. يُثيرني الأمر، لكن تزعجني في الوقت نفسه حقيقة أن المكان في الخارج لن يعود كما كان يوماً. أستيقظ من غيبوبتي في غرفتي وأقرّر زيارة أقاربي، يبعدون ثلاث دقائق. أرشّ من قنّينة العطر الثمينة التي وصلتني كهديّة، كنت خبأتها للمناسبات، لكن بعد حملات التفتيش والسرقة والنهب التي حصلت في منطقتي شعرت أن هذا العطر قد يُسرق، يُسكب، وربما أموت أنا، فلِمَ الانتظار؟

خسارة الحرّية والاستقلاليّة التي انتزعتها بعد صراع طويل مع الذكوريين من حولي، أصبحت منطق الواقع. باتت كلمة “حاضر” تمرّ على لساني بسهولة، لأن الاعتراض قد يجلب نتائج لا تُحتمل. وصار غضب إخوتي متوقّعاً، لا عن قسوة، بل لأن الخوف يسكنهم هم أيضاً. عليّ أن ألتزم بالبقاء في المنزل، وألا أخرج إلا عند الضرورة، فمجرّد نظرة عابرة قد تُشعل فيهم “نخوة” توارثوها، يظنّون بها أنهم يحمونني، بينما تقيّدني أكثر.

يلاحقني الخوف من الخطف، ويقمعني الخوف من وصمة قد تطال مَن حولي. أنا التي لم تقبل القمع يوماً، بتّ راضخة. وهذا الإحساس الذي لا يشبهني، يزيد طبقات الغيظ فوق طبقات الخوف التي تأبى إلّا أن تتراكم.

في منزلنا، لا تُغلق الأبواب فقط، بل نوافذ الروح أيضاً. الجدران، رغم هشاشتها، أقوى من قراراتي. كلّ زاوية فيه تشبه قفصاً مفتوحاً لا يجرؤ أحد على الهروب منه. لم يعد المكان بيتاً، بل مساحة مراقبة، ولم أعد أشعر أنني أعيش فيه، بل أُحبس بين جدرانه كما تُحبَس الذكرى داخل صورة قديمة. أتنقّل بين الغرف كمن ينتظر موعد استجواب. حتى صوت ضحكتي القديمة يبدو غريباً هنا، كأنها تخصّ امرأة أخرى.

وأخطر ما في هذا “السجن”، هو محاولة إقناعي بأنه “منزلي”، بينما أنا أعلم أنه فقد معناه منذ فُرض عليَّ أن أبقى فيه مرغمة. أسوار بيتنا البسيط بدت أعلى من أي وقت مضى، حتى سطحه، صديق طفولتي ومراهقتي ، أصبحت حتى مجرّد الرغبة في  تأمل السماء من عليه، مستحيلة.

أرى السماء المفتوحة أخيراً، لكنّ كلّ الأنظار الأخرى في الخارج اتّجهت إلى الزاوية اليسرى من الشارع، شابّ جاثٍ على ركبتيه، والسلاح موجّه إلى رأسه. قطعت الشارع في عجالة حتى لا أصطفّ إلى جواره، حينها سمعت الناس يقولون: “إله ثلاث ساعات بهالحالة. شو عامل؟ ما حدا بيعرف”.

شهدت اعتقالاً وإهانة، لا للشابّ فقط، بل لرجال قرية بكاملها، لا يمكنهم سؤال من يحمل السلاح: “أين أمر الاعتقال؟ ولماذا تأخذونه؟”.  سمعت لاحقاً أن الشابّ عاد بعد يومين، ربما قالوا له: “متأسفين، تشابه أسماء”، فالاعتقال التعسفي ليس موضة قديمة في سوريا.

لطالما تساءلت كيف هو الشعور في السجن؟ حتى عشته. هذه البلاد سجن كبير، تقابل فيها الأشخاص أنفسهم، وتتعرف إلى أناس عبر الإنترنت كما لو أن هاتفك الجوّال قضبان سجن تمنعك عن العالم. تقضي أيّامك بالتكرار نفسه. وقتما يشاء السجّان يرسل لك الكهرباء والماء، ووقتما أراد إلهاءك افتعل خلافاً بينك وبين سجناء الزنزانة المجاورة، الذين لا تعرف عنهم شيئاً. 

هذه البلاد الممتلئة بالجراحات التي تتكدّس ألماً فوق ألم، كما لو أن هذا القيح لن ينفجر يوماً، وأن كسر إنسان ما سيمرّ مرور الكرام. الأخبار المتلاحقة منذ سقوط النظام إلى اليوم تثير في داخلي إحساساً قوياً بالاحتراق. جرح نازف لا يتوقّف، وإحساس ضمني بأنني يوماً ما لن أسكت. لكن متى؟ لا أحد يعلم. ربما هو التمسّك بالأسطورة، وانتظار العفو السماوي الذي سينقذ هذه الجماعة. انتظار البطل الذي سيخلّصنا جميعاً، والإحساس بأننا في وضع القصاص لأن شخصاً ما ارتكب إثماً، ونحاسب عليه جميعاً.

“والله يا خالتي، كمان هنن عانوا كتير (تقصد الآخر) شو مفكرة هينة عليهن اللي مرّوا فيه؟ لا والله مو هيّن”، تقول جارتنا التي تجالس أمّي وتحلّلان الأوضاع غير المفهومة في بلادنا بلاد العجائب.

لا يعرف أحد غريمه هنا. الناس في هذا الريف، ريف حماة، لا يعرفون بعضهم بعضاً. وكيف لهم ذلك والتواصل الوحيد بينهم هو العمل في الأرض، الأمر الذي لم يشفع لأحد من الطرفين أن يفهم وجع الآخر ومرارته. لا أعراس تجمع بيننا، لا تهنئات. كلّ ما يجمعنا هو الخوف. الخوف من الأخ الأكبر، السجّان، والخوف من بعضنا بعضاً، والخوف من المجهول. فكلّ طرق الخروج بات مشكوكاً بسلامتها.

مع بداية السقوط، كان الرجال يقلّلون الحركة حتى لا يُقتلوا أو يُعتقلوا أو يُهانوا على الحواجز. أقسم أنني أعرف رجالاً لم يخرجوا من منازلهم منذ سقوط النظام السابق إلى اليوم، لذا كانت تخرج النساء.  اليوم، النساء مهدّدات بالخطف، لذا يحاولن ألّا يخرجن من بيوتهن إلا إذا كانت مسألة حياة أو موت. لكن حتى راتب 400 ألف بات كذلك، إن وصل.

أذكر كُتيّب التعليمات الشفوي لرحلة الخروج من المنزل الذي وضعته جارتنا: “تحجبّي.” خطفوا محجّبة، وفشلت الخطّة “أ”، وانهار الجدار الدفاعي القوي المصنوع من القماش.  قالت أيضاً: “اركبي سرفيس، السيّارات الخاصّة عم يقتلوا اللي فيها ويسرقوها”، أطلقوا النار على سيرفيس ركّاب واحد في دمشق، والآخر في الربيعة في ريف حماة، في فترتين متقاربتين، وسقط معها أقوى الخطط الدفاعية التي استشرفت جارتنا بحنكتها أنها لا تسقط أبداً.

بالمناسبة، الركوب في الحافلة أو سرفيس الركّاب بعد سقوط النظام رحلة مختلفة من الاكتشافات الجديدة. أذكر جيّداً أوّل حاجز رأيته بعد السقوط، يقف عليه شيشاني يأكل البزر أو اللُبّ. كان مشهداً سوريالياً. بالإضافة إلى المظاهر المعادة التجديد ولكن بطعم مختلف، مثل الامتناع عن الحديث في السياسة وإخراج الهواتف، والنظر في عين من على الحاجز مباشرة. الواقع كلّه سوريالي، أو ربما سوري فقط.

الرجال في الأمام والنساء في الخلف، غريب الخوف، كيف يجعلنا مطيعين لقواعد وضعها عسكري ما على حاجز في جهة مجهولة، قرّر أن الرجال يجب أن يجلسوا في الأمام لدواعي “الحشمة”، ومنذ ذلك اليوم والناس تُنفّذ.
للأمانة، لم أرَ أحداً يعطي توجيهاً بالأمر، لكنّها قدرة العسكري الجبّار على الحاجز “سين” الذي غيّر قواعد اللعبة.

في إحدى المرّات جلست أمامي سيّدة ترتدي حجاباً، استدارت إليّ وقالت: “تبع مين يا خالتي؟”. في الحديث مع هذه السيّدة، رأيت وجعاً مختلفاً لدى السيّدات المهجّرات، كانت تجلس بجانبها ابنتها وقد طوت كتفيها بحسرة كمن داس على وجع قديم، وتستدير إليّ بقوّة لتجيبني عن سؤالي الفضولي: “لا ما عم نتحجّب بالساحل”، ثم أردفت: “عم اتحجّب بس عالطريق”.

تحدّثت السيدّة مطوّلاً، بينما تأمّلت “الدقّة” على يديها وذقنها — ذاك الوشم الذي لطالما ميّز النساء الكبيرات في بلادنا. تتحسّر على سهراتها وجلساتها مع بناتها الثمانية، اللواتي أصبحت كلّ واحدة منهنّ في مكان.  الحديث مع الناس متعب وجميل في آن، حالة الانكسار قاتلة، بخاصّة لدى العساكر السابقين الذين تظهر عليهم علامات الانسحاب من الحياة العسكرية كما لو أنها هيرويين. شاردو الذهن، نحيلون. “كل شي بدّي ياه هوية بس”، قال أحدهم. 

منذ بداية عمليّة ردع العدوان في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أعيش تجارب مختلفة عمّا اعتدت عليه. صحيح أنني محطّمة نفسياً بسبب الحياة في ظلّ الأخ الأكبر التوكسيك السابق، إلا أنني لم أتوقّع أن أجرّب النزوح، والخوف، والقلق المستمرّ، الذي لم يتوقّف لحظة، منذ أن هرب بشّار الأسد.

إضافة إلى تجربة مجازر آذار/ مارس، ذلك الوجع الممتدّ، الذي كسر شيئاً في داخلي، كطعنة في العين، يندمل الجرح، لكن فقأ العين لا يلتئم يوماً، وتستمرّ في رؤية العالم من عينك الناجية التي لا تتوقّف عن البكاء. السير في القرية مؤلم، بخاصّة عندما ترى أشخاصاً اعتدت رؤيتهم ضاحكين. جارنا في الحارة ذبل مذ ذهب ابنه الأصغر إلى العسكرية في قبل سقوط النظام بشهرين. أراه اليوم جالساً على شرفة منزله، يقرأ القرآن ويُشعِل بخوراً. تقول جدّتي: “الدعوة عند ظهور الهلال مستجابة”.
لأسمع صوتاً يناديه من الأسفل، لم أفهم ما قيل له، لكنّني رأيته يهزّ رأسه قهراً ويقول: “لا والله يا خيي، ما في أخبار عن علي”.
علي الذي اختفى بعد السقوط، ولا يعرف جارنا في أي سجن أصبح، يراني من بعيد ويناديني لأقطف بعض الدرّاق، ويقول: “والله خالتك كتير تعبانة”.

 يعتذر أنها لم ترسل لنا شيئاً هذا العام. أجمع بعضها وأعود أدراجي، فقد نلت كفايتي من الحزن، وأشعر أن العالم انتهى.
أغسل بعض الدرّاق، لا أُلقي بالاً لما حولي، ثم يوقظني صوت أمّي وهي تقول: “لا ترمي البذور، أريد أن أزرع منها، علّنا نأكل من شجرتنا يوماً”.

14.07.2025
زمن القراءة: 6 minutes

يلاحقني الخوف من الخطف، ويقمعني الخوف من وصمة قد تطال مَن حولي. أنا التي لم تقبل القمع يوماً، بتّ راضخة. وهذا الإحساس الذي لا يشبهني، يزيد طبقات الغيظ فوق طبقات الخوف التي تأبى إلّا أن تتراكم.

شابّ يحمل أركيلة على ظهر درّاجته النارية. فتاة شقراء جميلة ترتدي ثوباً أحمر، في العاشرة من عمرها ربما. أناس متجمّعون أمام دكان. سيّدات يراقبن الطريق ويتأملنك بحشرية بالغة لمعرفة مَن تكون. مشهد عادي في قرية صغيرة بعيدة عن الضوضاء، ربما لا.

بات العادي أمراً مستغرباً في قريتي، وأصبح الخروج المعتاد بعد أسابيع من الانعزال في بيتك مغامرة لاكتشاف المجهول. يُثيرني الأمر، لكن تزعجني في الوقت نفسه حقيقة أن المكان في الخارج لن يعود كما كان يوماً. أستيقظ من غيبوبتي في غرفتي وأقرّر زيارة أقاربي، يبعدون ثلاث دقائق. أرشّ من قنّينة العطر الثمينة التي وصلتني كهديّة، كنت خبأتها للمناسبات، لكن بعد حملات التفتيش والسرقة والنهب التي حصلت في منطقتي شعرت أن هذا العطر قد يُسرق، يُسكب، وربما أموت أنا، فلِمَ الانتظار؟

خسارة الحرّية والاستقلاليّة التي انتزعتها بعد صراع طويل مع الذكوريين من حولي، أصبحت منطق الواقع. باتت كلمة “حاضر” تمرّ على لساني بسهولة، لأن الاعتراض قد يجلب نتائج لا تُحتمل. وصار غضب إخوتي متوقّعاً، لا عن قسوة، بل لأن الخوف يسكنهم هم أيضاً. عليّ أن ألتزم بالبقاء في المنزل، وألا أخرج إلا عند الضرورة، فمجرّد نظرة عابرة قد تُشعل فيهم “نخوة” توارثوها، يظنّون بها أنهم يحمونني، بينما تقيّدني أكثر.

يلاحقني الخوف من الخطف، ويقمعني الخوف من وصمة قد تطال مَن حولي. أنا التي لم تقبل القمع يوماً، بتّ راضخة. وهذا الإحساس الذي لا يشبهني، يزيد طبقات الغيظ فوق طبقات الخوف التي تأبى إلّا أن تتراكم.

في منزلنا، لا تُغلق الأبواب فقط، بل نوافذ الروح أيضاً. الجدران، رغم هشاشتها، أقوى من قراراتي. كلّ زاوية فيه تشبه قفصاً مفتوحاً لا يجرؤ أحد على الهروب منه. لم يعد المكان بيتاً، بل مساحة مراقبة، ولم أعد أشعر أنني أعيش فيه، بل أُحبس بين جدرانه كما تُحبَس الذكرى داخل صورة قديمة. أتنقّل بين الغرف كمن ينتظر موعد استجواب. حتى صوت ضحكتي القديمة يبدو غريباً هنا، كأنها تخصّ امرأة أخرى.

وأخطر ما في هذا “السجن”، هو محاولة إقناعي بأنه “منزلي”، بينما أنا أعلم أنه فقد معناه منذ فُرض عليَّ أن أبقى فيه مرغمة. أسوار بيتنا البسيط بدت أعلى من أي وقت مضى، حتى سطحه، صديق طفولتي ومراهقتي ، أصبحت حتى مجرّد الرغبة في  تأمل السماء من عليه، مستحيلة.

أرى السماء المفتوحة أخيراً، لكنّ كلّ الأنظار الأخرى في الخارج اتّجهت إلى الزاوية اليسرى من الشارع، شابّ جاثٍ على ركبتيه، والسلاح موجّه إلى رأسه. قطعت الشارع في عجالة حتى لا أصطفّ إلى جواره، حينها سمعت الناس يقولون: “إله ثلاث ساعات بهالحالة. شو عامل؟ ما حدا بيعرف”.

شهدت اعتقالاً وإهانة، لا للشابّ فقط، بل لرجال قرية بكاملها، لا يمكنهم سؤال من يحمل السلاح: “أين أمر الاعتقال؟ ولماذا تأخذونه؟”.  سمعت لاحقاً أن الشابّ عاد بعد يومين، ربما قالوا له: “متأسفين، تشابه أسماء”، فالاعتقال التعسفي ليس موضة قديمة في سوريا.

لطالما تساءلت كيف هو الشعور في السجن؟ حتى عشته. هذه البلاد سجن كبير، تقابل فيها الأشخاص أنفسهم، وتتعرف إلى أناس عبر الإنترنت كما لو أن هاتفك الجوّال قضبان سجن تمنعك عن العالم. تقضي أيّامك بالتكرار نفسه. وقتما يشاء السجّان يرسل لك الكهرباء والماء، ووقتما أراد إلهاءك افتعل خلافاً بينك وبين سجناء الزنزانة المجاورة، الذين لا تعرف عنهم شيئاً. 

هذه البلاد الممتلئة بالجراحات التي تتكدّس ألماً فوق ألم، كما لو أن هذا القيح لن ينفجر يوماً، وأن كسر إنسان ما سيمرّ مرور الكرام. الأخبار المتلاحقة منذ سقوط النظام إلى اليوم تثير في داخلي إحساساً قوياً بالاحتراق. جرح نازف لا يتوقّف، وإحساس ضمني بأنني يوماً ما لن أسكت. لكن متى؟ لا أحد يعلم. ربما هو التمسّك بالأسطورة، وانتظار العفو السماوي الذي سينقذ هذه الجماعة. انتظار البطل الذي سيخلّصنا جميعاً، والإحساس بأننا في وضع القصاص لأن شخصاً ما ارتكب إثماً، ونحاسب عليه جميعاً.

“والله يا خالتي، كمان هنن عانوا كتير (تقصد الآخر) شو مفكرة هينة عليهن اللي مرّوا فيه؟ لا والله مو هيّن”، تقول جارتنا التي تجالس أمّي وتحلّلان الأوضاع غير المفهومة في بلادنا بلاد العجائب.

لا يعرف أحد غريمه هنا. الناس في هذا الريف، ريف حماة، لا يعرفون بعضهم بعضاً. وكيف لهم ذلك والتواصل الوحيد بينهم هو العمل في الأرض، الأمر الذي لم يشفع لأحد من الطرفين أن يفهم وجع الآخر ومرارته. لا أعراس تجمع بيننا، لا تهنئات. كلّ ما يجمعنا هو الخوف. الخوف من الأخ الأكبر، السجّان، والخوف من بعضنا بعضاً، والخوف من المجهول. فكلّ طرق الخروج بات مشكوكاً بسلامتها.

مع بداية السقوط، كان الرجال يقلّلون الحركة حتى لا يُقتلوا أو يُعتقلوا أو يُهانوا على الحواجز. أقسم أنني أعرف رجالاً لم يخرجوا من منازلهم منذ سقوط النظام السابق إلى اليوم، لذا كانت تخرج النساء.  اليوم، النساء مهدّدات بالخطف، لذا يحاولن ألّا يخرجن من بيوتهن إلا إذا كانت مسألة حياة أو موت. لكن حتى راتب 400 ألف بات كذلك، إن وصل.

أذكر كُتيّب التعليمات الشفوي لرحلة الخروج من المنزل الذي وضعته جارتنا: “تحجبّي.” خطفوا محجّبة، وفشلت الخطّة “أ”، وانهار الجدار الدفاعي القوي المصنوع من القماش.  قالت أيضاً: “اركبي سرفيس، السيّارات الخاصّة عم يقتلوا اللي فيها ويسرقوها”، أطلقوا النار على سيرفيس ركّاب واحد في دمشق، والآخر في الربيعة في ريف حماة، في فترتين متقاربتين، وسقط معها أقوى الخطط الدفاعية التي استشرفت جارتنا بحنكتها أنها لا تسقط أبداً.

بالمناسبة، الركوب في الحافلة أو سرفيس الركّاب بعد سقوط النظام رحلة مختلفة من الاكتشافات الجديدة. أذكر جيّداً أوّل حاجز رأيته بعد السقوط، يقف عليه شيشاني يأكل البزر أو اللُبّ. كان مشهداً سوريالياً. بالإضافة إلى المظاهر المعادة التجديد ولكن بطعم مختلف، مثل الامتناع عن الحديث في السياسة وإخراج الهواتف، والنظر في عين من على الحاجز مباشرة. الواقع كلّه سوريالي، أو ربما سوري فقط.

الرجال في الأمام والنساء في الخلف، غريب الخوف، كيف يجعلنا مطيعين لقواعد وضعها عسكري ما على حاجز في جهة مجهولة، قرّر أن الرجال يجب أن يجلسوا في الأمام لدواعي “الحشمة”، ومنذ ذلك اليوم والناس تُنفّذ.
للأمانة، لم أرَ أحداً يعطي توجيهاً بالأمر، لكنّها قدرة العسكري الجبّار على الحاجز “سين” الذي غيّر قواعد اللعبة.

في إحدى المرّات جلست أمامي سيّدة ترتدي حجاباً، استدارت إليّ وقالت: “تبع مين يا خالتي؟”. في الحديث مع هذه السيّدة، رأيت وجعاً مختلفاً لدى السيّدات المهجّرات، كانت تجلس بجانبها ابنتها وقد طوت كتفيها بحسرة كمن داس على وجع قديم، وتستدير إليّ بقوّة لتجيبني عن سؤالي الفضولي: “لا ما عم نتحجّب بالساحل”، ثم أردفت: “عم اتحجّب بس عالطريق”.

تحدّثت السيدّة مطوّلاً، بينما تأمّلت “الدقّة” على يديها وذقنها — ذاك الوشم الذي لطالما ميّز النساء الكبيرات في بلادنا. تتحسّر على سهراتها وجلساتها مع بناتها الثمانية، اللواتي أصبحت كلّ واحدة منهنّ في مكان.  الحديث مع الناس متعب وجميل في آن، حالة الانكسار قاتلة، بخاصّة لدى العساكر السابقين الذين تظهر عليهم علامات الانسحاب من الحياة العسكرية كما لو أنها هيرويين. شاردو الذهن، نحيلون. “كل شي بدّي ياه هوية بس”، قال أحدهم. 

منذ بداية عمليّة ردع العدوان في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أعيش تجارب مختلفة عمّا اعتدت عليه. صحيح أنني محطّمة نفسياً بسبب الحياة في ظلّ الأخ الأكبر التوكسيك السابق، إلا أنني لم أتوقّع أن أجرّب النزوح، والخوف، والقلق المستمرّ، الذي لم يتوقّف لحظة، منذ أن هرب بشّار الأسد.

إضافة إلى تجربة مجازر آذار/ مارس، ذلك الوجع الممتدّ، الذي كسر شيئاً في داخلي، كطعنة في العين، يندمل الجرح، لكن فقأ العين لا يلتئم يوماً، وتستمرّ في رؤية العالم من عينك الناجية التي لا تتوقّف عن البكاء. السير في القرية مؤلم، بخاصّة عندما ترى أشخاصاً اعتدت رؤيتهم ضاحكين. جارنا في الحارة ذبل مذ ذهب ابنه الأصغر إلى العسكرية في قبل سقوط النظام بشهرين. أراه اليوم جالساً على شرفة منزله، يقرأ القرآن ويُشعِل بخوراً. تقول جدّتي: “الدعوة عند ظهور الهلال مستجابة”.
لأسمع صوتاً يناديه من الأسفل، لم أفهم ما قيل له، لكنّني رأيته يهزّ رأسه قهراً ويقول: “لا والله يا خيي، ما في أخبار عن علي”.
علي الذي اختفى بعد السقوط، ولا يعرف جارنا في أي سجن أصبح، يراني من بعيد ويناديني لأقطف بعض الدرّاق، ويقول: “والله خالتك كتير تعبانة”.

 يعتذر أنها لم ترسل لنا شيئاً هذا العام. أجمع بعضها وأعود أدراجي، فقد نلت كفايتي من الحزن، وأشعر أن العالم انتهى.
أغسل بعض الدرّاق، لا أُلقي بالاً لما حولي، ثم يوقظني صوت أمّي وهي تقول: “لا ترمي البذور، أريد أن أزرع منها، علّنا نأكل من شجرتنا يوماً”.