تقرير عمر نبيل عبد الحميد من القاهرة، رايلي سباركس من باريس، هاجر حرب من لندن، وإريك ريدي من القاهرة وبوسطن. تم تحرير النص بواسطة إريك ريدي
هذا العام ومع تسارع المجاعة شمال غزة تحت وطأة القصف الإسرائيلي والحصار، حاولت وكالات الأمم المتحدة بصورة طارئة توصيل المساعدات الغذائية بشكل آمن إلى مئات الآلاف من الغزيين الذين كانوا على وشك المجاعة.
لجأت الوكالات (بما في ذلك برنامج الغذاء العالم، وهيئة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية) لتأمين عمليات التوزيع، إلى المجتمع الفلسطيني المحلي، الذي شكل لجان طوارئ مؤلفة من أعضاء عائلات بارزة وعشائر، ومتطوعين آخرين.
نجحت الخطة لعدة أيام في منتصف مارس، وتمكنت قوافل الأمم المتحدة من إيصال كميات كبيرة من المساعدات الغذائية إلى مناطق في شمال غزة كانت معزولة منذ بداية الحرب تقريبًا، دون عمليات نهب أو هجمات إسرائيلية تعيق جهود الإغاثة الإنسانية لعدة أشهر.
لكن بعد أقل من 48 ساعة على أول عملية تسليم ناجحة، استهدفت غارة جوية إسرائيلية في 18 مارس مستودعًا يستخدم لتخزين المساعدات لهذه المبادرة، ما أدى إلى مقتل شخصين كانا يعملان هناك. وخلال الأسبوعين التاليين، وفيما يبدو أنه سلسلة من الضربات المستهدفة للأفراد ونقاط التوزيع الرئيسية، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 100 فلسطيني من المشاركين في الجهد الإغاثي وفي كثير من الأحيان أفراد عائلات ومدنيين كانوا موجودين بالصدفة.
أدت هذه الهجمات المتكررة إلى انسحاب اللجان، ما أدى فعليًا إلى شل الخطة التي جاءت في فترة حرجة في شمال غزة، حيث كان الأطفال يموتون بسبب سوء التغذية والجفاف بشكل شبه يومي.
قال يحيى الكفارنة، البالغ من العمر 60 عامًا، العضو البارز في إحدى العائلات البارزة في شمال غزة: “تعرضت لجاننا للقصف الإسرائيلي المباشر، على الرغم من إبلاغ الأمم المتحدة لنا بأنها على اتصال مستمر مع إسرائيل وأنها قدمت لها إحداثيات وجودنا وتفاصيل ،دورنا”وأضاف: “تم استهداف اللجان على أي حال، وقتل عدد منا”.
استغرقت التحقيقات التي أجرتها The New Humanitarian سبعة أشهر لرصد كيفية تطوير وكالات الأمم المتحدة لهذه الخطة الإغاثية في شمال غزة، وكيف قامت إسرائيل بتدميرها.
تضمنت التحقيقات مراجعة الأدلة البصرية والمعلومات المتاحة، وإجراء عشرات المقابلات مع مسؤولي الإغاثة والفلسطينيين المشاركين. سجلنا عدد القتلى – وهو تقدير متحفظ – باستخدام تحديثات من أوتشا، وبيانات ACLED (بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح)، والتقارير الإعلامية.
تظهر نتائج التحقيق كيف أعاق الجيش الإسرائيلي بعنف الجهود الإنسانية التي كانت تهدف إلى منع تجويع المدنيين، مما أدى مباشرة إلى حالة الفوضى التي لا تزال تجتاح شمال غزة حتى اليوم.
قال عادل حق، أستاذ القانون الدولي بجامعة روتجرز في الولايات المتحدة – وهو أحد الخبراء الذين شاركوا في التحقيق قبل نشره – إن النتائج “تصف نمطًا من جرائم الحرب الواضحة” التي تتسق مع الاتهامات التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت أمام المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، والتي صدرت مذكرات توقيف بشأنها في 21 نوفمبر.
وأضاف: “كل تلك التهم تتعلق في النهاية بالقيود المفروضة على المساعدات الإنسانية”.
تمثل نتائج التحقيق أيضًا إضافة إلى القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية (ICJ)، أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة، والتي اتهمت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وأمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل في يناير باتخاذ “تدابير فورية وفعالة لتمكين توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية الضرورية” للفلسطينيين في غزة.
وقال حق: “ما قدمته يكشف لا فقط فشلًا في اتخاذ خطوات إيجابية، بل أعمالًا إضافية سرعت ورسخت الوضع وجعلت من الصعب أو المستحيل الخروج منه.”
وفي ردها على الأسئلة التفصيلية حول نتائج هذا التحقيق، كتب متحدث باسم الجيش الإسرائيلي:”رداً على الهجمات الهمجية التي شنتها حماس، تعمل قوات الدفاع الإسرائيلية على تفكيك القدرات العسكرية لحماس. على النقيض من الهجمات المتعمدة التي تشنها حماس ضد الرجال والنساء والأطفال الإسرائيليين، تتبع قوات الدفاع الإسرائيلية القانون الدولي وتتخذ الاحتياطات الممكنة للتخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيين.”
ولكن في النهاية، كيف انهارت خطة الأمم المتحدة لتأمين إيصال المساعدات تحت وطأة الهجمات المتكررة يمثل صورة مصغرة لعرقلة إسرائيل للمساعدات الإنسانية في القطاع وتسييسها، وهو ما يفسر إلى حد كبير لماذا لم تتمكن جهود الإغاثة من الانطلاق.
قال علي الزعتري، مسؤول سابق في الأمم المتحدة شارك أيضًا في فحص النتائج قبل نشرها: “تسييس المساعدات ليس أمرًا جديدًا، لكن التخطيط لاستخدام المساعدات بالطريقة التي استخدمها الإسرائيليون في غزة، ومن ثم القضاء على الأشخاص – قتلهم – لتنظيم عملية ناجحة لتلقي وتوزيع المساعدات هو أمر جديد”، واصفاً ما حدث بأنه “أمر غير مسبوق”.
اليوم، لا تزال الجهود الدولية لإقامة استجابة آمنة ومنظمة وفعالة تجاه الكارثة الإنسانية التي تسببت فيها البشرية في غزة محدودة بسبب القيود التي تفرضها إسرائيل وانعدام الأمن وانهيار النظام العام، وهو وضع ساعد مقتل أعضاء لجان الإغاثة في مارس في ترسيخه.
بسبب فشل الخطة ترسخ اقتصاد حرب قائم على الجشع واستغلال الأسعار ووصلت الأحداث مؤخرًا إلى درجة استيلاء عصابات، يُزعم أنها مدعومة من الجيش الإسرائيلي، على طرق المساعدات ونهبها بحرية.
على شفا المجاعة
كان الوقت يقترب من منتصف الليل في 16 مارس، وكان بلال، الذي يبلغ من العمر 34 عامًا من سكان مخيم جباليا للاجئين في شمال غزة، ينتظر وصول قافلة صغيرة من الشاحنات المحملة بالدقيق.
إذا نجحت القافلة بالعبور، وهو أمر بعيد عن أن يكون مضمونًا فستكون هذه المرة الأولى التي تصل فيها المساعدات الإنسانية إلى المخيم خلال أربعة أشهر.
كانت عمليات القصف الإسرائيلي والهجمات البرية وأوامر الإخلاء قد أجبرت معظم السكان على الفرار، ما حول جباليا إلى أكوام من الأنقاض والطرق المدمرة والمباني المهدمة. بحلول نهاية يناير، لم يتبق سوى حوالي 100,000 شخص في المخيم، وكانوا يعانون من الجوع بشكل شديد.
قال بلال: “كان الأطفال يبكون طوال الوقت دون توقف”. وتحدث عن مشاهد رأى فيها الآباء يطعمون أطفالهم الحبوب الخشنة المخصصة للحيوانات؛ وآخرون يجوبون بين أنقاض المخيم لعدة أيام بحثًا عن بقايا الطعام. بعضهم ظلوا خارج خيامهم طوال الليل، خوفًا من العودة إلى أطفالهم خاليي الوفاض. كانت عائلة بلال نفسها ليست استثناءً، إذ قال إن والدته، المصابة بالسكري، كادت أن تموت من الجوع.
وأضاف: “ذات ليلة، طرقت فتاة لم تكمل عامها السابع باب منزلي وسألتني إن كنت أملك قطعة خبز واحدة أو حتى حبة طماطم تسد بها جوعها”. لم يستطع بلال أن يرفض. أعطاها بعضًا من الإمدادات القليلة التي كانت تملكها أسرته قليلاً من الخبز وبعض الخضروات.
بعد شهور من تحمل هذا الوضع المتدهور، كان هناك الآن بصيص أمل، إذ طلب وجهاء كبار العائلات والقبائل البارزة من الشباب المساعدة في تأمين قوافل المساعدات التابعة للأمم المتحدة.
بالماقبل،كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار بانتظام على الأشخاص الذين ينتظرون توزيع المساعدات في الشمال. وكان بلال يعلم أن ذلك قد يكون خطيرًا، لكنه تطوع رغم ذلك. وقال: “هناك آلاف الأشخاص الذين يعيشون هنا في المخيم يعانون”. وأردف: “كل هذا دفعني إلى المخاطرة مهما كانت الظروف”.
قال ثائر*، وهو مقيم آخر في جباليا شارك في العمل، إنه شعر بالواجب ذاته. وأضاف: “وصل الناس هنا إلى مرحلة بدأت أجسادهم تنهار ويسقطون في الشوارع بسبب الجوع الشديد”، وأكمل قائلاً: “لم يكن هناك أحد يحمي المساعدات التي كانت تصل إلى الشمال. كان واجبنا… أن نساعد بقدر ما نستطيع. ولا أبالغ إذا قلت إنني كنت مستعدًا للموت في ذلك الوقت مقابل أن يتمكن الناس هنا من العيش. كانت المجاعة تقتل الأطفال وكبار السن والمرضى”.
معزولون عن الجنوب
حقيقة أن مدنيين عاديين مثل بلال وثائر كانوا يُطلب منهم محاولة تأمين إيصال المساعدات الدولية تكشف تردي الظروف في شمال غزة، والتحديات الهائلة التي تواجها وكالات الإغاثة الإنسانية.
قبل أكتوبر 2023، كان حوالي 1.1 مليون فلسطيني،أي نصف سكان غزة تقريبًا ، يعيشون في شمال القطاع، الذي يضم مدينة غزة الكبرى. بحلول مارس، وبعد شهور من القصف والمجاعة والنزوح إلى الجنوب، بقي حوالي 300,000 شخص فقط.
ردًا على هجمات 7 أكتوبر 2023 المميتة داخل إسرائيل التي نفذتها حماس – الحركة السياسية والعسكرية الفلسطينية التي تحكم غزة منذ 2007 – أعلن الجيش الإسرائيلي عن “حصار كامل” على القطاع، مما منع دخول الطعام والماء والوقود والإمدادات الأساسية الأخرى. بعد أيام قليلة، أمرت السلطات الإسرائيلية الجميع في الشمال بمغادرة منازلهم، ومنحتهم 24 ساعة للإخلاء جنوب وادي غزة.
في الأسابيع التالية، استهدفت الضربات الجوية الإسرائيلية شمال القطاع بشكل مكثف، وقامت القوات البرية الإسرائيلية بجرف طريق يمتد من الشرق إلى الغرب جنوب مدينة غزة مباشرة. بحلول أوائل نوفمبر، قسموا القطاع إلى نصفين، مما تركه مقسومًا بشكل كامل من البحر الأبيض المتوسط إلى الحدود الإسرائيلية عبر منطقة ضيقة تُعرف باسم ممر نتساريم. ومنذ ذلك الحين، أصبحت نقطتا تفتيش إسرائيليتان على الطريق الذي أنشأه الجيش تتحكمان في الوصول إلى الشمال.
بدأت إسرائيل في السماح بدخول كميات محدودة جدًا من المساعدات إلى غزة في أواخر أكتوبر 2023، ولكن كل ذلك كان يدخل عبر المعابر الحدودية في الجنوب: لم تصل الإمدادات تقريبًا إلى الشمال.
حذرت الهيئة المعنية بانعدام الأمن الغذائي (IPC) في منتصف ديسمبر من أن غزة كانت في طريقها إلى المجاعة، ووصفت الوضع في الشمال – بسبب القيود الإضافية على الوصول – بأنه “مثير للقلق بشكل خاص”، وفي يناير، أصدرت محكمة العدل الدولية أمرًا لإسرائيل باتخاذ إجراءات لتسهيل الاستجابة الإنسانية.
بدلاً من ذلك، كانت إسرائيل ترفض غالبية طلبات الأمم المتحدة لإرسال قوافل مساعدات إلى الشمال. القوافل القليلة التي تمت الموافقة عليها كانت غالبًا ما تتعرض لنيران إسرائيلية، وأفادت الأمم المتحدة أن الجنود الإسرائيليين كانوا يهددون ويخيفون العاملين في مجال الإغاثة بشكل متزايد، بما في ذلك توجيه الأسلحة نحوهم عند نقاط التفتيش، واحتجازهم لاستجوابهم، وإيقاف القوافل لفترات طويلة عند نقاط التفتيش في الشمال دون سبب واضح.
قال جورجيوس بيتروبولوس، رئيس مكتب أوتشا في غزة، لـ The New Humanitarian في مارس: “المشكلة مع هذه النقاط هي أنها غير موثوقة”، وأضاف: “هناك حوادث عنف. هناك أشخاص يتعرضون لإطلاق النار من نقاط التفتيش.”
وأشارت جولييت توما، مديرة الاتصالات بوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلى أن التأخيرات الإسرائيلية كانت غالبًا ما تؤدي إلى التخلي عن مهمات المساعدات: “كانت هناك عدة حوادث حيث كنا ننتظر على تلك النقطة مع الإمدادات الغذائية. الناس كانوا يأتون ويأخذون المساعدات من القافلة. وعندما تمنحنا السلطات الإسرائيلية الضوء الأخضر، لم يكن يتبقى لدينا شيء على القافلة. لذلك كنا نعود أدراجنا.”
في يناير، تمت فقط 10 من أصل 61 مهمة إغاثة خططت لها الأمم المتحدة في شمال غزة بسبب الرفض والعراقيل الإسرائيلية. وفي فبراير، تم تنفيذ 6 فقط من أصل 24 مهمة. أُجبرت وكالات الأمم المتحدة على تعليق محاولاتها لإدخال المساعدات إلى الشمال في أواخر الشهر بعد أن قصفت سفينة حربية إسرائيلية قافلة غذائية تابعة للأمم المتحدة كانت تنتظر عبور إحدى نقاط التفتيش، ثم قامت السلطات الإسرائيلية – التي كانت تضغط لإنهاء دور الأونروا في غزة لأسباب سياسية – باستبعاد الوكالة تمامًا من الشمال.
مع استنفاد الإمدادات الغذائية واختفائها إلى حد كبير – وعدم وصول شيء تقريبًا عبر الحصار – أجبر الناس في الشمال على أكل العشب وعلف الحيوانات، حسبما أخبر The New Humanitarian في ذلك الوقت. وبحلول نهاية فبراير، كان ما لا يقل عن 10 أطفال قد ماتوا بسبب سوء التغذية والجفاف في شمال غزة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، نقلاً عن وزارة الصحة في غزة. وبعد أسبوع، تضاعف هذا الرقم.
خلق فراغ أمني
مع تفشي الجوع، بدأ النظام المدني في الشمال ينهار، وحين تنجح قافلة في عبور نقاط التفتيش، كان الناس الجياع يحاولون الحصول على الطعام لأنفسهم وعائلاتهم، ما أدى إلى تجريد القافلة من محتوياتها بسرعة.
قالت نبال فرسخ، المتحدثة باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، لمنظمة “الأخبار الإنسانية” في فبراير: “لا يمكنك أن تتوقع من الناس أن ينتظروا في الطابور بينما هناك مئات الآلاف يتضورون جوعًا.”
بدأت الأمم المتحدة تشير إلى هذه الممارسة باسم “التوزيع العفوي”، ورغم أن النهب المنظم كان تهديدًا، إلا أنه كان أقل شيوعًا بكثير مما أصبح عليه لاحقًا. وعلى الرغم من الادعاءات الإسرائيلية المتكررة بأن حماس كانت تسرق المساعدات وتعيد بيعها، لم تكن هناك أدلة تذكر لدعم تلك الادعاءات.
قبل الحرب، لم تكن الأمم المتحدة بحاجة إلى توفير الأمن لقوافل المساعدات في غزة لأن وكالاتها، وخاصة الأونروا – وهي أكبر مقدم للمساعدات في القطاع بفارق كبير – كانت معروفة وموثوقة من قبل السكان، وفقًا لتوما، مديرة الاتصالات في الأونروا.
أول جهة لجأت إليها الأمم المتحدة عندما بدأت الفوضى تتصاعد كانت الشرطة المدنية في غزة، وهي شريك منطقي للأمم المتحدة التي تعمل بشكل روتيني مع الحكومات المحلية والسلطات الفعلية لتسهيل وتأمين إيصال المساعدات في مناطق النزاعات وغيرها من الظروف السياسية الحساسة حول العالم.
قال علي الزعتري، المسؤول الأممي السابق: “تفكر الأمم المتحدة وتتصرف على أساس أنه يجب عليها التواصل مع أي وجميع السلطات… لتمكين المساعدات الإنسانية من الوصول.”
ومع ذلك، فإن أحد الأهداف الرئيسية المعلنة للحرب الإسرائيلية هو تفكيك حماس وإنهاء حكمها في غزة. ونتيجة لذلك، تبنت القوات الإسرائيلية تعريفًا واسعًا للغاية لمن وما تعتبره أهدافًا شرعية. وهذا يشمل على ما يبدو المدنيين الذين يعملون لصالح السلطات المحلية في غزة – من مهندسي المياه إلى عمال الاتصالات. هذا التعريف يتعارض مع القانون الدولي، وفقًا للخبراء القانونيين الذين تحدثوا لمنظمة The New Humanitarian.
عندما بدأت الشرطة المدنية بتوفير الأمن لقوافل المساعدات، تعرضت بدورها للهجوم. بعد سلسلة من الضربات الجوية القاتلة في فبراير، انسحبت الشرطة، وترك الأمر للقوافل لتواجه مصيرها وحدها. وتدهور الأمن في جميع أنحاء غزة.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن الجيش الإسرائيلي اتخذ “موقفًا حازمًا بأن الشرطة هم أعضاء في المعارضة المسلحة”. لكن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) كان لها وجهة نظر مختلفة، حيث قالت في بيان صحفي: “أفراد أجهزة إنفاذ القانون، مثل الشرطة المدنية، هم مدنيون ولا يمكن استهدافهم بناءً على وضعهم كأعضاء في قوات الشرطة.”
وأضافت المفوضية أنه يمكن اعتبار الشرطة أهدافًا مشروعة فقط إذا كانت “تشارك بشكل مباشر في الأعمال العدائية وفقط خلال مدة تلك المشاركة”.
حتى الولايات المتحدة، الحليف الأوثق لإسرائيل في الحرب، انتقدت استهداف الشرطة. وقال ديفيد ساترفيلد، المبعوث الأمريكي للمساعدات في غزة، في فبراير إن الهجمات تجعل من “المستحيل فعليًا” على الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية الأخرى نقل المساعدات بأمان.
وحذرت جهات أمريكية أخرى من أن الهجمات تخلق فراغًا أمنيًا يهدد بدفع القطاع نحو حالة من الفوضى ويفتح الباب أمام العصابات المسلحة لاكتساب النفوذ. لكن المسؤولين الإسرائيليين لم يتأثروا. وقال عقيد يعمل مع وحدة تنسيق الأنشطة الحكومية في الأراضي (COGAT)، وهي الجهة العسكرية المسؤولة عن التنسيق مع المنظمات الإنسانية، في مارس: “شرطة حماس هي حماس.”
الفوضى والعنف
تسارعت المجاعة وانهيار النظام الاجتماعي بالتوازي، وبدأ حشود من الفلسطينيين المحاصرين يتجمعون عند دواري الكويت والنابلسي شمال نقاط التفتيش الإسرائيلية في ممر نتساريم، على أمل وصول قوافل المساعدات المحملة بالطعام.
أثناء انتظارهم أو محاولتهم جمع المساعدات، كان الجنود الإسرائيليون يفتحون النار في كثير من الأحيان، مما يؤدي إلى تدافع وقتل الناس. وفي أسوأ تلك الحوادث – “مجزرة الطحين” في 29 فبراير – قتل أكثر من 100 شخص وأصيب ما لا يقل عن 700 عندما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على أشخاص ينتظرون المساعدات بالقرب من دوار النابلسي.
سجلت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقريرها ما لا يقل عن 10 هجمات استهدفت أشخاصًا ينتظرون المساعدات بين دواري الكويت والنابلسي بين 29 فبراير و15 مارس.
وأشارت المفوضية إلى أن “إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، لديها واجب… ضمان توفير الغذاء والرعاية الطبية” للفلسطينيين في غزة. وأضافت: “إذا كانت غير قادرة على توفير ذلك، فإن إسرائيل ملزمة بتسهيل أنشطة الإغاثة الإنسانية، بما في ذلك ضمان ظروف السلامة المطلوبة لمثل هذه الأنشطة.”
أحمد كوتا، ممرض فلسطيني-كندي يبلغ من العمر 24 عامًا كان يعمل في ذلك الوقت في مستشفى الشفاء – المستشفى الرئيسي في مدينة غزة – قال إن الإصابات الناتجة عن طلقات نارية التي تعرض لها الأشخاص أثناء انتظارهم للمساعدات عند الدوارات كانت من بين الإصابات الأكثر شيوعًا التي شاهدها.
عندما لم يكن يعمل، كان الجوع يدفعه إلى نفس الدوارات. وقال إن الجنود الإسرائيليين عند نقاط التفتيش القريبة كانوا يطلقون النار في كثير من الأحيان دون سبب واضح. وأضاف، متحدثًا عبر الهاتف من كندا بعد أن تمكن من مغادرة غزة في أبريل: “لا يهمهم من يكون هناك. يفعلون ما يحلو لهم. أحيانًا يستخدمون الطائرات المسيرة، الطائرات الرباعية، ويطلقون النار بشكل عشوائي.”
كان الناس يبقون بالقرب من نقطة التفتيش بعد مرور الشاحنات، على أمل أن تأتي شاحنات أخرى في الطريق. عندها كان الجنود يفتحون النار في كثير من الأحيان، كما يتذكر كوتا، مضيفًا: “كانوا يطلقون النار عليهم، أو يلقون قنبلة يدوية عليهم، ثم يفهم الناس أن الشاحنات لن تأتي.”
وقال كوتا: “تخيل أنك تركض من أجل الحصول على الطعام، تحاول الإمساك بكيس من الدقيق، وكل ما تجده هو رصاصة في صدرك.” وأضاف: “هذا هو مدى يأس الناس للحصول على الطعام والأشياء لعائلاتهم. كان الأمر مسألة حياة أو موت.”
خطة تأخذ شكلها
نهاية واحدة من المهام القليلة التي تمت الموافقة عليها لإيصال المساعدات إلى شمال غزة، تحركت قافلة صغيرة من سيارات الأمم المتحدة عبر شوارع مدمرة، تصطف على جانبيها مبانٍ منهارة أو فارغة بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية.
توقفت القافلة عند نقطة التفتيش الإسرائيلية، منتظرة الإذن للعودة إلى الجنوب، وحولها تجمع مئات الجياع.
لكن لأن هذه القافلة كانت عائدة من مهمة ولم يكن لديها طعام لتقدمه، تمكن عمال الإغاثة من الخروج والتحدث بصدق مع الناس الذين تجمعوا. تقدم رجل يعرف نفسه كممثل لعائلة بارزة في الشمال للتحدث مع جورجيوس بيتروبولوس، رئيس مكتب أوتشا في غزة، حول حالة الفوضى وانعدام الأمن المحيطة بتوزيع المساعدات. ومن هنا بدأت الفكرة تتبلور.
قال بيتروبولوس: “أدركنا أننا بحاجة للحديث مباشرة مع المجتمعات المحلية”.
تتمتع العائلات والقبائل البارزة في غزة بسلطة سياسية واجتماعية كبيرة. في وقت مبكر من الحرب، نظم العديد منها لجانًا لتوفير الأمن الأساسي في أحيائهم مع إجبار الشرطة وسلطات الحكومة الأخرى على العمل تحت الأرض بسبب الهجمات الإسرائيلية. كانت هذه القبائل واحدة من المؤسسات الاجتماعية القليلة المتبقية في غزة التي لديها السلطة والموارد البشرية لتأمين قوافل المساعدات.
قالت جولييت توما من الأونروا: “هؤلاء الأشخاص الذين يرأسون المجتمعات محل ثقة الناس”.
من خلال العمل مع هذه المجتمعات، كانت الأمم المتحدة تأمل في إيصال الكميات القليلة المسموح بدخولها دون فوضى وضمان توزيعها بشكل عادل، للمساعدة في استقرار الوضع المتدهور بسرعة. وإذا سارت الأمور على ما يرام، كانت وكالات الأمم المتحدة تأمل أن تكون قادرة على توسيع نطاق الاستجابة لمعالجة طيف أوسع من الاحتياجات، وفقًا لبيتروبولوس ومسؤولي الأمم المتحدة الآخرين.
لكن إذا كانت هذه الخطة الأخيرة محكومة بالنجاح، كان على الأمم المتحدة أن تتعامل مع متاهة سياسية معقدة.
المتاهة السياسية لإدخال المساعدات إلى غزة
في وقت سابق من العام، طرح المسؤولون الإسرائيليون فكرة إنشاء هياكل حكومية محلية لتحل محل السلطات التابعة لحماس في غزة. نظريًا، كانت هذه الهياكل تتألف من بعض العائلات والقبائل نفسها التي أرادت الأمم المتحدة العمل معها، وكانت الخطوة الأولى في المبادرة هي أن تقوم إسرائيل بتسليح هذه العائلات لتأمين توزيع المساعدات.
حاولت إسرائيل تجنيد بعض العائلات في هذه الجهود حتى أواخر فبراير، حسبما قال عضو في إحدى العائلات لـThe New Humanitarian، لكن ممثلي العائلات رفضوا هذه المحاولات علنًا. كما حذرت حماس من أن التعاون مع إسرائيل سيكون “خيانة للأمة لن يتم التسامح معها”.
مع رفض القبائل والعائلات البارزة لهذه العروض، بدأت إسرائيل العمل مع مقاولي القطاع الخاص، محاولةً إنشاء نظام مساعدات موازٍ تحت سيطرتها يتجاوز الأمم المتحدة والسلطات القائمة في الشمال.
وفي الوقت نفسه، كانت هناك شائعات وتقارير تفيد بأن السلطة الفلسطينية، التي تسيطر عليها حركة فتح، المنافس السياسي لحماس، كانت تحاول أيضًا العمل مع العائلات البارزة في غزة لبناء قوة أمنية خاصة بها في القطاع.
بناء على ما سبق، كانت العائلات والقبائل مترددة في البداية في العمل مع الأمم المتحدة لأنها لم ترغب في أن يُنظر إليها على أنها تحاول تقويض سلطة الحكومة المرتبطة بحماس. لكن مع تنامي الفوضى التي تسببت فيها الجهود الإسرائيلية لإزالة الحكومة، شعروا بالقلق من أن العائلات ستنتهي بها الحال في صراع عنيف على الموارد.
استغرق الأمر بعض الوقت والجهود لتجاوز هذا التردد الأولي، وفقًا لبيتروبولوس، لكن مسؤولي الإغاثة نجحوا في تنظيم سلسلة من الاجتماعات في فبراير ومارس في شمال غزة مع قادة المجتمعات المحلية.
عقدت هذه الاجتماعات في منازل العائلات، وأحيانًا في مستشفى الشفاء، وفقًا للعديد من الأشخاص الذين حضروها.
أُبلغت السلطات الإسرائيلية بأن الاجتماعات كانت تُجرى كجزء من عملية خفض التصعيد، وكانت على دراية بأن الأمم المتحدة تعمل مع المجتمعات لتأمين توزيع المساعدات، وفقًا للعاملين في الإغاثة.
نتج عن الاجتماعات تشكيل كيان شبه رسمي أطلق عليه اسم “اللجان الشعبية والقبلية لتأمين المساعدات في محافظة غزة وشمال غزة”.
كان يتعين على اللجان الحصول على موافقة ضمنية على الأقل من حماس، وإلا فقد تخاطر بأن تبدو وكأن الأمم المتحدة واللجان يتم استغلالهم لتحقيق أهداف الحرب الإسرائيلية أو التدخل بشكل خطير في موازين القوى السياسية في غزة.
وفي إشارة إلى خطة الأمم المتحدة واللجان، قال إسماعيل الثوابتة، مدير مكتب الإعلام الحكومي في غزة، إن هناك “رؤية موحدة على المستويين الدولي والمحلي لمشاركة الأمم المتحدة والقبائل في إيصال المساعدات تحت إشراف عام من الجهات الحكومية في غزة”.
كما شاركت وزارة التنمية الاجتماعية، التي تشرف على برامج الحماية الاجتماعية في فلسطين، في تنسيق الجهود، حيث كانت تنقل رسائل من الأمم المتحدة إلى اللجان القبلية. الوزارة لديها موظفون في غزة لكنها تخضع إلى حد كبير لإدارة السلطة الفلسطينية في رام الله، التي لا ترتبط بحماس.
الأشخاص المشاركون مباشرة في تأمين إيصال المساعدات أكدوا أيضًا أن حماس لم تكن متورطة في التنفيذ العملي للخطة التي تم تطويرها.
قال الكفارنة، المسؤول القبلي: “بالنسبة لمشاركة حماس، لا يوجد بيننا أي عناصر مرتبطة رسميًا بالحكومة في غزة. لكننا قلنا ونقول إننا لن نكون بديلاً عن الحكومة في غزة.”
وفي حديث مع The New Humanitarianقال ثمانية فلسطينيين شاركوا في الجهد – من بينهم عضو في قوة الشرطة المدنية – إنهم وآخرين كانوا يعملون بصفة فردية، وليس بناءً على تعليمات السلطات المرتبطة بحماس.
قال ثائر، المقيم في جباليا، وهو أيضًا ضابط شرطة لكنه لم يكن يعمل منذ بدء الحرب: “لم يتم توجيهي رسميًا من قبل الحكومة، وكانت هذه المبادرة مني ومن شباب عائلتي.”
“تمكنّا في العبور“
كانت الخطة بالشكل التالي: عندما تتحرك قافلة، تقوم الأمم المتحدة بإخطار اللجان القبلية، التي ترسل بعد ذلك أشخاصًا على طول الطريق لحمايتها من النهب وضمان تسليم شحنتها بأمان إلى المستودعات.
قال الكفارنة موضحًا: “كانت مهمتنا فقط تأمين الشاحنات وضمان وصولها إلى مستودعات المنظمات الدولية بأمان وسلامة.” وأوضح أن جهود الحماية عملت مثل نظام التتابع، حيث تقوم لجنة محلية بتأمين منطقة معينة على طول الطريق، ثم تسلم المهام إلى لجنة أخرى مع تحرك الشاحنات شمالًا بعيدًا عن نقاط التفتيش الإسرائيلية.
جهود الإغاثة استخدمت نفس نظام خفض التصعيد مع السلطات الإسرائيلية الذي تستخدمه الأمم المتحدة للتواصل وطلب الموافقة على جميع تحركات القوافل، وفقًا لجيمي ماكغولدريك، منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة في ذلك الوقت.
وقال ماكغولدريك لـThe New Humantarian: “شرحنا تفاصيل الخطط والعمليات وما نحتاجه من حيث الوصول في مناقشاتنا مع وحدة تنسيق الأنشطة الحكومية في الأراضي (COGAT)، كما نفعل مع أي قوافل أخرى”. وأضاف أنه بمجرد وصول المساعدات إلى مرافق التخزين، يتم توزيعها باستخدام نظام إداري معياري يخصص الغذاء للفلسطينيين المسجلين بناءً على حجم أسرهم واحتياجاتهم.
لتجنب استهدافهم من قبل الهجمات الإسرائيلية، منعت اللجان القبلية أعضاءها من حمل الأسلحة النارية، لكن بعض أفرادها كانوا يحملون عصيًّا أو قضبانًا حديدية لمواجهة محاولات النهب. وقال الكفارنة: “نحن نرفض تمامًا مسألة تسليح أي من أعضائنا لأن ذلك يعرضهم للخطر والهجوم من قبل الجيش الإسرائيلي.”
كما تم توزيع منشورات تحمل توقيع “قوات الأمن الفلسطينية” في شمال غزة في الأيام التي سبقت أول عملية تسليم للمساعدات في منتصف مارس، طالبت الناس بعدم انتظار المساعدات على طول طريق القوافل، وحذرت من أن أي مساعدات يتم أخذها سيتم مصادرتها.
وقال حامد، عضو آخر في لجنة المساعدات: “طلبنا من المواطنين… ألا يذهبوا لانتظار الشاحنات حتى نتمكن من العمل وتسليم المساعدات بطريقة هادئة إلى المنازل.”
قبل منتصف الليل بقليل في 16 مارس، وصلت قافلة تابعة للأمم المتحدة مكونة من تسع شاحنات محملة بالطعام إلى شمال غزة، تلتها في 17 مارس 18 شاحنة أخرى تحمل الدقيق، وجبات جاهزة للأكل، وحزم غذائية. وصلت بعض الشاحنات إلى مخيم جباليا للاجئين.
وجاء ذلك في لحظة حرجة. ففي 18 مارس، أصدرت فرقة العمل التابعة لـ IPC تحذيرًا خطيرًا: كانت المجاعة وشيكة في شمال غزة؛ وبدون زيادة دراماتيكية في الوصول الإنساني، كان أكثر من 200,000 شخص في خطر فوري.
أظهر تقرير من قناة الجزيرة شاحنات تخرج من الظلام الدامس لجباليا المدمر وتصطف خارج مستودع. وتُظهر مقاطع فيديو أخرى منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي شبابًا داخل المستودع – العديد منهم يبدو أنهم مراهقون فقط – يفرغون المنصات، ويكدسون أكياس الدقيق التي تزن 25 كيلوجرامًا بواسطة مصابيح يدوية، ويحتفلون؛ ملابسهم مغطاة بالدقيق والهواء مليء بغبار الطحين.
أوضح الصحفي في قناة الجزيرة إسماعيل الغول حيث كان من شمال غزة يغطي وصول الشاحنات الأولى، أن هذه كانت “مرحلة اختبار” لإيصال المساعدات إلى الشمال المحاصر. وقال الغول: “إذا لم تقع مجازر من قبل قوات الاحتلال، ستشعر المنظمات الدولية بالتشجيع لإرسال المزيد من الشاحنات إلى المناطق الشمالية.”
وقال بلال: “وصلت شاحنات المساعدات إلى مخيم جباليا وتم تخزينها داخل مستودعات الأونروا، وفي الصباح تم توزيعها بطريقة منظمة وعادلة على السكان.”
تذكر ثائر قائلاً: “كان الناس يائسين للحصول على الطعام. في البداية، بدأوا بالتجمع للحصول عليه، لكن بعد أن تحدثنا معهم بطريقة مهذبة، هدأت مخاوفهم. وعدناهم بتوفير كل ما يمكن توفيره لهم، وطلبنا منهم الاصطفاف في طوابير منتظمة للحصول على حصتهم من الطعام.”
للمرة الأولى منذ أشهر، تمت عمليات التسليم والتوزيع “دون أي حادث يُذكر”، وفقًا لتقارير أوتشا. وللمرة الأولى منذ بداية مارس، لم تُسجل أي حالات قتل عند دواري الكويت والنابلسي في أي من اليومين.
قال بيتروبولوس: “حققنا اختراقًا؛ حصلنا على بعض الطعام هناك. أثبتنا أن الفكرة قابلة للتنفيذ.”
سلسلة من الهجمات
بعد أقل من 48 ساعة، كان المستودع في جباليا – حيث كان الشباب يحتفلون بين أكياس الدقيق – أول موقع يتم استهدافه.
في الليلة التالية، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على أعضاء لجنة المساعدات وآخرين تجمعوا بالقرب من دوار الكويت في مدينة غزة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 30 شخصًا، من بينهم أمجد حتحت، مدير إحدى اللجان. كما قُتل مهدي عبد، وهو معلم رياضيات تطوع للمساعدة في تأمين القوافل.
جاءت هذه الهجمات بعد أيام فقط من توقيع غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، رسالة إلى الحكومة الأمريكية يعد فيها بعدم عرقلة المساعدات الإنسانية واستخدام الأسلحة الأمريكية وفقًا للقانون الدولي.
تلت ذلك المزيد من الهجمات بشكل متلاحق. تضمنت الهجمات ضربات قتلت أفرادًا في منازلهم، بالإضافة إلى أعضاء في اللجان القبلية كانوا قد تجمعوا في مواقع رئيسية لتأمين المساعدات الواصلة إلى الشمال – وخاصة عند دوار الكويت.
شملت القتلى أعضاء بارزين في اللجان القبلية، ورؤساء عائلات شاركوا في جهود المساعدات، وأفراد عائلاتهم، ومدنيين آخرين، وفقًا لتقارير إعلامية وتقارير الأمم المتحدة.
مع انهيار الجهود الرامية إلى إيصال المساعدات بأمان تحت القصف والرصاص، عاد الناس إلى دواري النابلسي والكويت، واستُؤنفت الهجمات الإسرائيلية اليومية على الأشخاص الذين ينتظرون المساعدات في تلك المواقع.
قال عمال الإغاثة التابعون للأمم المتحدة إنهم لا يستطيعون الجزم بأن إسرائيل كانت تستهدف أعضاء اللجان القبلية عمدًا بسبب دورهم في تأمين إيصال المساعدات. وقالت جولييت توما من الأونروا، مشيرة إلى الهجمات على الشرطة المدنية التي دفعت إلى تشكيل اللجان القبلية: “ما يمكنني قوله هو أننا نعلم أنه في موقف مشابه… تم استهداف الشرطة.”
أضاف ماكغولدريك أن العديد من الأشخاص المشاركين في اللجان القبلية كانوا شخصيات بارزة في غزة وربما كانوا بالفعل على قوائم الأهداف.
لكن بالنسبة لأعضاء اللجان القبلية، لم يكن هناك شك. قال الكفارنة إنه يعتقد أن قادة وأعضاء اللجان “تم استهدافهم بشكل محدد ومتعمد لأن إسرائيل تريد فرض الفوضى في قطاع غزة.”
وأضاف مأمون*، عضو آخر في لجنة المساعدات: “يبدو أن إسرائيل تريد خلق فوضى وتجويع الناس حتى يتم طردنا إلى جنوب غزة.”
سألت منظمة The New Humanitarian الجيش الإسرائيلي عن مبررات وتفاصيل سبع ضربات وهجمات محددة خلال هذه الفترة، مع إرسال إحداثيات المواقع التي وقعت فيها حيثما أمكن. وكتب متحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “جيش الدفاع الإسرائيلي ليس على علم بالضربات المزعومة المذكورة.”
تزامنت الهجمات على اللجان القبلية مع هجمات على ضباط شرطة ومسؤولين في شمال غزة. من بين القتلى كان رائد الشرطة رائد البنا في جباليا، الذي كان مسؤولاً عن تسهيل وتأمين وصول المساعدات إلى شمال غزة. قُتل مع زوجته وأطفاله عندما دمرت غارة جوية منزله في 18 مارس.
وفي نفس اليوم، بدأت القوات الإسرائيلية عملية استمرت أسبوعين في مستشفى الشفاء، حيث قتلت ضابط الشرطة الكبير فايق المبحوح. وقال الثوابتة، المتحدث باسم الحكومة، إن المبحوح كان مكلفًا بتنسيق إيصال المساعدات إلى شمال غزة. وأصرت السلطات الإسرائيلية على أن المبحوح كان قياديًا كبيرًا في حماس.
من غير الواضح ما إذا كان البنا أو المبحوح متورطين في التنسيق مع اللجان القبلية، رغم أن كليهما كانا شخصيات مهمة في جهود المساعدات العامة في غزة.
في 22 مارس، كتبت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الوكالة الحقوقية “قلقة من سلسلة الهجمات الأخيرة على مستودعات المساعدات وضباط الشرطة وغيرهم الذين ورد أنهم يوفرون الأمن لتوصيل المساعدات الإنسانية.”
العديد من قادة العائلات والقبائل الذين قُتلوا في هذه الهجمات كانوا نفس الأشخاص الذين حاولت السلطات الإسرائيلية تجنيدهم قبل أسابيع قليلة.
رغم صعوبة تحديد النوايا، فإن الضربات الإسرائيلية على أعضاء اللجان القبلية، وضباط الشرطة، وقادة المجتمع الآخرين خلال هذه الفترة كان لها تأثير قتل عدد كبير من الأفراد الذين يتمتعون بسلطة كافية لقيادة جهود منظمة لتأمين إيصال المساعدات ومنع شمال غزة من الانحدار إلى الفوضى.
قالت توما: “منذ ذلك الوقت، بدأ الوضع في الانحدار.”
كان بيتروبولوس من مكتب أوتشا يتواصل هاتفيًا بانتظام مع قادة اللجان القبلية خلال هذه الفترة. وقال: “أقسم لكم، كان ذلك أسوأ يوم في حياتي”، متذكرًا مكالمة مؤلمة بعد غارة إسرائيلية قتلت عشرات المدنيين، بمن فيهم أعضاء لجان تأمين المساعدات.
وقال متذكرًا: “أنا آسف جدًا للخسائر.” وأضاف: “أحتاجكم هناك مرة أخرى غدًا… لا أعرف ماذا أقول لكم. هؤلاء شهداء، وهم يموتون حتى تتمكن عائلاتهم من الأكل.”
واصل بلال، المتطوع من جباليا، الذهاب رغم كل شيء. وقال إنه كان يعلم أن أشخاصًا مثله قد تم استهدافهم وقتلهم. وأضاف: “لم يكن لدي خيار آخر. إما أن نموت من الجوع أو القتل.”
أخيرًا، في 30 مارس، قتلت غارة إسرائيلية ما لا يقل عن 19 فلسطينيًا أثناء تأمين المساعدات، بما في ذلك العديد من أعضاء اللجان، بالإضافة إلى مدنيين قريبين، عند دوار الكويت، وفقًا لبيان صادر عن اللجان القبلية. وفي اليوم التالي، أعلنت اللجان أنها انتهت. بعد أسبوعين مميتين، أنهت رسميًا مشاركتها في الجهد المشترك مع الأمم المتحدة لتأمين المساعدات.
قال الكفارنة: “الحقيقة أننا توقعنا أن نحصل على الحماية وألا نتعرض للهجوم، لأننا وافقنا على لعب هذا الدور بناءً على طلب المنظمات الدولية. ومع ذلك، تم استهداف اللجان.”
عندما سئلت وكالات الأمم المتحدة عما إذا كانت تتوقع حماية اللجان القبلية من الهجمات الإسرائيلية أثناء تأمين إيصال المساعدات، قالت توما ببساطة: “هذه هي الفكرة كلها من أن تكون قافلة إنسانية.”
وفي بيان ردًا على الادعاءات الواردة في هذا التحقيق، كتب متحدث باسم وحدة تنسيق الأنشطة الحكومية في الأراضي (COGAT): “الادعاءات التي تشير إلى أن إسرائيل تحاول تجويع المدنيين في شمال قطاع غزة غير صحيحة ولا أساس لها. يعمل جيش الدفاع الإسرائيلي، من خلال COGAT، وفقًا كاملًا للقانون الدولي للسماح بتقديم المساعدات الإنسانية المهمة عبر المنظمات الدولية.”
ما بعد الأحداث
في الأول من أبريل، قتلت غارة إسرائيلية بطائرة مسيرة سبعة من عمال الإغاثة التابعين لمنظمة World Central Kitchen غير الحكومية في دير البلح، وسط غزة جنوب ممر نتساريم. ستة من القتلى كانوا يحملون جوازات سفر غربية، وواحد منهم كان فلسطينيًا. أثارت الوفيات مستوى من الغضب الدولي لم يتمكن الجوع في الشمال وقتل عشرات الفلسطينيين المشاركين في جهود الإغاثة من إثارة مثله.
قال جيريمي كونيندايك، رئيس منظمة Refugees International: “السبب الذي جعل الجيش الإسرائيلي يعتقد أن قافلة منظمة World Central Kitchen هدف مشروع هو زعمه أنه رأى مسلحين اثنين على الشاحنات، مما جعل القافلة بأكملها هدفًا مشروعًا في نظرهم.”
وأضاف كونيندايك، الذي راجع التحقيق قبل نشره: “في قتل أعضاء اللجان القبلية هناك منطق مشابه باستهداف قوافل المساعدات على أضعف الذرائع، دون اتخاذ أي احتياطات لحماية العاملين الإنسانيين.”
في غضون أيام، وتحت ضغط أمريكي، وافقت إسرائيل على السماح للمخابز في شمال غزة بإعادة العمل مرة أخرى، وأعلنت عن فتح مسارات جديدة لإدخال المساعدات إلى القطاع، بما في ذلك مسار مباشر إلى الشمال – وهو أمر كانت وكالات الإغاثة تطالب به منذ بداية الحرب.
تمت أول عملية تسليم عبر المسار الجديد في 12 أبريل. لو وافقت إسرائيل على فتح المعابر المباشرة إلى الشمال في وقت سابق والسماح بدخول المزيد من المساعدات، لما كان من الضروري استخدام اللجان القبلية منذ البداية. قال بيتروبولوس، مشيرًا إلى أعضاء اللجان الذين قُتلوا: “لقد دفع الناس حياتهم ثمنًا لذلك.”
مع تشغيل المخابز وسمح السلطات الإسرائيلية بدخول المزيد من المساعدات والشاحنات التجارية إلى الشمال، لاحظت فرق الأمم المتحدة عودة الأطفال وكبار السن إلى الشوارع. ومع ذلك، لم يكن هناك ما يكفي من الطعام. كانت السلطات الإسرائيلية لا تزال تمنع دخول كل شيء تقريبًا باستثناء الدقيق – بما في ذلك المكملات الغذائية اللازمة لعلاج سوء التغذية الحاد، الذي كان يعاني منه ما يقرب من ثلثي الأطفال في الشمال. الطعام القليل الذي بدأ يظهر في الأسواق كان يباع بأسعار مرتفعة بشكل صادم. استمرت الغارات الإسرائيلية في قتل المدنيين يوميًا، واستمر عمال الإغاثة في مواجهة إطلاق النار بانتظام.
ومع ذلك، كان التغيير ملحوظًا، كما يتذكر بيتروبولوس. قال: “فجأة، كان الناس يبتسمون للسيارات. كنا نخرج من السيارات؛ كنا نصافحهم.”
تذكر كوتة، الممرض، أنه رأى الطماطم والخيار والفواكه في الأسواق في أوائل أبريل، لأول مرة منذ شهور. قال: “هذا عندما اعتقدت أن الوضع قد تحسن قليلاً.”
عكست التحسينات تحليلًا صادرًا عن IPC في نهاية يونيو. كانت حالة الأمن الغذائي في غزة لا تزال حرجة، لكن التوقعات بحدوث مجاعة في الشمال لم تتحقق بفضل زيادة توصيل المساعدات في مارس وأبريل، وفقًا للتحليل.
ومع ذلك، أثبتت تلك التحسينات أنها قصيرة الأمد.
حتى مع تراجع أزمة الجوع، بدأت الفوضى العنيفة التي كان قادة المجتمع في الشمال يخشونها في الظهور. مع مقتل أو ردع الفلسطينيين القلائل القادرين على تأمين إيصال المساعدات والحفاظ على قدر من النظام العام بسبب الغارات الإسرائيلية، تحولت “التوزيعات العفوية” للأشخاص الجياع الذين كانوا يسعون للحصول على ما يمكنهم إلى هجمات منظمة من قبل عصابات مسلحة، التي كانت تبيع البضائع المنهوبة بأسعار باهظة.
في بداية أكتوبر، أعلنت إسرائيل عن حصار كامل على المناطق السكانية الثلاث الأكثر شمالية في القطاع – جباليا، وبيت حانون، وبيت لاهيا – وأمرت السكان المتبقين بالمغادرة. ومنذ ذلك الحين، شنت حملة عسكرية وحشية هناك، مع منع دخول جميع المساعدات الإنسانية تقريبًا، مما دفع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى التحذير من “التدمير المحتمل للسكان الفلسطينيين” في المنطقة.
في جميع أنحاء القطاع، شمالًا وجنوبًا، تسود الآن حالة من الفوضى العنيفة. قال بيتروبولوس: “لقد تمزق نسيج المجتمع بالفعل.” وأضاف: “العنف خرج عن السيطرة.”
بالتزامن مع استمرار القيود والحصار الإسرائيلي، أدى ظهور العصابات التي تهاجم قوافل المساعدات إلى انهيار كامل في توفر الغذاء. في نوفمبر، حددت IPC أن المجاعة باتت وشيكة مرة أخرى في شمال غزة، وأن إمدادات الغذاء “تدهورت بشكل حاد” في باقي أنحاء القطاع.
الخطر الذي تشكله العصابات، ودور إسرائيل في تمكينها، تجلى بشكل صارخ عندما استولى لصوص مسلحون على 98 من أصل 109 شاحنات تابعة للأمم المتحدة في قافلة مساعدات غذائية دخلت غزة في منتصف نوفمبر.
على الطريق المؤدي إلى الحدود، كانت طائرات مسيرة إسرائيلية تحلق فوق المركبات التي تحمل عمال الإغاثة أثناء دخولهم وخروجهم من القطاع، وفقًا لعدة عمال إغاثة تحدثوا إلى “الأخبار الإنسانية”. وأضافوا أن تلك الطائرات بدت وكأنها تتجاهل المهاجمين وهم يهاجمون قوافل المساعدات في وضح النهار.
قالت جولييت توما: “كانت فكرة التعاون مع قادة المجتمع تهدف إلى مساعدتنا على عدم الوصول إلى هذه النقطة التي نحن فيها الآن”، مضيفة أن الأمم المتحدة لم يعد لديها أي شخص يمكنها الاعتماد عليه لتوفير الأمن لقوافل المساعدات. وأضافت: “في كل مرة نجلب فيها شاحنات، نخاطر.”
أوضح عامل إغاثة تابع للأمم المتحدة كان مشاركًا في الجهود، وطلب عدم الكشف عن هويته ليتحدث بصراحة، أن سلسلة القتل في مارس كانت مثالًا رئيسيًا على كيفية تقويض إسرائيل المنهجي للقيادة المحلية والعاملين في المجال الإنساني لتحقيق هدف نهائي من الفوضى.
وقال عامل الإغاثة: “الوضع سيئ للغاية، ومتعمد للغاية، وساخر للغاية لدرجة أن أحدًا خارج غزة لا يصدق أنه يمكن أن يكون حقيقيًا. لقد حولت إسرائيل الوضع استراتيجيًا إلى ما تريده أن يراه العالم عن غزة والفلسطينيين.” وأضاف: “إنه أمر بغيض وإجرامي.”
“تم استخدام أسماء مستعارة للأسماء الأولى لحماية المصادر لأسباب أمنية”.
نشر هذا التحقيق بالانكليزية على هذا الرابط.









