ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف تحوّل دروز من السويداء إلى “أمانة” في سجن عدرا المركزي؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم يعرف “المحتجزون” المبرّر القانوني لوجودهم في سجن عدرا، وحين السؤال عن وضعيتهم القانونية كان الجواب: “أنتم برسم الأمانة”!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

وصل “مخطوفون” دروز من السويداء إلى قراهم بعد أشهر من “الاحتجاز” في سجن عدرا المركزي، دون أن يعلموا سبب “اختطافهم/ احتجازهم/ مصادرة حرّيتهم” من قِبل حكومة دمشق، إذ لم يحصلوا على ورقة “إخلاء سبيل”، ولم توجّه لهم تهم بصورة رسمية، كلّ ما حصلوا عليه هو مبلغ مليون ليرة سورية و هاتف نقّال جديد!

هؤلاء الذين ما زالوا عاجزين عن معرفة سبب “احتجازهم”، تنقّلوا بين عدد من المؤسّسات الرسمية الحكومية في درعا ودمشق، قبل أن يعودوا إلى منازلهم، هناك استقبلهم ذووهم وأهالي “المحتجزين” الموجودين إلى الآن في السجن، محاصرين إيّاهم بالسؤال الكافكاوي الذي سبق أن طرحه “المحتجزون” على الجهات الرسمية: “ما الجُرم الذي ارتكبناه كي نوضع في السجن، ثم يُطلق سراحنا دون دليل رسمي على احتجازنا؟”.

كيف بدأت أزمة “المخطوفين”؟

الحكاية الرسمية التي تبنّتها سلطات دمشق لتفسير مجازر السويداء في تمّوز/ يوليو 2025، جاءت على لسان وزارة الداخلية التي أعلنت أن “وحدات من قوّاتها بالتنسيق مع وزارة الدفاع، ستبدأ تدخّلاً مباشراً في المنطقة لفضّ النزاع، وإيقاف الاشتباكات، وفرض الأمن، وملاحقة المتسبّبين بالأحداث وتحويلهم إلى القضاء المختصّ”، وطرفا النزاع هذا: مسلّحون من عشائر البدو ومسلّحون من السويداء.

“تمّوز الدموي” الذي شهدته السويداء، نتج عنه قتل وتهجير وخطف متبادل، إذ يُتّهم مسلّحون من العشائر وعناصر تابعون لسلطات دمشق بـ”خطف” سوريين من السويداء، وتسليمهم للأمن العام الذي “أودعهم” في سجن عدرا المركزي، كذلك قام مسلّحون من السويداء بـ”خطف” سوريين من البدو.

فُتح لاحقاً باب “المفاوضات” من أجل تبادل “المخطوفين”، الكلمة التي يتمّ تفاديها حين تتبّع البيانات والأخبار الرسمية الصادرة من دمشق، وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، تُطلق على الموجودين في سجن عدرا اسم “المحتجزين”، وفي زيارة لـسجن دمشق المركزي التقت اللجنة الوطنية الخاصّة بأحداث السويداء بـ”الموقوفين” بحسب الكلمة التي استخدمها وكالة “سانا”، وذلك لـ”الاطّلاع على أوضاعهم الصحّية والإنسانية، وتعكف حالياً على التنسيق مع الجهات المعنيّة لتسوية الأوضاع القانونية للمعتقلين”، نلاحظ في الخبر نفسه استخدم لفظ “المُعتقلين” أيضاً، علماً أن صلاحيات اللجنة هي “التحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرّض لها المواطنون”، و”إحالة من يثبت مشاركته في الاعتداءات والانتهاكات إلى القضاء”.

“مخطوفون” و”معتقلون” و”محتجزون” و”موقوفون”، كلّ هذه التسميات تُستخدم لوصف مجموعة من المواطنين السوريين الدروز من السويداء، الذين “نقلتهم” سلطات دمشق من السويداء إلى سجن عدرا المركزي، ولا يوجد عدد رسمي لهم، خصوصاً أن سلطات دمشق “تفرج عنهم” تباعاً إثر المفاوضات مع مسلّحي السويداء، الذين “خطفوا” أيضاً سوريين آخرين، وإلى الآن تتناقل صفحات غير رسمية أخباراً مختلفة عن فشل “المفاوضات”.

كلّ واحدة من التسميات السابقة تحمل تبعات قانونية تلعب سلطات دمشق دوراً محورياً فيها، دور يُختصر بـ”الاحتجاز” و”التبادل”، إذ صرّح قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء حسام الطحان أن “الدولة السورية ماضية في استكمال عمليّة التبادل على نحوٍ كامل وعادل”.

تحوّل ملفّ “المخطوفين” إلى ورقة ضغط، كلّ فئة تحتجز سوريين لتبادلهم بسوريين آخرين، ونقصد “حكومة دمشق” و”مسلّحي العشائر” و”مسلّحي السويداء”، والجهة الرسمية المفترض التي تمتلك السيادة والقرار تتمثّل بسلطة دمشق، كونها “الحكومة”، وهنا نعود إلى السؤال، ما هو وصف المواطنين السوريين المحتجزين في سجن عدرا؟ هل هم “مخطوفون” كجزء من مفاوضات لتبادل الرهائن، أم “محتجزون”،أم “موقوفون” للتحقيق بشبهة ارتكابهم جرائم؟

هناك غموض في البنية القانونية التي تعتمد عليها سلطات دمشق في التعامل مع “المحتجزين/ المخطوفين”،  إلى جانب غموض التوصيفات القانونية ذات التبعات التي تمسّ هؤلاء السوريين، الذين وجدوا أنفسهم في السجن دون تهمة واضحة، ودون دليل قانوني على الإجراءات التي تتّبع بخصوصهم، لا سيّما أنه بعد جمع شهادات منهم قالوا إن سبب خطفهم هو أنهم دروز.

 هذه الصيغة الغامضة قانونياً لاحتجاز مواطنين دون توجيه تهمة واضحة لهم، أو إجراءات قانونية لحجز حرّيتهم، أشار إليها تحقيق نشرته وكالة “رويترز” مؤخّراً، الذي ردّت فيه وزارة الإعلام السورية على أسئلة الوكالة، قائلة: “إن عدد النزلاء في سجن دمشق المركزي 3599، بينهم 439 موقوفاً على خلفية جرائم متنوّعة لصالح القضاء المختصّ في قضايا الإرهاب، و3160 نزيلاً مدنياً بجرائم جنائية”، لا نعلم بدقّة ضمن أي فئة يقع “المخطوفون” من السويداء، أو ما إذا كانوا ضمن هذه الإحصائيّة.

نتتبّع هنا، بناء على تقاطع شهادات “محتجزين” تحدّثوا لـ”درج” عن “نقلهم” من السويداء إلى سجن عدرا المركزي، ثم تمّت “إعادتهم” إلى السويداء، والإجراءات القانونية والبيروقراطية والشُرطية التي اتّبعت منذ “احتجازهم” حتى “إطلاق سراحهم”، أي لن نقدّم شهادة ناجين أو ضحايا، بل نتتبّع البنية التحتية البشرية والقانونية التي تحرّك ضمنها “المخطوفون”، في محاولة لفهم الصيغة القانونية التي احتُجزوا عبرها، كما قمنا بإغفال بعض التفاصيل الخاصّة بمكان “الخطف” وتاريخه، لحماية من تحدّثوا معنا، من أيّ تهديد قد يمسّ من لم يزل في سجن عدرا.

“التوقيف” أثناء الاشتباك 

أثناء الهجمات على محافظة السويداء، لجأ بعض سكّان المدينة إلى منازلهم أو منازل فارغة خوفاً من إطلاق النار، بعض هؤلاء تمّ “أخذهم” من هذه المنازل تحت تهديد السلاح. المسلّحون كانوا من العشائر ومن قوّات وزارة الدفاع السورية، وبعد احتجاز حرّيتهم تمّ تكديسهم في سيّارات بيك آب و”تطميش” أعينهم. 

أثناء الرحلة في السيّارة، تعرّض “المخطوفون” للإهانات والسباب، وأثناء مرورهم على الحواجز تعرّضوا أيضاً لمزيد من الشتم والإهانات والضرب إلى جانب التهديدات بالتصفية، وأخيراً وصلوا إلى منزل في درعا.

بقي “المخطوفون” في منزل في درعا لنحو 24 ساعة، لا يعلمون من هي الجهة التي تحتجزهم، ثم وُضعوا  في سيّارة بيك آب “فوق بعضهم بعضاً”، نقلتهم بـ”سرعة جنونية”، لتسليمهم إلى الشرطة العسكرية في درعا.

قبل دخولهم البناء الخاصّ بالشرطة العسكرية، كان هناك نحو 30 عنصراً يمرّ “المحتجزون” بينهم، حيث شُتموا وضُربوا أثناء مرورهم، أو حسب أقوال “المحتجزين” الذين تحدّثنا معهم: “كان هذا تعذيباً”، في وصف للضرب والإهانات التي تعرّضوا لها أثناء الدخول، وما إن دخلوا المبنى، يمكن القول، إن “المحتجزين” أصبحوا بيد مؤسّسة رسمية تابعة لحكومة دمشق.

في مقرّ الشرطة العسكرية في درعا أقام “المحتجزون” مدّة تصل إلى 10 أيّام، لم يتمّ تقييدهم حين وصلوا، لكن تمّ تصويرهم عبر الموبايل صوراً ثابتة، وسُجلت معلوماتهم (الاسم الرباعي والمواليد)، وأُخذت أوراقهم الشخصية وممتلكاتهم  وُوضعت في الأمانات، خلال هذه المدّة كانوا ممنوعين من التواصل مع أيّ أحد في الخارج، ولا تعلم أسرهم ما هي مصائرهم.

خلال الاحتجاز في مقرّ الشرطة العسكرية، حصلوا على ثلاث وجبات طعام يومياً، وكان بإمكانهم استخدام الحمّام خارج المهجع، التهوية كانت سيّئة لعدم توفّر الكهرباء بشكل دائم، ولا يوجد نوافذ مفتوحة، ولكلّ شخص فراش وغطاء.

في “ضيافة” الأمن العامّ!

نُقل “المحتجزون” لاحقاً، دون “تطميش” أعينهم أو تقييد أيديهم من مقرّ الشرطة العسكرية إلى مقرّ الأمن العامّ في درعا بـسيّارة “فان”، وسُلّمت أماناتهم إلى الأمن العامّ، وهناك وُضعوا في مهجع صغير، عالي الرطوبة، كثير الحشرات، وخُصّص لكلّ واحد منهم فراش، أما الحمّام فداخل المهجع، كما حصل “المحتجزون” على 3 وجبات طعام يومياً.

 قضى “المحتجزون” لدى الأمن العامّ 14 يوماً تقريباً دون القدرة على التواصل مع الخارج، بعدها  أصبح بإمكانهم التواصل عبر موبايل مسؤول السجن مع أهلهم تقريباً كلّ 3 أو 5 أيّام، يؤكّد “المحتجزون” أن التواصل لم يكن  له وقت محدّد، أو ضمن جدول محدّد.

إلى الآن، لا تهمة واضحة موجّهة للـ”محتجزين”، على الرغم من أنهم بيد “جهة رسمية”، الجهة الأعلى التي كانت تزورهم وقتها هي بحسب وصفهم تتمثّل بـ”مدير السجن”، الكلمة هنا ليست دقيقة، خصوصاً أنهم لم يعرفوا رتبة هذا الشخص الذي كان “متعاوناً جدّاً”، إذ كان يُوجّه الخطاب إليه بصفة “الشيخ”؛ الكلمة التي يمكن أن تلحق بأيّ شخص، يقول أحد “المحتجزين”: “ما كنّا نعرف أيّ شيخ عم ينحكى عنه، إذ ليس لهم أسماء، بل ألقاب فقط”.

قبل يومين من نقلهم إلى سجن عدرا المركزي خضع “المحتجزون” للتحقيق، تحقيق وصفوه بأنه “رفع عتب” لم تتجاوز مدّته الدقيقتين، ولم يوقّعوا على أيّ ورقة، وحين سألوا عن سبب نقلهم إلى عدرا كان الجواب أنه “أكثر ملائمة وأماناً”، و”يمكن حمايتهم هناك كون الوضع هنا خطيراً”.

في السجن المركزي: نزلاء أم مخطوفون أم “أمانة”؟

نُقل المواطنون السوريون “الموقوفون” إلى سجن عدرا المركزي عبر باصات مخصّصة لنقل المساجين، ذات نوافذ محميّة بشبك حديدي، وكان العدد في أحد الباصات 60 موقوفاً، لأنهم كانوا يقومون بعدّ “المحتجزين” أكثر من مرّة أثناء الطريق، بحسب شهادة أحد الذين كانوا في الباص.

حين وصلوا  إلى سجن عدرا، خضعوا لتفتيش كامل بصورة “فاحشة”، بحسب وصف أحد الذين قابلناهم والذي رفض ذكر تفاصيل، وفي سجن عدرا، تمّ تجريدهم من كلّ المقتنيات التي كانت معهم، وكان عددهم  وفق مصادر غير رسمية نحو 110 “موقوفين”، وهنا ظلّوا دون تواصل مع الخارج لنحو شهر.

وُضعوا بعدها في عنبر خاصّ بعيداً عن باقي “النزلاء”، الكهرباء كانت موجودة بشكل دائم، وعُرضوا على أطباء وصفهم عدد من المحتجزين الذين تحدّثنا معهم بـ”قليلي الخبرة “، وتمّ إعطاؤهم مسكّنات ألم فقط، وأدوية خاصّة لأصحاب الأمراض المزمنة، ولم يتمّ توزيع أيّ ثياب خاصّة بالسجن عليهم، إنما ثياب “عادية” فقط.

المهجع كان يحوي حمّاماً، ولا يحوي أفرشة، فقط بطانيّتان للشخص الواحد، لاحقاً، وبعد “إطلاق سراح” دفعة منهم، توزّعوا على مهجعين، خلال الاحتجاز كان يحصل كلّ شخص على وجبتي طعام يومياً (الفطور: لبنة وجبنة وزعتر ومربيات وزيتون. الغداء: أرزّ أو برغل أو معلّبات، و4 أرغفة خبز لكلّ شخص)، وبعد انتشار القمل، تمّ توزيع مراهم جلدية عليهم.

 المعاملة كانت جيّدة بحسب وصف “المحتجزين”، بعض السجّانين كانوا ودودين، والبعض الآخر تعمّد توجيه الإهانات، وكلّ 5 أيّام، كان هناك ساعة ونصف تنفّس.

عُرض بعض “المخطوفين/ المعتقلين/ المحتجزين” في سجن عدرا، على لجنة التحقيق التي أنشأتها وزارة العدل في حكومة دمشق، مع وعد بإطلاق سراحهم خلال أيّام، الذين  عُرضوا على اللجنة تمّ التحقيق معهم وسؤالهم عن المعاملة التي يتلقّونها والجهة التي “اعتقلتهم”، وقاموا بالتوقيع والبصم على محاضر التحقيق، بعدها “أُطلق سراح” بعضهم.

الباقون، زارهم “شخص” بحسب قولهم، وقاموا معه بتعبئة وثائق تؤكّد أنهم لم يحملوا السلاح، واطّلعوا على “أمر ترك” من النائب العامّ في دمشق (هذه الورقة شاهدها بعض المحتجزين وبعضهم لم يتمكّن من مشاهدتها)، ثم قاموا بالتوقيع على الوثائق التي تقول إنهم لم يحملوا السلاح، كلّ واحد على حدة.

وخلال هذه الفترة قام “المحتجزون” بالإضراب عن الطعام عدّة مرّات، بهدف الضغط في سبيل التواصل مع ذويهم، الذين لم يعرفوا عنهم شيئاً إلا بعد شهر من الاحتجاز، حين سُمح لهم بالتواصل معهم عبر الموبايل لمدّة 5 دقائق كلّ عشرة أيّام، بعد تكرار الإضرابات عن الطعام.

لم يكن “المحتجزون” على دراية بما يحصل خارج المهجع، لا أخبار ولا وسائل تواصل مع الخارج، ولم يتمكّنوا من معرفة رتب القائمين على السجن: “كلّهم شيوخ ذوو ألقاب”، حتى أثناء توزيع الطعام لم تكن الرتب واضحة.

لم يعرف “المحتجزون” توصيفهم القانوني، ولا المبرّر قانوني لاحتجازهم، وكان الجواب دائماً: “أنتم هنا لحمايتكم”، “ما عليكم شيء”، و”هناك تعطيل بعمليّة المبادلة اضغطوا أنتم وذووكم في سبيل إتمام الصفقة”.

قال “محتجزون” إن لجنة من “الصليب الأحمر الدولي” زارت السجن، والتقت “المخطوفين”، وتمّ ملء استمارات حول المعلومات الشخصية، وكيف تمّ “الاعتقال/ الخطف/ الاحتجاز”، الهدف من الزيارة كان التأكّد من أوضاعهم والتواصل مع ذويهم.

“برسم الأمانة”

نحن أمام مجموعة من السوريين، الذين صودرت حرّيتهم من قِبل السلطة، دون تهمة واضحة، وتقوم “الحكومة” باستخدامهم للضغط على عناصر مسلّحة بدوية ودرزية في سبيل إتمام صفقة تبادل.

 نحن أمام سلسلة انتهاكات، تتنوّع بين “الاحتجاز التعسّفي”، و”الإخفاء القسري”، و”مصادرة الحرّية”، و”التوقيف دون مذكّرة”، كذلك لا نعلم ما هي الحالة القانونية التي تنطبق على سلطة تقوم باحتجاز مواطنيها لمبادلتهم مع مواطنين آخرين! فحين سأل بعض “المحجتزين” عن وضعيتهم القانونية كان الجواب “أنتم برسم الأمانة”.

تمّ الإعلان عن أسماء بعض  “المحتجزين” من قِبل صفحات عديدة، لا صفحات رسمية، وكُشف عن وجود أحداث/ قاصرين بينهم، وأحياناً شبّان من أسرة واحدة، ولم يكن بينهم في عدرا نساء.

المفارقة الكافكاوية، أن البعض مضى على احتجازهم أشهر، احتجاز دون مرجعية قانونية، كانت نهايته إطلاق سراح بعضهم فجأة، ومنحهم ثياباً مدنية جديدة، ونقلهم بباص مدني عادي (بولمان) لتسليمهم للجان في قرى السويداء، مع مبلغ مليون ليرة سورية وهاتف نقّال جديد.

 لم يحصل الذين أُطلق سراحهم على أيّ إثباتات أنهم كانوا “معتقلين” أو “موقوفين”، تنقّل “المحتجزون” ضمن مؤسّسات سجنية وأمنية، وخرجوا منها دون أي دليل قانوني على احتجاز حرّيتهم، ولا دليل “رسمي” على وجودهم داخل سجن عدرا، سوى الشهادات التي جمعتها منظّمة الصليب الأحمر التي زارت السجن.

حاول أهل بعض “المحتجزين” في الأيّام الأولى التواصل مع السلطات الرسمية، التي نفت وجود “محتجزين” لديها، وبقي الأهل دون معرفة مصائر أقربائهم مرّتين، مرّة حين كانوا “محتجزين” في درعا، ثم سُمح لهم بعدها بالتواصل مع أهلهم، ومرّة في سجن عدرا قبل أن يُسمح لهم بالتواصل. بصورة ما، هناك فترتان زمنيتان اختفى فيها “المحتجزون”، دون أن يعرف أحد مصيرهم .

من المُتهم؟

تواصلنا مع المحامي أيمن شيب الدين من السويداء، الذي أكّد لنا، أنه عملاً بالقانون السوري، نحن أمام سلسلة من الانتهاكات تتضمّن “الخطف، الاعتقال دون مذكّرة قضائية (التعسّفي)، حجز حرّية بدون مذكّرة قضائية (الإخفاء القسري غير موجود في القانون السوري)، الحرمان من التمثيل القانوني”.

 وقال: “هذه الجرائم ارتُكبت بعلم سلطة دمشق، وتحت إشراف الأمن العامّ، وكان يجب على لجنة التحقيق التي زارت المخطوفين في سجن عدرا، أن تُطلق سراحهم جميعاً مباشرة، كونه لم توجّه لهم أيّ تهم، ولم يُعرضوا على القضاء، واعتقالهم وتمديد احتجازهم لم يتمّا بأمر قضائي، وهذا يضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي تعرّض لها السوريون الدروز”.

شيب الدين يرى أن الخاطفين أنفسهم، سواء كانوا مدنيين أو تابعين للسلطة، لم توجّه لهم تهم، خصوصاً أنهم احتجزوا حرّية مواطنين سوريين غير مسلّحين وهي “جريمة جنائية”، ويقول: “أتلقّى عشرات الاتّصالات من أهالي المخطوفين لمعرفة مصيرهم، لكن لا يوجد ردّ رسمي من السلطة، ناهيك باستخدام المخطوفين كورقة للتفاوض، هناك سلطة توظّف مؤسّسات الدولة وتخالف القوانين التي تدّعي تطبيقها، في سبيل التغطية على جرائم حرب”.

يضيف شيب الدين حديثه معنا قائلاً: “تصلنا أخبار أن هناك معتقلين في فروع أمنية أُعيد استخدامها، لكن لا وسيلة للتيقّن من ذلك، إذ لم تعلن السلطة بوضوح عن مصائر المخطوفين وأماكن احتجازهم، وحين حاولنا التواصل مع الصليب الأحمر الذي زار المخطوفين في سجن عدرا، لم نحصل على أيّ ردّ”.

تواصلنا مع الناطقين الإعلاميين باسم وزارة العدل ووزارة الداخلية ولجنة “التحقيق في أحداث السويداء”، ولم نتلقَّ ردّاً،  في حين أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أجابت عن أسئلتنا بالتالي: “وفقاً لتفويضها، تحافظ اللجنة الدولية للصليب الأحمر على حوار ثنائي مستمرّ مع جميع الجهات المعنيّة في سوريا، سعياً للوصول  إلى جميع الأشخاص المحرومين من حرّيتهم في حالات النزاع المسلّح والعنف، بغضّ النظر عن سبب احتجازهم أو مكان احتجازهم أو الجهة التي تحتجزهم”.

وأضافت اللجنة: “تقوم اللجنة الدولية حالياً بزيارات إلى أشخاص محرومين من حرّيتهم في أماكن احتجاز مختلفة في أنحاء البلاد، من بينهم أشخـاص محتجَزون لدى مختلف الأطراف، على خلفية الأحداث التي وقعت في جنوب سوريا والسويداء. ويتضمّن هدفها الإنساني البحت رصد معاملة المحتجَزين وظروف احتجازهم، وتذكير سلطات الاحتجاز بواجبها في ضمان المعاملة الإنسانية، وإعادة التواصل بين المحتجَزين وذويهم والحفاظ عليه”.

أما بخصوص معلومات المحرومين من حرّيتهم، فتقول اللجنة: “بينما لا تتدخّل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الإجراءات القضائية، فإن ملاحظاتها وتوصياتها، بما في ذلك تلك المتعلّقة بالوضع القانوني للأشخاص المحرومين من حرّيتهم، تُشارَك حصراً مع سلطات الاحتجاز من خلال حوار ثنائي وغير علني، وذلك وفقاً لمنهجيات العمل التي تتّبعها اللجنة الدولية في جميع أنحاء العالم”.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
10.01.2026
زمن القراءة: 11 minutes

لم يعرف “المحتجزون” المبرّر القانوني لوجودهم في سجن عدرا، وحين السؤال عن وضعيتهم القانونية كان الجواب: “أنتم برسم الأمانة”!

وصل “مخطوفون” دروز من السويداء إلى قراهم بعد أشهر من “الاحتجاز” في سجن عدرا المركزي، دون أن يعلموا سبب “اختطافهم/ احتجازهم/ مصادرة حرّيتهم” من قِبل حكومة دمشق، إذ لم يحصلوا على ورقة “إخلاء سبيل”، ولم توجّه لهم تهم بصورة رسمية، كلّ ما حصلوا عليه هو مبلغ مليون ليرة سورية و هاتف نقّال جديد!

هؤلاء الذين ما زالوا عاجزين عن معرفة سبب “احتجازهم”، تنقّلوا بين عدد من المؤسّسات الرسمية الحكومية في درعا ودمشق، قبل أن يعودوا إلى منازلهم، هناك استقبلهم ذووهم وأهالي “المحتجزين” الموجودين إلى الآن في السجن، محاصرين إيّاهم بالسؤال الكافكاوي الذي سبق أن طرحه “المحتجزون” على الجهات الرسمية: “ما الجُرم الذي ارتكبناه كي نوضع في السجن، ثم يُطلق سراحنا دون دليل رسمي على احتجازنا؟”.

كيف بدأت أزمة “المخطوفين”؟

الحكاية الرسمية التي تبنّتها سلطات دمشق لتفسير مجازر السويداء في تمّوز/ يوليو 2025، جاءت على لسان وزارة الداخلية التي أعلنت أن “وحدات من قوّاتها بالتنسيق مع وزارة الدفاع، ستبدأ تدخّلاً مباشراً في المنطقة لفضّ النزاع، وإيقاف الاشتباكات، وفرض الأمن، وملاحقة المتسبّبين بالأحداث وتحويلهم إلى القضاء المختصّ”، وطرفا النزاع هذا: مسلّحون من عشائر البدو ومسلّحون من السويداء.

“تمّوز الدموي” الذي شهدته السويداء، نتج عنه قتل وتهجير وخطف متبادل، إذ يُتّهم مسلّحون من العشائر وعناصر تابعون لسلطات دمشق بـ”خطف” سوريين من السويداء، وتسليمهم للأمن العام الذي “أودعهم” في سجن عدرا المركزي، كذلك قام مسلّحون من السويداء بـ”خطف” سوريين من البدو.

فُتح لاحقاً باب “المفاوضات” من أجل تبادل “المخطوفين”، الكلمة التي يتمّ تفاديها حين تتبّع البيانات والأخبار الرسمية الصادرة من دمشق، وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، تُطلق على الموجودين في سجن عدرا اسم “المحتجزين”، وفي زيارة لـسجن دمشق المركزي التقت اللجنة الوطنية الخاصّة بأحداث السويداء بـ”الموقوفين” بحسب الكلمة التي استخدمها وكالة “سانا”، وذلك لـ”الاطّلاع على أوضاعهم الصحّية والإنسانية، وتعكف حالياً على التنسيق مع الجهات المعنيّة لتسوية الأوضاع القانونية للمعتقلين”، نلاحظ في الخبر نفسه استخدم لفظ “المُعتقلين” أيضاً، علماً أن صلاحيات اللجنة هي “التحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرّض لها المواطنون”، و”إحالة من يثبت مشاركته في الاعتداءات والانتهاكات إلى القضاء”.

“مخطوفون” و”معتقلون” و”محتجزون” و”موقوفون”، كلّ هذه التسميات تُستخدم لوصف مجموعة من المواطنين السوريين الدروز من السويداء، الذين “نقلتهم” سلطات دمشق من السويداء إلى سجن عدرا المركزي، ولا يوجد عدد رسمي لهم، خصوصاً أن سلطات دمشق “تفرج عنهم” تباعاً إثر المفاوضات مع مسلّحي السويداء، الذين “خطفوا” أيضاً سوريين آخرين، وإلى الآن تتناقل صفحات غير رسمية أخباراً مختلفة عن فشل “المفاوضات”.

كلّ واحدة من التسميات السابقة تحمل تبعات قانونية تلعب سلطات دمشق دوراً محورياً فيها، دور يُختصر بـ”الاحتجاز” و”التبادل”، إذ صرّح قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء حسام الطحان أن “الدولة السورية ماضية في استكمال عمليّة التبادل على نحوٍ كامل وعادل”.

تحوّل ملفّ “المخطوفين” إلى ورقة ضغط، كلّ فئة تحتجز سوريين لتبادلهم بسوريين آخرين، ونقصد “حكومة دمشق” و”مسلّحي العشائر” و”مسلّحي السويداء”، والجهة الرسمية المفترض التي تمتلك السيادة والقرار تتمثّل بسلطة دمشق، كونها “الحكومة”، وهنا نعود إلى السؤال، ما هو وصف المواطنين السوريين المحتجزين في سجن عدرا؟ هل هم “مخطوفون” كجزء من مفاوضات لتبادل الرهائن، أم “محتجزون”،أم “موقوفون” للتحقيق بشبهة ارتكابهم جرائم؟

هناك غموض في البنية القانونية التي تعتمد عليها سلطات دمشق في التعامل مع “المحتجزين/ المخطوفين”،  إلى جانب غموض التوصيفات القانونية ذات التبعات التي تمسّ هؤلاء السوريين، الذين وجدوا أنفسهم في السجن دون تهمة واضحة، ودون دليل قانوني على الإجراءات التي تتّبع بخصوصهم، لا سيّما أنه بعد جمع شهادات منهم قالوا إن سبب خطفهم هو أنهم دروز.

 هذه الصيغة الغامضة قانونياً لاحتجاز مواطنين دون توجيه تهمة واضحة لهم، أو إجراءات قانونية لحجز حرّيتهم، أشار إليها تحقيق نشرته وكالة “رويترز” مؤخّراً، الذي ردّت فيه وزارة الإعلام السورية على أسئلة الوكالة، قائلة: “إن عدد النزلاء في سجن دمشق المركزي 3599، بينهم 439 موقوفاً على خلفية جرائم متنوّعة لصالح القضاء المختصّ في قضايا الإرهاب، و3160 نزيلاً مدنياً بجرائم جنائية”، لا نعلم بدقّة ضمن أي فئة يقع “المخطوفون” من السويداء، أو ما إذا كانوا ضمن هذه الإحصائيّة.

نتتبّع هنا، بناء على تقاطع شهادات “محتجزين” تحدّثوا لـ”درج” عن “نقلهم” من السويداء إلى سجن عدرا المركزي، ثم تمّت “إعادتهم” إلى السويداء، والإجراءات القانونية والبيروقراطية والشُرطية التي اتّبعت منذ “احتجازهم” حتى “إطلاق سراحهم”، أي لن نقدّم شهادة ناجين أو ضحايا، بل نتتبّع البنية التحتية البشرية والقانونية التي تحرّك ضمنها “المخطوفون”، في محاولة لفهم الصيغة القانونية التي احتُجزوا عبرها، كما قمنا بإغفال بعض التفاصيل الخاصّة بمكان “الخطف” وتاريخه، لحماية من تحدّثوا معنا، من أيّ تهديد قد يمسّ من لم يزل في سجن عدرا.

“التوقيف” أثناء الاشتباك 

أثناء الهجمات على محافظة السويداء، لجأ بعض سكّان المدينة إلى منازلهم أو منازل فارغة خوفاً من إطلاق النار، بعض هؤلاء تمّ “أخذهم” من هذه المنازل تحت تهديد السلاح. المسلّحون كانوا من العشائر ومن قوّات وزارة الدفاع السورية، وبعد احتجاز حرّيتهم تمّ تكديسهم في سيّارات بيك آب و”تطميش” أعينهم. 

أثناء الرحلة في السيّارة، تعرّض “المخطوفون” للإهانات والسباب، وأثناء مرورهم على الحواجز تعرّضوا أيضاً لمزيد من الشتم والإهانات والضرب إلى جانب التهديدات بالتصفية، وأخيراً وصلوا إلى منزل في درعا.

بقي “المخطوفون” في منزل في درعا لنحو 24 ساعة، لا يعلمون من هي الجهة التي تحتجزهم، ثم وُضعوا  في سيّارة بيك آب “فوق بعضهم بعضاً”، نقلتهم بـ”سرعة جنونية”، لتسليمهم إلى الشرطة العسكرية في درعا.

قبل دخولهم البناء الخاصّ بالشرطة العسكرية، كان هناك نحو 30 عنصراً يمرّ “المحتجزون” بينهم، حيث شُتموا وضُربوا أثناء مرورهم، أو حسب أقوال “المحتجزين” الذين تحدّثنا معهم: “كان هذا تعذيباً”، في وصف للضرب والإهانات التي تعرّضوا لها أثناء الدخول، وما إن دخلوا المبنى، يمكن القول، إن “المحتجزين” أصبحوا بيد مؤسّسة رسمية تابعة لحكومة دمشق.

في مقرّ الشرطة العسكرية في درعا أقام “المحتجزون” مدّة تصل إلى 10 أيّام، لم يتمّ تقييدهم حين وصلوا، لكن تمّ تصويرهم عبر الموبايل صوراً ثابتة، وسُجلت معلوماتهم (الاسم الرباعي والمواليد)، وأُخذت أوراقهم الشخصية وممتلكاتهم  وُوضعت في الأمانات، خلال هذه المدّة كانوا ممنوعين من التواصل مع أيّ أحد في الخارج، ولا تعلم أسرهم ما هي مصائرهم.

خلال الاحتجاز في مقرّ الشرطة العسكرية، حصلوا على ثلاث وجبات طعام يومياً، وكان بإمكانهم استخدام الحمّام خارج المهجع، التهوية كانت سيّئة لعدم توفّر الكهرباء بشكل دائم، ولا يوجد نوافذ مفتوحة، ولكلّ شخص فراش وغطاء.

في “ضيافة” الأمن العامّ!

نُقل “المحتجزون” لاحقاً، دون “تطميش” أعينهم أو تقييد أيديهم من مقرّ الشرطة العسكرية إلى مقرّ الأمن العامّ في درعا بـسيّارة “فان”، وسُلّمت أماناتهم إلى الأمن العامّ، وهناك وُضعوا في مهجع صغير، عالي الرطوبة، كثير الحشرات، وخُصّص لكلّ واحد منهم فراش، أما الحمّام فداخل المهجع، كما حصل “المحتجزون” على 3 وجبات طعام يومياً.

 قضى “المحتجزون” لدى الأمن العامّ 14 يوماً تقريباً دون القدرة على التواصل مع الخارج، بعدها  أصبح بإمكانهم التواصل عبر موبايل مسؤول السجن مع أهلهم تقريباً كلّ 3 أو 5 أيّام، يؤكّد “المحتجزون” أن التواصل لم يكن  له وقت محدّد، أو ضمن جدول محدّد.

إلى الآن، لا تهمة واضحة موجّهة للـ”محتجزين”، على الرغم من أنهم بيد “جهة رسمية”، الجهة الأعلى التي كانت تزورهم وقتها هي بحسب وصفهم تتمثّل بـ”مدير السجن”، الكلمة هنا ليست دقيقة، خصوصاً أنهم لم يعرفوا رتبة هذا الشخص الذي كان “متعاوناً جدّاً”، إذ كان يُوجّه الخطاب إليه بصفة “الشيخ”؛ الكلمة التي يمكن أن تلحق بأيّ شخص، يقول أحد “المحتجزين”: “ما كنّا نعرف أيّ شيخ عم ينحكى عنه، إذ ليس لهم أسماء، بل ألقاب فقط”.

قبل يومين من نقلهم إلى سجن عدرا المركزي خضع “المحتجزون” للتحقيق، تحقيق وصفوه بأنه “رفع عتب” لم تتجاوز مدّته الدقيقتين، ولم يوقّعوا على أيّ ورقة، وحين سألوا عن سبب نقلهم إلى عدرا كان الجواب أنه “أكثر ملائمة وأماناً”، و”يمكن حمايتهم هناك كون الوضع هنا خطيراً”.

في السجن المركزي: نزلاء أم مخطوفون أم “أمانة”؟

نُقل المواطنون السوريون “الموقوفون” إلى سجن عدرا المركزي عبر باصات مخصّصة لنقل المساجين، ذات نوافذ محميّة بشبك حديدي، وكان العدد في أحد الباصات 60 موقوفاً، لأنهم كانوا يقومون بعدّ “المحتجزين” أكثر من مرّة أثناء الطريق، بحسب شهادة أحد الذين كانوا في الباص.

حين وصلوا  إلى سجن عدرا، خضعوا لتفتيش كامل بصورة “فاحشة”، بحسب وصف أحد الذين قابلناهم والذي رفض ذكر تفاصيل، وفي سجن عدرا، تمّ تجريدهم من كلّ المقتنيات التي كانت معهم، وكان عددهم  وفق مصادر غير رسمية نحو 110 “موقوفين”، وهنا ظلّوا دون تواصل مع الخارج لنحو شهر.

وُضعوا بعدها في عنبر خاصّ بعيداً عن باقي “النزلاء”، الكهرباء كانت موجودة بشكل دائم، وعُرضوا على أطباء وصفهم عدد من المحتجزين الذين تحدّثنا معهم بـ”قليلي الخبرة “، وتمّ إعطاؤهم مسكّنات ألم فقط، وأدوية خاصّة لأصحاب الأمراض المزمنة، ولم يتمّ توزيع أيّ ثياب خاصّة بالسجن عليهم، إنما ثياب “عادية” فقط.

المهجع كان يحوي حمّاماً، ولا يحوي أفرشة، فقط بطانيّتان للشخص الواحد، لاحقاً، وبعد “إطلاق سراح” دفعة منهم، توزّعوا على مهجعين، خلال الاحتجاز كان يحصل كلّ شخص على وجبتي طعام يومياً (الفطور: لبنة وجبنة وزعتر ومربيات وزيتون. الغداء: أرزّ أو برغل أو معلّبات، و4 أرغفة خبز لكلّ شخص)، وبعد انتشار القمل، تمّ توزيع مراهم جلدية عليهم.

 المعاملة كانت جيّدة بحسب وصف “المحتجزين”، بعض السجّانين كانوا ودودين، والبعض الآخر تعمّد توجيه الإهانات، وكلّ 5 أيّام، كان هناك ساعة ونصف تنفّس.

عُرض بعض “المخطوفين/ المعتقلين/ المحتجزين” في سجن عدرا، على لجنة التحقيق التي أنشأتها وزارة العدل في حكومة دمشق، مع وعد بإطلاق سراحهم خلال أيّام، الذين  عُرضوا على اللجنة تمّ التحقيق معهم وسؤالهم عن المعاملة التي يتلقّونها والجهة التي “اعتقلتهم”، وقاموا بالتوقيع والبصم على محاضر التحقيق، بعدها “أُطلق سراح” بعضهم.

الباقون، زارهم “شخص” بحسب قولهم، وقاموا معه بتعبئة وثائق تؤكّد أنهم لم يحملوا السلاح، واطّلعوا على “أمر ترك” من النائب العامّ في دمشق (هذه الورقة شاهدها بعض المحتجزين وبعضهم لم يتمكّن من مشاهدتها)، ثم قاموا بالتوقيع على الوثائق التي تقول إنهم لم يحملوا السلاح، كلّ واحد على حدة.

وخلال هذه الفترة قام “المحتجزون” بالإضراب عن الطعام عدّة مرّات، بهدف الضغط في سبيل التواصل مع ذويهم، الذين لم يعرفوا عنهم شيئاً إلا بعد شهر من الاحتجاز، حين سُمح لهم بالتواصل معهم عبر الموبايل لمدّة 5 دقائق كلّ عشرة أيّام، بعد تكرار الإضرابات عن الطعام.

لم يكن “المحتجزون” على دراية بما يحصل خارج المهجع، لا أخبار ولا وسائل تواصل مع الخارج، ولم يتمكّنوا من معرفة رتب القائمين على السجن: “كلّهم شيوخ ذوو ألقاب”، حتى أثناء توزيع الطعام لم تكن الرتب واضحة.

لم يعرف “المحتجزون” توصيفهم القانوني، ولا المبرّر قانوني لاحتجازهم، وكان الجواب دائماً: “أنتم هنا لحمايتكم”، “ما عليكم شيء”، و”هناك تعطيل بعمليّة المبادلة اضغطوا أنتم وذووكم في سبيل إتمام الصفقة”.

قال “محتجزون” إن لجنة من “الصليب الأحمر الدولي” زارت السجن، والتقت “المخطوفين”، وتمّ ملء استمارات حول المعلومات الشخصية، وكيف تمّ “الاعتقال/ الخطف/ الاحتجاز”، الهدف من الزيارة كان التأكّد من أوضاعهم والتواصل مع ذويهم.

“برسم الأمانة”

نحن أمام مجموعة من السوريين، الذين صودرت حرّيتهم من قِبل السلطة، دون تهمة واضحة، وتقوم “الحكومة” باستخدامهم للضغط على عناصر مسلّحة بدوية ودرزية في سبيل إتمام صفقة تبادل.

 نحن أمام سلسلة انتهاكات، تتنوّع بين “الاحتجاز التعسّفي”، و”الإخفاء القسري”، و”مصادرة الحرّية”، و”التوقيف دون مذكّرة”، كذلك لا نعلم ما هي الحالة القانونية التي تنطبق على سلطة تقوم باحتجاز مواطنيها لمبادلتهم مع مواطنين آخرين! فحين سأل بعض “المحجتزين” عن وضعيتهم القانونية كان الجواب “أنتم برسم الأمانة”.

تمّ الإعلان عن أسماء بعض  “المحتجزين” من قِبل صفحات عديدة، لا صفحات رسمية، وكُشف عن وجود أحداث/ قاصرين بينهم، وأحياناً شبّان من أسرة واحدة، ولم يكن بينهم في عدرا نساء.

المفارقة الكافكاوية، أن البعض مضى على احتجازهم أشهر، احتجاز دون مرجعية قانونية، كانت نهايته إطلاق سراح بعضهم فجأة، ومنحهم ثياباً مدنية جديدة، ونقلهم بباص مدني عادي (بولمان) لتسليمهم للجان في قرى السويداء، مع مبلغ مليون ليرة سورية وهاتف نقّال جديد.

 لم يحصل الذين أُطلق سراحهم على أيّ إثباتات أنهم كانوا “معتقلين” أو “موقوفين”، تنقّل “المحتجزون” ضمن مؤسّسات سجنية وأمنية، وخرجوا منها دون أي دليل قانوني على احتجاز حرّيتهم، ولا دليل “رسمي” على وجودهم داخل سجن عدرا، سوى الشهادات التي جمعتها منظّمة الصليب الأحمر التي زارت السجن.

حاول أهل بعض “المحتجزين” في الأيّام الأولى التواصل مع السلطات الرسمية، التي نفت وجود “محتجزين” لديها، وبقي الأهل دون معرفة مصائر أقربائهم مرّتين، مرّة حين كانوا “محتجزين” في درعا، ثم سُمح لهم بعدها بالتواصل مع أهلهم، ومرّة في سجن عدرا قبل أن يُسمح لهم بالتواصل. بصورة ما، هناك فترتان زمنيتان اختفى فيها “المحتجزون”، دون أن يعرف أحد مصيرهم .

من المُتهم؟

تواصلنا مع المحامي أيمن شيب الدين من السويداء، الذي أكّد لنا، أنه عملاً بالقانون السوري، نحن أمام سلسلة من الانتهاكات تتضمّن “الخطف، الاعتقال دون مذكّرة قضائية (التعسّفي)، حجز حرّية بدون مذكّرة قضائية (الإخفاء القسري غير موجود في القانون السوري)، الحرمان من التمثيل القانوني”.

 وقال: “هذه الجرائم ارتُكبت بعلم سلطة دمشق، وتحت إشراف الأمن العامّ، وكان يجب على لجنة التحقيق التي زارت المخطوفين في سجن عدرا، أن تُطلق سراحهم جميعاً مباشرة، كونه لم توجّه لهم أيّ تهم، ولم يُعرضوا على القضاء، واعتقالهم وتمديد احتجازهم لم يتمّا بأمر قضائي، وهذا يضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي تعرّض لها السوريون الدروز”.

شيب الدين يرى أن الخاطفين أنفسهم، سواء كانوا مدنيين أو تابعين للسلطة، لم توجّه لهم تهم، خصوصاً أنهم احتجزوا حرّية مواطنين سوريين غير مسلّحين وهي “جريمة جنائية”، ويقول: “أتلقّى عشرات الاتّصالات من أهالي المخطوفين لمعرفة مصيرهم، لكن لا يوجد ردّ رسمي من السلطة، ناهيك باستخدام المخطوفين كورقة للتفاوض، هناك سلطة توظّف مؤسّسات الدولة وتخالف القوانين التي تدّعي تطبيقها، في سبيل التغطية على جرائم حرب”.

يضيف شيب الدين حديثه معنا قائلاً: “تصلنا أخبار أن هناك معتقلين في فروع أمنية أُعيد استخدامها، لكن لا وسيلة للتيقّن من ذلك، إذ لم تعلن السلطة بوضوح عن مصائر المخطوفين وأماكن احتجازهم، وحين حاولنا التواصل مع الصليب الأحمر الذي زار المخطوفين في سجن عدرا، لم نحصل على أيّ ردّ”.

تواصلنا مع الناطقين الإعلاميين باسم وزارة العدل ووزارة الداخلية ولجنة “التحقيق في أحداث السويداء”، ولم نتلقَّ ردّاً،  في حين أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أجابت عن أسئلتنا بالتالي: “وفقاً لتفويضها، تحافظ اللجنة الدولية للصليب الأحمر على حوار ثنائي مستمرّ مع جميع الجهات المعنيّة في سوريا، سعياً للوصول  إلى جميع الأشخاص المحرومين من حرّيتهم في حالات النزاع المسلّح والعنف، بغضّ النظر عن سبب احتجازهم أو مكان احتجازهم أو الجهة التي تحتجزهم”.

وأضافت اللجنة: “تقوم اللجنة الدولية حالياً بزيارات إلى أشخاص محرومين من حرّيتهم في أماكن احتجاز مختلفة في أنحاء البلاد، من بينهم أشخـاص محتجَزون لدى مختلف الأطراف، على خلفية الأحداث التي وقعت في جنوب سوريا والسويداء. ويتضمّن هدفها الإنساني البحت رصد معاملة المحتجَزين وظروف احتجازهم، وتذكير سلطات الاحتجاز بواجبها في ضمان المعاملة الإنسانية، وإعادة التواصل بين المحتجَزين وذويهم والحفاظ عليه”.

أما بخصوص معلومات المحرومين من حرّيتهم، فتقول اللجنة: “بينما لا تتدخّل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الإجراءات القضائية، فإن ملاحظاتها وتوصياتها، بما في ذلك تلك المتعلّقة بالوضع القانوني للأشخاص المحرومين من حرّيتهم، تُشارَك حصراً مع سلطات الاحتجاز من خلال حوار ثنائي وغير علني، وذلك وفقاً لمنهجيات العمل التي تتّبعها اللجنة الدولية في جميع أنحاء العالم”.