في حيّ البريد شرقي الموصل، يبدأ الازدحام قبل الظهيرة بقليل. تدخل السيّارات تباعاً إلى الفرع السكني القريب من مطعم “أبو ليلى” وتتباطأ بحثاً عن مكان للوقوف، يتوقّف بعضها بمحاذاة الأرصفة، وبعضها الآخر أمام أبواب المنازل، فيما ينعطف المزيد نحو الأزقّة الضيّقة التي لم تُصمّم يوماً لاستقبال هذا العدد من المركبات.
أمام أحد المنازل يقف رجل خمسيني عاجزاً عن إخراج سيّارته بعدما سدّت مركبة أحد زبائن المطعم مدخل المرأب، وبعد دقائق، يخرج صاحبها ليزيحها معتذراً، يقول الرجل، الذي طلب عدم الكشف عن هويّته “من انفتح أبو ليلى، عانينا من الدخول إلى البيت والخروج منه. كانت سيّارات الزبائن توقف أمام الباب، وأحياناً نرجع فنلقى سيّارة سادّة المدخل”.
وبحسب السكّان لم تكن هذه المشاهد مألوفة قبل افتتاح المطعم، الذي أُقيم على أرض كانت فارغة بعد تحرير الموصل في عام 2017 بفترة قصيرة ، ومع ازدياد الإقبال عليه، امتدّت حركة السيّارات من الشارع العامّ إلى الفروع السكنية، وبعد شكاوى السكّان، عيّن صاحب المطعم عمّالاً لتنظيم وقوف السيّارات أمام المنازل. ويقول الساكن إن ذلك خفّف من المشكلة “لكنّها ما انتهت. على الأقلّ هسه نكدر ندخل ونطلع من البيت”.
وتظهر مقارنة الصور الجوّية للموقع بين العامين 2017 و2026، تحوّل القطعة التي يشغلها المطعم اليوم من أرض غير مبنيّة إلى مشروع قائم، إلى جانب ازدياد عدد السيّارات الظاهرة على الشارع المحيط بالموقع في اللقطات اللاحقة.

ولا يرى السكّان أن المشكلة ترتبط بالمطعم وحده. فوجود مستشفى الزهراوي وعدد من المخابز جعل الشارع نشطاً منذ سنوات، قبل أن تتزايد المطاعم والمقاهي والمشاريع التجارية تدريجاً، فتتغيّر طبيعة المنطقة. ويؤيّد صاحب دكّان في الحيّ هذا التوصيف، ويقول إن الوصول إلى المنازل أصبح أكثر صعوبة، حتى إن الخروج لقضاء حاجة بسيطة بات، بحسب وصفه، “ثقلاً”.


وتُظهر الصور الى جانب المعاينة الميدانية المتكرّرة أن ما يحدث أمام المنزل ليس سوى جزء من تحوّل أوسع في الشارع، تتجاور المجمّعات الطبّية والعيادات والمختبرات والصيدليات والمطاعم والفنادق، فيما تصطفّ السيّارات على جانبي الطريق وتمتدّ إلى الفروع الداخلية، ناقلةً جزءاً من الضغط إلى الأزقّة السكنية المتفرّعة منه.
وتؤكّد دراسة أكاديمية منشورة في عام 2022 أن التحوّل في شارع حيّ البريد بدأ قبل افتتاح المطعم بسنوات. فقد رصدت تغيّر استعمال 75 قطعة بين العامين 2009 و2022، لكنّ وتيرة التحوّل تسارعت في نهاية الفترة؛ إذ حدثت 35 حالة، أي قرابة نصف التغيّرات المسجّلة، بين العامين 2019 و2022
وبحلول العام 2022، كان الاستعمال التجاري يشغل 68 قطعة، تمثّل 52.4 في المئة من قطع الشارع، مقابل 39 قطعة سكنية فقط. وتصف الدراسة الشارع بأنه محور تجاري وطبّي، تنتشر على امتداده العيادات والمختبرات والصيدليات والمستشفيات الأهلية، ما يجذب حركة تتجاوز قدرة بعض الفروع السكنية المتّصلة به.
وتوضح خريطة الدراسة امتداد الشارع واتّصاله بعدد من الأحياء السكنية والفروع المحيطة به، لكن هل التحوّل الذي يراه سكّان البريد حالة خاصّة، أم أنه نموذج لتحوّل أوسع تشهده أحياء أخرى في الموصل؟
البريد ليس استثناء
لا يقتصر التغيّر على شارع أو حيّ بعينه. ففي مقطع بصري يقارن صور الموصل بين العامين 1984 و2025، تبدو الكتلة العمرانية وهي تمتدّ تدريجياً على جانبي دجلة وبعيداً عن مركز المدينة. ولا تكشف هذه الصور وحدها طبيعة هذا التوسّع أو مدى انتظامه، لكنّها توضح حجم التحوّل المكاني الذي شهدته المدينة خلال أربعة عقود.
(يوضع فيديو هنا: عن تطوّر الامتداد العمراني)
ومع اتّساع المدينة، ظهرت مراكز تجارية وخدمية جديدة داخل أحياء كانت تؤدّي في الأصل وظيفة سكنية. وتوضح دراسات تناولت شوارع مختلفة من الموصل أن حالة البريد جزء من نمط أوسع.
ففي شارع حيّ سومر، رصدت دراسة توسّع النشاط التجاري مع نموّ المدينة، كما تناولت دراسة أوسع للقطاع الثالث في الموصل تغيّر استعمالات الأرض في عدد من شوارعه.
فيما تظهر ملامح مشابهة في شارع المثنّى، حيث تناولت ورقة معمارية منشورة في عام 2024 أثر تحوّل الشارع من الاستعمال السكني إلى التجاري، وخلصت إلى ضعف واضح في الوحدة البصرية واستمرارية الواجهات، مع تفاوت في أشكال المباني وألوانها وارتفاعاتها وخطوط بنائها، ما أنتج مشهداً عمرانياً متفكّكاً وغير متجانس.
لكنّ التحوّل لا يغيّر واجهة الشارع وحدها؛ بل يغيّر أيضاً الطريقة التي يستخدم بها السكّان الحيّ، فمع ازدياد المطاعم والعيادات والمحالّ، ترتفع حركة السيّارات والوافدين، وتتراجع الخصوصية، وتتحوّل الأرصفة والمساحات المحاذية للمنازل إلى مواقف ومسارات للمركبات.
في حيّ البلديات، يواجه المهندس المعماري والأكاديمي أحمد العمري مشكلة مشابهة أمام منزله. يقول إنه وضع لافتة تطلب من السائقين عدم الوقوف أمام باب المرأب، ثم ركّب كاميرا، قبل أن يلجأ إلى وضع مخاريط مرورية تضمن له مساحة الدخول والخروج، ويقدّر أن هذه الإجراءات خفّفت المشكلة بنسبة تقارب 90 في المئة، لكنّها لم تنهِ ما يصفه بـ”المعاناة اليومية” التي يعيشها سكّان الأحياء التي تحوّلت تدريجياً إلى مراكز للمطاعم والأسواق والمحالّ.



ولا يربط العمري المشكلة بالمطاعم وحدها، بل أيضاً بضعف النقل العامّ وزيادة الاعتماد على السيّارات الخاصّة، إلى جانب افتتاح مشاريع تستقبل أعداداً كبيرة من المراجعين من دون توفير مواقف كافية، فتنتقل المركبات إلى الأرصفة وأبواب المنازل والفروع المجاورة.
ولا تنتهي آثار التحوّل عند مداخل البيوت، بل تمتدّ إلى حركة السكّان داخل أحيائهم.
اعتادت أم سنان (55 عاماً) المشي مساءً للحفاظ على نشاطها البدني، متّخذة من الشوارع القريبة من منزلها في حيّ المصارف مساراً يومياً للمشي. لكنّها تقول إن ازدياد الازدحام ووقوف السيّارات على الأرصفة وفي جوانب الطرق جعلا المشي أقلّ راحة وأماناً، ما دفعها إلى تقليل عدد المرّات التي تخرج فيها.
“إحنا أصلاً ما عدنا أماكن مخصّصة للمشي، وهسه حتى الشوارع اللي نكدر نمشي بيها صارت مزدحمة”.
وتنسجم هذه الشهادة مع ما توصّلت إليه دراسة شارع المثنّى التي تشير إلى أن إدخال الأنشطة التجارية يزيد عدد مستخدمي الشارع وكثافة حركة المركبات، بما يتطلّب أرصفة أوسع، وتنظيماً لحركة المشاة، وتقليل التداخل بينهم وبين السيّارات، إلى جانب توفير مواقف مناسبة. وهي متطلّبات يصبح توفيرها أكثر صعوبة عندما تدخل الوظائف التجارية إلى شوارع صُمّمت أساساً لخدمة حركة السكّان اليومية.
وليس التناقض بين حاجة السكّان إلى هذه الأنشطة وتأثّرهم بها جديداً، فقد رصدت دراسة ميدانية للباحثة نادية صباح محمود أُجريت بين أواخر العام 2010 ومطلع العام 2011، وأظهرت أن 84 في المئة من السكّان المشمولين بالدراسة يتسوّقون من المحالّ المجاورة، فيما التمس 82 في المئة منهم العذر لأصحابها بسبب الظروف الاقتصادية. ومع ذلك، رأى 78 في المئة أن هذه المشاريع أحدثت تشوّهاً اجتماعياً في الأحياء، بينما رأى 72 في المئة أنها أسهمت في تشويه البيئة والعمران.
وتكشف هذه النتائج تناقضاً في علاقة السكّان بهذه الأنشطة؛ فهي توفّر خدمات قريبة وفرصاً اقتصادية، لكنّها تفرض في الوقت نفسه كلفة تتعلّق بالهدوء والخصوصية والمشي والقدرة على استخدام الحيّ بوصفه مكاناً للعيش، لا مجرّد وجهة للسيّارات والزبائن.
لكن لفهم لماذا دخلت هذه الأنشطة إلى الأحياء السكنية، لا تكفي العودة إلى طفرة المطاعم والمقاهي في السنوات الأخيرة. فالتحوّل أقدم من الحرب على تنظيم “داعش”، وإن كانت الحرب وما أعقبها قد أعادا رسم خريطته.
من الحاجة الأمنية إلى “هجرة المراكز”
بدأ التداخل بين الاستعمالين السكني والتجاري قبل الحرب الأخيرة بسنوات. ووفق شهادات الخبراء والدراسات، تعود إحدى نقاط التحوّل إلى مرحلة ما بعد العام 2003، حين تراجعت قدرة المؤسّسات على ضبط البناء واستعمال العقارات بالتزامن مع تغيّر الظروف الأمنية والاقتصادية في المدينة.
ويقول العمري إن المدينة كانت قبل العام 2003 أكثر التزاماً بالفصل بين الاستعمالات السكنية والتجارية، وكانت القيود المفروضة على تغيير وظيفة العقارات أكثر وضوحاً، ويختصر ذلك بالقول إن “السكني كان سكنياً، والتجاري تجارياً”.
وتتقاطع هذه الرواية مع دراسة الباحثة نادية صباح محمود الميدانية، إذ أظهرت أن 88 في المئة من أصحاب المحلّات الذين شملهم المسح افتتحوا مشاريعهم بعد العام 2003، فيما ربط 94 في المئة من السكّان انتشار هذه الأنشطة بالظروف التي كانت تمرّ بها البلاد.
وخلال سنوات العنف، اكتسب انتقال الخدمات إلى الأحياء وظيفة مختلفة بحسب العمري، فمع الخوف من التنقّل إلى الأسواق البعيدة وإغلاق بعضها مبكرًا، وفرت المحال القريبة احتياجات السكان اليومية داخل مناطقهم.
لكن ما بدأ استجابةً لظروف أمنية استثنائية تحوّل بمرور الوقت إلى نمط دائم.
الحرب تعيد توزيع المدينة
إذا كانت مرحلة ما بعد 2003 قد أسهمت في إدخال مزيد من الأنشطة إلى الأحياء، فإن الحرب على تنظيم “داعش” أحدثت تحوّلاً من نوع آخر: لم تغيّر المباني وحدها، بل أصابت مراكز تاريخية للتجارة والخدمات، وخلقت تفاوتاً في سرعة عودة السكّان والأعمال بين أجزاء المدينة.
فقد تعرّضت أجزاء واسعة من الموصل، ولا سيّما المدينة القديمة وأحياء من الجانب الأيمن، لدمار كبير. إذ تشير اليونسكو إلى أن نحو 80 في المئة من مدينة الموصل القديمة تعرّض للدمار خلال احتلال التنظيم ومعركة التحرير، فيما يقدّر برنامج الأمم المتّحدة للمستوطنات البشرية، أن نحو خمسة آلاف مبنى في المدينة القديمة دُمّر كلياً أو تضرّر بشدّة، ما أصاب نسيجاً حضرياً كان يضمّ أسواقاً ومراكز تجارية وخدمية تاريخية.
ولم تتعافَ الموصل بالوتيرة نفسها في جانبي المدينة. فبعد تحرير الجانب الأيسر مطلع العام 2017، بدأت عودة السكّان والخدمات والأعمال إليه بوتيرة أسرع، بينما ظلّ الجانب الغربي، الذي تعرّض لدمار ونزوح أوسع، يواجه تأخّراً في العودة بسبب تضرّر المساكن ونقص الخدمات والبنية التحتية.
ومع عودة الحركة إلى الأحياء الشرقية، عادت معها أعمال البناء والاستثمار؛ وهو ما يظهر أيضاً في دراسة حيّ البريد، التي تشير إلى تباطؤ النشاط التجاري والبناء خلال سنوات سيطرة التنظيم، قبل عودة حركة البناء والإعمار بعد العام 2017.
ويعني هذا التفاوت أن التعافي لم يُعِد الحركة داخل المدينة إلى خريطتها السابقة بالوتيرة نفسها؛ فمع تضرّر الأسواق والمراكز التقليدية في جانب، واستعادة مناطق أخرى سكّانها وأعمالها بصورة أسرع، بدأت وجهات جديدة تستقطب جانباً من الحركة والخدمات.
وترى المهندسة سنا باسل أن من أبرز التحوّلات التي شهدها الجانب الأيسر من الموصل بعد الحرب، تغيّر هويّة عدد من الأحياء السكنية، ولا سيّما العقارات الواقعة على الشوارع الرئيسة. وتضرب مثالاً بالشارع الواصل بين الكفاءات الثانية والحدباء، حيث تحوّلت، بحسب مشاهدتها، منازل إلى محالّ وأُقيمت عمارات تجارية من دون أن تتوفّر دائماً متطلبات تتناسب مع طبيعة الشارع والنشاط الجديد.
ومع الأضرار التي لحقت بأسواق المدينة القديمة، ومنها باب السراي والسرجخانة، انتقل جزء من النشاط التجاري إلى مناطق أخرى أقرب إلى التجمّعات السكّانية والقدرة الشرائية، وفقاً للعمري.
ويصف العمري هذا الانتقال بـ “هجرة المراكز”، لأن النشاط التجاري لم يعد يتركّز في أسواق المدينة التقليدية، بل انتقل إلى المناطق التي تجمّع فيها السكّان والقدرة الشرائية، وامتدّت المحلّات والمطاعم والعيادات إلى أحياء كانت سكنية في الأصل، وبدأ التداخل بين الاستعمالين السكني والتجاري يتوسّع، حتى بات، بحسب وصفه، حاضراً في معظم مناطق المدينة.
وتدعم دراسة عن التركيب التجاري لشارع حيّ سومر في الجانب الأيسر من الموصل جانباً من هذا التشخيص، إذ تصف الشارع باعتباره شريطاً تجارياً ظهر مع توسّع المدينة، وتشير إلى أن المراكز التجارية الثانوية أصبحت أكثر رواجاً بعد العام 2017، مع انتقال جزء من النشاط الاقتصادي من المدينة القديمة إلى أحياء أخرى عقب تضرّر أسواقها التقليدية.
لكنّ الحرب ليست التفسير الوحيد لاستمرار هذا التحوّل واتّساعه، فإلى جانب آثارها في إعادة توزيع النشاط داخل المدينة، أسهمت البطالة، وفقاً للعمري، وارتفاع العائد الاقتصادي من تحويل المنازل أو تأجيرها لمطاعم ومقاهٍ وعيادات، وسعي أصحاب العقارات والشباب إلى مصادر دخل أكثر ربحاً، إلى جانب تغيّر أنماط الاستهلاك وازدياد الإقبال على تناول الطعام خارج المنزل، في توسّع المشاريع داخل الأحياء.
ومع تراكم هذه العوامل، لم يعد المشروع التجاري استثناءً داخل بعض الأحياء، بل أصبح نمطاً متكرّراً، حتى بات المشهد، بحسب وصف العمري “مطعماً جنب مطعم”.
عقارات تتشظّى وشوارع لا تتّسع
إلى جانب انتقال الأنشطة التجارية، واجهت أحياء الموصل ضغطاً سكنياً موازياً، تمثّل في زيادة عدد الوحدات والسكّان داخل النسيج العمراني القائم. فمع ارتفاع أسعار الأراضي ومحدودية الوحدات المتاحة، بدأت عائلات كثيرة تبحث عن حلول داخل العقارات القائمة نفسها.
يقول العمري إن كثيراً من العائلات لم تعد قادرة على شراء منازل مستقلّة لأبنائها، فبدأت بتقسيم البيوت وقطع الأراضي إلى وحدات أصغر، ويضيف أن قطعة مساحتها 400 متر قد تتقسّم إلى أربع أو خمس وحدات سكنية.
ويصف العمري هذه العمليّة بـ “التشظّي”، لأنها لا تضيف سكّاناً فقط، بل تضيف سيّارات واحتياجات جديدة داخل الحيّ، من دون توسّع موازٍ في الشوارع أو شبكات الخدمات. ويربط انتشارها بغياب سياسة إسكان توفّر بدائل مناسبة للعائلات في مواجهة ارتفاع أسعار العقارات.
ومن خلال عملها في تصميم المساكن، تقول المهندسة المعمارية سنا باسل إن معظم المشاريع السكنية التي تصل إلى مكتبها تُصمّم للسكن فقط، لكنّها لاحظت أن مساحات قطع الأراضي أصبحت أصغر، إذ تدور مساحة عدد كبير من المشاريع التي تتعامل معها حول 150 متراً مربّعاً، في وقت ازدادت فيه احتياجات الأسرة مقارنة بالسابق.
وتضيف أن الاستخدام المختلط يظهر أكثر في المباني القائمة، عندما يقرّر أصحابها استثمار جزء منها أو تغيير وظيفتها، بينما تأتي المشاريع الجديدة التي تتعامل معها في الغالب محدّدة منذ البداية كسكنية أو تجارية.
وتدعم دراسة عن نموّ السكّان ومشكلة السكن في الموصل بين العامين 1997 و2017 جانباً من هذا التشخيص. تربط أزمة السكن بعدم التوازن بين النموّ السكاّني والتنمية الإسكانية، وتشير إلى أن كثيراً من الأسر اتّجهت إلى إنشاء وحدات سكنية صغيرة داخل الأحياء القائمة، بلغ بعضها نحو مئة متر مربّع، في محاولة للتكيّف مع ارتفاع أسعار الأراضي.
وتكتسب هذه الضغوط أهمّية إضافية في مدينة تُعيد بناء أجزاء واسعة منها بعد الحرب، إذ يشير إطار إعادة إعمار الموصل الذي أعدّه برنامج الأمم المتّحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) إلى أن المدينة كانت تعاني عجزاً سكنياً سابقاً للحرب، وأن إعادة الإعمار من دون استراتيجية عمرانية متكاملة قد تؤدّي إلى توسّع حضري غير منظّم يصعب التعامل مع آثاره لاحقاً.
ويتعامل الإطار مع إعادة إعمار الموصل بوصفها مسألة تخطيط حضري، لا إعادة بناء مادّي فحسب، إذ يدعو إلى ضبط توسّع المدينة ومعالجة أنماط البناء والتوسّع المخالفة لاستعمالات الأرض المحدّدة في التصميم الأساسي، إلى جانب الحفاظ على حصّة من الأراضي للفضاءات المفتوحة والخضراء والخدمات ضمن خطط التوسّع والاستثمار، وربط إعادة الإعمار باستراتيجية منسّقة على مستوى المدينة.



لكن مع ازدياد كثافة السكن والنشاط التجاري داخل الأحياء القائمة، يبقى السؤال: هل صُمّمت شوارعها أصلاً لاستيعاب هذا الحجم والنوع من النشاط؟
حين تتغيّر وظيفة العقار ولا يتغيّر الشارع
لا تكمن المشكلة في النشاط التجاري بحدّ ذاته، وفق العمري، بل في إدخاله إلى شوارع لم تصمّم لاستقبال هذا العدد من السيّارات والمراجعين والزبائن.
وفي هذه المناطق، تقول سنا إن مشكلة مواقف السيّارات تظهر بوضوح، إذ يلجأ الزبائن إلى الوقوف بصورة عشوائية، وفي بعض الأحيان يُغلقون مداخل المنازل، بينما لا توفّر بعض المحلّات والعمارات التجارية مواقف كافية.
وتُظهر تجربة أحد أصحاب المشاريع، أن المشكلة لا ترتبط دائماً بتحويل عقار سكني أو فتح مشروع من دون إجراءات؛ فقد تكون المنشأة في عقار تجاري، بينما يبقى السؤال متعلّقاً بقدرة الشارع والمنطقة على استيعاب النشاط.
يقول صاحب مطعم “بيتزاريا” في حيّ النور إنه افتتح مشروعه في عام 2023، في عقار كان تجارياً أصلاً، لذلك لم يحتج، بحسب قوله، إلى تغيير استعماله أو جنسه. ويوضح أن اختيار الموقع ارتبط بقربه من منزله، وسهولة التنقّل والتجهيز، إلى جانب ملاءمة الإيجار ومساحة العقار، مضيفاً أن الإجراءات التي احتاج إليها قبل الافتتاح شملت إجازتي الصحّة والسياحة.
ويقول إن أيّ جهة لم تشترط عليه، خلال الإجراءات التي تابعها، توفير عدد محدّد من مواقف السيّارات، وإنه لم يتلقَّ شكاوى من سكّان المنطقة، ويرى أن المشاريع التجارية داخل الأحياء تحتاج إلى تنظيم أوضح لوقوف السيارات والحفاظ على الأرصفة، وأن تؤخذ قدرة الشارع والبنية التحتية في الاعتبار عند السماح بالمشاريع الكبيرة داخل المناطق السكنية.
ويوضح العمري أن التخطيط العمراني يقوم على تدرّج في أحجام الشوارع ووظائفها، وأن قدرة شارع بعرض 15 متراً، تختلف عن قدرة شارع بعرض 30 أو 60 متراً على استقبال السيّارات والمشاة والمشاريع.
( صورة ميدانية من أحد الأحياء)
ويشير العمري إلى مفهوم يُعرف في التخطيط العمراني بـ “الارتداد”، وهو ترك مسافة بين المبنى وحدود القطعة، تسمح بتوفير مواقف أو مساحة فاصلة عن الشارع.
وتختلف مسافات الارتداد بحسب استعمال العقار ومساحته، فيما تخضع أعمال البناء وإجازاتها لنظام الطرق والأبنية رقم 44 لسنة 1935 وتعديلاته، إلى جانب الضوابط والتصاميم التخطيطية المعتمدة.
لكنّ مراجعة الموادّ الرسمية المنشورة تترك سؤالاً أساسياً من دون إجابة واضحة: لم يعثر التقرير على جدول خاصّ بالموصل يبيّن الارتدادات والمواقف المطلوبة عند تحويل عقار سكني إلى مطعم أو عيادة، ولا ما إذا كانت المشاريع القائمة قد خضعت للضوابط نفسها.
ويرى العمري أن الشارع التجاري يحتاج إلى هويّة عمرانية وتنظيم واضحين يميّزانه عن المنطقة السكنية، مع مراعاة طبيعة كل مشروع والوظيفة المخصّصة له، قائلاً: “هناك مناطق تتحمّل بنيتها افتتاح المحالّ والمطاعم، ومناطق أخرى لا تتحمّل ذلك”.
ويتقاطع هذا الرأي مع ما خلصت إليه دراسة شارع المثنّى، التي دعت إلى ألّا يحدث تغيير وظيفة الشارع بصورة فردية ومتقطّعة، بل وفق معايير تصميمية تراعي طبيعة الاستعمال الجديد، واستمرارية الواجهات، وحركة المشاة والمركبات، وتوفير المواقف، بما يحافظ على التماسك البصري والعمراني للشارع.
ويُعيد العمري تراكم هذه المشكلات إلى ضعف تطبيق قوانين البناء والتصميم الأساسي للمدينة. فوجود الضوابط على الورق لا يكفي، بحسب رأيه، إذا لم تستطع الجهات المحلّية ضبط تغيير استعمال العقارات وفرض شروط البناء والمواقف والارتدادات. ويختصر الحلّ بضرورة وجود “تصميم أساسي يكون محميّاً بقوّة القانون”.
لكنّ تغيير وظيفة المكان لا يحدث داخل الملكيات الخاصّة وحدها. ففي مدينة تُعيد بناء نفسها وتبحث عن الاستثمار، يمتدّ الجدل نفسه إلى الأراضي التي يُفترض أن تؤدّي وظيفة عامّة.
استثمارات تُعيد رسم المدينة
أثارت مشاريع أُعلن عنها أو نُفذّت في مواقع عامّة اعتراضات بشأن طبيعتها، وآليّات إحالة الأراضي، ومدى انسجامها مع وظيفة المكان وحاجة المدينة إلى المساحات الخضراء والترفيهية.
ففي عام 2025، أثارت أنباء عن تخصيص جزء من غابات الموصل لإقامة وحدات سكنية ومحالّ تجارية موجة اعتراضات، قبل أن تنفي وزارة التربية إحالة الأرض إلى الاستثمار، وتقول إن الأمر يتعلّق بمقترح لتطوير المنطقة.
ويرى معارضو المشروع أن البناء السكني أو التجاري داخل الغابات قد يهدّد واحدة من أهمّ المساحات الخضراء والترفيهية في المدينة، ويفتح الباب أمام تحويل مزيد من الأراضي العامّة إلى مشاريع استثمارية.
وتجدّدت الاعتراضات مع مشاريع أخرى في منطقة الغابات، بينها “البوليفارد” وقاعات للأعراس، وسط مطالبات بمراجعة الرخص وآليّات منح الأراضي.
وعلى الرغم من اختلاف هذه الحالات عن تحويل منزل إلى مطعم أو تقسيم عقار سكني، فإنها تُعيد طرح السؤال نفسه على مستوى أكبر: كيف تُحدّد وظيفة الأرض، وما المعايير التي تسمح بتغييرها؟
وبالنسبة إلى معارضي هذه المشاريع، لا تتعلّق المشكلة بالاستثمار في ذاته، بل بمدى وضوح أسباب اختيار المواقع، والجهات التي وافقت عليها، والمعايير المستخدمة لتغيير وظيفة الأرض، وما إذا كانت المنفعة العامّة قد دُرست قبل منح الإجازات.
وفي هذا السياق، يقول عضو مجلس محافظة نينوى عبدالله النجيفي إن الاعتداءات على المساحات الخضراء في مدينة الموصل بلغت، بحسب تقديره، 93 في المئة، مبيّناً أن أغلب المشاريع الاستثمارية أُقيمت على أراض زراعية، سواء كانت مصنّفة حدائق عامّة أو مشاتل.
ومع اتّساع التحوّلات من المنازل والأحياء إلى الأراضي العامّة، يصبح سؤال الرقابة أكثر إلحاحاً: ما الذي يُعدّ تغييراً مخالفاً لاستعمال الأرض أصلاً، ومن يقرّر ذلك؟
رقابة متفرّقة وبيانات ناقصة
تعلن الجهات المحلّية بين حين وآخر عن إغلاق منشآت مخالفة، وإزالة أبنية مقامة على أراض عامّة، ورفع تعدّيات عن الشوارع والأرصفة. لكنّ وصف “التجاوز” يستخدم لحالات مختلفة قانونياً، فقد يعني البناء على أرض عامّة، أو إشغال الرصيف والطريق، أو العمل من دون ترخيص، أو استخدام العقار على نحو يخالف وظيفته.
لذلك لا تكشف أرقام الإغلاقات أو الإزالات، إن وجدت، وحدها حجم ظاهرة تحويل العقارات السكنية إلى تجارية.
ويُعدّ قانون إدارة البلديات رقم 165 لسنة 1964 وتعديلاته من التشريعات المنظّمة لعمل البلديات، فيما تخضع أعمال البناء وإجازاته لنظام الطرق والأبنية رقم 44 لسنة 1935 وتعديلاته، إلى جانب التصاميم الأساسية والتفصيلية المعتمدة لكل مدينة، وتدرس طلبات تغيير استعمال الأراضي ضمن التصاميم المصادق عليها للمدن.
وتتطلّب إجازة البناء في بلدية الموصل تقديم مستندات تثبت ملكية العقار وخارطته، إلى جانب مخطّطات البناء المصدّقة والموافقات المطلوبة. كما تتضمّن معايير الإسكان الحضري مؤشّرات لمواقف السيّارات تختلف بحسب طبيعة النشاط.
غير أن الوثائق المنشورة التي راجعها التقرير لا توضح مدى تطبيق هذه المؤشّرات عند منح إجازات المشاريع داخل أحياء الموصل.
ومن خلال متابعتها معاملات المشاريع، تقول المهندسة سنا إن الاشتراطات لا تكون واضحة دائماً للمهندس منذ بداية التصميم، وإن جزءاً منها يتّضح خلال مراجعة الدوائر، نظراً إلى اختلاف الشروط بحسب المنطقة ووظيفة المشروع.
وتذكر، على سبيل المثال، مشروعاً تجارياً تبلغ مساحة أرضه نحو ألفي متر مربّع، صُمّم له سرداب يتّسع لنحو 40 سياّرة بطلب من صاحب المشروع، فيما تقول إنها لم تتلقَّ من البلدية، خلال متابعة معاملته، تعليمات تحدّد عدداً معيّناً من المواقف الواجب توفيرها.
وتضرب مثالاً آخر بمشروع مدرسة أهلية، كان خاضعاً لاشتراطات خاصّة تسبق إجازة البناء وتتعلّق بموافقة وزارة التربية ومساحة البناء والمساحات المتروكة والفضاءات المفتوحة. وتقول إن لكل قطعة ووظيفة شروطاً مختلفة، لكنّ المهندس لا يحصل عليها بالضرورة في صورة دليل جاهز، بل يتعرّف إلى المطلوب خلال مراجعة الجهات المعنيّة.
ويطرح ذلك سؤالاً لم يتمكّن التقرير من حسمه من الوثائق المنشورة: ما المرجع الذي تعتمده بلدية الموصل فعلياً في تحديد متطلّبات مواقف السيّارات للمشاريع التجارية، وهل المؤشّرات الواردة في “معايير الإسكان الحضري” ملزمة عند منح الإجازات أم استرشادية فقط؟
ولم يعثر التقرير في البيانات الرسمية المنشورة التي راجعها على أرقام متكاملة لطلبات تغيير استعمال العقارات من سكني إلى تجاري، أو الطلبات المقبولة والمرفوضة، أو المخالفات والإغلاقات المرتبطة بالاستعمال المخالف، كما لم يعثر على بيانات منشورة عن شكاوى السكّان المتعلّقة بإغلاق المداخل وإشغال الأرصفة والوقوف أمام المنازل والضوضاء.
ولم تتلقّ مُعدّة التقرير ردّاً من بلدية الموصل أو مديرية التخطيط العمراني حتى إعداد النسخة.
وتظهر مراجعة التشريعات والوثائق المنشورة وجود أطر قانونية وتنظيمية للبناء واستعمال الأرض، لكنّ المعلومات المتاحة للجمهور لا تكفي لتقييم كيفية تطبيقها فعلياً، أو حجم تغييرات الاستعمال التي تُقبل أو تُرفض.
وبينما تستمرّ الموصل في إعادة بناء ما دمّرته الحرب، لا يقتصر التحدّي على تشييد المباني، بل يمتدّ إلى إدارة التحوّلات التي تُعيد رسم الأحياء والشوارع والفضاءات العامّة. ففي مدينة تتغيّر أسرع من قدرتها على التخطيط والرقابة، لا يصبح السؤال فقط أين يُبنى المشروع، بل كيف تتحدّد وظيفة المكان، ومن يقرّرها، ومن يتحمّل أثر هذا القرار؟










