منذ أن بدأت الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي تستحوذ على الإشهار العالمي، ارتبط الناس أكثر بهذه المنصات على حساب التلفزيون. لم يعد الخبر يُنتظر في نشرة أخبار، بل يُلاحق لحظة بلحظة. صفحات بأسماء أفراد باتوا “مؤثرين” وصفحات أخرى تُمنح أسماء مدن وأحياء تحوّلت إلى مصادر متابعة دائمة، خصوصاً في زمن الحرب، حيث يدفع التوتر الجميع إلى فتح هواتفهم باستمرار لقراءة كل جديد.
التقطت الزميلة ساندريلا عازار صورة لامرأة لبنانية جنوبية نازحة تجاوزت الستين عاماً، تفترش الأرض تحت الشمس وتدخّن سيجارة فوق اسفلت الشارع. كانت الصورة جزءاً من تغطية صحافية إنسانية لأحوال النازحين الموزعين على الطرقات بعد فتح جبهة جنوب لبنان مع إسرائيل. لكن إحدى الصفحات اقتطعت الصورة من دون ذكر المصدر، وانتقل العنوان من تموضعها الإنساني إلى صيغة أخرى: “في بيروت، التقطت صورة لسيدة نازحة تفترش الطريق وتشرب سيجارة في نهار رمضان”.
هكذا انقلب المعنى بالكامل، وانتقل التركيز من مأساة النزوح وأهواله إلى الحكم الأخلاقي الشخصي على حرية السيدة في أن تدخن وهي تتأمل مصيرها…
نموذج العنوان الذي جلب عشرات التفاعلات والتعليقات، بدا مهيّأً لمهاجمة السيدة، لا للتعاطف معها أو التوقف عند قسوة جلوسها على الأرض. بإعادة صياغته، أُعيد إنتاج الخطاب، وتغيّر واقع الصورة، وتشكّلت دلالتها بما يدفع الجمهور إلى اصطفاف أخلاقي ديني وصراعي بدلاً من أي تضامن إنساني.
نحن لا ننظر إلى الصور فقط، بل عبر منظومة قيم شديدة التآكل، والتعليقات ليست ردّ فعل يمارسه الجميع، بل استمرار لإطار التآكل الأخلاقي. العنوان وجّه الرؤية مسبقاً، فصار الهجوم متوقعاً، أي تصيد في شهر رمضان للفاطرين.
سرقة الصورة من دون ذكر المصدر ليست فجوة مهنياً، بخاصة أن السوشل ميديا لا تملك معايير حماية للصور، الصفحة أرادت إعادة إنتاج المعنى من خلال الصورة وخطوة مقصودة لفتح باب التعليقات والشحن في زمن باتت السوشيال ميديا فيه تكافئ خطاب الكراهية والتحريض بمزيد من التفاعل والانتشار. الهدف لم يكن نقل الصورة، بل إعادة كتابتها بصرياً. كل إعادة نشر تُنتج تأويلاً جديداً، وتدخل الصورة في دورة استعمال مختلفة. قد تتحول من وثيقة عن النزوح إلى مادة للسخرية، أو إلى أيموجي متداول في حديث عابر أو رسالة واتسآب. تنفصل الصورة تدريجياً عن واقعها الأول، وتُختزل إلى أداة داخل اقتصاد انفعالي سريع التداول.
في التعليقات تظهر معايرة أخلاقية باسم الله، يُستدعى رمضان معياراً جاهزاً للإدانة، ويُمارس الحكم من موقع مريح، حيث يحلّ الانضباط الأخلاقي محل رؤية القسوة المادية للصورة. سريعاً ما تتحول اللغة إلى نبرة انتقامية يتداخل فيها التشفي مع شعور بالتفوّق القيمي. لم يعد السؤال عن شروط النزوح، بل عن خطيئة مفترضة. توزع الأدوار، ويُسند معنى للعقاب: هي معاقَبة لأنها لم تصم.
الإدانة، التشهير، السخرية، والتوصيفات الجنسية والأخلاقية تصبح أدوات عقاب وهوس في التعبير بطريقة قد تبدو مريضة. ما يحصل لا يمكن اختزاله بقلة أخلاق فردية، بل يكشف عن عاطفة تتجاوز العقل العمومي، محمولة بأحكام جاهزة عن العدالة والدين لا تُناقش بل تُستدعى كيقينيات. هنا تتحول القيم إلى أداة إذلال، ويصبح الغضب وسيلة لتثبيت هوية أخلاقية عبر معاقبة الآخر.
ما يظهر ليس خلافاً سياسياً بالمعنى العمومي، بل لغة أخلاقية تحلّ محل السياسة نفسها. حين تغيب السياسة بوصفها إدارة للاختلاف واختياراً للعيش معاً، يُختزل المجال العام في محكمة قيمية. نحن أمام اقتصاد أخلاقي موجّه، تُراقَب فيه الحرب من زاوية كيف تصرّفت السيدة، لا كيف أنتج النزوح وضعها.
هناك صورة خام، لكننا نقصي عنها معناها، ونقصي المصوّر وإرادته والعلة التي دفعته إلى التقاط الصورة. تتحول القصة من سردية نزوح إلى حكاية امرأة تحمل “خطيئة” مفترضة. الحبكة الجديدة تُصنع في العنوان، وفي الصفحات التي تقترب من الأخبار لتقتات على الحدث، ونحن ندفع ثمن ذلك بكبسة زر إعجاب تضمن بقاءنا ضمن جمهورها.
ما يظهر في التعليقات على الصورة لا يعكس أخلاقاً راسخة على رغم دفاع الكثير من التعليقات عن السيدة، بقدر ما يكشف عن هشاشة في طرق التعبير، وعن حاجة إلى تثبيت الذات عبر معاقبة الآخر وإذلاله وتنميطه وتكفيره. إنها لغة تنطوي على توتر مرضي أكثر مما تنطوي على محاولة للفهم.
في الأصل، الصورة لا تُنتج خارج المعنى، بل داخله. من حق المصوّر أن يضعها في الإطار الذي يختاره كتعبير عن حكاية أو رمزية. سلب إرادة الصحافي، وانتزاع الصورة من سياقها، وتغيير ما أراده منها، ليس مجرد نقل بسيط، بل شكل من السرقة وتسميم لمادته وسرده، واستلاب لإرادته التأويلية. المصوّرون والصحافيون في الحروب يلتقطون الوجوه والحالات بحثاً عن حبكة تكشف معنى القسوة، لا لإعادة توجيهها نحو إدانة أخلاقية ذات مضمون طائفي أو سياسي. حين يُحوَّل الصحافي إلى مشارك في حبكة بريء منها، ندخل في مأزق أخلاقي ومهني يمسّ الضمير الصحافي نفسه. المصوّرة لم تقصد ما عنونته الصفحة، ومع ذلك تجد نفسها متورطة في سردية لم تخترها، جريمة رمزية تُرتكب باسمها من دون أن تشعر. باتت الصورة وثيقة تنقل الوقائع مضافةً إليها شيفرة ثقافية جاهزة، ونمط التعليقات يحمل هذه الصيغ ببعد اجتماعي خطِر. لم يعد الحدث يُستدعى ليفهم، بل ليُحاكم. هكذا انتقلت الصورة من محاولة للفهم إلى إصدار حكم أخلاقي، ومن شهادة على واقع قاسٍ إلى مادة لإدانة جماعية.
إقرأوا أيضاً:










