مرّ أكثر من ستة عقود منذ أغلق غسان كنفاني باب الخزّان على رجاله الثلاثة في روايته الشهيرة “رجالٌ في الشمس”، وترك خلفه سؤالًا لم يتوقف عن ملاحقة قرّائه: “لماذا لم يدقّوا جدران الخزّان؟”. ظل هذا السؤال حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية، تتبدل قراءاته بتبدل الأزمنة؛ مرةً بوصفه إدانةً للصمت، ومرةً أخرى احتجاجًا على العجز، ومرةً مساءلةً لرحلة بحث عن النجاة انتهت إلى موتٍ صامت. وربما كانت قوة السؤال كامنة في أنه لم يقدم إجابة نهائية، فترك لكل زمن أن يضع تجربته في مواجهته.
لكن صيف غزة يعيد السؤال من جهة أخرى، ما يلفت هنا ليس أن الفلسطينيين يعيشون نسخة جديدة من رواية كنفاني، وإنما أن بعض الاستعارات التي احتاج إليها الأدب يومًا كي يختصر المأساة تقترب اليوم، على نحو مقلق، من الواقع نفسه. الخزّان الذي صنعه كنفاني فضاءً خانقًا للاختناق والانتظار، يبدو أقل مجازية أمام مئات آلاف النازحين الذين يمضون نهاراتهم داخل خيام لا تردّ حرًا، ولا تحفظ برودة، ولا تمنح أجسادهم سوى مساحة ضيقة لمواصلة يوم آخر.
في ذروة النهار، تتحول الخيمة إلى مساحة يضيق فيها الهواء أكثر مما يضيق المكان، سقف من نايلون أو قماش خفيف يمتص حرارة الشمس ثم يعيد بثها إلى الداخل، وأرض تحتفظ بحرارتها، وساعات طويلة ينتظر فيها الناس أن تميل الشمس قليلًا كي يصبح التنفس أقل مشقة، فلا تصل الحرارة إلى الجسد وحده؛ بل تمتد إلى الماء والطعام والنوم والمرض، وتعيد ترتيب أبسط تفاصيل اليوم تبعاً لهذا الروتين القاسي.
تتغير الحكايات، لكن الإحساس بالاختناق يظل حاضرًا، رجال كنفاني كانوا محاصرين داخل خزّان لا يعلم أحد ما يحصل فيه. أما خيام غزة فمكشوفة للعين؛ تُصوَّر، وتُنقل أخبارها، وتصل تفاصيلها إلى الشاشات كل يوم، ومع ذلك، لا تكفي المعرفة وحدها لتغيير الشروط التي يعيش داخلها النازحون، يبقى الجسد في المكان نفسه، وتبقى الخيمة فوقه، وتبقى الشمس تفعل فعلها حين يأتي النهار.
لذلك، لا يكون استحضار رجال في الشمس محاولة للعثور على تطابق بين الأدب والواقع. التشابه بين الخزان والخيمة أقل أهمية من السؤال الذي يفتحه هذا التشابه: ماذا يحدث عندما يضيق المجاز عن حمل الحقيقة عندما تتحول الاستعارة التي صاغها الأدب ذات يوم إلى شيء يمكن أن يلمسه الإنسان ويمضي نهاره تحته؟
هنا، لم يعد السؤال فقط عمّا إذا كان أحد قد سمع الطَرق، وإنما عمّا يحدث حين يصبح الطرق مسموعًا، فيما تظل الجدران قائمة بأشكال أخرى.
حين يصبح المأوى جزءًا من المعاناة
ماذا يحدث حين يصبح المكان الذي يفترض أن يحمي الإنسان جزءًا من الخطر الذي يواجهه؟
عائلات كثيرة وصلت إلى واقع الخيام بعد تدمير مساكنها أو اضطرارها إلى النزوح المتكرر، ليبقى توفير المأوى الملائم مقيدًا بنقص مواد الإيواء والقيود على إدخالها، وبقدرة الاستجابة الإنسانية المحدودة أمام اتساع الاحتياجات، إذ تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن مواقع النزوح المكتظة والملاجئ المؤقتة لا تزال عرضة لمخاطر صحية متزايدة مع ارتفاع الحرارة، فيما تعيق القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي قدرة الجهات الإنسانية على الوصول وتقديم الإمدادات أو توسيع الاستجابة لتوفير بدائل أكثر ملائمة.
كما أشارت منظمة “OCHA” إلى أن الاكتظاظ وسوء أوضاع المياه والصرف الصحي يساهمان في استمرار انتشار الأمراض الجلدية والإسهال المائي الحاد، فيما تؤدي القيود المفروضة أيضاً على الوصول إلى مواقع النفايات إلى تراكمها في المناطق المأهولة.
لكن الأرقام لا تقول كيف يبدو ذلك داخل جسد مريض، ولا تُظهر معاناته كما يجب.
يصف محمود عبد الكريم خطاب، نجل الحاج عبد الكريم خطاب، وهو رجل في الثمانين يخضع لجلسات غسيل كلى مرتين أسبوعيًا، التحول الذي طرأ على حالة والده منذ نزوحه إلى مواصي خان يونس. قبل الخيمة، كما يقول، كان والده “متصالحًا مع المرض”، قادرًا على القيام بكثير من تفاصيل يومه بمساعدة بسيطة. الآن، صار المرض جزءًا من معادلة أثقل؛ جسد متقدم في العمر داخل خيمة لا تقاوم حرارتها، ورحلة علاج تبدأ قبل الوصول إلى المستشفى بوقت طويل.
يقول محمود إن أصعب ما يواجهه والده هو التنقل إلى جلسات غسيل الكلى. البحث عن وسيلة تنقلهما من المنطقة إلى مستشفى ناصر، والانتظار طويلًا حتى تتوافر، وفي الطريق، قد يضطر الرجل إلى قطع المسافة على عربة يجرها حمار، تحت الشمس ومن دون وسيلة تحميه من الحرارة، ثم يأتي انتظار آخر داخل المستشفى، حيث تعمل الأقسام تحت ضغط كبير وتؤخَّر الحالات غير الطارئة أحيانًا بسبب كثافة المرضى والإصابات.
بهذا المعنى، لا تبدأ معاناة العلاج في المستشفى وحسب، بالنسبة إلى مريض في الثمانين، قد يكون الوصول إلى العلاج جزءًا من المرض نفسه.
داخل حدود خيمته، تتقلص حتى أبسط الحركات التي كان بإمكان رجل أن يقوم بها وحده. يروي محمود أنهم أقاموا لوالده مساحة مظللة من الشوادر والأغطية، لكنها لا تحل المشكلة. فالحر يمنعه من البقاء في الداخل طويلًا، والحشرات تجعل الخروج مخاطرة أخرى. يقول إن والده لا يستطيع أحيانًا حتى “إزاحة الذباب عن وجهه”، فتجلس حفيدته إلى جواره لتبعد الحشرات عنه.
قبل نحو أسبوع من المقابلة، عاد محمود إلى الخيمة ليجد والده فاقد الوعي تقريبًا، وأنفاسه ضعفت تحت وطأة الحر. يقول: “رجعت لقيته مغيّب جوات الخيمة ونَفَسَه رايح… وقتها حسيت قلبي وقّف”.
في مكانٍ آخر، في الزوايدة، يظهر أثر الصيف على جسد أصغر بكثير.
زاهر، طفل في الرابعة، يعاني منذ اشتداد الحرارة من تسلخات وحساسية حادة في أطراف جسده. تقول والدته، أم زاهر كلّاب، إن الطبيب نصحها بإبعاده عن الحرارة العالية، لكن النصيحة نفسها تصطدم بالمكان الذي يعيش فيه الطفل: “بس إحنا عايشين بخيمة… شو بدنا نعمل؟”.
تحاول أن تفعل ما تستطيع. تضع منشفة مبللة تحته، وتحرك الهواء بقطعة كرتون، وأحيانًا تُجلسه في وعاء من الماء. لا تنفع هذه المحاولات طويلًا أمام الحرارة وانعدام وسائل التبريد. في الليل، لا ينام الطفل ولا تنام معه؛ يوقظه الألم، ويوقظ أمه، ويتحول الليل إلى دورة أخرى من البكاء والسهر. أما المراهم، فتقول إنها غالية أو غير متوافرة، وبعض الأدوية التي يصفها الأطباء يصعب العثور عليها.
ما تقوله الأم بعد ذلك يخرج عن حدود وصف المرض، تصمت قليلًا ثم تبكي: “مرات بكره إني أم… بحس إني أم عاطلة لأني مش قادرة أريحه”.
الجملة تكشف شيئًا لا يظهر في الحديث عن الحرارة بوصفها رقمًا، ولا في الحديث عن الخيام بوصفها وحدات إيواء. إنها تكشف كيف يدخل نقص الإمكانات إلى العلاقة الأكثر خصوصية بين الأم وطفلها؛ أم تعرف ما يحتاجه جسد طفلها ليرتاح، وتعرف أيضًا أنها لا تملك المكان ولا الكهرباء ولا الدواء الذي يسمح لها بتلبية ذلك الاحتياج.
لهذا، تبدو الخيمة في الصيف أكثر من مساحة ساخنة، وأضيق من خزان، إنها المكان الذي تتقاطع فيه هشاشة الجسد مع هشاشة المأوى، وحاجة المريض مع صعوبة الوصول إلى العلاج، وقلق الأم مع غياب أبسط أدوات التخفيف. ما يفعله الحر هنا لا ينفصل عن الشروط التي سبقت وصوله: نزوح متكرر، مأوى مؤقت، خدمات محدودة، ومجتمع يعيش تحت ضغط نقص المياه والموارد.
وعندما تجتمع هذه العوامل في جسد مريض أو طفل صغير، يصبح السؤال أقل تعلقًا بقدرة الإنسان على الاحتمال، وأكثر اتصالاً بما تُرك له من معطيات كي يحتمل أصلاً.
حين لا يفسد الحر الأجساد وحدها
لا تُختزل حرارة الصيف في الخيمة، ولا تتوقف عند الأجساد، فقد تمتد إلى ما يحتاجه الناس كي يواصلوا حياتهم: الدواء الذي يفقد شروط حفظه، والطعام الذي يتلف قبل أن يصل إلى المائدة، والكهرباء التي تتحول من خدمة أساسية إلى سلعة تُشترى بالساعات، والعمل الذي يصبح مهددًا بالخسارة كلما ارتفعت الحرارة.
في الصيدلية، تظهر المشكلة بصورة شديدة الدقة، بعض الأدوية تحتاج إلى نطاقات محددة من درجات الحرارة، ويؤدي تجاوز شروط التخزين إلى التأثير في جودتها أو استقرارها. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التخزين والنقل الملائمين جزء أساسي من الحفاظ على جودة المنتجات الطبية، وأن بعض المستحضرات تحتاج إلى ظروف حرارية محددة وسلسلة تبريد مستمرة. وفي بيئة تتعرض فيها الكهرباء للانقطاع أو الانعدام وتعمل بعض الصيدليات داخل منشآت مؤقتة، يصبح الحفاظ على الدواء مهمة إضافية تسبق وصوله إلى المريض.
في خيمة أيضاً، أمام مجمع ناصر الطبي في خان يونس، يعمل الصيدلاني بدر أبو مايلة في صيدلية “جنّة”. يصف المكان الذي يمارس فيه مهنته اليومية بعبارة تختصر المفارقة كلها: الصيدلية موجودة، والدواء موجود أحيانًا، لكن شروط حفظه تتآكل حولهما.
يقول أبو مايلة إن التحاميل، وخصوصًا تحاميل الأطفال، تذوب بفعل الحرارة، وإن هناك أدوية أخرى تحتاج إلى تبريد مستمر، بينها أقلام الأنسولين وبعض أدوية المناعة. حتى الأدوية التي يُفترض أن تُحفظ في درجة حرارة الغرفة تواجه مشكلة مختلفة؛ فدرجة الحرارة داخل الخيمة نفسها قد تتجاوز ما تسمح به شروط التخزين المعتادة.
وحين تتلف الأدوية، لا تتوقف الخسارة عند قيمة العبوة. هناك مريض ينتظر علاجًا قد لا يستطيع الحصول عليه مرة أخرى بسهولة، يقول أبو مايلة إن الاعتذار للمرضى عن عدم توافر أصناف معينة أصبح جزءًا من العمل اليومي؛ بعضها ينقطع من السوق، وبعضها الآخر يتعذر حفظه في الظروف الحالية، فيضطر المرضى إلى البحث عنه في المستشفيات أو عبر المؤسسات الدولية.
وفي المكان نفسه، يرى الصيدلاني أثر البيئة على نوع الحالات التي تصل إليه. حساسية جلدية، حروق شمس، لدغات حشرات، وحالات مرضية أخرى تزداد مع الحرارة والاكتظاظ وسوء ظروف المعيشة. تتجاور إذن دائرة المرض مع دائرة علاجه: بيئة ترفع احتمالات الإصابة، ونظام صحي يحاول الاستجابة لها بينما يواجه هو نفسه صعوبة في حفظ جزء من الأدوات التي يحتاج إليها.
المفارقة ذاتها تظهر في البقّالة، لكن على رفوف الطعام هذه المرة.
أبو عزيز الرنتيسي يدير محلًا مصنوعًا من الشوادر البلاستيكية. منذ بداية الصيف، تغيرت حساباته. الألبان والأجبان واللحوم تحتاج إلى تبريد مستمر، والخضروات الورقية تذبل سريعًا، بينما تتأثر منتجات أخرى بالحرارة والرطوبة. أما الكهرباء، فيشتريها بالساعات من ألواح شمسية لدى أحد جيرانه، في محاولة لإبقاء ثلاجة صغيرة عاملة أطول وقت ممكن.
يتذكر كرتونة لبن اشتراها بالدين، انقطعت الكهرباء لساعات طويلة، وعندما فتح الثلاجة في اليوم التالي عرف أن الخسارة وقعت قبل أن يلمس الكرتونة. يقول: “فتحت التلاجة… الريحة طالعة منها قبل ما أفتحها. رميتها بالزبالة، ودموعي نازلة. بحس حالي برمي شقى أسبوع بالزبالة”.
إقرأوا أيضاً:
منذ ذلك الوقت، صار يشتري كميات أقل. كيسان من اللبن بدلًا من كمية تكفي أيامًا، وكمية محدودة من الخضار والجبن. يخشى أن يتحول المخزون إلى دَين جديد. وفي المقابل، يواجه الزبائن نقصًا في أصناف كانت متاحة بسهولة في ظروف أخرى، يقول إن الأمهات يسألن عن الحليب، وإنه يضطر أحيانًا إلى إخبارهن بأنه غير موجود، لا لأن السوق خلا منه بالضرورة، وإنما لأن تخزينه في هذه الظروف قد يعني خسارة البضاعة كلها.
يحاول أصحاب المحال إبطاء التلف بما يملكونه: خيش مبلل فوق الشوادر، مراوح تعمل على البطاريات، وثلاجات تُفتح لأقصر وقت ممكن، وقطع من الثلج توضع حول بعض المواد. لكنها وسائل تؤخر الخسارة ولا تلغي سببها. يقول الرنتيسي: “بالآخر الحر بغلب”.
هنا يصبح نقص الكهرباء أكثر من انقطاع خدمة. إنه عامل يحدد ما يمكن تخزينه وما يمكن بيعه، وما يصل إلى الناس وما يفسد قبل الوصول إليهم، وحين يضطر صاحب البقالة إلى تقليص مشترياته، يتغير ما يراه الناس على الرفوف؛ وحين يتعذر الحفاظ على دواء يحتاج إلى التبريد، يتغير ما يستطيع المريض الحصول عليه.
بهذه الطريقة، يدخل الصيف في اقتصاد الحياة اليومية نفسه، لا يختبر الجسد وحده، وإنما يختبر قدرة المجتمع على حفظ الأشياء التي يعتمد عليها الجسد. الطعام يحتاج إلى كهرباء كي يبقى طعامًا، والدواء يحتاج إلى درجة حرارة مناسبة كي يبقى دواءً، والمحل يحتاج إلى طاقة كي يحافظ على بضاعته، والأسرة تحتاج إلى هذه الدورة كلها كي تشتري وتطهو وتعالج وتواصل يومها ضمن دورة الحياة الطبيعية.
وفي نهاية يومه، لا يُحصي الرنتيسي ما باعه فقط. يحصي ما فسد، وما خسره، وما بقي عليه من دين. وفي الصيدلية، لا يقاس النقص بعدد الأصناف الغائبة وحدها، وإنما بعدد المرضى الذين يُقال لهم: لا يوجد.
هنا تحديدًا يصبح الحر آليةً إضافية لاستنزاف ما تبقى من الموارد. لا يحتاج إلى تدمير شيء دفعة واحدة؛ يكفي أن يسرّع تلفه، وأن يجعل الحفاظ عليه أكثر كُلفة، وأن ينقل عبء ذلك كله إلى أشخاص يملكون أصلًا أقل قدر ممكن من الخيارات.
حين تصبح النجاة امتيازًا
تبدو موجة الحر، في مكان تتوافر فيه الكهرباء والمياه والمساكن الملائمة، مشكلة يمكن التعامل معها بوسائل معروفة: إغلاق النوافذ، تشغيل المكيف، شرب الماء، الذهاب إلى مكان أبرد، أو طلب الرعاية الطبية عند الحاجة. هذه الوسائل تبدو عادية إلى درجة أننا لا نفكر فيها بوصفها امتيازات. لكنها تصبح كذلك حين تغيب.
سؤالٌ آخر يفتحه صيف غزة: كيف يُطلب من الناس التكيف مع الحرارة في واقع جُرّدوا فيه من الأدوات التي تجعل التكيف ممكنًا؟
في مقال لهما بعنوان “الأرض المحروقة”، يناقش كايت ماكنزي وتيم ساهاي كيف تحوّل تغير المناخ من أزمة تتعلق بدرجات الحرارة إلى سؤال عن توزيع القدرة على الاحتماء منها. فالمناخ لا يضرب الجميع بالطريقة نفسها؛ من يملك المال والبنية التحتية والطاقة يستطيع شراء مزيد من الحماية، بينما يدفع الأكثر هشاشة كلفة أعلى لمواجهة الخطر نفسه. وفي هذه المعادلة، تصبح القدرة على التكيف مرتبطة بالموارد السياسية والاقتصادية التي يمتلكها كل مجتمع.
تدخل غزّة هذه المعادلة من نقطة أكثر قسوة. فالكثير من الوسائل التي يفترض أن يبدأ منها التكيف لم تعد متاحة أصلًا، فيما تبقى القدرة على إدخال الإمدادات وتوفير مواد الإيواء مرتبطة بقيود وإجراءات تتحكم في حجم ما يصل إلى القطاع.
لهذا، تبدو عبارة “التكيّف مع الحر” مضللة إذا استُخدمت وحدها. كيف يتكيف مريض يحتاج إلى التبريد بينما لا توجد ثلاجة؟ كيف تحمي أم طفلًا من الحرارة إذا كانت الخيمة نفسها هي المكان الوحيد المتاح له؟ كيف يحافظ صاحب محل على طعامه إذا كانت الكهرباء تُشترى بالساعات؟ وكيف يُطلب من صيدلي الحفاظ على دواء يحتاج إلى درجة حرارة محددة حين لا تتوافر له شروط التخزين الأساسية؟
هذه الأسئلة تعيد تعريف معنى الصمود نفسه.
كثيرًا ما يُقدّم الفلسطيني بوصفه بطلاً في الصمود، وكأن الصمود صفة داخلية تكفي وحدها لمواجهة الظروف. لكن ما يظهره الواقع مختلف: الإنسان يستطيع الاحتمال لأن هناك معطيات مادية تسمح له بذلك. يحتاج إلى سقف يحميه، وماء، وغذاء، ودواء، وطاقة، ورعاية صحية، ومساحة يستطيع فيها أن ينام ويستعيد جسده شيئًا من قوته. حين تُسلب هذه المعطيات واحدًا بعد آخر، يصبح تحويل الاحتمال إلى فضيلة أخلاقية نوعًا من قلب المسؤولية؛ كأن المشكلة في قدرة الناس على الصمود، لا في الظروف التي جعلت الصمود أصعب من أي وقت مضى.
ولهذا لا يبدو شكل الحياة الذي يعيشه الغزّي الآن دليلًا على بطولة الإنسان في مواجهة المحنة بقدر ما يبدو شاهدًا على مقدار ما فقده كي يستطيع البقاء .
الحر نفسه لا يوّزع الألم وحده، ما يحدد أثره هو ما يوجد حول الجسد من إمكانات تدفع عنه الضرر
التساؤل هنا، ليس مُناخياً أبدًا، بل بحثاً في البنية التي تجعل الحياة ممكنة.
ومن هنا يصبح ما يحدث في خيام غزة جزءًا من واقع يشرح فكرةً أبعد من العدالة المناخية والقدرة غير المتساوية على النجاة. فالخطر الطبيعي يتحول إلى كارثة اجتماعية حين يقع على مجتمع استُنزفت موارده، ودُمّرت مساكنه، وتقيّد وصوله إلى الخدمات والإمدادات، فلا يكون المطلوب الآن من الناس أن يصمدوا أمام الحرارة فحسب؛ المطلوب أولًا أن تتوافر لهم الشروط التي تجعل تحملها ممكنًا.
من الذي يطرق جدران الخزّان؟
يعود غسان كنفاني بتساؤله الشهير إلى المشهد في غزّة قالباً السؤال إلى وجهه الآخر، ففكرة الخزّان لا تصف معنىً مكانياً أو حيزًا مغلقًا ينتظر من في داخله أن يكتشفوا ضرورة الطرق، إن ما تواجهه غزّة الآن صار مكشوفًا إلى الحد الذي تنتفي معه حجة عدم إدراكه أو سماعه، المشهد أمام الجميع، والطَرق مستمر، والجدران لم تعد تخفي شيئًا. ومع ذلك، ما من نجاة.
الناس هنا يطرقون، يطرقون بأجسادهم وبصرخاتهم حتى صارت هذه الطرقات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية نفسها.
المفارقة أن أحدًا لا يستطيع اليوم أن يقول إنه لم يسمع. الخيام مرئية، والحرارة التي تختبر أجساد سكانها موثّقة، ونقص المياه والكهرباء والخدمات معروف، والقيود التي تتحكم في وصول الاحتياجات الأساسية إلى غزة ليست جدرانًا خفية، الاحتلال الذي يطوّق غزّة ويخنقها واضح، ومع ذلك، يستمر السؤال في الدوران حول قدرة الناس على الاحتمال، وكأن المطلوب منهم أن يجدوا في أجسادهم ما يعوض ما فُقد من شروط الحياة.
ربما لهذا لم تعد الوقائع في غزة تحتاج إلى استعارة كي تشرح ما يحدث داخلها. الواقع أكثر مباشرةً وصراحة من كل المجازات، والسؤال الذي تردد زمناً: لماذا لم يدقوّا جدران الخزّان؟
بعد كل ما يحدث، ينقلب صرخةً جليّة ليصبح: هل العالم وراء الخزّان يسمع!؟
إقرأوا أيضاً:











