صباح السبت، 2 أيلول 2023، استيقظتُ بثقلٍ كبير لم يتحمّله صدري. شعور مبهم، موجع، لا تفسير له سوى أن شيئاً ما كان على وشك الانهيار.
سارعتُ إلى قراءة الرسائل الواردة على هاتفي، وقلبي يخفق بعنف لا يشبه سوى الرعب. لم أكن أريد أن أصدق ما قرأته. أخي يلفظ أنفاسه الأخيرة. تجمّدت. لم أصدق. لا، لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا.
طوال تسعة أشهر، كنت أرفض أن أصدّق أن أخي أُصيب بالسرطان في مرحلته الأخيرة، وأن لا شفاء منه، على رغم ما كان يقوله الأطباء. تمسكت بأي خيط، بأي جرعة أمل، ولو كانت كاذبة. نعم، أعطانا بعضهم أملاً، ربما فقط ليشعرونا بأننا نحاول، وربما – وأخشى أن أقولها – ليتاجروا بأمل من لا أمل له، كما فعلوا مع كثيرين غيره من المرضى الذين خُدعوا بوعود العلاج وهم في طريقهم إلى الموت.
مات أخي بسرطان الرأس. عبارة قصيرة، لكنها تحمل كل العواصف التي مرّت داخلي، كل الوجع، كل تفاصيل السنوات الأخيرة. رأيته يتآكل، ينسحب ببطء من الحياة، من جسده، من ضحكته. ومع ذلك، ظلّ شيئاً فيّ يرفض التصديق. ظلّ عندي أمل سخيف، أو ربما وهم، أن هذا الجسد المتعب سينهض فجأة، ويتحدى المرض.
لكن الموت لا يهتم بمشاعرنا، ولا بخوفنا. جاء صامتاً، في لحظة لم أكن أعرف أنها ستكون الأخيرة. كنت بجانبه، أمسك يده، أراقب تنفّسه يضعف شيئاً فشيئاً، الى أن توقّف الى الأبد. تلك اللحظة لا أستطيع وصفها بكلمات، ترافقني حتى اليوم، تسكن في عينيّ ولا تفارقها، صراخ وعويل من كل حدب وصوب، ثم دموع كثيرة وبعدها سكون ثقيل…
بقيت واقفة، أنظر إليه، وأقول في داخلي: “لا… لا… ليس الآن. لكن “الآن” كان قد حلّ.
مع خروج روح أخي من جسده، خرج من داخلي شيء لم أستطع حتى أن أسمّيه. كان غضباً، لكن ليس كأي غضب. كان وحشيّاً، بلا صوت، بلا ملامح. انفجر داخلي كعاصفة. غضب على الحياة؟ على العدالة؟ على الله؟ لا أدري. أول ما فكرت فيه، وسط الصدمة، هو: هل من العدل أن يُحرم أخي من رؤية أولاده يكبرون، يتخرجون في الجامعة، يحققون طموحاتهم؟
لا شيء يُشبه تلك اللحظة التي يموت فيها من نحب أمامنا، ولا نقدر على فعل أي شيء، سوى الوقوف هناك، عاجزين، مذهولين، كأننا نشاهد فيلماً لا نريد أن نكون أبطاله.
أربعة أولاد، كان قلبه لا يتسع لفرحته بهم. كان يحلم لهم بكل شيء. وفجأة، انتهى كل شيء.
أمي كانت تقف إلى جانبي. نظرت إليها فرأيتها تشدّ شعرها، ربما من دون وعي، كأن الجسد لم يعد يحتمل ما يسمعه، ما يراه، ما يشعر به. لم أعرف إن كنت أضمها أو أضم نفسي، إن كنت أريد الصراخ أو الصمت. كل ما فيّ تكسّر في لحظة واحدة.
وفي وسط هذه الفوضى، كنت أحاول أن أواسي أمي، أن أحتضن إخوتي، أن أبدو متماسكة. كنت أواسيهم، بينما أنا في أمسّ الحاجة إلى من يجمع قواي التي تفتتت إلى قطع، لم أستطع لملمتها بالكامل حتى الآن.
مات أبي منذ سنوات، يومها شعرت كأن قطعة مني تلاشت. ومع موت أخي، شعرت أنني أنقص من الداخل، أنني لست كما كنت، ولا كما سأكون. الحزن يغيّرنا من دون أن يسأل، يكسرنا بصمت، ويتركنا نحاول أن نتابع الحياة بوجوهنا القديمة وقلوبنا الممزقة.
أن يموت من تحبّه أمامك، من دون أن تتمكن من فعل شيء، هو ذروة العجز الإنساني. كنت أظن أنني سأفعل المستحيل لأحميه. كنت أبحث عن علاج، عن معجزة، عن شفاء لا يأتي. لكن كل ما استطعت فعله، في النهاية، أن أكون شاهدة. شاهدة على خروجه من الحياة، على آخر نفس، على آخر رمشة عين.
هذه التجربة لم تترك لي فقط أخاً راحلاً، بل تركت فيّ شيئاً مكسوراً لن يُرمَّم. الموت ليس فقط فقدان من نحب، بل هو انهيار شيء فينا، شيء لن يعود أبداً كما كان. أكتب الآن، لا لأنني أريد أن أدوّن حزني، بل لأنني لا أريد أن أنسى. لا أريد أن يمرّ كل هذا كما لو أنه لم يكن. لأن أخي كان، وكان كل شيء.
الحياة تستمر. نذهب إلى أعمالنا، نضحك أحياناً، نردّ على الرسائل، نحضر المناسبات، نسافر، لكنّ الحزن لا يرحل. يبقى في داخلنا كنكزات عميقة صامتة، لا يراها أحد، لكنها تنهشنا من الداخل. فخسارة الإخوة ليست مجرد فَقْد. إنها موت داخلي، لا تُقيم له الدنيا عزاءً، لكنه يغيّرنا إلى الأبد.
إقرأوا أيضاً:










