ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف تحوّل الأمن المصري إلى رقيب على حياة المواطنين الخاصة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ظاهرة “التشهير الأمني” باتت طابعًا واضحًا في الخطاب الرسمي والإعلامي المصري، ما يفتح بابًا واسعًا لانتهاك الخصوصية وترويع المجتمع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“كنت أجلس مع صديقي في منزله نشاهد فيلماً، كان آخر أيام الشهر وكلانا ينتظر راتبه، فجأة جاءتنا أصوات طرق عنيفة على الباب، لم أتوقع كل هذا العدد من الذكور الغاضبين، عرفت في ما بعد أنهم أتوا من المقهى تحت البيت ليتهموني بممارسة “الدعارة” و”الرذيلة”.

كادت مروة “اسم مستعار”، أن تتحول الى ضحية جديدة في مانشيتات الجرائد المصرية، التي لا تخلو من عناوين «القبض على فتاة ليل مع شاب داخل شقة مشبوهة»، وهذه العناوين لا تأتي من خيال الصحف الصفراء لأن مصدرها الأساسي الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية، فخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة نشر بيانات رسمية تتحدث عن «ضبط وقائع دعارة» أو «ممارسة الرذيلة»، تترافق أحيانًا مع صور أو أسماء أو جنسيات مصرية وأجنبية.

ظاهرة “التشهير الأمني” باتت طابعًا واضحًا في الخطاب الرسمي والإعلامي المصري، ما يفتح بابًا واسعًا لانتهاك الخصوصية وترويع المجتمع.

تقول “مروة” : “دفعني صديقي على السلم كي أهرب بعدما علم أن الشرطة قادمة، وأُفلتّ من أيدي الجيران، بعدما خسرت خصلات عدة من شعري بسبب محاولاتهم الإمساك بي لتسليمي الى الشرطة، التي أتت بالفعل، فتم استجواب صديقي، لم يتعرض للحبس ولا توجيه اتهام، كلانا كان محظوظاً، لو كنت لا أزال في الشقة لكانت الجريمة الكاملة، ولاحقتني تهمة الدعارة ودمرتني اجتماعيًا ومهنياً الى الأبد.

البيانات الرسمية — لغة الاتهام كأداة للهيمنة

في تحليل للبيانات الرسمية المنشورة على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية خلال الأشهر الأخيرة، يلاحظ نشر بيان كل يومين تقريباً عن قضايا مرتبطة بما يسمى “الدعارة”، وأن الصياغة تكاد تكون موحدة، وهي “ظبط شاب وفتاة في شقة بإحدى الأماكن في مصر”. وتُظهر هذه البيانات أيضًا أن قضايا «الآداب العامة» تُعرض بمعدل مرتفع، وأن العبارات المستخدمة تميل دائمًا إلى تحميل القضايا بُعدًا أخلاقيًا لا قانونيًا، بسبب استخدام متكرر لمصطلحات مثل “الرذيلة”، “الانحراف الأخلاقي” و”المحافظة على القيم”.

المفارقة أن الجرائم الأكثر خطورة مثل الإتجار بالمخدرات أو القتل أو السرقة تنشر على صفحة الداخلية المصرية بأسلوب رسمي وحذر: تُذكر الحوادث كأرقام ونتائج تحقيق أو ضبط أدلة، من دون نشر صور أو تفاصيل شخصية تضر سمعة المتهم قبل إحالة القضية إلى النيابة أو القضاء. أما في قضايا «الآداب»، فالأسلوب الأخلاقي يسبق دائماً الطابع القضائي، ما يحوّل البيان الأمني إلى محكمة شعبية مبكرة.

البيانات الرسمية للأمن المصري لا تهدف فقط الى إعلام الجمهور؛ بل أصبحت رسالة رمزية عن قدرة الأجهزة على “تنظيف المجتمع”، وقد تُستخدم لتعزيز صورة الإدارة الأمنية لدى قياداتها ولدى الرأي العام في أوقات تتطلب إظهار الحزم، لكن على حساب حياة المواطنين الخاصة، سواء كانوا في شقة أو في مركز “مساج”.

البيانات الرسمية التي تتضمن صورًا أو عناوين أو تفصيلات شخصية، تُعد تجاوزًا واضحًا لقرينة البراءة، بخاصة حين تصحبها صياغات تندد بالأخلاق وتصدر حكمًا مسبقًا في ذهن الجمهور. هنا يصبح التشهير عقوبة موازية، قبل حد صدور عقوبة رسمياً، فوراء كل بيان رسمي توجد حياة بشرية بدت طبيعية قبل أن تتحول إلى قضية انتهاك واضح للخصوصية وما يلحقه من وصم وتهديد للوظيفة ويعيد إنتاج العقوبة الاجتماعية حتى لو حُفظت القضية لاحقًا.

المحامي نبيه الجنيدي قال في تصريحات لـ”درج “، إن حملة التطهير الأخلاقي نشأت حينما أنشأ النائب العام حمادة الصاوي عام 2019 وحدة الرصد في وزارة الداخلية لمراقبة المحتوى الاجتماعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وبدأنا نرى ترسيخاً للاتهام”بهدم قيم الأسرة المصرية”، هذا الاتهام لاحق ولا يزال صانعي المحتوى في مصر لكنه أصبح يلاحق المواطنين أيضاً داخل بيوتهم. 

يقول الجنيدي إن تهمة “هدم القيم الأسرة المصرية” شاعت بتشجيع من المجتمع نفسه، وعلى هوى المزاج الشعبي، فانتقلت الموجة الى الداخلية أحيانًا بتشجيع من المجتمع نفسه، إذ يتوافق ذلك مع المزاج الشعبي، ثم انتقلت هذه الحملات إلى وزارة الداخلية التي يُفترض أنها تحمي المجتمع، لكنها بالعكس تشارك في حماية “الأخلاق الفاسدة”.

يؤكد الجنيدي أن ملاحقة المواطنين وانتهاك حياتهم الخاصة واضحان بشكل جلي في بيانات وزارة الداخلية، التي لا تنشر بياناً واحداً في اليوم عن ضبط شاب وفتاة في أحد المنازل أو في مركز مساج، بل أحياناً تصدر بيانات بهذا الشكل كل ساعة، ويتم فيها تصوير النساء والرجال أثناء القبض عليهم في بعض الحالات. كثر من هؤلاء يُبرأون لاحقًا، لكن صورهم تنتشر ويُشهّر بهم، على رغم أن تنفيذ هذه الإجراءات يخالف حماية حرمة الحياة الخاصة ومنع التشهير بالمواطنين.

يرى الجنيدي أن هذه الممارسات تستغل مشاعر الناس، وتمنح الجهات الأمنية “الضوء الأخضر” لاختراق الحياة الخاصة، وهو أحد أخطر الانتهاكات القانونية. والجهة القائمة وهي وزارة الداخلية تخالف بذلك مواد صريحة وواضحة في القانون.

ينص الدستور المصري صراحة على حماية الحياة الخاصة، وتكفل المادة 57 منه: الحفاظ على حرمة الحياة الخاصة والمراسلات، كما تحتوي القوانين الجنائية ومدونات الإجراءات على نصوص تتعلق بقرينة البراءة وحق السمعة. ولا يجوز التعامل إعلاميًا مع المتهم كمدان قبل صدور حكم قضائي نهائي.

حتى الآن، هناك صعوبة في مقاضاة الجهات الناشرة، فمن يجرؤ على اختصام وزارة الداخلية؟ كما أن إثبات الضرر المعنوي محدود، وصدور أحكام ضد جهات رسمية نادر أو معقد، ونظام الشكاوى الداخلي داخل وزارة الداخلية غالبًا ما يقتصر على إجراءات إدارية لا تتعدى رد الاعتبار القانوني.

السياسة في ثوب الأخلاق

ليس كل ما يظهر كحملة أخلاقية هدفه الأخلاق فقط. ففي كثير من الأحيان، تتقاطع أدوات الضبط الأخلاقي مع حسابات سياسية ورمزية، ما يمنح السلطة درجة من الوقار الاجتماعي والشرعية حين تصبح الأخلاق أداة سياسية، تُضحَّى بها حقوق الفرد الأساسية باسم حماية المجتمع، وما دامت التروس تعمل وما دمنا نسمع أصواتها ونرى بياناتها فإن الدولة تقوم بمهامها الرسمية حتى ولو في الاتجاه المعاكس. 

هذه البيانات المتخمة بالذكورة والسياسة في الوقت ذاته، تنتج مظاهر اجتماعية ونفسية خطيرة، أخطرها تآكل الثقة الاجتماعية، وتشييع ثقافة العار، وتغليب منطق الخوف على علاقات الجيرة والصداقات والعمل. 

النساء الهدف الأسهل

ترتفع حدة التشهير وتكون تداعياته أكثر قسوة على النساء في مصر في مثل هذا النوع من القضايا. يقول “ع.ج” إنه لم يعد خائفاً من تهديد أمني أو اجتماعي قد يلاحقه إذا استضاف حبيبته في منزله: “في النهاية أنا رجل، لن يلحقني الوصم، لكن ما يزلزل بدني ما قد تتعرض له حبيبتي إذا أتت الى المنزل حتى لو كان في حضور عائلتي”.

يقول:” أنا أعيش في منطقة متوسطة اجتماعياً، أستضيف صديقتي في منزلي الذي يقع في كمبوند متوسط اقتصادياً، وبسبب تكرار حضورها تابعها الجيران من الشباب الذين يجلسون بلا فائدة في الحديقة المقابلة للمنزل، ونعتوها في إحدى المرات بألفاظ غير أخلاقية وحاولوا التحرش بها، وعندما تشاجرنا معهم استدعوا الأمن، ولولا أن إثبات الحالة كان في الشارع وليس في البيت لتورطنا في تهمة اشتباه في ممارسة الدعارة.

بيانات وزارة الداخلية عن ضبطيات “الدعارة” تظهر الانتقاء في استهداف أماكن معينة أقل اجتماعيًا، ما يعكس أبعادًا طبقية؛ إذ غالبًا ما تقع الفئات الأكثر هشاشة أمام أعين الحملات، بينما يظل الأشخاص من الفئات الميسورة أقل عرضة للمضايقة والتشهير العام، فحياتهم الخاصة محميّة بطبقتهم الاجتماعية.

في مصر تأميم أخلاق الطبقة الوسطى ينتج مجتمعًا تصير القواعد الأخلاقية فيه مركزية ومفروضة وليس متفقًا عليها، ويصبح الاختلاف الفردي خطرًا؛ وتتحول المواطنة إلى خوف ومحاولات للفرار من الوصم. والتركيز على مراقبة السلوكيات الفردية اليومية يصنع من طبقة اجتماعية كاملة طرفًا في لعبة نفسية منهكة ومسيئة.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
13.11.2025
زمن القراءة: 5 minutes

ظاهرة “التشهير الأمني” باتت طابعًا واضحًا في الخطاب الرسمي والإعلامي المصري، ما يفتح بابًا واسعًا لانتهاك الخصوصية وترويع المجتمع.

“كنت أجلس مع صديقي في منزله نشاهد فيلماً، كان آخر أيام الشهر وكلانا ينتظر راتبه، فجأة جاءتنا أصوات طرق عنيفة على الباب، لم أتوقع كل هذا العدد من الذكور الغاضبين، عرفت في ما بعد أنهم أتوا من المقهى تحت البيت ليتهموني بممارسة “الدعارة” و”الرذيلة”.

كادت مروة “اسم مستعار”، أن تتحول الى ضحية جديدة في مانشيتات الجرائد المصرية، التي لا تخلو من عناوين «القبض على فتاة ليل مع شاب داخل شقة مشبوهة»، وهذه العناوين لا تأتي من خيال الصحف الصفراء لأن مصدرها الأساسي الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية، فخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة نشر بيانات رسمية تتحدث عن «ضبط وقائع دعارة» أو «ممارسة الرذيلة»، تترافق أحيانًا مع صور أو أسماء أو جنسيات مصرية وأجنبية.

ظاهرة “التشهير الأمني” باتت طابعًا واضحًا في الخطاب الرسمي والإعلامي المصري، ما يفتح بابًا واسعًا لانتهاك الخصوصية وترويع المجتمع.

تقول “مروة” : “دفعني صديقي على السلم كي أهرب بعدما علم أن الشرطة قادمة، وأُفلتّ من أيدي الجيران، بعدما خسرت خصلات عدة من شعري بسبب محاولاتهم الإمساك بي لتسليمي الى الشرطة، التي أتت بالفعل، فتم استجواب صديقي، لم يتعرض للحبس ولا توجيه اتهام، كلانا كان محظوظاً، لو كنت لا أزال في الشقة لكانت الجريمة الكاملة، ولاحقتني تهمة الدعارة ودمرتني اجتماعيًا ومهنياً الى الأبد.

البيانات الرسمية — لغة الاتهام كأداة للهيمنة

في تحليل للبيانات الرسمية المنشورة على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية خلال الأشهر الأخيرة، يلاحظ نشر بيان كل يومين تقريباً عن قضايا مرتبطة بما يسمى “الدعارة”، وأن الصياغة تكاد تكون موحدة، وهي “ظبط شاب وفتاة في شقة بإحدى الأماكن في مصر”. وتُظهر هذه البيانات أيضًا أن قضايا «الآداب العامة» تُعرض بمعدل مرتفع، وأن العبارات المستخدمة تميل دائمًا إلى تحميل القضايا بُعدًا أخلاقيًا لا قانونيًا، بسبب استخدام متكرر لمصطلحات مثل “الرذيلة”، “الانحراف الأخلاقي” و”المحافظة على القيم”.

المفارقة أن الجرائم الأكثر خطورة مثل الإتجار بالمخدرات أو القتل أو السرقة تنشر على صفحة الداخلية المصرية بأسلوب رسمي وحذر: تُذكر الحوادث كأرقام ونتائج تحقيق أو ضبط أدلة، من دون نشر صور أو تفاصيل شخصية تضر سمعة المتهم قبل إحالة القضية إلى النيابة أو القضاء. أما في قضايا «الآداب»، فالأسلوب الأخلاقي يسبق دائماً الطابع القضائي، ما يحوّل البيان الأمني إلى محكمة شعبية مبكرة.

البيانات الرسمية للأمن المصري لا تهدف فقط الى إعلام الجمهور؛ بل أصبحت رسالة رمزية عن قدرة الأجهزة على “تنظيف المجتمع”، وقد تُستخدم لتعزيز صورة الإدارة الأمنية لدى قياداتها ولدى الرأي العام في أوقات تتطلب إظهار الحزم، لكن على حساب حياة المواطنين الخاصة، سواء كانوا في شقة أو في مركز “مساج”.

البيانات الرسمية التي تتضمن صورًا أو عناوين أو تفصيلات شخصية، تُعد تجاوزًا واضحًا لقرينة البراءة، بخاصة حين تصحبها صياغات تندد بالأخلاق وتصدر حكمًا مسبقًا في ذهن الجمهور. هنا يصبح التشهير عقوبة موازية، قبل حد صدور عقوبة رسمياً، فوراء كل بيان رسمي توجد حياة بشرية بدت طبيعية قبل أن تتحول إلى قضية انتهاك واضح للخصوصية وما يلحقه من وصم وتهديد للوظيفة ويعيد إنتاج العقوبة الاجتماعية حتى لو حُفظت القضية لاحقًا.

المحامي نبيه الجنيدي قال في تصريحات لـ”درج “، إن حملة التطهير الأخلاقي نشأت حينما أنشأ النائب العام حمادة الصاوي عام 2019 وحدة الرصد في وزارة الداخلية لمراقبة المحتوى الاجتماعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وبدأنا نرى ترسيخاً للاتهام”بهدم قيم الأسرة المصرية”، هذا الاتهام لاحق ولا يزال صانعي المحتوى في مصر لكنه أصبح يلاحق المواطنين أيضاً داخل بيوتهم. 

يقول الجنيدي إن تهمة “هدم القيم الأسرة المصرية” شاعت بتشجيع من المجتمع نفسه، وعلى هوى المزاج الشعبي، فانتقلت الموجة الى الداخلية أحيانًا بتشجيع من المجتمع نفسه، إذ يتوافق ذلك مع المزاج الشعبي، ثم انتقلت هذه الحملات إلى وزارة الداخلية التي يُفترض أنها تحمي المجتمع، لكنها بالعكس تشارك في حماية “الأخلاق الفاسدة”.

يؤكد الجنيدي أن ملاحقة المواطنين وانتهاك حياتهم الخاصة واضحان بشكل جلي في بيانات وزارة الداخلية، التي لا تنشر بياناً واحداً في اليوم عن ضبط شاب وفتاة في أحد المنازل أو في مركز مساج، بل أحياناً تصدر بيانات بهذا الشكل كل ساعة، ويتم فيها تصوير النساء والرجال أثناء القبض عليهم في بعض الحالات. كثر من هؤلاء يُبرأون لاحقًا، لكن صورهم تنتشر ويُشهّر بهم، على رغم أن تنفيذ هذه الإجراءات يخالف حماية حرمة الحياة الخاصة ومنع التشهير بالمواطنين.

يرى الجنيدي أن هذه الممارسات تستغل مشاعر الناس، وتمنح الجهات الأمنية “الضوء الأخضر” لاختراق الحياة الخاصة، وهو أحد أخطر الانتهاكات القانونية. والجهة القائمة وهي وزارة الداخلية تخالف بذلك مواد صريحة وواضحة في القانون.

ينص الدستور المصري صراحة على حماية الحياة الخاصة، وتكفل المادة 57 منه: الحفاظ على حرمة الحياة الخاصة والمراسلات، كما تحتوي القوانين الجنائية ومدونات الإجراءات على نصوص تتعلق بقرينة البراءة وحق السمعة. ولا يجوز التعامل إعلاميًا مع المتهم كمدان قبل صدور حكم قضائي نهائي.

حتى الآن، هناك صعوبة في مقاضاة الجهات الناشرة، فمن يجرؤ على اختصام وزارة الداخلية؟ كما أن إثبات الضرر المعنوي محدود، وصدور أحكام ضد جهات رسمية نادر أو معقد، ونظام الشكاوى الداخلي داخل وزارة الداخلية غالبًا ما يقتصر على إجراءات إدارية لا تتعدى رد الاعتبار القانوني.

السياسة في ثوب الأخلاق

ليس كل ما يظهر كحملة أخلاقية هدفه الأخلاق فقط. ففي كثير من الأحيان، تتقاطع أدوات الضبط الأخلاقي مع حسابات سياسية ورمزية، ما يمنح السلطة درجة من الوقار الاجتماعي والشرعية حين تصبح الأخلاق أداة سياسية، تُضحَّى بها حقوق الفرد الأساسية باسم حماية المجتمع، وما دامت التروس تعمل وما دمنا نسمع أصواتها ونرى بياناتها فإن الدولة تقوم بمهامها الرسمية حتى ولو في الاتجاه المعاكس. 

هذه البيانات المتخمة بالذكورة والسياسة في الوقت ذاته، تنتج مظاهر اجتماعية ونفسية خطيرة، أخطرها تآكل الثقة الاجتماعية، وتشييع ثقافة العار، وتغليب منطق الخوف على علاقات الجيرة والصداقات والعمل. 

النساء الهدف الأسهل

ترتفع حدة التشهير وتكون تداعياته أكثر قسوة على النساء في مصر في مثل هذا النوع من القضايا. يقول “ع.ج” إنه لم يعد خائفاً من تهديد أمني أو اجتماعي قد يلاحقه إذا استضاف حبيبته في منزله: “في النهاية أنا رجل، لن يلحقني الوصم، لكن ما يزلزل بدني ما قد تتعرض له حبيبتي إذا أتت الى المنزل حتى لو كان في حضور عائلتي”.

يقول:” أنا أعيش في منطقة متوسطة اجتماعياً، أستضيف صديقتي في منزلي الذي يقع في كمبوند متوسط اقتصادياً، وبسبب تكرار حضورها تابعها الجيران من الشباب الذين يجلسون بلا فائدة في الحديقة المقابلة للمنزل، ونعتوها في إحدى المرات بألفاظ غير أخلاقية وحاولوا التحرش بها، وعندما تشاجرنا معهم استدعوا الأمن، ولولا أن إثبات الحالة كان في الشارع وليس في البيت لتورطنا في تهمة اشتباه في ممارسة الدعارة.

بيانات وزارة الداخلية عن ضبطيات “الدعارة” تظهر الانتقاء في استهداف أماكن معينة أقل اجتماعيًا، ما يعكس أبعادًا طبقية؛ إذ غالبًا ما تقع الفئات الأكثر هشاشة أمام أعين الحملات، بينما يظل الأشخاص من الفئات الميسورة أقل عرضة للمضايقة والتشهير العام، فحياتهم الخاصة محميّة بطبقتهم الاجتماعية.

في مصر تأميم أخلاق الطبقة الوسطى ينتج مجتمعًا تصير القواعد الأخلاقية فيه مركزية ومفروضة وليس متفقًا عليها، ويصبح الاختلاف الفردي خطرًا؛ وتتحول المواطنة إلى خوف ومحاولات للفرار من الوصم. والتركيز على مراقبة السلوكيات الفردية اليومية يصنع من طبقة اجتماعية كاملة طرفًا في لعبة نفسية منهكة ومسيئة.