كنت صغيرة، لكنني لا أزال أذكر كيف نبت حزب الله من حولي وفي محيطي قبل حتى أن أسمع كلمة “حزب الله”، ومن خلال تفاصيل كنا نظنها ممارسات صغيرة ومنفردة، حتى اتسعت رقعتها وصار اسمها رقعة حزب الله.
صرت كبيرة منذ زمن ولا تزال البقعة تتسع، ليس على حساب باقي المساحات فحسب، بل حتى على حساب الذاكرة. أنا بالكاد أتذكر كيف كانت الحياة قبل أن تنبت تلك الممارسات التي تبيّن أنها لم تكن صغيرة أبداً.
أولى ذكرياتي عن التغيير الذي أحدثوه في مدرستي “السبعة الأقمار” في برج البراجنة هي عندما استولى شبان وشابات سموا أنفسهم “التعبئة الطلابية”على مجلة الحائط، وحولوا محتواها إلى محتوى ديني صرف، ثم استولوا على احتفالات المدرسة لتصبح مقتصرة على إحياء مناسبات مرتبطة بالإمام المهدي والإمام علي، وعيد الغدير والإسراء والمعراج وغيرها. أذكر أيضاً كيف عممت هذه الممارسات على مدارس أخرى وهددوا مدراءها وأصحابها وفرضوا كل قواعدهم عليهم وعلينا كطلاب.
في الحي حيث كنت أسكن في حارة حريك، أذكر كيف غزا “التشادور” المنطقة، وحين بدأت نساؤهم توقف الفتيات غير المحجبات وتنصحهن أو تنهرهن بشأن ملابسهم، وحتى أننا سمعنا إشاعات عن أن شبابهم يرمون الفتيات غير المحجبات بمياه الأسيد.
وأذكر أيضاً المشاهد التي تلصصت مع أهلي وجيراننا عليها في الليل من منور بنايتنا حين وقعت في الحي إحدى معاركهم مع حركة أمل وقتل الأخ أخاه عند مدخل بنايتنا.
أذكر في فترة أيام عاشوراء كيف كانوا يبدأون فجأةً بتسكير مداخل الأحياء، ومنع السيارات من المرور، واحتلال الأحياء عصراً ليمارسوا شعائر ضرب ظهورهم وصدورهم بالجنازير. كنا نراهم من شباك بيتنا الصغير الذي لم يكن يضم شرفة. وكانت النسوة المشاركات يطرقن أبواب بيوت المباني الملاصقة للحيّ المحتلّ لاستخدام الحمام. أذكر أننا لم نكن نفتح لأحد.
أذكر أيضاً كيف صرنا في رمضان نستيقظ مذعورين على أصوات أناشيد تصدح من مكبرات الصوت المربكة على باصات لتوقظ الصائمين على السحور، وكيف اختفى المسحّر.
ثم كيف صرنا نرى خزانات مياه على الطرقات مطبوع عليها علم إيران، وكيف كثرت النساء المرتديات الثوب الشرعي، وكيف تغير شكل الحجاب وطريقة عقده بشكل يخفي مساحة أوسع من الوجه، ويثبّت بطريقة تميزهن عن محجبات أخريات من حركة أمل… أو فقط محجبات.
أذكر كيف صارت صور كثيرة لرجالٍ بلحى تُعلق على مداخل البنايات وواجهاتها، لتصبح أول ما نراه عندما نفتح نوافذنا. وكيف صارت اليافطات السوداء تنصب في كل حي تتوسطها شعارات عن القدس وعن كربلاء وعن الشهادة.
أذكر كيف استبدل الشبان الأغاني التي كانت تصدح من سياراتهم بالأناشيد الحزبية والندبيات ثم الخطب، وكيف صار أبي يتعارك معي كلما خرجت من البيت بقميص بلا أكمام محتجاً على عدم ارتداء ما يستر كتفيّ مؤقتاً لحين أصل خارج حدود الحي، لم أطاوعه ولم ييأس من المحاولة.
إقرأوا أيضاً:
أذكر كيف ارتدت جارتنا أم علي الحجاب ثم توقفت عن السلام باليد على أبي، وكيف توقفت تدريجياً السهرات التي كنا نتشاركها معهم في مناسبات رأس السنة وأعياد الميلاد.
أذكر كيف تحولت كل أسماء المحلات الى: زهراء وبتول وحوراء.
أذكر كيف صارت هناك مناطق وأحياء لا يمكننا الوصول أو الدخول إليها، وأصبحت تُعرف بالمربعات الأمنية، وكيف أنه في بعض الأبنية التي تسكنها قياداتهم كان يتم تفتيش زوارها في كل مرة. وكيف غادر الكثير من سكان تلك البنايات هرباً من هذه الممارسات.
أذكر كيف صار التصوير ممنوعاً إلا بإذن من شباب الحزب، وكل من لا يلتزم يكون قيد الملاحقة والتحقيق كما حدث معي ومع صديقي المصور حين كنا نصور موضوعاً للجامعة مرتبطاً باليافطات والجدران.
أذكر كيف زُرعت الرايات السوداء على الأعمدة، والخواتم الفضية وأحجارها الكبيرة في الأصابع، واللحى على الوجوه، والعبسة على الجبين.
أذكر عندما صرنا في الجنوب نسمع عن رمي قنابل على محلات بيع الكحول، وكيف توقفت المسابح عن تقديم الكحول وصار المايوه ممنوعاً، ومنعت مطاعم كثيرة من إقامة حفلات.
أذكر عندما صارت كل الفتيات محجبات. وصرنا نتردد قبل مد أيادينا للسلام.
ثم صارت الأدعية بلهجات ليست مألوفة.
واختفت أصوات النساء المُسنّات اللواتي كنّ يقرأن مجالس العزاء، واستُبدلن بنساء أصغر سنّاً، يرتدين التشادور ويخضعن لدورات تدريب على قراءات بأساليب جديدة فيها الكثير من الافتعال. وصارت المهنة مربحة جداً للكثيرات، بخاصة اللواتي كنّ يفعلن كل ما بوسعهن لإبكاء الحاضرات.
وصار للشيوخ منبر مفروض بالقوة في كل ذكرى مرور أسبوع على وفاة أحد.
وصارت الحسينيات مراكز حزبية مزينة بأعلام الحزب وبصور أمنائه.
وصار مِن طلاب المهنية التي درست فيها مَن يُعيد في حصص الفنون رسم ما انتشر على جدران الأحياء ويافطاتها: وجوه شهداء، أسلاك شائكة، دم يسيل من سيف…
ثم في الجامعة حُذفت مادة رسم الموديل العاري من منهاج اختصاص الفنون التشكيلية في الفروع الخاضعة لسيطرة الحزب، تحديداً فرع الروشة.
أذكر كيف صارت نساء المحزبين يستعرضن فائض قوة أزواجهن وحزبهم استعراضاً قد يبدأ بسياراتهم رباعية الدفع “المفيّمة” ولكن لا ينتهي هناك.
يسألونني (وغيري) لماذا الموقف من حزب الله شخصيّاً؟ أقول وكيف لا يكون شخصيّاً والحزب تعدى على سمعنا وفضاء بصرنا واستبدل لهجتنا وفرض شكل حزنٍ جديدٍ، وعادات ليست من نسيج عاداتنا.
كيف لا يكون الموقف شخصياً وقد صارت الألوان إدانة، والفرح ذنباً، والابتسام مستهجناً؟
إقرأوا أيضاً:












