غادرت المراهقة كوثر بشّار البالغة من العمر خمسة عشر عاماً، منزل عائلتها في منطقة النهروان شرقي بغداد، بعد رفضها زواجاً قسرياً من ابن عمها. وسرعان ما تحوّلت قصّة اختفائها، كما رُويت على منصّات حقوقية، إلى جريمة قتل أُحيطت باللغة الأكثر شيوعاً في تبرير العنف ضدّ النساء والفتيات: “الشرف”، “العار”، “الهروب”، و”سمعة العائلة”. خبر الجريمة ترافق مع فيديوهات تمّ نشرها لشبّان ومراهقين يحتفلون بقتل الفتاة…
حتى الآن، لا تتوفّر رواية قضائية مكتملة أو بيان رسمي تفصيلي يوضح مسار التحقيق والمحاسبة في جريمة صدمت الرأي العامّ، وأثارت غضباً على مصير مراهقة تمّ قتلها بدم بارد والاحتفاء بذلك.
ما كُشف وتداوله ناشطون ومنصّات حقوقية كان كافياً لطرح سؤال يتجاوز الجريمة نفسها: كيف لمراهقة قالت “لا” ودافعت عن حقّها في اختيار مصيرها ورفضها زواجاً مفروضاً، أن تتحوّل في المخيال الاجتماعي من ضحيّة محتملة إلى متّهمة؟ وكيف يصبح الهروب من الإكراه، في بعض البيئات، ذريعة جاهزة لتبرير القتل أو الصمت عنه؟
في جرائم تُرتكب بذريعة ما يسمّى “الشرف”، لا تأتي الشائعة دائماً بعد الجريمة. أحياناً تكون جزءاً من بنيتها، فهي لا تكتفي بشرح ما وقع، بل تصنع شروط قبوله اجتماعياً. حين يُقال إن فتاة “هربت مع شابّ”، لا تكون العبارة مجرّد تفصيل إضافي في القصّة، بل تتحوّل إلى أداة لإعادة كتابتها بالكامل. لم تعد الفتاة، في هذا المنطق، مراهقة تحاول النجاة من زواج قسري أو عنف أسري، بل جسد “خرج عن الطاعة”. محاولة مراهقة الهرب من زواج قسري لم تعامَل كاستغاثة، بل كـ”فضيحة” تستوجب الإعدام. ولم يعد العنف جريمة يجب أن تُدان، بل عقاب يجد من يفهمه أو يبرّره أو يصمت عنه.
“أكيد هربت مع واحد”، “شعجب ما هربت مع واحد؟”. مثل هاتين الجملتين يتكرّر في كلّ مرّة تُقتل فيها امرأة أو فتاة حاولت الإفلات من عنف أسري أو من تزويج قسري. إنها مبرّرات معلّبة، جاهزة، تسبق الجريمة أحياناً، وتلحق بها أحياناً أخرى، لكنّها في الحالتين تمنحها معنى داخل مجتمع ما زال، في قطاعات واسعة منه، يعتبر أجساد النساء والفتيات امتداداً لشرف العائلة والعشيرة لا ملكاً ذاتياً لهن.
هنا لا تبدأ المأساة من لحظة القتل وحدها، بل من اللحظة التي تُطلق فيها رواية ما، ويقرّر آخرون تصديقها، ثم يتولّى المجتمع إعادة تدويرها حتى تتحوّل من كلام إلى “حقيقة” اجتماعية. في مناخ كهذا، لا تحتاج الشائعة إلى محكمة أو إثبات أو مساءلة. يكفي أن تُقال، وأن تجد محيطاً مستعدّاً لتصديقها، حتى تتحوّل إلى حكم نافذ على الضحيّة.
لذلك لا يكفي أن نسأل: لماذا حدث القتل؟ السؤال الأهمّ هو: كيف يعمل هذا القتل؟ كيف يُفهم؟ كيف يُبرّر؟ وكيف يُعاد إنتاجه بوصفه مؤسّسة اجتماعية، لا مجرّد فعل فردي معزول؟
يمكن قراءة هذا النوع من الجرائم بوصفه عنفاً تعبيرياً، لا أداتياً فقط. أي أن العنف لا يهدف إلى إنهاء حياة الضحيّة فحسب، بل يحمل رسالة. إنه يخاطب جمهوراً أوسع من الضحيّة والعائلة الصغيرة: رجال العشيرة، الجيران، المحيط الاجتماعي، وكلّ فتاة قد تفكّر في الرفض. الرسالة الضمنية تقول: ما زلنا قادرين على ضبط الحدود، ما زلنا نملك سلطة على الأجساد التي نعتبرها جزءاً من شرفنا الجمعي، وما زالت “لا” التي تقولها فتاة كافية لاستدعاء العقاب.
في هذا المعنى، تصبح الجريمة نوعاً من البيان السيادي، لا بمعنى سيادة الدولة، بل بمعنى سيادة العائلة أو العشيرة على جسد الفتاة. وفي الروايات المتداولة عن قضيّة كوثر، بدا الاحتفاء أو التفاخر بالعنف، كما قيل إنه ظهر في مقاطع متداولة، جزءاً من هذا البيان: ليس القتل فعلاً يتمّ إخفاؤه خجلاً، بل حدث يُراد له أن يعلّم الآخرين درساً.
لكنّ هذا البيان لا يكتمل من دون لغة تمهّد له. هنا تؤدّي الشائعة وظيفتها داخل الاجتماعيات العشائرية والقبلية، لو قيل فقط إن طفلة رفضت زواجاً مفروضاً وهربت من الإكراه، لأمكن قراءة فعلها كاستغاثة أو محاولة نجاة أو تمرّد على عنف واقع عليها. لكن حين تضاف رواية “الهروب مع رجل”، تنتقل القصّة كلّها إلى حقل آخر: الخيانة، التدنيس، تهديد السمعة، وانتهاك الملكية الرمزية التي تعتبرها العائلة أو العشيرة حقّاً لها.
هذه الإضافات الصغيرة ليست بريئة، إنها تعيد كتابة الجريمة بما يلائم حاجة المنظومة. ليست هناك، في هذا السرد، فتاة تحاول الهروب من قسر، بل جسد خرج من سلطة، وما دام الجسد قد خرج من السلطة، يصبح العنف، في منطق السيادة الذكورية، ردّاً استعراضياً يعيد تثبيت الحدود.
لذلك علينا ألّا نسأل فقط: من أطلق الشائعة؟ بل: ما الذي يجعل الشائعة قابلة للحياة إلى هذا الحدّ؟ ما الذي يجعلها تنتشر بسرعة وتكتسب شرعية شبه تلقائية؟ لماذا تكون رواية “الهروب مع شابّ” أكثر قابلية للتصديق من رواية “الهروب من العنف”؟ ولماذا يُطلب من الضحيّة، حتى بعد موتها، أن تُثبت براءتها؟
هنا يصبح السياق العراقي حاسماً، فالمشكلة ليست في “تقليد قديم” يعمل بمعزل عن التاريخ، ولا في “ثقافة” مجرّدة تفسّر نفسها بنفسها. بعد العام 2003، ومع اتّساع مساحات الضعف المؤسّساتي وتراجع قدرة الدولة على احتكار القانون والحماية في قطاعات واسعة، تعزّز حضور العشيرة بوصفها مرجعية بديلة، أو موازية لإدارة النزاعات والضبط الاجتماعي، وإنتاج الشرعية المحلّية. والعشيرة، حين تعمل في هذا السياق، لا تحتاج فقط إلى السلاح أو صلة الدم، بل إلى أدوات رمزية رخيصة وفعّالة لإدارة حدودها، الشائعة واحدة من أكثر هذه الأدوات كفاءة.
في مثل هذا السياق، لا يعود القتل مجرّد فعل يرتكبه فرد خارج الدولة، بل فعل يحدث في فراغها، أو يستفيد من تراجعها، أو يثق بأن سلطات أخرى ستمنحه ما يكفي من الفهم والتسامح والصمت. لذلك لا يكفي تفسير جرائم قتل النساء المتكرّرة بإحالتها إلى “العقلية العشائرية” وحدها، العشيرة لا تتمدّد وحدها، تتمدّد حين تتراجع الدولة عن حماية الفرد بوصفه فرداً ومواطناً/مواطنة، وحين يبقى القانون ملتبساً في الوعي العامّ، وحين يجعل الاقتصاد النساء والفتيات أكثر هشاشة واعتماداً على البنية الأسرية نفسها، حتى حين تتحوّل هذه البنية إلى مصدر تهديد.
هنا لا يكون الهروب مجرّد خروج من البيت، يصبح محاولة للخروج من خريطة مؤسّساتية كاملة لا تعترف، أصلاً، للفرد، وخصوصاً للنساء، بحقّ الاختيار خارج الجماعة، ومن هنا أيضاً يمكن فهم كيف تتعامل المنظومات الأبوية مع أجساد النساء بوصفها أرضية سيادية. الجسد ليس ملكاً ذاتياً لصاحبته، بل حامل لرأسمال رمزي جماعي: السمعة، الشرف، الهيبة، صورة العائلة أمام الآخرين.
أما ما تملكه النساء والفتيات من خبرات ذاتية، من ألم وخوف ورغبة وحقّ في النجاة، فلا يُحتسب في هذا الاقتصاد. ما يُحتسب هو موقع الجسد في منظومة السمعة، لذلك حين ترفض فتاة زواجاً قسرياً أو تحاول الهرب، لا يُقرأ فعلها كقرار شخصي يخصّها، بل كتصرّف في شيء لا يُسمح لها بالتصّرف فيه أصلاً. هي لا ترفض فقط، في نظرهم؛ هي تتجاوز حدود الولاية على جسد عُدّ، منذ البداية، جزءاً من ملكية رمزية جماعية.
وهذا ما يفسّر لماذا لا تكفي، في كثير من الأحيان، شائعة الهروب وحدها. تُضاف إليها غالباً طبقة جنسية أو عاطفية: “هربت مع رجل”، “أحبّت شخصاً آخر”، “سلّمت نفسها”، وغيرها من مفردات المعجم نفسه. الهروب وحده قد يفتح باباً لتأويلات متعدّدة: خوف، ذعر، يأس، محاولة نجاة، رفض زواج قسري. أمّا إضافة “الرجل”، فتُغلق هذه التأويلات وتعيد توجيه القصّة إلى الحقل الذي تحتاجه المنظومة: لم تعد الفتاة هاربة من عنف، بل صارت، وفق هذا المنطق، جسداً “شوّه” الملكية الرمزية. عندها يصبح القتل، في نظر المبرّرين استعادة استعراضية لتلك الملكية المنتهكة.
لذلك فالإيحاء الجنسي في الشائعة ليس عنصراً عرضياً، بل هو قلبها الوظيفي. إنه يمنع التعاطف مع الضحيّة، ويصادر إمكانية قراءتها كناجية محتملة، ويعيد وضعها في خانة الاتّهام.
غير أن أخطر ما في هذه الجرائم لا يكمن فقط في قتل فتاة أو امرأة، بل في الأثر التعليمي الذي يتسرّب بعدها. الجثّة لا تنتج الصمت لأنها تُرعب الضحيّة التي ماتت، بل لأنها تعلّم من بقي حيّاً. كلّ فتاة في المحيط تتلقّى الرسالة ذاتها: الرفض له ثمن، الهروب له ثمن، محاولة امتلاك الجسد بوصفه ذاتاً مستقلّة قد تقابل بالمحو، وكلّ أسرة أخرى تتلقّى رسالة موازية: من لا “يضبط” نساءه سيفقد وجاهته، ومن لا يعاقب سيبدو ضعيفاً في عيون محيطه.
هكذا تعمل الجريمة كدرس عامّ، لا كفعل انتقامي خاصّ. تكفي جريمة واحدة، وشائعة واحدة، وصمت رسمي واحد، لتنتج سنوات طويلة من الانضباط والخوف والرقابة الذاتية.
لكنّ هذا الدرس لا ينبغي أن يحجب نقطة أساسية: بحسب الرواية التي تداولتها المنصّات الحقوقية، كوثر نفسها لم تمتثل. لقد رفضت، ثم حاولت الهرب. وهذا يعني أن المنظومة، مهما بدت متماسكة، لم تنجح تماماً في إخضاعها. ليس المقصود هنا رمنسة المأساة أو تجميلها نضالياً، بل تسمية ما حدث بدقّة: الرفض والهروب كانا فعلين ذوَي دلالة داخل هذا السياق، لأنهما كسرا قاعدة يُفترض أنها غير قابلة للكسر.
إقرأوا أيضاً:
لم تُقتل الطفلة لأنها كانت بلا قوّة فحسب، بل لأنها استخدمت خيارها الوحيد المتاح. قُتلت، بحسب هذه الرواية، لأن “لا” التي قالتها كانت أخطر على النظام الرمزي من صمتها. والقتل، بهذا المعنى، ليس دليلاً على انتصار المنظومة، بل اعتراف مرتبك منها بأن ما فعلته طفلة كان أشدّ تهديداً ممّا تريد الاعتراف به.
من هنا تبدو اللغة الشائعة في التعليق على هذه الجرائم مضلّلة على نحو كبير. فعبارة مثل “لو لم تهرب لما قُتلت” لا تفسر الجريمة، بل تعيد إنتاج منطقها الداخلي. تبدو، للوهلة الأولى، عبارة واقعية أو تفسيرية، لكنّها في حقيقتها تنقل المسؤولية من القاتل إلى الضحيّة، ومن المنظومة إلى الفتاة التي حاولت النجاة منها. لا تقول فقط إن الهروب سبق القتل، بل توحي بأن الخضوع كان سيضمن الحياة، وكأن المطلوب من الفتاة ألّا تعيش حرّة، بل مطيعة فقط.
هنا تصبح العبارة نفسها امتداداً للشائعة، ولكن بصيغة أخفّ وأكثر هدوءاً. تؤدّي الوظيفة ذاتها: تطبيع القتل بوصفه نتيجة “مفهومة”، لا جريمة يجب أن تُدان دون شرط.
ولا يكتمل هذا التطبيع من دون التقاء الشائعة مع أشكال من التراخي القانوني والاجتماعي. المشكلة ليست في الثقافة وحدها، ولا في القانون وحده، بل في المنطقة الرمادية التي يتقاطع فيها الاثنان. حين يشعر القاتل أن المجتمع سيفهم دوافعه، أو أن بعض المخيال القانوني والاجتماعي ما زال يميّز بين “قتل عادي” وقتل يتمّ تبريره باسم الشرف أو الاستفزاز أو الأعراف العشائرية، تتحوّل الشائعة من مجرّد كلام إلى شبه لائحة اتّهام ضدّ الضحيّة.
وفي المقابل، كلما ظلّت الدولة عاجزة عن حماية الفتيات بوصفهن أفراداً صاحبات حقوق، لا ملحقات بعائلاتهن، ظلّت العشيرة قادرة على تحويل السمعة إلى حكم، والشائعة إلى رخصة ضمنية للعقاب.
لهذا فإن اختزال المسألة في “التخلّف” أو “العادات” أو حتى “غياب القانون” فقط لا يكفي. بل قد يصبح مهرباً مريحاً من تسمية البنية، حين نقول “الثقافة” وحدها، نُعفي الدولة من مسؤوليتها، ونُعفي القانون من ضعفه أو تواطئه، ونُعفي الاقتصاد من دوره في جعل حياة النساء أكثر تبعية، ونُعفي المجتمع من إنتاجه اليومي للرقابة عبر الشائعة واللوم والتشهير.
التفسير الأدقّ هو أن هذا القتل يقع عند تقاطع سلطات متعدّدة: عشيرة تريد تثبيت سلطتها، مجتمع يملك شهيّة دائمة لمراقبة النساء، خطاب أخلاقي يمنح السيطرة لغة الفضيلة، ضعف مؤسّساتي يترك الأفراد بلا حماية كافية، وقانون لا يزال في كثير من الوعي العامّ ملتبساً حين يتعلّق الأمر بالعنف الممارس باسم “الشرف”. أمّا الشائعة فتقوم بوظيفة الجسر الذي يربط هذه الأشكال كلّها في قصّة واحدة قابلة للتصديق والتداول.
ومع كلّ هذا، ما الذي يجب فعله؟
البداية ليست في شعارات فضفاضة عن “تغيير العقليات”، رغم أهمّية العمل الثقافي طويل الأمد. البداية الأدقّ هي تفكيك الشروط التي تجعل الشائعة سلاحاً فعّالاً: بناء منظومة قانونية واجتماعية لا تمنح سمعة العائلة وزناً أعلى من حياة النساء؛ دولة قادرة على حماية الفتيات اللواتي يهربن من الإكراه، لا إعادتهن إلى مصدر الخطر؛ اقتصاد يوسّع إمكانات الاستقلال بدل تكريس التبعية؛ وخطاب عامّ يرفض منطق “لو أنها لم…” بوصفه صيغة مقنّعة لتبرير العنف والقتل.
والأهمّ من ذلك كلّه هو تسمية ما جرى باسمه الصحيح. لم تُقتل طفلة، بحسب الرواية المتداولة، لأنها هربت. قُتلت لأن منظومة كاملة لم تحتمل أن تقول فتاة في الخامسة عشرة: لا.
هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أيّ كلام أخلاقي أو سياسي جادّ عن الجريمة. المشكلة ليست في الهروب، بل في العالم الذي يجعل الهروب سبباً كافياً لإصدار حكم بالموت. المشكلة ليست في الشائعة بوصفها سوء فهم عابراً، بل في كونها تقنية اجتماعية متقنة لإعادة كتابة مقاومة الفتيات للعنف على أنها فضيحة تستوجب المحو. وليست المشكلة في حادثة فردية معزولة، بل في ماكينة تنتج الجثث قبل أن تمتدّ إليها أيّ يد: بالكلمة، ثم بالعار، ثم بالصمت، ثم بالقتل.
لكنّ كلّ ذلك يصطدم بحقيقة مُرّة: منذ تداول خبر الجريمة في 6 أيّار/مايو، انتشرت روايات عن أسماء مشتبه بهم وصور ومكان سكن ومقاطع قيل إنها تُظهر احتفالاً أو تفاخراً بالعنف. ومع ذلك، وبحسب ما هو متاح علناً حتى الآن، لم تصدر رواية رسمية تفصيلية تطمئن الرأي العامّ إلى جدّية التحقيق والمحاسبة. هذا الصمت الرسمي لا يقلّ خطورة عن الشائعة نفسها، لأنه يرسل رسالة أخرى: قد تُقتل فتاة، وقد تُروى جريمتها على الملأ، وقد يغلي الرأي العامّ غضباً، ومع ذلك تبقى الحقيقة مؤجّلة والمساءلة غائبة أو غير مرئية.
في السياق نفسه، أعلنت قيادة شرطة البصرة، في 13 أيّار/ مايو، اعتقال مجموعة أشخاص على خلفية نزاع عشائري مسلّح قيل إنه بدأ من جريمة قتل بذريعة “الشرف”. أهمّية هذه الواقعة لا تكمن في ربطها المباشر بقضيّة كوثر، بل في ما تكشفه من ترتيب هرمي للأولويات. حين يكون العنف موجّهاً ضدّ امرأة أو فتاة داخل دائرة العائلة أو العشيرة، قد يُترك في منطقة الغموض والصمت. أمّا حين يتمدّد العنف إلى نزاع مسلّح يهدّد الأمن العامّ واحتكار الدولة للعنف، يصبح التدخّل أسرع وأكثر وضوحاً.
هنا يصبح السؤال الملحّ: هل تتحرّك الدولة لحماية النساء لأنهن صاحبات حقّ في الحياة، أم حين يتحوّل العنف ضدّهن إلى تهديد أمني أوسع؟ وهل وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الرأي العامّ، حتى حين يغلي غضباً، عاجزاً عن تحريك مسار العدالة؟
لا تكتمل هذه الجرائم بمجرّد القتل. تكتمل حين يتبيّن للجميع أن القتل ممكن دون ثمن واضح، وأن الشائعة كافية لصناعة الحقيقة التي تبرّره، وأن الغضب العامّ قد يبقى صوتاً بلا صدى أمام منظومة تتقاطع فيها العشيرة مع الضعف المؤسّساتي والقانون الملتبس. عندها يصبح الدرس الأشدّ قسوة: يمكنك أن تقتل، ويمكنك أن تبرّر، ويمكنك أن تترك الضحيّة تُحاكم بعد موتها، ويمكنك أن تبقى حرّاً.
حتى ذلك الحين، ستظلّ الكلمة تسبق الفعل، لا بوصفها تعليقاً عليه، بل بوصفها مقدّمته. وستظلّ الشائعة، في المجتمعات التي تعجز عن حماية فتياتها، أكثر من مجرّد كلام: سلاحاً يهيّئ المشهد، يعيد توزيع البراءة والذنب، ويجعل القتل ممكناً قبل أن يقع.












