ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف حوّلت الحرب الإسرائيلية نقاش السلاح في لبنان إلى موجة استقطاب وخطاب كراهية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الأخطر أن هذا الانفجار لا يكتفي بعكس الانقسام، بل يعمّقه ويُعيد إنتاجه بلغة أكثر حدّة وتجريداً من الإنسانية، وهنا تكمن الدلالة الأوسع: في لحظة حرب ونزوح، لا يصبح الفضاء الرقمي مجرّد مساحة نقاش، بل ساحة إضافية للصراع، تُستخدم فيها اللغة كأداة تعبئة، ونزع شرعية، وأحياناً كتمهيد رمزي للعنف.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شريف مراد

يقدّم هذا التحليل الرقمي الذي أعدّه فريق “مجتمع التحقّق العربي” صورة مقرّة عن كيفية تحوّل نقاش سياسي تقليدي في لبنان؛ هو نقاش حصرية السلاح بيد الدولة وخطورة سلاح الدويلة، إلى ساحة استقطاب حادّ وخطاب عدائي على منصّة “أكس”، خصوصاً في ظلّ الحرب الإسرائيلية الجارية ضدّ “حزب الله” ولبنان. الخلاصة الأساسية التي يمكن الخروج بها، هي أن ما جرى لم يكن مجرّد “نقاش عامّ”، بل إعادة تشكيل رقمية للصراع السياسي اللبناني، حيث تتداخل الحرب الفعلية مع حرب سرديات موازية على المنصّات.

أوّل ما يكشفه التقرير هو أن موجة التفاعل لم تكن موحّدة، بل تشكّلت من ثلاث كتل خطابية متمايزة، لكنّها مترابطة: كتلة كبرى تدور حول القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية، وعنقود أو كتلة ثانية تهاجم “حزب الله” وتتّهمه بخرق الشرعية، وعنقود ثالث أصغر لكنّه شديد الحدّة يهاجم الجيش اللبناني عبر توصيفه بالعمالة عبر استعادة تاريخ “جيش لحد”، الذي سبق أن أسّسته إسرائيل خلال احتلالها لبنان في الثمانينيات. 

هذا التقسيم مهمّ لأنه يُظهر أن النقاش لم يكن ثنائياً فقط (مع السلاح أو ضدّه)، بل متشظياً إلى مستويات من الصراع: بين الدولة والحزب، بين الحزب وخصومه، وحتى بين مؤيّدي الدولة أنفسهم.

لكنّ النقطة الأكثر دلالة هي أن الكتلة الأكبر، أي تلك التي ركّزت على ثنائية الضاحية والقصف لم تكن الأكثر كراهية، بل الأكثر انتشاراً. فهذه الكتلة، رغم احتوائها على بعض مظاهر الشماتة أو التحريض، كانت أقرب إلى فضاء مختلط يجمع الخبر والتعليق والتعبئة. ومع ذلك، وبسبب حجمها الضخم (أكثر من 5,200 منشور وقرابة 109 ملايين وصول)، تحوّلت إلى “القناة الرئيسية” التي يمرّ عبرها الخطاب الأكثر حدّة إلى جمهور أوسع. بمعنى آخر، حتى لو لم تكن هذه الكتلة نفسها متطرّفة، فهي لعبت دور المسرّع (amplifier) لبقيّة الخطابات.

في المقابل، يظهر عنقود الهجوم على “حزب الله” بوصفه الأكثر كثافة في خطاب سلبي، مع نسب غضب مرتفعة جدّاً (95.8% سلبية و88.7% غضب). 

هنا نحن أمام خطاب منظّم نسبياً يهدف إلى نقاش الشرعية السياسية والأخلاقية للحزب، مستخدماً مفردات مثل “إرهابي” و”خارج عن القانون”، واللافت أن هذا العنقود، رغم حجمه الأصغر، كان أكثر تركّزاً من حيث الحسابات، ما يوحي بدرجة أعلى من التماسك وربما قابلية أكبر للتعبئة المنظّمة أو شبه المنظّمة.

أما عنقود “جيش لحد”، فيكشف بعداً مختلفاً تماماً: هو ليس حملة جماهيرية واسعة، بل خطاب ردّي سجالي. ارتفاع نسبة التغريدات التي تبدأ بمنشن (67.8%)، يدلّ على أن هذا الخطاب يتغذّى من المواجهة المباشرة داخل النقاشات، لا من البثّ إلى جمهور واسع. 

استخدام “جيش لحد” هنا ليس كوسم تعبوي، بل كأداة نزع شرعية مضادّة، تستحضر ذاكرة الحرب الأهلية والاحتلال للتشكيك في الجيش اللبناني نفسه، وهذا يعكس خطورة انتقال النقاش من مساءلة السلاح إلى تفكيك فكرة الدولة ومؤسّساتها.

زمنياً، يربط التقرير بوضوح بين الذروات الرقمية والتطوّرات الميدانية والسياسية. الموجة الأولى (2–4 آذار/ مارس) ارتبطت بتصريحات الحكومة حول حصر السلاح بيد الدولة، بينما الموجة الثانية الأكبر (5–6 آذار/ مارس) تزامنت مع تصاعد القصف الإسرائيلي على الضاحية وأوامر الإخلاء. 

هذا الترابط يؤكّد أن الفضاء الرقمي في الحالة اللبنانية ليس منفصلاً عن الواقع، بل يتفاعل معه بشكل مباشر، بل ويُعيد إنتاجه خطابياً. القصف لا يُنتج فقط ضحايا ونزوحاً، بل أيضاً ذروات في الاستقطاب الرقمي.

من زاوية اللغة، يكشف التحليل أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في خطاب الكراهية الصريح (الذي بلغ نحو 4% من المحتوى)، بل في ما يمكن تسميته “العداء الهوياتي”. 

استخدام مفردات مثل “عميل”، “صهيوني”، “إرهابي”، و”ميليشيا” يُعيد تعريف الخصم ليس كمنافس سياسي، بل كخائن أو تهديد وجودي. هذا التحوّل أخطر من السباب المباشر، لأنه يؤسّس لشرعنة العنف الرمزي وربما المادّي لاحقاً. هنا يتحوّل النقاش من سياسة إلى صراع وجودي مغلق.

أحد أهمّ استنتاجات التقرير يتعلّق بالتضخيم الرقمي. إذ تظهر مؤشّرات واضحة على سلوك غير طبيعي داخل كتلة الضاحية، مثل حشو الوسوم وتركيز النشر في عدد محدود من الحسابات. كما أن أعلى 10 حسابات ساهمت بنسبة ملحوظة من المحتوى، خصوصاً في عنقود الهجوم على “حزب الله”. هذا لا يُثبت بالضرورة وجود حملة منسّقة بالكامل، لكنّه يشير إلى أن جزءاً من الزخم لم يكن “عضوياً” بالكامل، بمعنى آخر، هناك فاعلون قادرون على دفع النقاش نحو اتّجاهات معيّنة عبر كثافة النشر أو هندسة الوسوم.

كما يلفت التقرير إلى مسألة “طبقتين من التأثير”: حسابات تُنتج المحتوى بكثافة، وأخرى تملك القدرة على توسيع الانتشار والوصول. هذه البنية تعكس ديناميات المنصّات اليوم، حيث لا يكفي إنتاج المحتوى، بل يحتاج إلى “ممرّات تضخيم” عبر حسابات ذات جمهور واسع أو مصداقية أعلى.

في الخلفية، يذكّرنا التحليل بأن هذه الموجة لم تبدأ من الصفر. المصطلحات والهجمات اللفظية كانت موجودة قبل 1 آذار/ مارس، لكنّها تكثّفت مع تصاعد الأحداث وتطوّر الحرب، وهذا يعني أن المنصّات لا تخلق الانقسام من العدم، بل تُعيد تنشيط قوالب خطابية جاهزة ومخزونة في الذاكرة السياسية اللبنانية.

في المحصّلة، يكشف التقرير عن ثلاث طبقات متداخلة: حدث ميداني (القصف والتصعيد)، نقاش سياسي (شرعية السلاح)، وانفجار رقمي يُعيد تشكيل هذا النقاش في قالب استقطابي حادّ. 

الأخطر أن هذا الانفجار لا يكتفي بعكس الانقسام، بل يعمّقه ويُعيد إنتاجه بلغة أكثر حدّة وتجريداً من الإنسانية، وهنا تكمن الدلالة الأوسع: في لحظة حرب ونزوح، لا يصبح الفضاء الرقمي مجرّد مساحة نقاش، بل ساحة إضافية للصراع، تُستخدم فيها اللغة كأداة تعبئة، ونزع شرعية، وأحياناً كتمهيد رمزي للعنف.

للاطلاع على التحقيق كاملا زوروا موقع “مجتمع التحقّق العربي”

19.03.2026
زمن القراءة: 4 minutes

الأخطر أن هذا الانفجار لا يكتفي بعكس الانقسام، بل يعمّقه ويُعيد إنتاجه بلغة أكثر حدّة وتجريداً من الإنسانية، وهنا تكمن الدلالة الأوسع: في لحظة حرب ونزوح، لا يصبح الفضاء الرقمي مجرّد مساحة نقاش، بل ساحة إضافية للصراع، تُستخدم فيها اللغة كأداة تعبئة، ونزع شرعية، وأحياناً كتمهيد رمزي للعنف.

شريف مراد

يقدّم هذا التحليل الرقمي الذي أعدّه فريق “مجتمع التحقّق العربي” صورة مقرّة عن كيفية تحوّل نقاش سياسي تقليدي في لبنان؛ هو نقاش حصرية السلاح بيد الدولة وخطورة سلاح الدويلة، إلى ساحة استقطاب حادّ وخطاب عدائي على منصّة “أكس”، خصوصاً في ظلّ الحرب الإسرائيلية الجارية ضدّ “حزب الله” ولبنان. الخلاصة الأساسية التي يمكن الخروج بها، هي أن ما جرى لم يكن مجرّد “نقاش عامّ”، بل إعادة تشكيل رقمية للصراع السياسي اللبناني، حيث تتداخل الحرب الفعلية مع حرب سرديات موازية على المنصّات.

أوّل ما يكشفه التقرير هو أن موجة التفاعل لم تكن موحّدة، بل تشكّلت من ثلاث كتل خطابية متمايزة، لكنّها مترابطة: كتلة كبرى تدور حول القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية، وعنقود أو كتلة ثانية تهاجم “حزب الله” وتتّهمه بخرق الشرعية، وعنقود ثالث أصغر لكنّه شديد الحدّة يهاجم الجيش اللبناني عبر توصيفه بالعمالة عبر استعادة تاريخ “جيش لحد”، الذي سبق أن أسّسته إسرائيل خلال احتلالها لبنان في الثمانينيات. 

هذا التقسيم مهمّ لأنه يُظهر أن النقاش لم يكن ثنائياً فقط (مع السلاح أو ضدّه)، بل متشظياً إلى مستويات من الصراع: بين الدولة والحزب، بين الحزب وخصومه، وحتى بين مؤيّدي الدولة أنفسهم.

لكنّ النقطة الأكثر دلالة هي أن الكتلة الأكبر، أي تلك التي ركّزت على ثنائية الضاحية والقصف لم تكن الأكثر كراهية، بل الأكثر انتشاراً. فهذه الكتلة، رغم احتوائها على بعض مظاهر الشماتة أو التحريض، كانت أقرب إلى فضاء مختلط يجمع الخبر والتعليق والتعبئة. ومع ذلك، وبسبب حجمها الضخم (أكثر من 5,200 منشور وقرابة 109 ملايين وصول)، تحوّلت إلى “القناة الرئيسية” التي يمرّ عبرها الخطاب الأكثر حدّة إلى جمهور أوسع. بمعنى آخر، حتى لو لم تكن هذه الكتلة نفسها متطرّفة، فهي لعبت دور المسرّع (amplifier) لبقيّة الخطابات.

في المقابل، يظهر عنقود الهجوم على “حزب الله” بوصفه الأكثر كثافة في خطاب سلبي، مع نسب غضب مرتفعة جدّاً (95.8% سلبية و88.7% غضب). 

هنا نحن أمام خطاب منظّم نسبياً يهدف إلى نقاش الشرعية السياسية والأخلاقية للحزب، مستخدماً مفردات مثل “إرهابي” و”خارج عن القانون”، واللافت أن هذا العنقود، رغم حجمه الأصغر، كان أكثر تركّزاً من حيث الحسابات، ما يوحي بدرجة أعلى من التماسك وربما قابلية أكبر للتعبئة المنظّمة أو شبه المنظّمة.

أما عنقود “جيش لحد”، فيكشف بعداً مختلفاً تماماً: هو ليس حملة جماهيرية واسعة، بل خطاب ردّي سجالي. ارتفاع نسبة التغريدات التي تبدأ بمنشن (67.8%)، يدلّ على أن هذا الخطاب يتغذّى من المواجهة المباشرة داخل النقاشات، لا من البثّ إلى جمهور واسع. 

استخدام “جيش لحد” هنا ليس كوسم تعبوي، بل كأداة نزع شرعية مضادّة، تستحضر ذاكرة الحرب الأهلية والاحتلال للتشكيك في الجيش اللبناني نفسه، وهذا يعكس خطورة انتقال النقاش من مساءلة السلاح إلى تفكيك فكرة الدولة ومؤسّساتها.

زمنياً، يربط التقرير بوضوح بين الذروات الرقمية والتطوّرات الميدانية والسياسية. الموجة الأولى (2–4 آذار/ مارس) ارتبطت بتصريحات الحكومة حول حصر السلاح بيد الدولة، بينما الموجة الثانية الأكبر (5–6 آذار/ مارس) تزامنت مع تصاعد القصف الإسرائيلي على الضاحية وأوامر الإخلاء. 

هذا الترابط يؤكّد أن الفضاء الرقمي في الحالة اللبنانية ليس منفصلاً عن الواقع، بل يتفاعل معه بشكل مباشر، بل ويُعيد إنتاجه خطابياً. القصف لا يُنتج فقط ضحايا ونزوحاً، بل أيضاً ذروات في الاستقطاب الرقمي.

من زاوية اللغة، يكشف التحليل أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في خطاب الكراهية الصريح (الذي بلغ نحو 4% من المحتوى)، بل في ما يمكن تسميته “العداء الهوياتي”. 

استخدام مفردات مثل “عميل”، “صهيوني”، “إرهابي”، و”ميليشيا” يُعيد تعريف الخصم ليس كمنافس سياسي، بل كخائن أو تهديد وجودي. هذا التحوّل أخطر من السباب المباشر، لأنه يؤسّس لشرعنة العنف الرمزي وربما المادّي لاحقاً. هنا يتحوّل النقاش من سياسة إلى صراع وجودي مغلق.

أحد أهمّ استنتاجات التقرير يتعلّق بالتضخيم الرقمي. إذ تظهر مؤشّرات واضحة على سلوك غير طبيعي داخل كتلة الضاحية، مثل حشو الوسوم وتركيز النشر في عدد محدود من الحسابات. كما أن أعلى 10 حسابات ساهمت بنسبة ملحوظة من المحتوى، خصوصاً في عنقود الهجوم على “حزب الله”. هذا لا يُثبت بالضرورة وجود حملة منسّقة بالكامل، لكنّه يشير إلى أن جزءاً من الزخم لم يكن “عضوياً” بالكامل، بمعنى آخر، هناك فاعلون قادرون على دفع النقاش نحو اتّجاهات معيّنة عبر كثافة النشر أو هندسة الوسوم.

كما يلفت التقرير إلى مسألة “طبقتين من التأثير”: حسابات تُنتج المحتوى بكثافة، وأخرى تملك القدرة على توسيع الانتشار والوصول. هذه البنية تعكس ديناميات المنصّات اليوم، حيث لا يكفي إنتاج المحتوى، بل يحتاج إلى “ممرّات تضخيم” عبر حسابات ذات جمهور واسع أو مصداقية أعلى.

في الخلفية، يذكّرنا التحليل بأن هذه الموجة لم تبدأ من الصفر. المصطلحات والهجمات اللفظية كانت موجودة قبل 1 آذار/ مارس، لكنّها تكثّفت مع تصاعد الأحداث وتطوّر الحرب، وهذا يعني أن المنصّات لا تخلق الانقسام من العدم، بل تُعيد تنشيط قوالب خطابية جاهزة ومخزونة في الذاكرة السياسية اللبنانية.

في المحصّلة، يكشف التقرير عن ثلاث طبقات متداخلة: حدث ميداني (القصف والتصعيد)، نقاش سياسي (شرعية السلاح)، وانفجار رقمي يُعيد تشكيل هذا النقاش في قالب استقطابي حادّ. 

الأخطر أن هذا الانفجار لا يكتفي بعكس الانقسام، بل يعمّقه ويُعيد إنتاجه بلغة أكثر حدّة وتجريداً من الإنسانية، وهنا تكمن الدلالة الأوسع: في لحظة حرب ونزوح، لا يصبح الفضاء الرقمي مجرّد مساحة نقاش، بل ساحة إضافية للصراع، تُستخدم فيها اللغة كأداة تعبئة، ونزع شرعية، وأحياناً كتمهيد رمزي للعنف.

للاطلاع على التحقيق كاملا زوروا موقع “مجتمع التحقّق العربي”