“مش عارفة إيه حكاية الربط بالسلاسل والجنازير دي، كان نفسي أشوف حنيّته أكتر من قسوته، يمكن لو مكانش ربطتني مكنش هربت للشارع”. “مكنتش أعرف إني أستحق أتنفس، كنت بطلب الإذن عشان أخرج للبلكونة”. “البنات دي ملهاش حقّ لأن الكل متواطئ أن تأديب البنات ملوش سقف”.
في مصر، لا تُعدّ الشهادات التي تفضح إخفاء فتيات من قِبل عائلاتهن أمراً مبالغاً فيه، بل هي تصوير لمعاناة يومية سُلبت فيها الفتيات الحقّ في التنقّل خارج حدود منازلهن، حتى لو التزمن بمعايير المجتمعات الأبوية وسرن على السطور، فهن يُحاسَبن على أي تعثّر ما بين السطور، ويُعاقَبن حتى على النوايا.
نرى في مصر فتاة تُقيَّد بالسلاسل، وأخرى تُمنَع من الخروج لسنوات بسبب خلاف عائلي، وثالثة تُحتجَز لمجرّد رغبتها في الطلاق، المحظوظة منهن تُقيَّد لأيام ويُقدَّم لها الطعام، أما الأسوأ حظاً، فهي مَن تُقيَّد لسنوات حتى تُصبح نظرياً في عداد المفقودات، والأسوأ من ذلك، عدم وصول غالبية القصص إلى الإعلام.
كثيرات يصمتن، وأخريات يُقمعن ويبقين بلا صوت ولا أثر.
في البدرشين، تُحتجز فتاة لـ6 سنوات داخل غرفة مظلمة مقيّدة بالسلاسل ومثبتة بالحائط من قِبل أقاربها. وفي الإسكندرية، تُحتجز شابّة في شقّة مهجورة من قِبل والدها تستجدي الطعام من النوافذ. وفي قرى الدقهلية، لا تحتاج الفتاة إلى خطأ حتى تُحبس، يكفي أن “أباها يخاف عليها”.
زيزي عوّاد في زنزانة منزلية لأكثر من ١٢ عاماً
التهم الحبس المنزلي عمر زيزي عوّاد، والتهم معه طفولتها ومراهقتها كاملة، لم تعرف شكل الشوارع، ولا صنعت صداقات، كأنها دمية وُضعت داخل صندوق ونُسيت! وفي الوقت الذي وُضع فيه والدها في نعشه، وُضعت هي الأخرى داخل نعش من نوع آخر؛ بعد أن تحوّلت غرفتها إلى زنزانة منزلية، فقد لازمت زيزي غرفة منزل والديها لأكثر من ١٢ عاماً، بأمر شقيقها.
تقول زيزي عوّاد في تصريحاتها لـ”درج”: “كنت في الحادية عشرة من عمري حين مات والدي، وأمرني شقيقي وكان عمره وقتها عشرين عاماً، بالتوجّه إلى غرفتي وعدم الخروج منها، لم أرتكب خطأ من أي نوع، ولم أتوقّع أن دخولي إلى الغرفة يعني أنني لن أخرج منها إلا بعد ١٢ عاماً، عندما تمكّنت أخيراً من الهرب، وترك هذه الزنزانة المنزلية إلى الأبد”.
اختبرت زيزي وهي في هذا العمر الصغير، كلّ القواعد والمفاهيم الأبوية الثقيلة، شعرت أنها ورطة هذه العائلة لمجرّد أنها وُلدت أنثى، حتى التعليم والدراسة كانا يحدثان بتواطؤ من الأم، التي كانت “ترشي” الأخ كي يسمح لشقيقته فقط بحضور الامتحانات، تحت حماية الأم، كانت الدراسة المنزلية هي المعادل الموضوعي الوحيد الذي يُثبت لزيزي أنها إنسانة، وليست مجرّد دجاجة، أو كائن يُحبس ويُطعم ليُباع في النهاية.
تقول زيزي: “كان جيراننا لا يعرفون حتى أن لوالدتي ابنة، لم أكن أعلم أنني أستحقّ التنفّس، كنت أطلب الإذن فقط لأقف عند الشرفة، وحين كنت أصرخ، كانت تُخبر من حولنا بأنني مجنونة، وأن جنّياً تلبّسني، حاولت أن أُنهي حياتي مرتين، ولم أنجح، ومع مرور الوقت، لم يكبر داخلي سوى الغضب، والتمرّد، والحقد، وعدم الرضا. كان أخي يستمتع بإذلالنا، وكان يتقرّب من الفتيات اللواتي يعانين من مشاكل مع أسرهن، فقط ليُمعن في إذلالهن”.
المثير للسخرية أن زيزي أُجبرت على ارتداء الحجاب من عمر ١١ عاماً، رغم أنها لم تترك المنزل، تربّت على أنها “عورة” حتى داخل حدود غرفتها، كثير من الفتيات المصريات كُنّ يواجهن حلق شعورهن كعقوبة، وكثيرات اضطررن لطمس ملامحهن الأنثوية، باعتبارها ذريعة لقمعهن اجتماعياً.
قبل أن تنجح زيزي في الهروب من المنزل، كانت تتهيّئ نفسياً كي تنتقم لنفسها بحبّها لذاتها، تقول: “أدركت أن خلاص، محدش هينقذني، حتى ربنا، كنت بترجاه، وكان حالي من سيئ لأسوأ”.
خرجت زيزي من المنزل بعد أن نسي شقيقها باب الغرفة مفتوحاً، وكانت لا تزال ترتدي الحجاب، لجأت إلى الأزهر الشريف، وذهبت إلى لجنة الفتوى، كأمل أخير في أن يتدخّلوا لإنقاذها وتوعية شقيقها دينياً، لكن ما حدث داخل الأزهر جعلها تُدرك أن المنظومة كلّها – الدينية والاجتماعية – تناصر الأخ، وليس عليها إلا السمع والطاعة.
تقول زيزي: “الشيخ قال لي: عليكِ طاعة شقيقك لأنه الوليّ بعد رحيل الأب، وسندعو له بالهداية، وأنتِ تأدّبي وتوقّفي عن الصراخ لأنك بذلك مذنبة. واجهني بخطاب قاسٍ لما قلت إني مش عايزة ألبس الحجاب، كان الشيخ عنده قناعة صلبة لا تهتزّ، وهي إن شقيقي راجل، وأخطاء الرجالة مش زي أخطاء الستات، الراجل ممكن يتوب، لكن معصية الست ما فيهاش رجوع”.
نزعت زيزي الحجاب بعد خروجها من الأزهر، وبدأت رحلة استقلال في الإسكندرية، وتمتدّ اليوم إلى كندا، حيث تزوّجت وهاجرت مع زوجها، وتدرس حالياً سنتها الرابعة في معهد للسينما، وتعمل بشكل مستقلّ عن زوجها، تقول: “بقى كلّ شيء في حياتي من اختياري، لكن الغضب والكره… عمرهم ما هينطَفوا”.
بين سارة ولقاء الحبس المنزلي المفضي إلى الموت
في مصر لا يمنع سواء كنت طبيبة أم راقصة أفراح، من أن تعاقبي بالتقييد بالسلاسل ومن بعدها الموت، من دون حتى الدعاء لك بالرحمة! فالفتاة “الناشز” عن أسرتها في مصر، تُلحق بنفسها وبأهلها الوصم، والأهل مهما صُدموا جراء موت ابنتهم في النهاية، لكنّهم يلفظون أنفاسهم بعد رحيلها، لأن القصّة أخيراً انتهت، ولا أحد سيراجعهم في جرائمهم.
قبل عامين، تابعت قصّة سارة خالد الطبيبة المصرية التي لاقت حتفها بعد محاولاتها الهروب من حبسها المنزلي، حاولت تسلّق جهاز التكييف خارج غرفتها، ولكنّها سقطت غارقة في دمائها، لم تكن جريمة سارة سوى أنها أحبّت سماع الموسيقي وممارسة الرياضة في الجيم، لكنّ عائلتها متشدّدة في التدين.
كانت سارة الطبيبة ذات الروب الأبيض المثير للاحترام، تتعرّض لـ”علقة موت” بعد عودتها للمنزل، حتى تمّ حبسها منزلياً “لتأديبها”، لكنّ سارة لم تحتمل سوى أربعة أيام من العزل عن الحياة، حاولت الهرب من الطابق الخامس، لكنّها سقطت! وهي تحمل كلّ أوراقها الثبوتية في حقيبتها وحذاء الجيم.
ماتت سارة خالد وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، في العمر نفسه الذي ماتت فيه لقاء صاحبة أشهر قصّة شغلت الرأي العامّ المصري، ولم يرمها المجتمع “بحجر” واحد، بل هدموا على رأسها المعبد رغم أن المذنب واضح.
حكت لقاء في حوار معها قبل مقتلها “الغامض” بأيّام، كيف كان يتمّ تقييدها بالسلاسل الغليظة والجنازير من قِبل والدها، منذ كانت في عمر الثالثة عشر، وكيف هربت وتعرّضت للاغتصاب في الشارع، ثم عادت إلى والدها فعذبها وقيّدها وزوّجها قسراً، وكيف هربت من زوجها بسبب ضربه المبرح لها، وعودتها إلى أهلها حيث قيّدها الأب والعمّ بالسلاسل، ثم هروبها ثانية لتنام في الشوارع، ولتعمل راقصة في الأفراح ولتغتصَب مئات المرّات، ثم تعمل في الدعارة القسرية، وتنجب طفلاً في الشارع، وتصاب بالإيدز، ثم تعود إلى الأب ليعلن وفاتها في ظروف غامضة وهي في ريعان شبابها.
كانت قصّة لقاء تشبه المأساة الإغريقية المكتملة، حتى وهي تغنّي “وبنحبك يا دنيا بجد” في وسط كلّ ما تعرّضت له. لا توجد جريمة لم تمرّ على جسدها اليافع، رغم أنها لخصّت المسألة ببساطة حين قالت: “مش عارفة إيه حكاية الربط بالسلاسل والجنازير دي، كان نفسي أشوف حنيته أكتر من قسوته، يمكن لو مكانش ربطتني مكنتش هربت للشارع”.
كانت سارة ولقاء وغيرهما من الفتيات ممن خضعن للحبس المنزلي، ضحايا لمعتقدات اجتماعية تعتبر حرّية المرأة “تهديداً”، وكرامتها “ملكيّة جماعية”، ومع هذا ما زال الحبس المنزلي أمراً مألوفاً اجتماعياً، ولم يصبح بعد جريمة أبعد من “التأديب” ليعاقب عليها القانون المصري.
متى تصبح المنازل “براحاً آمناً” للنساء
قالت شيماء طنطاوي العضوة المؤسّسة في مؤسّسة “براح آمن”: “إن المؤسّسة بدأت عملها في عام 2015، بتوثيق حالة صديقة تعرّضت للحبس المنزلي، حيث قامت عائلتها بمنعها من الطعام والدواء”، وأضافت: “حين بدأنا في التدوين حول القضيّة، تلقّينا مئات الشهادات التي وصلت حينها إلى نحو ألف شهادة وتجربة”.
وأوضحت طنطاوي أن “هذه الشهادات جاءت من نساء وفتيات تعرّضن للحبس المنزلي بأشكال متعدّدة، منها منع الفتيات من السفر للدراسة أو العمل، أو منع الزوجات من الخروج من المنزل أو زيارة ذويهن”، معتبرة أن “أسباب الحبس ليست واحدة، لكن في الغالب يُستخدم كعقوبة حين تختار النساء مساراً مختلفاً عن المتوقّع منهن”.
وثّقت طنطاوي بعض الحالات حيث “لم تقم المرأة بأي اختيار أصلاً، بل تعرّضت للحبس فقط لإثبات سيطرة الأب أو الزوج، باعتبار أن الكلمة الأولى والأخيرة تعود له”.
وحول تعامل السلطات مع هذه الوقائع، قالت طنطاوي: “إن المؤسّسة أبلغت الشرطة عن عدد من الحالات، لكنّ التدخّل الأمني كان إما ضعيفاً وإما منعدماً”، موضحة: “في بعض الحالات، عندما تصل الشرطة، تخاف الفتاة من التصريح بأنها محتجزة، خاصّة عندما تكون قد تعرّضت للضرب أو التهديد المباشر”.
وأضافت: “ما زالت هذه الممارسات قائمة حتى الآن، هناك فتيات يتواصلن معنا للحصول على دعم نفسي فقط، لأنهن غير قادرات على اتّخاذ خطوات قانونية، إما لجهلهن بالإجراءات، وإما لعدم رغبتهن في التصعيد بسبب الضغوط”.
أغلب الشهادات الأولى التي وردت إلى مؤسّسة “براح آمن” لم تتضمّن طلبات مساعدة، بل كانت محض حكايات تبحث عن فضاء آمن للسرد، واستشهدت طنطاوي بحالة عاينتها شخصياً، حيث رافقت محامياً لمحاولة الاطمئنان على فتاة اختفت بعد عودتها إلى منزل أسرتها، وتعرّض فريق الدعم للاعتداء، وقالت: “حين توجّهنا إلى تحرير محضر رسمي قيل لنا إنهم سيحرّرون محضر سرقة في مقابل محضرنا، فاضطررنا للتنازل. بعدها أحضروا الفتاة لعرضها أمام الشرطة لإثبات أنها بخير، لكنّها كانت مرعوبة، وخائفة من الاعتراف بأنها محتجزة ومعتدى عليها”.
كما تحدّثت عن حالة أخرى تدخّلت فيها محاميات نسويات وقدّمن بلاغاً رسمياً، ورافقته الشرطة إلى مكان الاحتجاز: “لكنّ الفتاة أنكرت أنها محتجزة، خوفاً من الانتقام”، وأكدّت طنطاوي أن “معظم هذه الحالات ليست من القاهرة”، مشيرة إلى أن “الوضع في محافظات الصعيد والدلتا أكثر قسوة وتعقيداً”.
وتقول طنطاوي: “إن العديد من النساء يعانين من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب الحادّ نتيجة لهذه التجارب، بينما يُستخدم القانون مثل المادّة 60 من قانون العقوبات، كأداة للتنكيل بالنساء في قضايا العنف الأسري، من دون أن تُتخذ خطوات جادّة من قِبل السلطة التنفيذية، خصوصاً عندما تكون المرأة ضحيّة لوالدها أو شقيقها، باعتبارهما جزءاً من منظومة السلطة الأبوية”.
من بلانش مونييه إلى مثيلاتها… الجرائم تبدأ من العائلة
في بدايات القرن العشرين كانت تحدث تحوّلات في العالم بأسره لكن فتاة من بواتييه الفرنسية، كانت محبوسة في غرفة مظلمة لأكثر من ٢٥ عاماً من جانب والدتها وشقيقها، ولم تنجُ إلا بعدما تلقّى النائب العامّ في بواتييه في ذلك الوقت، بلاغاً أن فتاة محتجزة، لا تبرح غرفتها، ومحرومة من طعامها، وتعيش في فراش قذر لأكثر من ٢٥ عاماً.
رغم أن قصّة بلانش مونييه قديمة وأصبحت مادّة خصبة لإنتاج الكتب والأفلام الوثائقية والبودكاست، لكن في مساحات جغرافية أخرى من العالم، عاشت نساء كثيرات مثل مونييه في حبس منزلي، ومررن بظروف لا تقلّ قسوة عمّا قاسته.
ما تواجهه النساء اليوم في مصر ليس مجرّد قيد حديدي، بل نظام متكامل من الصمت، والإنكار، والتواطؤ، فالضحيّة كثيراً ما تكون عاجزة عن إثبات الحبس أو مقاضاة الجناة، لأنهم غالباً من ذويها، ولأن الشرطة والقانون لا يعترفان بهذا النوع من “الاحتجاز العائلي” كجريمة مستقلّة.
هذه الغرف المغلقة التي لا تراها الدولة، هي خلايا من القمع المنزلي الممنهج، وفيها تتكثّف كلّ طبقات التمييز التاريخي، من الاقتصاد إلى الدين، من القانون إلى الثقافة، وليس المطلوب فقط تحرير النساء من الجدران، بل من البنية التي جعلت تلك الجدران ممكنة ومحميّة ومبرّرة.











