ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف تُستخدم “اللغة” لتشييء الفلسطينيين؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

منذ بدء المحو الممنهج، جرى اعتماد أساليب لغوية، عن قصد أو غير قصد، ساهمت في تشكيل البيئة السياسية التي وصلنا إليها اليوم. علماً أن التلاعب باللغة ليس حيادياً، بل يُستغلّ بالتوازي مع اشتداد القصف والحصار.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“في الصحف الأجنبية، الأميركية تحديداً، يتمتّع الإسرائيليون بميزة تنافسية تدعمها الأفلام والصور. لا تعني كلمة “فلسطين” شيئاً لذلك الجمهور. بالنسبة إليهم هناك الضفّة الغربية وغزّة فقط”، هكذا يصف جوزيف الخوري استشاري في الطبّ النفسي والمدير التنفيذي لعيادات فالنس، الوضع الإعلامي الراهن في تغطية حرب الإبادة على فلسطينيي غزّة، المستمرّة منذ أكثر من عامين.

هذا الحصار اللغوي له انعكاساته على كيفية تقديم هويّة الفلسطينيين وتأطيرهم.

يستند هذا الموضوع إلى البيانات التي جُمعت ونُظّمت ضمن مبادرة أنماط (Anmat) من خلال مشروع “تأطير غزّة”، الهادف إلى كشف السرديات الإعلامية في تغطية الحرب على غزّة، خلال عامها الأوّل (تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 – تشرين الأوّل/ أكتوبر 2024) إذ تمّ تحليل بيانات التغطية لخمس وسائل إعلامية أميركية رئيسية، هي: نيويورك تايمز، وأسوشيتد برس، وفوكس نيوز، وواشنطن بوست، وCNN، بهدف تبيان مدى مساهمة هذه الوسائل في “نزع فلسطين عن الفلسطينيين”، عبر استبدال التعريف عنهم بالكلمة ذاتها وحصرهم في المكان، أي “غزّة”، أو بسبل أخرى تساهم في تغييب كلمتي “فلسطين وفلسطينيين” عن التغطية.

فلسطين: بداية التغييب اللغوي

انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين في أيّار/ مايو 1948، وأعلن المجلس اليهودي قيام دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية. تلت ذلك النكبة التي شُرّد خلالها مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى البلدان المجاورة كالأردن ولبنان وسوريا. أما الذين بقوا في ديارهم، فقد انقسم وجودهم بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وأُطلق عليهم تسمية عرب 48. تستمر النقاشات حول عرب 48 والتسمية ذاتها، غير أن ما لا خلاف عليه هو أنهم يُعاملون بما هو أدنى من مواطني الدرجة الثانية، في ظلّ سياسات إسرائيلية متعمّدة تهدف إلى تهميشهم ومحو هويّتهم.

منذ بدء المحو الممنهج، جرى اعتماد أساليب لغوية، عن قصد أو غير قصد، ساهمت في تشكيل البيئة السياسية التي وصلنا إليها اليوم. علماً أن التلاعب باللغة ليس حيادياً، بل يُستغلّ بالتوازي مع اشتداد القصف والحصار. فمثلاً، استخدام مصطلح “غزّيون” للإشارة إلى الفلسطينيين في غزّة، يمحو حقيقة أن بعضهم ليسوا من أبناء القطاع أصلاً، ويُظهر غزّة وكأنها مساحة هامشية عالقة خارج الزمن ومعزولة عمّا حولها. في حين أن هذه المساحة هي جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية التاريخية، رغم محاولات إسرائيل إفقادها مقوّماتها وتطبيع مآسي شعبها، وذلك بدعم متواصل من الولايات المتّحدة الأميركية.

يُتداول أيضاً مصطلح “السكّان الأصليين” لوصف الغزّيين، المصطلح الذي يشير إلى مرحلة ما بعد الإبادة، وتحويل فلسطيني غزّة إلى فئة معزولة، مسوّرة، فقدت كلّ شيء، في حين، ما زال بعض الغزّيين أحياء منذ العامّ 1948، ويذكرون نكستهم ونكبتهم. تروّج أيضاً وسائل إعلام إسرائيلية للفظة “عرب” في وصف الغزّيين، والتأكيد الدائم أنهم كغيرهم في المنطقة العربية، خطاب العروبة هنا ينفي عن الغزّيين غزّيتهم وفلسطينيتهم، ويشمل كلّ سكّان المنطقة ضمن لفظ واحد بوصفهم كتلة مصمّتة متشابهة لا اختلافات بينها، في كلا الحالين لا تحضر فلسطين!

نيويورك تايمز: تفادي لفظ “فلسطين”

في 14 آذار/ مارس 2024، نشر موقع ذا إنترسبت تسريباً لمذكّرة داخلية كتبها محررا نيويورك تايمز سوزان ويسلنغ وفيليب بان مع نوّابهما. المذكّرة تضمّنت إرشادات للصحافيين تقضي بالامتناع عن استخدام مصطلحي “الإبادة الجماعية” و”التطهير العرقي”، وتجنّب عبارة “الأراضي المحتلّة”، وعدم استخدام كلمة “فلسطين” إلا في حالات نادرة جدّاً.

إذا كانت الكلمات تشكّل الوعي، فإن استئصالها من السياق يؤدّي إلى محو الحيّزات الرمزية المرتبطة بها. تشرح الدكتورة ديما عيسى رئيسة قسم الإعلام في جامعة البلمند، أن التشييء عبر اللغة ليس أمراً جديداً؛ فاللغة لطالما استُخدمت لخلق مسافة بين القارئ والضحيّة، عبر تجنّب ربط الكلمات بمجموعة معيّنة. 

وتقول عيسى: “فكرة فلسطين تُمحى منهجياً، ويُستعاض عنها بمصطلحات مثل غزّة. بذلك يُعاد تشكيل الرواية وكأن فلسطين غير موجودة أصلاً، وهو ما يشكّل شكلاً من أشكال الخطاب العنصري. هذا ما رأيناه في الأدبيات ما بعد الاستعمارية، حيث يسعى المستعمِرون إلى محو التاريخ لإعادة كتابة بداية جديدة والتحكّم في السردية”.

حظيت الدعاية السياسية بأهمّية متزايدة بعد القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع ازدهار نظام العبودية في المستعمرات الأميركية، وما صاحبه من أدبيات عنصرية استُخدمت لنزع الإنسانية عن الأفارقة، غير أن الاهتمام الأكبر بدراسة البروباغندا المسخّرة لنزع الإنسانية عن الشعوب ظهر بعد الهولوكوست، ذلك الكمّ الهائل من العنف الذي لم يتشكّل بين ليلة وضحاها. وحتى قبل ظهور الرايخ الثالث، كانت العنصرية تجاه اليهود رائجة في الولايات المتّحدة وروسيا القيصرية، وأسهم هذا التنميط في تهيئة الأرضية للإبادة الجماعية التي ارتُكبت لاحقاً بحقّهم.

أما اليوم، فنرى  ذروة المقاربة ذاتها في الدعاية السياسية المطبّعة لوجود إسرائيل والمعادية للفلسطينيين، الذين تُمحى إنسانيتهم، ويوصفون بـ”الحيوانات”، يُمحى الفلسطيني اليوم عبر اللغة، من خلال اختزال وجوده إلى مجرّد مساحة جغرافية “غزّة”.

في قاعدة بيانات نيويورك تايمز لم تظهر كلمة “فلسطين” إطلاقاً، ما يشير إلى التزام الصحافيين بالإرشادات المذكورة سابقاً. أما كلمة “فلسطيني” فظهرت بشكل محدود جدّاً، وغالباً في سياقات ثقافية مرتبطة بكلمات مثل “متحف” أو “علم” أو “عمل فنّي”، وليس في التغطية السياسية أو الإنسانية للنزاع. رداً على مقال ذا إنترسبت، قال المتحدّث باسم نيويورك تايمز تشارلي شتادلاندر: “إصدار التوجيهات يهدف إلى ضمان الدقّة والاتّساق، وهو ممارسة معتادة. نحرص دائماً على أن تكون اختياراتنا اللغوية حسّاسة وواضحة لجمهورنا”.

فوكس نيوز: إسرائيل مهيمنة

بينما بدا تغييب بعض الكلمات في نيويورك تايمز انحيازاً للرواية الإسرائيلية، إلا أن فوكس نيوز رأت في التغطية الصحافية لنيويورك تايمز انحيازاً واضحاً تجاه الفلسطينيين. فهاجمت فوكس نيوز نيويورك تايمز بعد نشرها صورة طفل هزيل في غزّة كدليل على المجاعة. واصفةً الصورة بأنها مضلّلة، لأن الطفل كان يعاني من مرض سابق، واتّهمت الوسيلة بسوء الممارسة الصحافية، منددةً بأن الاعتذار عن الصورة ليس بكافٍ، إنما على نيويورك تايمز إرفاق التصحيح في العناوين الرئيسية.

لكن عند تحليل تغطية فوكس، لم يتبيّن غياب الانحياز الذي اتّهمت زملاءها به. على العكس، تظهر قاعدة البيانات الانحياز الواضح للسردية الإسرائيلية في تغطية فوكس نيوز: كلمة “فلسطين” لم تظهر إلا ثلاث مرّات (مرتبطة باعتصامات طلابية) بينما هيمنت “إسرائيل” على المشهد أكثر بآلاف المرّات. 

أما كلمة “فلسطيني” فظهرت بنسبة مرتفعة نسبياً في قاعدة البيانات، حتى أنها ظهرت بنسبة أعلى قليلاً من كلمة “إسرائيلي”. ولكن عند مراجعة السياق تبيّن أن الكلمات الواردة كان لها دلالات سلبية، وأن النمط الأعلى ظهوراً لكلمة فلسطيني التصق بالاحتجاجات والتخريب. في المقابل ارتبطت كلمة “إسرائيلي” بالجيش والمستشفيات والرهائن.

الأولى اهتماماً كان تركيز فوكس على “حماس” في التغطية؛ حيث وردت “حماس” في ثلاثة أضعاف العناوين التي ظهرت بها “غزّة”، وكان ذلك غالباً ضمن سياق عسكري (مركز قيادة، غارات جوّية). أما “غزّة” فارتبطت بالدمار الداخلي والانقسامات.

تعلّق الدكتورة ديما عيسى: “تستخدم وسائل الإعلام الغربية مصطلحات مثل “حماس”، وهذا مصطلح محمّل بالدلالات، وغالباً ما يُربط بالإرهاب في الغرب. وفكرة “الإرهاب” نفسها مشحونة في الأدبيات الغربية، حيث تمّ تكوين صورة نمطية حول “الإرهابي”. وبالتالي، الربط الدائم بين “إسرائيل” و”حماس” يعزّز في الخطاب الغربي فكرة أن “حماس” منظّمة إرهابية، من الناحية اللغوية على الأقلّ”.

انتهجت شبكة فوكس أسلوباً يركّز على جذب تفاعل الجمهور بدلاً من التغطية المعمّقة للقضايا، وهو نهج لا يقتصر على تغطية الإبادة الجماعية للفلسطينيين. ففي بحث صادر عن دار نشر جامعة تكساس، وُصفت الشبكة بأنها مدفوعة برأس المال والشعبية، وأنها تلجأ إلى معلومات انتقائية وغالباً محدودة، تؤثّر على آراء المشاهدين وتدفعهم إلى تكوين تصوّرات ناقصة مبنية على معطيات مضلِّلة.

تحدّث نعوم تشومسكي عن عمليّة “صناعة الرضا” أو “صناعة القبول الجماهيري”، التي تشير إلى الكيفيّة التي تشكّل بها وسائل الإعلام الرأي العامّ وتوجّهه بما يخدم مصالح النخب السياسية والاقتصادية، وهو ما يمكن إسقاطه على تجربة فوكس. فتقوم الشبكة على مبدأ “الواقع المُصنَّع من فوكس”، وهو واقع يُمنتَج ويُحرَّر بطريقة تستغلّ عواطف المشاهد، ليبقى مشتّتاً ومؤجّجاً تبعاً لأسلوب التكرار وتعزيز الأفكار النمطية المتلقاة، بما يمنع التفكير النقدي والتمعّن في فهم المواقف والأحداث. 

وبالنسبة إلى فوكس، فإن الحفاظ على قوّة علامتها التجارية يقبع في المقام الأوّل؛ فهي تتعمّد تجنّب أي تغطية قد تهدّد صورتها، حتى لو استدعى الأمر عرض رواية أحادية وإقصاء وجهات النظر الأخرى. وبوصفها شبكة مرتبطة بالحزب الجمهوري، تُقدّم نفسها كمنبر “للشعب”، غير خائفة من طرح ما تسمّيه “حقائق قاسية ومجرّدة”، لكنّها في الواقع تُقدّمها ضمن إطار يزعم تحدّي السلطة القائمة، بينما يرسّخ أجندة سياسية واضحة. وقد بدا هذا النهج جليّاً في تغطيتها سياسة فرض لقاح كوفيد-19، حيث اتّسمت بالتضخيم والمبالغة، والاعتماد على صياغة انتقائية للحقائق، بما يخدم توجّهاتها الأيديولوجية ويعزّز ارتباط جمهورها بها على حساب التغطية المتوازنة.

سي  أن أن: “الحقيقة” إسرائيلية فقط!

لم تكن فوكس وحدها في تبنّي السردية الإسرائيلية؛ إذ نشرت الغارديان تقريراً عن موظّفين في CNN اشتكوا من “تحيّز مؤسّسي لصالح إسرائيل”، شمل ذلك منع اقتباس تصريحات فلسطينية أو حصرها، وبالمقابل تمّ التعامل مع بيانات الحكومة الإسرائيلية كحقيقة مطلقة.

أظهرت البيانات أن كلمة “إسرائيلي” تكرّرت ثلاثين مرّة أكثر من “فلسطيني”، و”غزّة” خمس مرّات أكثر، و”حماس” ثلاث مرّات أكثر. كما استُخدم مصطلح “الغزّيون” بدل “الفلسطينيون”، فيما غابت كلمة “فلسطين” تماماً.

فرانك درويش أستاذ الفلسفة اللبناني- الفرنسي، لا يثق بالإحصاءات على نحو عشوائي، معتبراً أنها تُظهر جانباً وتُغيّب جوانب أخرى. يعتبر درويش أن أحد أعمدة الخطاب الحالي ينبع من عدم إنشاء الدولة الفلسطينية واعتراف الأمم المتّحدة بها. يقول: “مصطلح “فلسطينيون”، الصحافيون اليوم ليسوا متأكّدين تماماً من كيفيّة استخدامه؛ هناك فلسطينيون في كلّ مكان، في الولايات المتّحدة، في لبنان، في دول أخرى… فإذا أرادوا التعامل مع فضاء محدّد جدّاً، ومحلّي جدّاً، وأنا لا أدري ما يدور في رؤوسهم، قد يكون هناك دافع إيجابي لذلك، فيستخدمون “غزّة”، لأن غزّة تحدّد للقارئ أكثر مكان وقوع الحادثة”.

شكّلت تغطية الـ CNN في السابق الوعي الجماهيري بالقضايا، ومنها برزت نظرية “تأثير الـ CNN” التي تشير إلى دور التغطية الإخبارية الآنية، كما ابتكرتها الشبكة، في توجيه مسار صنع القرارات السياسية والحكومية. تقوم الفكرة في جوهرها على أن التقارير الإخبارية المصوّرة لا تكتفي بتشكيل الرأي العامّ، بل تتحوّل أيضاً إلى ورقة ضغط تحفّز الحكومات وصانعي القرار على إيجاد الحلول السلمية والتدخّل السريع في النزاعات.

نشر الفيلسوف الفرنسي جان بودريار بين العامين 1990 و1991 سلسلة مقالات في صحيفة لوموند بعنوان “حرب الخليج لن تحدث”، “حرب الخليج تحدث بالفعل”، و”حرب الخليج لم تقع”. سعى بودريار من خلالها إلى إثبات أن ما كان يشاهده العالم، وخصوصاً صور القصف التي بثّتها الـ CNN، لم تكن حرباً فعلية بقدر ما كانت عرضاً إعلامياً متقناً. وذلك لأن الحرب لم تكن بين قوّتين متكافئتين، بل أقرب إلى عمليّة عسكرية من طرف واحد بقيادة الولايات المتّحدة ضدّ جيش عراقي محدود القدرات. أما محاكاة الواقع عبر المشاهد المفلترة التي عرضتها الشبكة، فبدت أقرب إلى عرض سينمائي منها إلى نقل حقيقي لما كان يحدث فعلياً على الأرض. ظنّ المشاهد، على قول بودريار، أنه يعيش الحرب كتجربة جماعية من خلال الاستهلاك الإعلامي، ولكنّ الحقيقة كانت أكثر فظاعة بكثير.

يتكرّر المشهد نفسه اليوم في غزّة. صور متدفّقة على الشاشات، وإحساس عالمي بأن الحرب حاضرة في كلّ بيت، لكنّ الواقع على الأرض، حتى لو التقطته آلاف الهواتف، يظلّ أعقد وأقسى من أن يُختزل في صورة. فرهبة اللحظة ورعبها، من رائحة اللحم المحترق، وتآكل الجسد من المجاعة، الى خناق الحصار وترقّب الموت، هذه كلّها تبقى عصيّة على الكاميرا، التي تُفلتر ما تنقله ضمن سرديات جاهزة تحوّل المأساة إلى مشهد جماعي جاهز للاستهلاك، بينما يعيش الفلسطينيون وحدهم الدمويّة في تفاصيلها اليومية.

واشنطن بوست: مفارقات المبني للمجهول

في التغطية الأجنبية، تحرص الصحف على ذكر الجناة وتوصيفهم، فتُعيد التذكير في كلّ خبر وكلّ مقال “بالهجوم الإرهابي الذي شنّته حركة حماس في 7 أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 763 إسرائيلياً بينهم 38 طفلاً”. في المقابل، تعرّضت صحيفة واشنطن بوست، التابعة لرجل الأعمال ومؤسّس “أمازون” جيف بيزوس، لانتقادات بسبب استخدامها المتكرّر لصيغة المجهول في تغطية الحرب على غزّة والفلسطينيين. ففي أحد المقالات، نشرت الصحيفة أسماء الضحايا تحت عنوان: قُتل 60,000 من سكّان غزّة، بينهم 18,500 طفل.

تبرهن لنا قاعدة البيانات أن صحيفة واشنطن بوست، تماماً مثل نيويورك تايمز، تتملّص من تسمية الفلسطينيين باسمهم. على عكس الصحف التي سبقتها، “فلسطين” تظهر في عناوين واشنطن بوست، ولكن رغم ظهورها 151 مرّة، تحتوي قاعدة البيانات على 315,630 تركيبة محتملة للكلمات الأكثر ظهوراً في العناوين. 

بينما “غزّة” تظهر 68,668 مرّة، تليها “إسرائيل” التي تظهر 60,217 مرّة، ثم “إسرائيلي” التي تظهر 23,224 مرّة، وفي المرتبة ما قبل الأخيرة “فلسطيني” التي تظهر 13,513 مرّة.

الارتباطات الأكثر شيوعاً لكلمة “غزّة” هي: “غارة جوّية”، “إدارة”، “انفجار”، “تسبّب”… أي أن التركيز يقع على أحداث الصراع المباشر مثل الغارات والانفجارات، مع بعض الجوانب الإدارية والتحقيقية. كذلك الأمر مع كلمة “إسرائيل” التي تترافق مع السياق السياسي الدولي والإقليمي. بينما تظهر “فلسطين” في تغطية الاعتصامات الطلابية ضمن التركيبات التالية: “اعتصام”، “فلسطين حرّة”. 

تقول ديما عيسى: “عندما تقوم بخلق هذا التقسيم الثنائي بين “نحن” و”هم”، واعتماد صياغة تدّعي أن الفلسطينيين يموتون -وكأنما بشكل عشوائي- من دون إسناد المسؤوليّة إلى إسرائيل، فإنك عملياً تمحو صورة إسرائيل كقوّة سيّئة تقوم بعمليّة القتل. بهذه الطريقة، تتمكّن من تخفيف حدّة هذه العمليّة، بمجرّد عدم تحديد القاتل باسمه، تسمح بتكوين فكرة الطيف المجهول الذي قد يكون قام بفعل القتل، رغم أن القارئ يدرك من قام بالفعل ضمنياً. لكن بمجرد عدم التصريح، فأنت تقوم بتحييد الجريمة وتخفّف المساءلة عن القتل”. 

وتشرح أن “العودة المستمرّة إلى 7 تشرين الأول/ أكتوبر تعني إلقاء اللوم على الضحيّة، وهذه فكرة تحدث عنها تيون أ. فان دايك عند تناوله للعنصرية في الصحافة والخطاب الإخباري، حيث يشير إلى أنه يتمّ تصوير الأمر وكأن الضحيّة جلبت القتل على نفسها. هذا شائع في الإعلام الغربي وفي السردية الغربية، التي تريد تصوير إسرائيل كأنها تعمل في إطار “الدفاع عن النفس” بسبب ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وترسيخ ذلك باعتباره نقطة بداية العنف، مع إنكار كلّ ما جرى قبل ذلك التاريخ”.

ماذا عن القارئ الذي اعتاد استهلاك محتوى لا يحاسب المرتكب؟ عندما يستهلك القارئ هذا النوع من السرديات دون مساءلة أو تشكيك، فإنه يساهم ضمنياً، حتى من دون وعي، في إدامة الرواية المهيمنة. وهنا لا يكون مجرّد متلقٍ سلبي، بل يصبح جزءاً من دائرة التغذية الراجعة التي تمنح الإعلام أو السلطة شرعية لمواصلة إنتاج المحتوى نفسه.

أسوشيتد برس: تنصّل من الصحافيين!

في الرابع والعشرين من تمّوز/ يوليو، أصدرت وكالة AP News، بالشراكة مع BBC ورويترز، بياناً صحافياً أعربت فيه عن قلقها من تجويع الصحافيين في غزّة، في خطوة اعتُبرت الأولى من نوعها. لكن بعد بضعة أشهر فقط، خيّبت الوكالة آمال قرّائها بالعنوان التالي: “المراسلة الحرّة لأسوشيتد برس مريم الدقّة قُتلت في غارة إسرائيلية في غزّة”.

في عنوان أسوشيتد برس، التركيز على صفة مريم بأنها مراسلة حرّة يعيد ترسيم المسافة بين الوكالة والصحافية. ففي حين أن العلاقة بين الصحافي وربّ العمل تحمل واجبات ومسؤوليّات متبادلة، فإن اختزالها بصفة “المراسلة الحرّة” يفتح الباب أمام التنصّل من تلك المسؤوليّات.

يشير جوزيف الخوري إلى أن فعل ترسيم المسافات لا يقتصر على اللغة فحسب، بل ينعكس أيضاً في التكتيكات العسكرية الإسرائيلية، ويشرح قائلًا: “الخطوة الأولى عسكرياً هي نزع الإنسانية. هذا يظهر في الطريقة التي تُخاض بها الحروب اليوم، حيث أصبح كلّ شيء ميكانيكياً. الجنود الإسرائيليون لا يرون الأشخاص الذين يقتلونهم. ترى القنابل تسقط والمباني تنهار. في الغرب، لا تلقى هذه الصور الصدى ذاته الذي قد تُثيره لدى شخص في لبنان. التعاطف عبر الذاكرة أمر يجب إشعاله وتفعيله”.

مع ذلك، ووفقاً لقاعدة البيانات، بدت أسوشيتد برس الأقرب إلى تسمية الفلسطينيين باسمهم. فمع أن كلمة “فلسطين” لم تظهر إطلاقاً ـ تماماً كما في نيويورك تايمز وCNN ـ إلا أن كلمة “فلسطيني” وردت ثماني مرّات أكثر من “إسرائيلي”، وسبع مرّات أكثر من “غزّة”، وعشرين مرّة أكثر من “حماس”.

قمنا بإرسال بريد إلكتروني أرفقناه بنسخة من البيانات إلى الوسائل الإعلامية المذكورة في النصّ. الردّ الوحيد جاء من مسؤول العلاقات الإعلامية في أسوشيتد برس باتريك ماك، الذي لم يُعلّق على مضمون البيانات، واكتفى بالقول: “نحن فخورون جدّاً بالعمل الجوهري الذي قامت به مريم الدقّة لصالح الوكالة. وقد نشرنا معرضاً لصورها، كما يمكنكم الاطّلاع على خبر الوفاة هنا“.

22.09.2025
زمن القراءة: 11 minutes

منذ بدء المحو الممنهج، جرى اعتماد أساليب لغوية، عن قصد أو غير قصد، ساهمت في تشكيل البيئة السياسية التي وصلنا إليها اليوم. علماً أن التلاعب باللغة ليس حيادياً، بل يُستغلّ بالتوازي مع اشتداد القصف والحصار.

“في الصحف الأجنبية، الأميركية تحديداً، يتمتّع الإسرائيليون بميزة تنافسية تدعمها الأفلام والصور. لا تعني كلمة “فلسطين” شيئاً لذلك الجمهور. بالنسبة إليهم هناك الضفّة الغربية وغزّة فقط”، هكذا يصف جوزيف الخوري استشاري في الطبّ النفسي والمدير التنفيذي لعيادات فالنس، الوضع الإعلامي الراهن في تغطية حرب الإبادة على فلسطينيي غزّة، المستمرّة منذ أكثر من عامين.

هذا الحصار اللغوي له انعكاساته على كيفية تقديم هويّة الفلسطينيين وتأطيرهم.

يستند هذا الموضوع إلى البيانات التي جُمعت ونُظّمت ضمن مبادرة أنماط (Anmat) من خلال مشروع “تأطير غزّة”، الهادف إلى كشف السرديات الإعلامية في تغطية الحرب على غزّة، خلال عامها الأوّل (تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 – تشرين الأوّل/ أكتوبر 2024) إذ تمّ تحليل بيانات التغطية لخمس وسائل إعلامية أميركية رئيسية، هي: نيويورك تايمز، وأسوشيتد برس، وفوكس نيوز، وواشنطن بوست، وCNN، بهدف تبيان مدى مساهمة هذه الوسائل في “نزع فلسطين عن الفلسطينيين”، عبر استبدال التعريف عنهم بالكلمة ذاتها وحصرهم في المكان، أي “غزّة”، أو بسبل أخرى تساهم في تغييب كلمتي “فلسطين وفلسطينيين” عن التغطية.

فلسطين: بداية التغييب اللغوي

انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين في أيّار/ مايو 1948، وأعلن المجلس اليهودي قيام دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية. تلت ذلك النكبة التي شُرّد خلالها مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى البلدان المجاورة كالأردن ولبنان وسوريا. أما الذين بقوا في ديارهم، فقد انقسم وجودهم بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وأُطلق عليهم تسمية عرب 48. تستمر النقاشات حول عرب 48 والتسمية ذاتها، غير أن ما لا خلاف عليه هو أنهم يُعاملون بما هو أدنى من مواطني الدرجة الثانية، في ظلّ سياسات إسرائيلية متعمّدة تهدف إلى تهميشهم ومحو هويّتهم.

منذ بدء المحو الممنهج، جرى اعتماد أساليب لغوية، عن قصد أو غير قصد، ساهمت في تشكيل البيئة السياسية التي وصلنا إليها اليوم. علماً أن التلاعب باللغة ليس حيادياً، بل يُستغلّ بالتوازي مع اشتداد القصف والحصار. فمثلاً، استخدام مصطلح “غزّيون” للإشارة إلى الفلسطينيين في غزّة، يمحو حقيقة أن بعضهم ليسوا من أبناء القطاع أصلاً، ويُظهر غزّة وكأنها مساحة هامشية عالقة خارج الزمن ومعزولة عمّا حولها. في حين أن هذه المساحة هي جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية التاريخية، رغم محاولات إسرائيل إفقادها مقوّماتها وتطبيع مآسي شعبها، وذلك بدعم متواصل من الولايات المتّحدة الأميركية.

يُتداول أيضاً مصطلح “السكّان الأصليين” لوصف الغزّيين، المصطلح الذي يشير إلى مرحلة ما بعد الإبادة، وتحويل فلسطيني غزّة إلى فئة معزولة، مسوّرة، فقدت كلّ شيء، في حين، ما زال بعض الغزّيين أحياء منذ العامّ 1948، ويذكرون نكستهم ونكبتهم. تروّج أيضاً وسائل إعلام إسرائيلية للفظة “عرب” في وصف الغزّيين، والتأكيد الدائم أنهم كغيرهم في المنطقة العربية، خطاب العروبة هنا ينفي عن الغزّيين غزّيتهم وفلسطينيتهم، ويشمل كلّ سكّان المنطقة ضمن لفظ واحد بوصفهم كتلة مصمّتة متشابهة لا اختلافات بينها، في كلا الحالين لا تحضر فلسطين!

نيويورك تايمز: تفادي لفظ “فلسطين”

في 14 آذار/ مارس 2024، نشر موقع ذا إنترسبت تسريباً لمذكّرة داخلية كتبها محررا نيويورك تايمز سوزان ويسلنغ وفيليب بان مع نوّابهما. المذكّرة تضمّنت إرشادات للصحافيين تقضي بالامتناع عن استخدام مصطلحي “الإبادة الجماعية” و”التطهير العرقي”، وتجنّب عبارة “الأراضي المحتلّة”، وعدم استخدام كلمة “فلسطين” إلا في حالات نادرة جدّاً.

إذا كانت الكلمات تشكّل الوعي، فإن استئصالها من السياق يؤدّي إلى محو الحيّزات الرمزية المرتبطة بها. تشرح الدكتورة ديما عيسى رئيسة قسم الإعلام في جامعة البلمند، أن التشييء عبر اللغة ليس أمراً جديداً؛ فاللغة لطالما استُخدمت لخلق مسافة بين القارئ والضحيّة، عبر تجنّب ربط الكلمات بمجموعة معيّنة. 

وتقول عيسى: “فكرة فلسطين تُمحى منهجياً، ويُستعاض عنها بمصطلحات مثل غزّة. بذلك يُعاد تشكيل الرواية وكأن فلسطين غير موجودة أصلاً، وهو ما يشكّل شكلاً من أشكال الخطاب العنصري. هذا ما رأيناه في الأدبيات ما بعد الاستعمارية، حيث يسعى المستعمِرون إلى محو التاريخ لإعادة كتابة بداية جديدة والتحكّم في السردية”.

حظيت الدعاية السياسية بأهمّية متزايدة بعد القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع ازدهار نظام العبودية في المستعمرات الأميركية، وما صاحبه من أدبيات عنصرية استُخدمت لنزع الإنسانية عن الأفارقة، غير أن الاهتمام الأكبر بدراسة البروباغندا المسخّرة لنزع الإنسانية عن الشعوب ظهر بعد الهولوكوست، ذلك الكمّ الهائل من العنف الذي لم يتشكّل بين ليلة وضحاها. وحتى قبل ظهور الرايخ الثالث، كانت العنصرية تجاه اليهود رائجة في الولايات المتّحدة وروسيا القيصرية، وأسهم هذا التنميط في تهيئة الأرضية للإبادة الجماعية التي ارتُكبت لاحقاً بحقّهم.

أما اليوم، فنرى  ذروة المقاربة ذاتها في الدعاية السياسية المطبّعة لوجود إسرائيل والمعادية للفلسطينيين، الذين تُمحى إنسانيتهم، ويوصفون بـ”الحيوانات”، يُمحى الفلسطيني اليوم عبر اللغة، من خلال اختزال وجوده إلى مجرّد مساحة جغرافية “غزّة”.

في قاعدة بيانات نيويورك تايمز لم تظهر كلمة “فلسطين” إطلاقاً، ما يشير إلى التزام الصحافيين بالإرشادات المذكورة سابقاً. أما كلمة “فلسطيني” فظهرت بشكل محدود جدّاً، وغالباً في سياقات ثقافية مرتبطة بكلمات مثل “متحف” أو “علم” أو “عمل فنّي”، وليس في التغطية السياسية أو الإنسانية للنزاع. رداً على مقال ذا إنترسبت، قال المتحدّث باسم نيويورك تايمز تشارلي شتادلاندر: “إصدار التوجيهات يهدف إلى ضمان الدقّة والاتّساق، وهو ممارسة معتادة. نحرص دائماً على أن تكون اختياراتنا اللغوية حسّاسة وواضحة لجمهورنا”.

فوكس نيوز: إسرائيل مهيمنة

بينما بدا تغييب بعض الكلمات في نيويورك تايمز انحيازاً للرواية الإسرائيلية، إلا أن فوكس نيوز رأت في التغطية الصحافية لنيويورك تايمز انحيازاً واضحاً تجاه الفلسطينيين. فهاجمت فوكس نيوز نيويورك تايمز بعد نشرها صورة طفل هزيل في غزّة كدليل على المجاعة. واصفةً الصورة بأنها مضلّلة، لأن الطفل كان يعاني من مرض سابق، واتّهمت الوسيلة بسوء الممارسة الصحافية، منددةً بأن الاعتذار عن الصورة ليس بكافٍ، إنما على نيويورك تايمز إرفاق التصحيح في العناوين الرئيسية.

لكن عند تحليل تغطية فوكس، لم يتبيّن غياب الانحياز الذي اتّهمت زملاءها به. على العكس، تظهر قاعدة البيانات الانحياز الواضح للسردية الإسرائيلية في تغطية فوكس نيوز: كلمة “فلسطين” لم تظهر إلا ثلاث مرّات (مرتبطة باعتصامات طلابية) بينما هيمنت “إسرائيل” على المشهد أكثر بآلاف المرّات. 

أما كلمة “فلسطيني” فظهرت بنسبة مرتفعة نسبياً في قاعدة البيانات، حتى أنها ظهرت بنسبة أعلى قليلاً من كلمة “إسرائيلي”. ولكن عند مراجعة السياق تبيّن أن الكلمات الواردة كان لها دلالات سلبية، وأن النمط الأعلى ظهوراً لكلمة فلسطيني التصق بالاحتجاجات والتخريب. في المقابل ارتبطت كلمة “إسرائيلي” بالجيش والمستشفيات والرهائن.

الأولى اهتماماً كان تركيز فوكس على “حماس” في التغطية؛ حيث وردت “حماس” في ثلاثة أضعاف العناوين التي ظهرت بها “غزّة”، وكان ذلك غالباً ضمن سياق عسكري (مركز قيادة، غارات جوّية). أما “غزّة” فارتبطت بالدمار الداخلي والانقسامات.

تعلّق الدكتورة ديما عيسى: “تستخدم وسائل الإعلام الغربية مصطلحات مثل “حماس”، وهذا مصطلح محمّل بالدلالات، وغالباً ما يُربط بالإرهاب في الغرب. وفكرة “الإرهاب” نفسها مشحونة في الأدبيات الغربية، حيث تمّ تكوين صورة نمطية حول “الإرهابي”. وبالتالي، الربط الدائم بين “إسرائيل” و”حماس” يعزّز في الخطاب الغربي فكرة أن “حماس” منظّمة إرهابية، من الناحية اللغوية على الأقلّ”.

انتهجت شبكة فوكس أسلوباً يركّز على جذب تفاعل الجمهور بدلاً من التغطية المعمّقة للقضايا، وهو نهج لا يقتصر على تغطية الإبادة الجماعية للفلسطينيين. ففي بحث صادر عن دار نشر جامعة تكساس، وُصفت الشبكة بأنها مدفوعة برأس المال والشعبية، وأنها تلجأ إلى معلومات انتقائية وغالباً محدودة، تؤثّر على آراء المشاهدين وتدفعهم إلى تكوين تصوّرات ناقصة مبنية على معطيات مضلِّلة.

تحدّث نعوم تشومسكي عن عمليّة “صناعة الرضا” أو “صناعة القبول الجماهيري”، التي تشير إلى الكيفيّة التي تشكّل بها وسائل الإعلام الرأي العامّ وتوجّهه بما يخدم مصالح النخب السياسية والاقتصادية، وهو ما يمكن إسقاطه على تجربة فوكس. فتقوم الشبكة على مبدأ “الواقع المُصنَّع من فوكس”، وهو واقع يُمنتَج ويُحرَّر بطريقة تستغلّ عواطف المشاهد، ليبقى مشتّتاً ومؤجّجاً تبعاً لأسلوب التكرار وتعزيز الأفكار النمطية المتلقاة، بما يمنع التفكير النقدي والتمعّن في فهم المواقف والأحداث. 

وبالنسبة إلى فوكس، فإن الحفاظ على قوّة علامتها التجارية يقبع في المقام الأوّل؛ فهي تتعمّد تجنّب أي تغطية قد تهدّد صورتها، حتى لو استدعى الأمر عرض رواية أحادية وإقصاء وجهات النظر الأخرى. وبوصفها شبكة مرتبطة بالحزب الجمهوري، تُقدّم نفسها كمنبر “للشعب”، غير خائفة من طرح ما تسمّيه “حقائق قاسية ومجرّدة”، لكنّها في الواقع تُقدّمها ضمن إطار يزعم تحدّي السلطة القائمة، بينما يرسّخ أجندة سياسية واضحة. وقد بدا هذا النهج جليّاً في تغطيتها سياسة فرض لقاح كوفيد-19، حيث اتّسمت بالتضخيم والمبالغة، والاعتماد على صياغة انتقائية للحقائق، بما يخدم توجّهاتها الأيديولوجية ويعزّز ارتباط جمهورها بها على حساب التغطية المتوازنة.

سي  أن أن: “الحقيقة” إسرائيلية فقط!

لم تكن فوكس وحدها في تبنّي السردية الإسرائيلية؛ إذ نشرت الغارديان تقريراً عن موظّفين في CNN اشتكوا من “تحيّز مؤسّسي لصالح إسرائيل”، شمل ذلك منع اقتباس تصريحات فلسطينية أو حصرها، وبالمقابل تمّ التعامل مع بيانات الحكومة الإسرائيلية كحقيقة مطلقة.

أظهرت البيانات أن كلمة “إسرائيلي” تكرّرت ثلاثين مرّة أكثر من “فلسطيني”، و”غزّة” خمس مرّات أكثر، و”حماس” ثلاث مرّات أكثر. كما استُخدم مصطلح “الغزّيون” بدل “الفلسطينيون”، فيما غابت كلمة “فلسطين” تماماً.

فرانك درويش أستاذ الفلسفة اللبناني- الفرنسي، لا يثق بالإحصاءات على نحو عشوائي، معتبراً أنها تُظهر جانباً وتُغيّب جوانب أخرى. يعتبر درويش أن أحد أعمدة الخطاب الحالي ينبع من عدم إنشاء الدولة الفلسطينية واعتراف الأمم المتّحدة بها. يقول: “مصطلح “فلسطينيون”، الصحافيون اليوم ليسوا متأكّدين تماماً من كيفيّة استخدامه؛ هناك فلسطينيون في كلّ مكان، في الولايات المتّحدة، في لبنان، في دول أخرى… فإذا أرادوا التعامل مع فضاء محدّد جدّاً، ومحلّي جدّاً، وأنا لا أدري ما يدور في رؤوسهم، قد يكون هناك دافع إيجابي لذلك، فيستخدمون “غزّة”، لأن غزّة تحدّد للقارئ أكثر مكان وقوع الحادثة”.

شكّلت تغطية الـ CNN في السابق الوعي الجماهيري بالقضايا، ومنها برزت نظرية “تأثير الـ CNN” التي تشير إلى دور التغطية الإخبارية الآنية، كما ابتكرتها الشبكة، في توجيه مسار صنع القرارات السياسية والحكومية. تقوم الفكرة في جوهرها على أن التقارير الإخبارية المصوّرة لا تكتفي بتشكيل الرأي العامّ، بل تتحوّل أيضاً إلى ورقة ضغط تحفّز الحكومات وصانعي القرار على إيجاد الحلول السلمية والتدخّل السريع في النزاعات.

نشر الفيلسوف الفرنسي جان بودريار بين العامين 1990 و1991 سلسلة مقالات في صحيفة لوموند بعنوان “حرب الخليج لن تحدث”، “حرب الخليج تحدث بالفعل”، و”حرب الخليج لم تقع”. سعى بودريار من خلالها إلى إثبات أن ما كان يشاهده العالم، وخصوصاً صور القصف التي بثّتها الـ CNN، لم تكن حرباً فعلية بقدر ما كانت عرضاً إعلامياً متقناً. وذلك لأن الحرب لم تكن بين قوّتين متكافئتين، بل أقرب إلى عمليّة عسكرية من طرف واحد بقيادة الولايات المتّحدة ضدّ جيش عراقي محدود القدرات. أما محاكاة الواقع عبر المشاهد المفلترة التي عرضتها الشبكة، فبدت أقرب إلى عرض سينمائي منها إلى نقل حقيقي لما كان يحدث فعلياً على الأرض. ظنّ المشاهد، على قول بودريار، أنه يعيش الحرب كتجربة جماعية من خلال الاستهلاك الإعلامي، ولكنّ الحقيقة كانت أكثر فظاعة بكثير.

يتكرّر المشهد نفسه اليوم في غزّة. صور متدفّقة على الشاشات، وإحساس عالمي بأن الحرب حاضرة في كلّ بيت، لكنّ الواقع على الأرض، حتى لو التقطته آلاف الهواتف، يظلّ أعقد وأقسى من أن يُختزل في صورة. فرهبة اللحظة ورعبها، من رائحة اللحم المحترق، وتآكل الجسد من المجاعة، الى خناق الحصار وترقّب الموت، هذه كلّها تبقى عصيّة على الكاميرا، التي تُفلتر ما تنقله ضمن سرديات جاهزة تحوّل المأساة إلى مشهد جماعي جاهز للاستهلاك، بينما يعيش الفلسطينيون وحدهم الدمويّة في تفاصيلها اليومية.

واشنطن بوست: مفارقات المبني للمجهول

في التغطية الأجنبية، تحرص الصحف على ذكر الجناة وتوصيفهم، فتُعيد التذكير في كلّ خبر وكلّ مقال “بالهجوم الإرهابي الذي شنّته حركة حماس في 7 أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 763 إسرائيلياً بينهم 38 طفلاً”. في المقابل، تعرّضت صحيفة واشنطن بوست، التابعة لرجل الأعمال ومؤسّس “أمازون” جيف بيزوس، لانتقادات بسبب استخدامها المتكرّر لصيغة المجهول في تغطية الحرب على غزّة والفلسطينيين. ففي أحد المقالات، نشرت الصحيفة أسماء الضحايا تحت عنوان: قُتل 60,000 من سكّان غزّة، بينهم 18,500 طفل.

تبرهن لنا قاعدة البيانات أن صحيفة واشنطن بوست، تماماً مثل نيويورك تايمز، تتملّص من تسمية الفلسطينيين باسمهم. على عكس الصحف التي سبقتها، “فلسطين” تظهر في عناوين واشنطن بوست، ولكن رغم ظهورها 151 مرّة، تحتوي قاعدة البيانات على 315,630 تركيبة محتملة للكلمات الأكثر ظهوراً في العناوين. 

بينما “غزّة” تظهر 68,668 مرّة، تليها “إسرائيل” التي تظهر 60,217 مرّة، ثم “إسرائيلي” التي تظهر 23,224 مرّة، وفي المرتبة ما قبل الأخيرة “فلسطيني” التي تظهر 13,513 مرّة.

الارتباطات الأكثر شيوعاً لكلمة “غزّة” هي: “غارة جوّية”، “إدارة”، “انفجار”، “تسبّب”… أي أن التركيز يقع على أحداث الصراع المباشر مثل الغارات والانفجارات، مع بعض الجوانب الإدارية والتحقيقية. كذلك الأمر مع كلمة “إسرائيل” التي تترافق مع السياق السياسي الدولي والإقليمي. بينما تظهر “فلسطين” في تغطية الاعتصامات الطلابية ضمن التركيبات التالية: “اعتصام”، “فلسطين حرّة”. 

تقول ديما عيسى: “عندما تقوم بخلق هذا التقسيم الثنائي بين “نحن” و”هم”، واعتماد صياغة تدّعي أن الفلسطينيين يموتون -وكأنما بشكل عشوائي- من دون إسناد المسؤوليّة إلى إسرائيل، فإنك عملياً تمحو صورة إسرائيل كقوّة سيّئة تقوم بعمليّة القتل. بهذه الطريقة، تتمكّن من تخفيف حدّة هذه العمليّة، بمجرّد عدم تحديد القاتل باسمه، تسمح بتكوين فكرة الطيف المجهول الذي قد يكون قام بفعل القتل، رغم أن القارئ يدرك من قام بالفعل ضمنياً. لكن بمجرد عدم التصريح، فأنت تقوم بتحييد الجريمة وتخفّف المساءلة عن القتل”. 

وتشرح أن “العودة المستمرّة إلى 7 تشرين الأول/ أكتوبر تعني إلقاء اللوم على الضحيّة، وهذه فكرة تحدث عنها تيون أ. فان دايك عند تناوله للعنصرية في الصحافة والخطاب الإخباري، حيث يشير إلى أنه يتمّ تصوير الأمر وكأن الضحيّة جلبت القتل على نفسها. هذا شائع في الإعلام الغربي وفي السردية الغربية، التي تريد تصوير إسرائيل كأنها تعمل في إطار “الدفاع عن النفس” بسبب ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وترسيخ ذلك باعتباره نقطة بداية العنف، مع إنكار كلّ ما جرى قبل ذلك التاريخ”.

ماذا عن القارئ الذي اعتاد استهلاك محتوى لا يحاسب المرتكب؟ عندما يستهلك القارئ هذا النوع من السرديات دون مساءلة أو تشكيك، فإنه يساهم ضمنياً، حتى من دون وعي، في إدامة الرواية المهيمنة. وهنا لا يكون مجرّد متلقٍ سلبي، بل يصبح جزءاً من دائرة التغذية الراجعة التي تمنح الإعلام أو السلطة شرعية لمواصلة إنتاج المحتوى نفسه.

أسوشيتد برس: تنصّل من الصحافيين!

في الرابع والعشرين من تمّوز/ يوليو، أصدرت وكالة AP News، بالشراكة مع BBC ورويترز، بياناً صحافياً أعربت فيه عن قلقها من تجويع الصحافيين في غزّة، في خطوة اعتُبرت الأولى من نوعها. لكن بعد بضعة أشهر فقط، خيّبت الوكالة آمال قرّائها بالعنوان التالي: “المراسلة الحرّة لأسوشيتد برس مريم الدقّة قُتلت في غارة إسرائيلية في غزّة”.

في عنوان أسوشيتد برس، التركيز على صفة مريم بأنها مراسلة حرّة يعيد ترسيم المسافة بين الوكالة والصحافية. ففي حين أن العلاقة بين الصحافي وربّ العمل تحمل واجبات ومسؤوليّات متبادلة، فإن اختزالها بصفة “المراسلة الحرّة” يفتح الباب أمام التنصّل من تلك المسؤوليّات.

يشير جوزيف الخوري إلى أن فعل ترسيم المسافات لا يقتصر على اللغة فحسب، بل ينعكس أيضاً في التكتيكات العسكرية الإسرائيلية، ويشرح قائلًا: “الخطوة الأولى عسكرياً هي نزع الإنسانية. هذا يظهر في الطريقة التي تُخاض بها الحروب اليوم، حيث أصبح كلّ شيء ميكانيكياً. الجنود الإسرائيليون لا يرون الأشخاص الذين يقتلونهم. ترى القنابل تسقط والمباني تنهار. في الغرب، لا تلقى هذه الصور الصدى ذاته الذي قد تُثيره لدى شخص في لبنان. التعاطف عبر الذاكرة أمر يجب إشعاله وتفعيله”.

مع ذلك، ووفقاً لقاعدة البيانات، بدت أسوشيتد برس الأقرب إلى تسمية الفلسطينيين باسمهم. فمع أن كلمة “فلسطين” لم تظهر إطلاقاً ـ تماماً كما في نيويورك تايمز وCNN ـ إلا أن كلمة “فلسطيني” وردت ثماني مرّات أكثر من “إسرائيلي”، وسبع مرّات أكثر من “غزّة”، وعشرين مرّة أكثر من “حماس”.

قمنا بإرسال بريد إلكتروني أرفقناه بنسخة من البيانات إلى الوسائل الإعلامية المذكورة في النصّ. الردّ الوحيد جاء من مسؤول العلاقات الإعلامية في أسوشيتد برس باتريك ماك، الذي لم يُعلّق على مضمون البيانات، واكتفى بالقول: “نحن فخورون جدّاً بالعمل الجوهري الذي قامت به مريم الدقّة لصالح الوكالة. وقد نشرنا معرضاً لصورها، كما يمكنكم الاطّلاع على خبر الوفاة هنا“.