ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف ساعدت شركات خارجية تاجر مخدرات مرتبطاً بالمافيا على إخفاء ثروة بقيمة 230 مليون دولار؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تكشف سجلات مسرّبة من “وثائق باندورا” أن عائلة تامبوريللو، التي تواجه حالياً الملاحقة القضائية في إيطاليا، راكمت سبائك ذهب وعقارات فاخرة وحصة بقيمة 89 مليون دولار في أحد البنوك، بمساعدة ممولين ومحامين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شيلا أليتشي

على مدى أكثر من 30 عاماً، اعتمدت الزوجة السابقة العاطلة من العمل والابن الطموح لتاجر المخدرات الإيطالي جياكومو تامبوريللو على شبكة دولية من المصرفيين والمحامين والوسطاء لتكوين ثروة بلغت 230 مليون دولار وإخفائها عن السلطات، بحسب المدّعين العامين الإيطاليين.

وقد أدى التحقيق الأخير، الذي تصدّر عناوين الصحف الدولية بسبب الروابط المزعومة لعائلة تامبوريللو مع إحدى أقوى عشائر المافيا في إيطاليا، إلى اعتقال الثلاثة في أيار/ مايو، ومصادرة أصول موزّعة عبر تسع ولايات قضائية.

وخلص المدعون إلى أن تامبوريللو جنى ملايين الدولارات أساساً من تجارة الحشيش غير المشروعة القادمة من المغرب، وكان يشارك 10 في المئة من العائدات مع ماتيو ميسينا دينارو، أحد أخطر زعماء المافيا حتى اعتقاله ووفاته في عام 2023. وابتداءً من ثمانينات القرن الماضي، غسل تامبوريللو هذه الأموال بمساعدة زوجته آنذاك ماريا أنتونينا برونو، ولاحقاً ابنهما لوكا تامبوريللو، الذي درس المصارف والتمويل الدولي في مدارس إدارة أعمال أوروبية مرموقة.

“تمثل هذه العملية نتيجة ذات أهمية استثنائية في مكافحة الجريمة المنظمة والشبكات المالية التي يغذيها الإتجار بالمخدرات وغسل الأموال عبر الحدود”، قالت كيارا كولوسيمو، رئيسة لجنة مكافحة المافيا في البرلمان، في تصريح لوسائل إعلام إيطالية.

وتبدو الوثيقة القضائية المؤلفة من 327 صفحة، التي تطالب بتوقيف المتهمين وتجميد أصولهم، كأنها دليل إرشادي حول كيفية، وأين، إخفاء الأموال غير المشروعة وغسلها المزعوم. وعلى مر السنوات، نمت هذه الثروة لتشمل:

● 36 رطلاً من الذهب في خزائن أحد المصارف السويسرية.
● سيارة بورشه كاريرا، ولاند روفر ديفندر، وثلاث سيارات أصغر، وسكوتر كبير.
● نحو عشرين عقاراً، بينها شقة في غرب صقلية وفيلات وعقارات تجارية على الساحل الجنوبي لإسبانيا (كوستا ديل سول).
● شركات واجهة في ملاذات السرية مثل بنما وجبل طارق وجزر كايمان.
● 50 حساباً في نحو اثنتي عشرة مؤسسة مالية أوروبية، بما في ذلك في الملاذات الضريبية لوكسمبورغ وموناكو وأندورا.
● حصصاً في مصرف لبناني بقيمة 89 مليون دولار.
● استثمارات في بيتكوين وعملات مشفّرة أخرى.

وتسلّط هذه القضية البارزة الضوء على الجانب المظلم من النظام المالي العالمي، الذي لطالما أتاح للمجرمين مراكمة الثروات عبر تحدّي القواعد الدولية المصمّمة لمنع الجرائم المالية.

تكشف سجلات مسرّبة حصل عليها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) في إطار تحقيق وثائق باندورا لعام 2021، عن معطيات جديدة بشأن الدور الذي أدّاه مقدّمو الخدمات المالية العاملون لصالح عائلة تامبوريللو في بنما وأندورا وإسبانيا. وتُظهر هذه السجلات كيف سهّل هؤلاء المهنيون استثمارات العائلة المربحة، في حين نادراً ما طرحوا تساؤلات حول مصدر أموالها.

يقضي جياكومو تامبوريللو حالياً عقوبة بالسجن في إيطاليا. أما برونو ولوكا تامبوريللو فيوجدان في إسبانيا وقد تقدّما باستئناف ضد طلب تسليمهما من قبل السلطات الإيطالية. ومن خلال محاميهما، نفت برونو وابنها ارتكاب أي مخالفات، وأبلغا شريك ICIJ الإعلامي L’Espresso أن الأصول المصادَرة هي نتيجة استثمارات ناجحة وليست مرتبطة بأنشطة زوجها السابق. وأضافا أن “قرار إيداع عائدات بعض الاستثمارات في الخارج… لا يعكس بأي شكل من الأشكال نية لإخفاء الأموال”.

وقال ميكيلي ريكاردي، الخبير في الجريمة المنظمة وغسل الأموال، لـ ICIJ إن عائلة تامبوريللو أدارت ثروتها على غرار مكتب عائلي تقليدي، مستفيدة من “مزيج من التواطؤ وانعدام الوعي التام” لدى بعض مقدّمي الخدمات المالية. وأضاف أن العائلة اختارت غالباً بنوكاً في ولايات قضائية تقع خارج أنظمة مكافحة غسل الأموال الأوروبية، واستثمرت بكثافة في قطاع العقارات ضعيف التنظيم.

وقال ريكاردي، نائب مدير مركز Transcrime البحثي في الجامعة الكاثوليكية للقلب المقدس في ميلانو، “لم أتفاجأ عندما رأيت كل ولاية قضائية تُساءُ معاملتها على نحو يتوافق تماماً مع مكامن ضعفها”. وأضاف أنه بالنسبة الى مافيات إيطاليا، لا تزال العائلة “أكثر وحدة اجتماعية قائمة على الثقة”. “وهو أسهل بكثير من التعامل مع بنك يضم أشخاصاً غير معروفين”.

إنذار تلو الآخر

بعد فشله كتاجر ملابس، بدأ جياكومو تامبوريللو يصنع لنفسه اسماً في عالم الإتجار بالمخدرات عام 1983، عندما انضم إلى منظمة إجرامية كانت تهرّب الكوكايين والهيروين والحشيش إلى إيطاليا عبر إسبانيا وسويسرا.

وبحلول تسعينات القرن الماضي، أصبح مطلوباً للعدالة. وبينما كان يتوارى عن الأنظار، تولّت زوجته دور وكيلته المالية، فأنشأت شركات واجهة في جبل طارق، وفتحت حسابات مصرفية في موناكو، واستحوذت على عقارات في إسبانيا.

حتى بعد توقيف تامبوريللو للمرة الأولى عام 1994 بتهم الإتجار بالمخدرات وجرائم أخرى، استطاعت العائلة الاعتماد على محترفين ميسّرين لمضاعفة أصولها.

تُظهر سجلات “وثائق باندورا” المسرّبة أن ماريا أنتونينا برونو أصبحت في العام نفسه الذي أُوقف فيه زوجها زبونة لدى شركة Gestoria Pascual، وهي شركة استشارات في ماربيا ظلّت إلى جانبها لسنوات، وقدّمت لها وثائق قانونية ساعدتها على تأسيس شركات في ملاذات أوفشور. وقال ممثل الشركة في رسالة إلكترونية إلى “إل بايس” و ICIJ إن برونو “أوقفت تعاملها مع مكتبنا قبل سنوات عدة، ولا توجد لدينا أي وثائق تتعلق بها في سجلاتنا”.

انفصل تامبوريللو وبرونو خلال الأعوام الأربعة عشر التي أمضاها خلف القضبان. ومع ذلك، واصلت ثروتهما النمو.

أسست برونو شركة استثمارية مقرها بنما باسم Inversiones Oro Rey في عام 2002 للاحتفاظ بحصص في شركات تمتلك عقارات فاخرة على “كوستا ديل سول”، وهي منطقة ساحلية في شرق إسبانيا تُعرف باسم “فلوريدا أوروبا” لشواطئها الرملية ومدنها السياحية.

ثم أصبحت مقيمة في أندورا، وهي إمارة صغيرة شمال إسبانيا اشتهرت بعدم تعاونها مع السلطات الدولية، وفتحت حسابات مصرفية لها ولشركتها البنمية. وفي عام 2005، حوّلت برونو وابنها لوكا تامبوريللو، البالغ حينها 21 عاماً، نحو 2.6 مليون دولار من بنك في موناكو إلى Banca Privada d’Andorra، بحسب التحقيق الأخير. وفي تلك الفترة، أعلنت أنها أرملة ذات دخل سنوي لا يتجاوز قليلاً الـ2000 دولار.

خلال تلك السنوات، برز لوكا تامبوريللو، الذي يبلغ الآن 42 عاماً، بحسب ما خلص إليه المدعون، بوصفه القوة المحرِّكة الرئيسة في التعاملات المالية للعائلة، بعدما راكم خبرة كمحلل استثماري في مصارف خاصة مرموقة في لندن ونيويورك.

في عام 2015، صنّفت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCEN) المصرف الأندوري مؤسسة مالية “تثير قلقاً أساسياً” على صعيد غسل الأموال، بعدما خلصت إلى أن مديرين كباراً في البنك سهّلوا معاملات لصالح مجموعات جريمة منظمة روسية وصينية إضافة إلى أفراد فاسدين.

عندما أُغلق Banca Privada d’Andorra، نقلت برونو أموالها إلى مصرف محلّي آخر وإلى فرع أندوري سابق لمجموعة ساباديل، وهي واحدة من أكبر المجموعات المالية في إسبانيا. وفي بيان لشريك ICIJ الإعلامي “إل بايس”، قال متحدث باسم ساباديل، الذي باع الفرع في عام 2021، إن البنك يطبّق جميع إجراءات العناية الواجبة وفقاً للتشريعات المعمول بها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

في هذه الأثناء، تكشف السجلات المسرّبة أن مقدّم خدمات مالية كان يساعد برونو في إدارة الشركة البنمية Inversiones Oro Rey قد استقال من مهمته. ونظراً الى حاجتها لوكيل مُسجَّل جديد لشركتها، لجأت برونو إلى شركة المحاماة البنمية Alcogal بمساعدة مستشار مقيم في أندورا.

كشف تحقيق “وثائق باندورا” الذي أجراه الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) عام 2021، أن شركة Alcogal أنشأت أكثر من 200 شركة واجهة  في بنما وفي ولايات قضائية أخرى بطلب من Banca Privada d’Andorra، من بينها شركات استخدمت allegedly لتحويل أموال عامة في مخطط فساد فنزويلي.

تكشف رسائل إلكترونية مسرّبة أن موظفي Alcogal كانوا في البداية متشككين حيال قبول برونو كزبونة. فقد لاحظ أحدهم أن ممثلاً لها في البنك الأندوري كان قد تواصل مع شركة المحاماة قبل عامين، لكن إجراءات التسجيل توقفت عندما عجزت عن تقديم الوثائق المطلوبة.

وجاء في رسالة إلكترونية أرسلها ممثل البنك إلى Alcogal عام 2015: “هذه الشركة لا تملك محاسباً أو موثقاً أو محامياً”. وطلبت Alcogal أيضاً من برونو الإفصاح عن ملكية الأسهم لحاملها (bearer shares) الصادرة عن شركتها البنمية، لكنها قبلت بإقرار ذاتي عندما قالت إن الشهادات قد فُقدت.

وهذه الأسهم محظورة أو مقيّدة حالياً في معظم الولايات القضائية، إذ إن ملكيتها تعود الى الشخص الذي يحوز فعلياً شهادة السهم في لحظة معينة، ما يجعلها عرضة لسوء الاستخدام. وقد ذكرت برونو أن وظيفتها هي “مديرة أصول شخصية”، وأعلنت أن الشركة تعمل “على نطاق عالمي”، وأن مصدر الأموال هو “إرث”. ولا يتضح ما إذا كانت Alcogal قد طلبت أي إثبات لذلك. وتُظهر السجلات أن مصرفيي ساباديل  وشركة الاستشارات في ماربيا، التي عملت لصالحها منذ التسعينات، قدّموا لها رسائل تزكية.

وكتب مدير شركة الاستشارات في خطاب: “حتى اليوم، كانت العلاقة التجارية التي حافظت السيدة برونو عليها مع شركتنا مرضية، إذ جرت من دون أي حوادث، مع وفائها المستمر بالتزاماتها في ما يخص المدفوعات”.

وقد قبلت Alcogal شركة Inversiones Oro Rey كزبونة. واستعملت عائلة تامبوريللو هذه الشركة لامتلاك وإدارة عقارات في إسبانيا حتى عام 2019، حين أغلقتها، وفقاً للتحقيق الأخير.

وفي ردها على أسئلة ICIJ عام 2021، نفت Alcogal ارتكاب أي مخالفات، وقالت إنه “لم تكن لديها على الإطلاق أي أسباب تدعو الى الاشتباه في أن بنك BPA أندورا يقدّم خدمات مصرفية لعملاء مشتبه بهم”. 

الذهب والأسهم ومصرف لبناني

أُوقف جياكومو تامبوريللو مرة أخرى بتهمة الإتجار بالمخدرات عام 2019، لكن إدارة أصول العائلة استمرت في الازدهار.

أعادت شركة ابنه العقارية في ماربيا التسمية في عام 2020 بعدما أصبحت فرعاً مرخَّصاً لشركة Berkshire Hathaway HomeServices، وهي شركة لإدارة العقارات مرتبطة بإمبراطورية وارن بافيت ومقرها في أوماها بولاية نبراسكا. وقال إسرائيل كريبس، المتحدث باسم BHHS، لـ ICIJ إن الشركة “تفخر كثيراً بقيمة اسمها ولا تتسامح مع أي ارتباط بأنشطة مشبوهة”. وأضاف أن BHHS تتعاون مع السلطات وأنها أنهت أي علاقة تجارية مع لوكا تامبوريللو.

وفي عام 2021، استخدمت عائلة تامبوريللو شركتها في جزر كايمان، التي وصفها المحققون بأنها “خزنة”، لشراء حصة قدرها 3.5 في المئة، تبلغ قيمتها نحو 89 مليون دولار، في مصرف IBL Bank القائم في بيروت، من شركة مسجّلة في جزر فيرجن البريطانية، بحسب ما خلص إليه المدعون.

وضعتهم هذه الصفقة ضمن أكبر عشرة مساهمين في المصرف، وفقاً لتحليل ICIJ سجلات صادرة عن جمعية مصارف لبنان. ولا يزال من غير الواضح من يملك شركة جزر فيرجن البريطانية التي باعت الحصة في المصرف اللبناني ذي الروابط السياسية. ولم يرد IBL على طلبات التعليق التي وجّهها إليه شريك ICIJ الإعلامي “درج”.

في العام الماضي، وبينما كان جياكومو تامبوريللو لا يزال يمضي عقوبة بالسجن لمدة 12 عاماً، نصحه موظف في بنك خاص في موناكو بكيفية بيع 36 رطلاً من الذهب، بقيمة تقارب الـ1.1 مليون دولار، وتحويل العائدات إلى البنك. في مكالمة هاتفية سجّلتها جهات إنفاذ القانون، أبلغ تامبوريللو المصرفي أن والدته نقلت السبائك الذهبية فعلياً من سويسرا إلى لوكسمبورغ قبل سنوات. وأشار المصرفي إلى أنه، طوال مسيرته المهنية، لم يسمع قط بقصة مماثلة، واصفاً إياها بأنها تصلح لمشهد سينمائي. ولم يرد بنك موناكو على طلبات التعليق المرسلة من ICIJ.

بدأت إمبراطورية عائلة تامبوريللو في الانهيار عام 2023، عندما بدأت السلطات في أندورا تشكّ في ثروة برونو البالغة 20 مليون دولار وهي تعبر حساباتها المصرفية المحلية. ثم في العام الماضي، وفّرت مكالمة التُقطت عبر التنصت بين لوكا تامبوريللو وموظف في بنك إسباني أدلة حاسمة للمدعين الإيطاليين تربط ثروة العائلة بوالده. وعندما سُئل عن عمل والدته ومصدر دخلها، قال لوكا تامبوريللو للمصرفي إنها متقاعدة ورثت بعض المال من زوجها السابق.

في تلك المرحلة، تبيّن للمدعين أن لوكا تامبوريللو كان يخطط للانتقال إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث تتردد السلطات في التعاون مع الهيئات الأجنبية وتُعد ضوابط مكافحة غسل الأموال متساهلة.

وبحسب ريكاردي، خبير غسل الأموال، فإن انتقال المشتبه بهم بين الولايات القضائية عندما يشعرون بأن قبضة أجهزة إنفاذ القانون تقترب منهم، هو أمر شائع.

وقال ريكاردي إن السبيل الوحيد لمنع الجريمة المنظمة من استغلال النظام المالي هو وضع قواعد موحّدة عبر جميع الولايات القضائية، “ليس داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، بل خارجه أيضاً”.

المساهمون في إعداد التحقيق: باولو بيونداني وغلوريا ريڤا وليو سيستي (L’Espresso)، دانييلي غراسّو (El País)، وهلا نصرالدين (درج).

17.07.2026
زمن القراءة: 8 minutes

تكشف سجلات مسرّبة من “وثائق باندورا” أن عائلة تامبوريللو، التي تواجه حالياً الملاحقة القضائية في إيطاليا، راكمت سبائك ذهب وعقارات فاخرة وحصة بقيمة 89 مليون دولار في أحد البنوك، بمساعدة ممولين ومحامين.

شيلا أليتشي

على مدى أكثر من 30 عاماً، اعتمدت الزوجة السابقة العاطلة من العمل والابن الطموح لتاجر المخدرات الإيطالي جياكومو تامبوريللو على شبكة دولية من المصرفيين والمحامين والوسطاء لتكوين ثروة بلغت 230 مليون دولار وإخفائها عن السلطات، بحسب المدّعين العامين الإيطاليين.

وقد أدى التحقيق الأخير، الذي تصدّر عناوين الصحف الدولية بسبب الروابط المزعومة لعائلة تامبوريللو مع إحدى أقوى عشائر المافيا في إيطاليا، إلى اعتقال الثلاثة في أيار/ مايو، ومصادرة أصول موزّعة عبر تسع ولايات قضائية.

وخلص المدعون إلى أن تامبوريللو جنى ملايين الدولارات أساساً من تجارة الحشيش غير المشروعة القادمة من المغرب، وكان يشارك 10 في المئة من العائدات مع ماتيو ميسينا دينارو، أحد أخطر زعماء المافيا حتى اعتقاله ووفاته في عام 2023. وابتداءً من ثمانينات القرن الماضي، غسل تامبوريللو هذه الأموال بمساعدة زوجته آنذاك ماريا أنتونينا برونو، ولاحقاً ابنهما لوكا تامبوريللو، الذي درس المصارف والتمويل الدولي في مدارس إدارة أعمال أوروبية مرموقة.

“تمثل هذه العملية نتيجة ذات أهمية استثنائية في مكافحة الجريمة المنظمة والشبكات المالية التي يغذيها الإتجار بالمخدرات وغسل الأموال عبر الحدود”، قالت كيارا كولوسيمو، رئيسة لجنة مكافحة المافيا في البرلمان، في تصريح لوسائل إعلام إيطالية.

وتبدو الوثيقة القضائية المؤلفة من 327 صفحة، التي تطالب بتوقيف المتهمين وتجميد أصولهم، كأنها دليل إرشادي حول كيفية، وأين، إخفاء الأموال غير المشروعة وغسلها المزعوم. وعلى مر السنوات، نمت هذه الثروة لتشمل:

● 36 رطلاً من الذهب في خزائن أحد المصارف السويسرية.
● سيارة بورشه كاريرا، ولاند روفر ديفندر، وثلاث سيارات أصغر، وسكوتر كبير.
● نحو عشرين عقاراً، بينها شقة في غرب صقلية وفيلات وعقارات تجارية على الساحل الجنوبي لإسبانيا (كوستا ديل سول).
● شركات واجهة في ملاذات السرية مثل بنما وجبل طارق وجزر كايمان.
● 50 حساباً في نحو اثنتي عشرة مؤسسة مالية أوروبية، بما في ذلك في الملاذات الضريبية لوكسمبورغ وموناكو وأندورا.
● حصصاً في مصرف لبناني بقيمة 89 مليون دولار.
● استثمارات في بيتكوين وعملات مشفّرة أخرى.

وتسلّط هذه القضية البارزة الضوء على الجانب المظلم من النظام المالي العالمي، الذي لطالما أتاح للمجرمين مراكمة الثروات عبر تحدّي القواعد الدولية المصمّمة لمنع الجرائم المالية.

تكشف سجلات مسرّبة حصل عليها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) في إطار تحقيق وثائق باندورا لعام 2021، عن معطيات جديدة بشأن الدور الذي أدّاه مقدّمو الخدمات المالية العاملون لصالح عائلة تامبوريللو في بنما وأندورا وإسبانيا. وتُظهر هذه السجلات كيف سهّل هؤلاء المهنيون استثمارات العائلة المربحة، في حين نادراً ما طرحوا تساؤلات حول مصدر أموالها.

يقضي جياكومو تامبوريللو حالياً عقوبة بالسجن في إيطاليا. أما برونو ولوكا تامبوريللو فيوجدان في إسبانيا وقد تقدّما باستئناف ضد طلب تسليمهما من قبل السلطات الإيطالية. ومن خلال محاميهما، نفت برونو وابنها ارتكاب أي مخالفات، وأبلغا شريك ICIJ الإعلامي L’Espresso أن الأصول المصادَرة هي نتيجة استثمارات ناجحة وليست مرتبطة بأنشطة زوجها السابق. وأضافا أن “قرار إيداع عائدات بعض الاستثمارات في الخارج… لا يعكس بأي شكل من الأشكال نية لإخفاء الأموال”.

وقال ميكيلي ريكاردي، الخبير في الجريمة المنظمة وغسل الأموال، لـ ICIJ إن عائلة تامبوريللو أدارت ثروتها على غرار مكتب عائلي تقليدي، مستفيدة من “مزيج من التواطؤ وانعدام الوعي التام” لدى بعض مقدّمي الخدمات المالية. وأضاف أن العائلة اختارت غالباً بنوكاً في ولايات قضائية تقع خارج أنظمة مكافحة غسل الأموال الأوروبية، واستثمرت بكثافة في قطاع العقارات ضعيف التنظيم.

وقال ريكاردي، نائب مدير مركز Transcrime البحثي في الجامعة الكاثوليكية للقلب المقدس في ميلانو، “لم أتفاجأ عندما رأيت كل ولاية قضائية تُساءُ معاملتها على نحو يتوافق تماماً مع مكامن ضعفها”. وأضاف أنه بالنسبة الى مافيات إيطاليا، لا تزال العائلة “أكثر وحدة اجتماعية قائمة على الثقة”. “وهو أسهل بكثير من التعامل مع بنك يضم أشخاصاً غير معروفين”.

إنذار تلو الآخر

بعد فشله كتاجر ملابس، بدأ جياكومو تامبوريللو يصنع لنفسه اسماً في عالم الإتجار بالمخدرات عام 1983، عندما انضم إلى منظمة إجرامية كانت تهرّب الكوكايين والهيروين والحشيش إلى إيطاليا عبر إسبانيا وسويسرا.

وبحلول تسعينات القرن الماضي، أصبح مطلوباً للعدالة. وبينما كان يتوارى عن الأنظار، تولّت زوجته دور وكيلته المالية، فأنشأت شركات واجهة في جبل طارق، وفتحت حسابات مصرفية في موناكو، واستحوذت على عقارات في إسبانيا.

حتى بعد توقيف تامبوريللو للمرة الأولى عام 1994 بتهم الإتجار بالمخدرات وجرائم أخرى، استطاعت العائلة الاعتماد على محترفين ميسّرين لمضاعفة أصولها.

تُظهر سجلات “وثائق باندورا” المسرّبة أن ماريا أنتونينا برونو أصبحت في العام نفسه الذي أُوقف فيه زوجها زبونة لدى شركة Gestoria Pascual، وهي شركة استشارات في ماربيا ظلّت إلى جانبها لسنوات، وقدّمت لها وثائق قانونية ساعدتها على تأسيس شركات في ملاذات أوفشور. وقال ممثل الشركة في رسالة إلكترونية إلى “إل بايس” و ICIJ إن برونو “أوقفت تعاملها مع مكتبنا قبل سنوات عدة، ولا توجد لدينا أي وثائق تتعلق بها في سجلاتنا”.

انفصل تامبوريللو وبرونو خلال الأعوام الأربعة عشر التي أمضاها خلف القضبان. ومع ذلك، واصلت ثروتهما النمو.

أسست برونو شركة استثمارية مقرها بنما باسم Inversiones Oro Rey في عام 2002 للاحتفاظ بحصص في شركات تمتلك عقارات فاخرة على “كوستا ديل سول”، وهي منطقة ساحلية في شرق إسبانيا تُعرف باسم “فلوريدا أوروبا” لشواطئها الرملية ومدنها السياحية.

ثم أصبحت مقيمة في أندورا، وهي إمارة صغيرة شمال إسبانيا اشتهرت بعدم تعاونها مع السلطات الدولية، وفتحت حسابات مصرفية لها ولشركتها البنمية. وفي عام 2005، حوّلت برونو وابنها لوكا تامبوريللو، البالغ حينها 21 عاماً، نحو 2.6 مليون دولار من بنك في موناكو إلى Banca Privada d’Andorra، بحسب التحقيق الأخير. وفي تلك الفترة، أعلنت أنها أرملة ذات دخل سنوي لا يتجاوز قليلاً الـ2000 دولار.

خلال تلك السنوات، برز لوكا تامبوريللو، الذي يبلغ الآن 42 عاماً، بحسب ما خلص إليه المدعون، بوصفه القوة المحرِّكة الرئيسة في التعاملات المالية للعائلة، بعدما راكم خبرة كمحلل استثماري في مصارف خاصة مرموقة في لندن ونيويورك.

في عام 2015، صنّفت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCEN) المصرف الأندوري مؤسسة مالية “تثير قلقاً أساسياً” على صعيد غسل الأموال، بعدما خلصت إلى أن مديرين كباراً في البنك سهّلوا معاملات لصالح مجموعات جريمة منظمة روسية وصينية إضافة إلى أفراد فاسدين.

عندما أُغلق Banca Privada d’Andorra، نقلت برونو أموالها إلى مصرف محلّي آخر وإلى فرع أندوري سابق لمجموعة ساباديل، وهي واحدة من أكبر المجموعات المالية في إسبانيا. وفي بيان لشريك ICIJ الإعلامي “إل بايس”، قال متحدث باسم ساباديل، الذي باع الفرع في عام 2021، إن البنك يطبّق جميع إجراءات العناية الواجبة وفقاً للتشريعات المعمول بها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

في هذه الأثناء، تكشف السجلات المسرّبة أن مقدّم خدمات مالية كان يساعد برونو في إدارة الشركة البنمية Inversiones Oro Rey قد استقال من مهمته. ونظراً الى حاجتها لوكيل مُسجَّل جديد لشركتها، لجأت برونو إلى شركة المحاماة البنمية Alcogal بمساعدة مستشار مقيم في أندورا.

كشف تحقيق “وثائق باندورا” الذي أجراه الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) عام 2021، أن شركة Alcogal أنشأت أكثر من 200 شركة واجهة  في بنما وفي ولايات قضائية أخرى بطلب من Banca Privada d’Andorra، من بينها شركات استخدمت allegedly لتحويل أموال عامة في مخطط فساد فنزويلي.

تكشف رسائل إلكترونية مسرّبة أن موظفي Alcogal كانوا في البداية متشككين حيال قبول برونو كزبونة. فقد لاحظ أحدهم أن ممثلاً لها في البنك الأندوري كان قد تواصل مع شركة المحاماة قبل عامين، لكن إجراءات التسجيل توقفت عندما عجزت عن تقديم الوثائق المطلوبة.

وجاء في رسالة إلكترونية أرسلها ممثل البنك إلى Alcogal عام 2015: “هذه الشركة لا تملك محاسباً أو موثقاً أو محامياً”. وطلبت Alcogal أيضاً من برونو الإفصاح عن ملكية الأسهم لحاملها (bearer shares) الصادرة عن شركتها البنمية، لكنها قبلت بإقرار ذاتي عندما قالت إن الشهادات قد فُقدت.

وهذه الأسهم محظورة أو مقيّدة حالياً في معظم الولايات القضائية، إذ إن ملكيتها تعود الى الشخص الذي يحوز فعلياً شهادة السهم في لحظة معينة، ما يجعلها عرضة لسوء الاستخدام. وقد ذكرت برونو أن وظيفتها هي “مديرة أصول شخصية”، وأعلنت أن الشركة تعمل “على نطاق عالمي”، وأن مصدر الأموال هو “إرث”. ولا يتضح ما إذا كانت Alcogal قد طلبت أي إثبات لذلك. وتُظهر السجلات أن مصرفيي ساباديل  وشركة الاستشارات في ماربيا، التي عملت لصالحها منذ التسعينات، قدّموا لها رسائل تزكية.

وكتب مدير شركة الاستشارات في خطاب: “حتى اليوم، كانت العلاقة التجارية التي حافظت السيدة برونو عليها مع شركتنا مرضية، إذ جرت من دون أي حوادث، مع وفائها المستمر بالتزاماتها في ما يخص المدفوعات”.

وقد قبلت Alcogal شركة Inversiones Oro Rey كزبونة. واستعملت عائلة تامبوريللو هذه الشركة لامتلاك وإدارة عقارات في إسبانيا حتى عام 2019، حين أغلقتها، وفقاً للتحقيق الأخير.

وفي ردها على أسئلة ICIJ عام 2021، نفت Alcogal ارتكاب أي مخالفات، وقالت إنه “لم تكن لديها على الإطلاق أي أسباب تدعو الى الاشتباه في أن بنك BPA أندورا يقدّم خدمات مصرفية لعملاء مشتبه بهم”. 

الذهب والأسهم ومصرف لبناني

أُوقف جياكومو تامبوريللو مرة أخرى بتهمة الإتجار بالمخدرات عام 2019، لكن إدارة أصول العائلة استمرت في الازدهار.

أعادت شركة ابنه العقارية في ماربيا التسمية في عام 2020 بعدما أصبحت فرعاً مرخَّصاً لشركة Berkshire Hathaway HomeServices، وهي شركة لإدارة العقارات مرتبطة بإمبراطورية وارن بافيت ومقرها في أوماها بولاية نبراسكا. وقال إسرائيل كريبس، المتحدث باسم BHHS، لـ ICIJ إن الشركة “تفخر كثيراً بقيمة اسمها ولا تتسامح مع أي ارتباط بأنشطة مشبوهة”. وأضاف أن BHHS تتعاون مع السلطات وأنها أنهت أي علاقة تجارية مع لوكا تامبوريللو.

وفي عام 2021، استخدمت عائلة تامبوريللو شركتها في جزر كايمان، التي وصفها المحققون بأنها “خزنة”، لشراء حصة قدرها 3.5 في المئة، تبلغ قيمتها نحو 89 مليون دولار، في مصرف IBL Bank القائم في بيروت، من شركة مسجّلة في جزر فيرجن البريطانية، بحسب ما خلص إليه المدعون.

وضعتهم هذه الصفقة ضمن أكبر عشرة مساهمين في المصرف، وفقاً لتحليل ICIJ سجلات صادرة عن جمعية مصارف لبنان. ولا يزال من غير الواضح من يملك شركة جزر فيرجن البريطانية التي باعت الحصة في المصرف اللبناني ذي الروابط السياسية. ولم يرد IBL على طلبات التعليق التي وجّهها إليه شريك ICIJ الإعلامي “درج”.

في العام الماضي، وبينما كان جياكومو تامبوريللو لا يزال يمضي عقوبة بالسجن لمدة 12 عاماً، نصحه موظف في بنك خاص في موناكو بكيفية بيع 36 رطلاً من الذهب، بقيمة تقارب الـ1.1 مليون دولار، وتحويل العائدات إلى البنك. في مكالمة هاتفية سجّلتها جهات إنفاذ القانون، أبلغ تامبوريللو المصرفي أن والدته نقلت السبائك الذهبية فعلياً من سويسرا إلى لوكسمبورغ قبل سنوات. وأشار المصرفي إلى أنه، طوال مسيرته المهنية، لم يسمع قط بقصة مماثلة، واصفاً إياها بأنها تصلح لمشهد سينمائي. ولم يرد بنك موناكو على طلبات التعليق المرسلة من ICIJ.

بدأت إمبراطورية عائلة تامبوريللو في الانهيار عام 2023، عندما بدأت السلطات في أندورا تشكّ في ثروة برونو البالغة 20 مليون دولار وهي تعبر حساباتها المصرفية المحلية. ثم في العام الماضي، وفّرت مكالمة التُقطت عبر التنصت بين لوكا تامبوريللو وموظف في بنك إسباني أدلة حاسمة للمدعين الإيطاليين تربط ثروة العائلة بوالده. وعندما سُئل عن عمل والدته ومصدر دخلها، قال لوكا تامبوريللو للمصرفي إنها متقاعدة ورثت بعض المال من زوجها السابق.

في تلك المرحلة، تبيّن للمدعين أن لوكا تامبوريللو كان يخطط للانتقال إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث تتردد السلطات في التعاون مع الهيئات الأجنبية وتُعد ضوابط مكافحة غسل الأموال متساهلة.

وبحسب ريكاردي، خبير غسل الأموال، فإن انتقال المشتبه بهم بين الولايات القضائية عندما يشعرون بأن قبضة أجهزة إنفاذ القانون تقترب منهم، هو أمر شائع.

وقال ريكاردي إن السبيل الوحيد لمنع الجريمة المنظمة من استغلال النظام المالي هو وضع قواعد موحّدة عبر جميع الولايات القضائية، “ليس داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، بل خارجه أيضاً”.

المساهمون في إعداد التحقيق: باولو بيونداني وغلوريا ريڤا وليو سيستي (L’Espresso)، دانييلي غراسّو (El País)، وهلا نصرالدين (درج).

17.07.2026
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية