ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف صنع محمود سعد أسطورة ضياء العوضي و”قتل” الثقة في الطبّ!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ضياء العوضي ليس الضيف الإشكالي الوحيد في تاريخ محمود سعد، هو الأحدث، وربما الأخطر، لكنّه ليس فريداً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في أيّار/ مايو 2025، شاهدت الصيدلانية شيماء مسعد البديوي (في بداية الأربعينيات من عمرها ومقيمة في الإسكندرية) حلقة على يوتيوب، وكانت تخضع لعلاج من الذئبة الحمراء بالكورتيزون ومثبّطات المناعة بدأته في 2018، مع متابعة دورية كلّ ثلاثة أشهر لفحوصات الدم وتعديل الجرعات. 

في آخر فحص أجرته قبل مشاهدة الفيديو، سجّل مستوى الهيموغلوبين لديها 11، وكرات الدم البيضاء 4 آلاف، والصفائح 154 ألفاً، وهي أرقام تسمح بحياة شبه طبيعية، لكنّ ثماني سنوات من الكورتيزون تترك أثراً واضحاً على الوجه، والمزاج، والصبر.

الحلقة كانت من برنامج “باب الخلق” الذي يقدّمه الإعلامي الشهير، وكان ضيفه الدكتور ضياء الدين العوضي، الذي سُجلت الحلقة معه في عام 2023. شرح العوضي وهو أستاذ مساعد سابق في قسم التخدير والعناية المركّزة وعلاج الألم في جامعة عين شمس نظامه المعروف باسم “الطيبات”: تقسيم الطعام إلى طيّب وخبيث، التخلّي عن الكورتيزون والأنسولين لمن يستطيع، الصيام، والثقة بقدرة الجسد على الشفاء.

اقتنعت شيماء، وذهبت إلى عيادة العوضي في شارع النزهة في مدينة نصر، دفعت 4000 جنيه للكشف، وتابعت أونلاين. أوقفت الكورتيزون ومثبّطات المناعة دون إخبار زوجها الصيدلي محمود البريدي، الذي كان يعمل في الولايات المتّحدة، والذي حذّرها سابقاً من عدم دقّة كلام العوضي علمياً، لكنّها لم تجادل.

بعد أسبوع، بدأ النزيف. أرسلت رسائل إلى العوضي، الذي كان يردّ كل يومين أو ثلاثة، مُلقياً اللوم على أكلها الجبن أو القمح. في آب/ أغسطس 2025، نُقلت إلى مستشفى في الإسكندرية، وفشل الأطبّاء في إيقاف النزيف، وتوفّيت قبل وصول زوجها من أميركا.

ثمانية أشهر بعد ذلك، توفّي العوضي نفسه في غرفة فندق في دبي بجلطة قلبية مفاجئة عن 47 عاماً، بعد نحو 40 يوماً من قرار نقابة الأطبّاء العامّة إسقاط عضويته كاستشاري تخدير وعناية مركزة وعلاج ألم في 10 آذار/ مارس 2026؛ الرجل الذي وعد أتباعه بحياة خالية من الأدوية لثلاثين سنة، لم يحفظ قلبه شهراً واحداً.

ظهر الزوج علناً نهاية نيسان/ أبريل 2026 (في 28 منه تحديداً في مقابلة مع القاهرة 24)، راوياً تفاصيل الشهادة على فيسبوك ووسائل إعلامية. مرّت أسابيع، ثم في 3 أيّار/ مايو 2026، أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراره بمنع نشر أو تداول أيّ محتوى صادر عن العوضي. في اليوم نفسه تلقّى الإعلامي محمود سعد اتّصالاً من الأمين العامّ للمجلس المستشار ياسر معبدي، وحُذفت الحلقة من يوتيوب.

لكنّ الحلقة بقيت شهادة حيّة على مخاطر الوعود الطبّية غير المدعومة علمياً، والإعلام المسؤول عن الترويج لها.


ما الذي عرفه محمود سعد… أو تجاهل التحقّق منه؟

في آذار/ مارس 2023، أنهت جامعة عين شمس عمل الدكتور ضياء العوضي مدرّس التخدير والعناية المركزة، بعد إحالته إلى مجلس تأديب بسبب ما يقدّمه من أفكار علاجية تحت مسمّى “نظام الطيّبات”. أمرت النقابة بإغلاق عيادته، وحين تحدّى القرار وأعاد فتحها، حذّرته وزارة الصحّة. حدث كل هذا قبل ستّة أشهر من اللحظة التي جلس فيها العوضي أمام محمود سعد، الذي أكّد لاحقاً أن الحلقة سُجّلت في أيلول/ سبتمبر 2023، أي بعد فصل الضيف من جامعته بستّة أشهر، وبعد إغلاق عيادته بالقرار الإداري، وبعد تحذير وزارة الصحّة له. 

في دفاع محمود سعد الأوّل عن نفسه، قبل أن يحذف الحلقة، استند إلى لقب الضيف، قال إن أمامه “أستاذ مساعد، مش واحد جاي من أي حتة”، اللقب كان قد سقط فعلاً قبل أن يتلفّظ به، لكن الإعلامي لم يتحقّق، ولم يتحقّق فريق إعداد البرنامج، ولم تتحقّق القناة. 

النقابة العامّة لأطبّاء مصر شطبته نهائياً في 17 شباط/ فبراير 2026، وقال عضو مجلس النقابة الدكتور شادي صفوت إن كلام العوضي تسبّب في مشاكل لبعض المرضى، وفي وفاة سيّدة بعد منعها من الأدوية، وإن منع طفل من الأنسولين جُرم. في 10 آذار/ مارس 2026، أصدرت وزارة الصحّة قرار الغلق الإداري رقم 256 لعيادته، وألغت ترخيص مزاولة المهنة. بعد ذلك بأسابيع، وفي 3 أيّار/ مايو 2026، صدر قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحظر تداول أيّ محتوى منسوب إلى الراحل، ثم حُذفت الحلقة من يوتيوب استجابة لهذا القرار.

الحذف وقع تحت ضغط قانوني، لا أخلاقي. هذا ما تقوله رسالة سعد على فيسبوك؛ كتب أنه استجاب لاتّصال من الأمين العامّ للمجلس الأعلى، التزاماً بقرار يمنع نشر أو تداول أيّ مقاطع للعوضي. لو لم يحدث الاتّصال، لو لم يصدر القرار، لكان الفيديو على الأرجح ما زال يحقّق المشاهدات. 

أسرة الراحلة، التي طالبت بالحذف مع انتشار قصّتها في أواخر نيسان/ أبريل 2026، لم تكن سبباً كافياً، الناقدون من زملاء المهنة، الذين طالبوا بالحذف منذ أواخر 2025، لم يكونوا سبباً كافياً، القرار الإداري كان سبباً كافياً.

ثم جاءت الموجة الثانية من الدفاع. نشر سعد فيديو قديماً من 21 أيلول/ سبتمبر 2023، يقول فيه إن إيقاف الأدوية في منتهى الخطورة، ولا يمكن مطالبة أيّ مريض بالاكتفاء بالنظام الغذائي دون دراسات مكتملة، وقال إن نقاشاً دار بينه وبين العوضي بعد التصوير، طلب فيه أبحاثاً علمية، فردّ الضيف بأن أدلّته هي تجاربه على المرضى. 

ما ينقص ذلك الدفاع أنه لا يُجيب عن سؤال واحد: لماذا لم تُذكر للجمهور تلك المعلومات؟ إذا كان سعد قد عرف بعد التصوير أن ضيفه يُجري تجاربه على بشر، ولا يقدّم أدلّة علمية، فلماذا أذاع الحلقة؟ ولماذا تركها تحقّق ملايين المشاهدات لما يقرب من عامين ونصف العام؟ ولماذا حتى في فيديو 21 أيلول/ سبتمبر التحذيري، لم يقل صراحة للجمهور إن الضيف الذي شاهدوه قبل أيّام طبيب مفصول من الجامعة ومحلّ قرارات مهنية متتابعة؟

رغم المطالبات بحذف الفيديو وتقديم اعتذار للجمهور، لحماية المجتمع من التضليل الطبّي، سعد لم يفعل أيّاً من هذا، حذف الفيديو فقط حين جاء الاتّصال.


ضيوف محمود سعد: تاريخ طويل من تطبيع الكلام غير العلمي

ضياء العوضي ليس الضيف الإشكالي الوحيد في تاريخ محمود سعد، هو الأحدث، وربما الأخطر، لكنّه ليس فريداً.

في 21 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018، استضاف “باب الخلق” الدكتور وسيم السيسي، الذي يقدّم نفسه باحثاً في علم المصريات، وفي 1 آذار/ مارس 2019، عاد ضيفاً ليكشف “المسكوت عنه في التاريخ”، وفي 22 شباط/ فبراير من العام نفسه سجّل حلقة أخرى، قبل ذلك بسنوات، في كانون الثاني/ يناير 2015، استضافه سعد في “آخر النهار”، وفي آب/ أغسطس 2025، حلقة جديدة بعنوان “أسرار حياة الدكتور وسيم السيسي”، وفي الشهر نفسه حلقة عن نوستراداموس ونبوءاته.

عشر سنوات، حلقات متكرّرة، والسؤال: من هو وسيم السيسي فعلاً؟

قال وسيم السيسي في جلسة نقاشية على قناة “صدى البلد” جمعته بزاهي حواس وعدد من المتخصّصين في علم المصريات، إنه طبيب جرّاح في المسالك البولية، وإن قدّمته مذيعة ذات مرّة باعتباره عالم مصريات، فهو يرفض ذلك، ويصف نفسه بـ”عاشق المصريات” أو “باحث”. 

هذا الإقرار، حين يُقال أمام علماء آثار حقيقيين، يبدو محتشماً، لكنّ السيسي على شاشات أخرى لا يفعل هذا. جادل في تلك الجلسة أن الأهرامات كانت تُستخدم في توليد الطاقة، فردّ حواس بأن هذه “تهيّؤات تفتقر إلى الأدلّة”، وما يُروى من روايات حول الأهرامات “خزعبلات”، فيما نفى ممدوح الدماطي عالم الآثار ووزير الآثار المصري الأسبق تماماً الادّعاءات غير المستندة إلى حفريات أو وثائق تاريخية.

هذا هو الضيف الذي جلس على كرسي “باب الخلق” مرّات لا تُحصى عبر عقد كامل، وهذه هي الادّعاءات التي تجد طريقها إلى ملايين المشاهدين، تحت غطاء التوقير الذي يفرضه محمود سعد على كل ضيف يدعوه. الإعلامي لا يجادل، لا يُحضر معارضاً، لا يطلب مرجعاً، يستمع، يومئ، يقول “عظيم”.

في السياق نفسه، تكرّر الأمر مع الطبيب حسام موافي، لكنّ قصته أعقد قليلاً، وأهل للأمانة في المعالجة. موافي، على عكس العوضي والسيسي، أستاذ حقيقي في أمراض الباطنة والحالات الحرجة في كليّة الطبّ في القصر العيني في جامعة القاهرة، له سيرة أكاديمية معتبرة تمتدّ على أربعة عقود، لم يُشطب، ليس متّهماً بالاحتيال، وحذّر مراراً من تناول الأدوية دون استشارة، ونفى أن يكون قد روّج لعلاج بالأعشاب، هذا كله صحيح، وهذا كله لا يلغي السؤال.

قال موافي في برنامجه “ربّي زدني علماً” على قناة “صدى البلد” إن الشخص المؤمن والقريب من ربّه لا يُصاب بالأمراض النفسية، ردّ أطبّاء نفسيون مصريون بأن هذا الكلام لا يعترف به الطبّ النفسي في الأكاديميات العالمية، لأن كثيرين يذهبون إلى المساجد والكنائس ويُصابون بأمراض نفسية، وأن  الطبّ الحديث قائم على الدليل، ولا يجوز الربط بين الدين الثابت والعلم المتغيّر، وأن ما قاله موافي عن علاج الصداع النصفي بالاعتكاف وعلاج الجلطة بالصلاة لا يمتّ للعلم بأيّ صلة.

الفارق بين موافي والعوضي ليس في النيّة، بل في المستوى. العوضي قال للمرضى: أَوقفوا الأدوية، موافي قال للمرضى إن الإيمان يحميكم من المرض النفسي. الأوّل قتل، الثاني روّج عقيدة طبّية تجعل المريض النفسي يخجل من مرضه، فيتأخّر في العلاج، فتتعقّد حالته…

محمود سعد لم يكن هو الذي صنع موافي، الفضل في ذلك لقناة “صدى البلد” ولرجل الأعمال محمّد أبو العينين. لكنّ سعد ضمن نمط إعلامي أكبر، نمط مصري تحديداً، يُعطي للطبيب الذي يخلط الدين بالطبّ منبراً أعلى من الطبيب الذي يُلزم نفسه بالدليل العلمي. النمط هو ما نتحدّث عنه، المنبر هو ما نتحدّث عنه، الكاميرا التي تجعل قول الواحد قولاً ميموناً، لمجرّد أنه قاله أمامها.

أوبرا وينفري… كيف صُنِع دكتور أوز ورفاقه على الشاشة

كل هذا له تاريخ، لم يخترعه محمود سعد أو الإعلام المصري، لكن ربما تكون الإعلامية الأشهر أوبرا وينفري، من استضافة من لا يملكون أسساً علمية لأحاديثهم وجعله نموذجاً يحتذى به، إذ حظيت وينفري بنفوذ لا ينكَر، ملايين المشاهدين تابعوها يومياً ولسنوات، مع مجلّة شهرية تحمل صورتها على غلافها  (“O, The Oprah Magazine”)، قناة كابل تحمل اسمها (OWN)، ومحطّة راديو فضائي (Oprah & Friends على راديو الأقمار الصناعية)، منحت في أوقات كثيرة، منبراً لمن يروّجون لعلاجات طبّية ونصائح صحّية لا تستند إلى دليل قوي.

من أبرز هؤلاء الدكتور محمّد (Mehmet) أوز، الجرّاح التركي الأميركي المتخصّص في جراحة القلب والصدر، الذي صنعت منه وينفري ظاهرة تلفزيونية. أصبح أوز في النهاية موضع هجوم واسع في الأوساط الطبّية بسبب تأييده علاجات غير علمية، من بينها استخدام مستخلص حبوب القهوة الخضراء كوسيلة سريعة لإنقاص الوزن، الذي روّج له أيضاً ضيف متكرّر اسمه ليندسي دنكان، كانت له فيه مصلحة مالية مباشرة. لاحقاً، أجبرته لجنة التجارة الفيدرالية في الولايات المتّحدة على دفع تسوية تقارب تسعة ملايين دولار، لتعويض المستهلكين الذين اشتروا المنتج بناءً على دعايته المضلّلة.

في 2014، نشر فريق من الباحثين في المجلّة الطبّية البريطانية BMJ دراسة حلّلوا فيها توصيات صحّية من برنامجي The Dr. Oz Show وThe Doctors. اختاروا عشوائياً 80 توصية من كل برنامج. بالنسبة إلى الدكتور أوز تحديداً، وجدوا أن الأدلّة المتاحة تدعم 46% فقط من التوصيات، وتناقض 15% منها، فيما لم يُعثر على أيّ دليل لـ39%، ولم تتجاوز التوصيات المدعومة بأدلّة “مصدّقة أو شبه مصدّقة” ثلث ما يقدّمه. أقلّ من النصف مدعوم بأدلّة واضحة، في برنامج صحّي يُتابعه ملايين.

أطلقت وينفري أيضاً المسيرة التلفزيونية لفيليب “دكتور فيل” ماكغرو، الذي صار لاحقاً من أعلى مقدّمي البرامج النهارية أجراً في التلفزيون الأميركي. وفي 2017، كشفت تحقيقات مشتركة لموقع STAT المتخصّص في الصحافة الصحّية، وصحيفة “بوسطن غلوب”، أن بعض ضيوف برنامج “Dr. Phil” — خصوصاً المدمنين — تعرّضوا لممارسات قد تكون عرّضت صحّتهم للخطر، في سعي البرنامج إلى صناعة لحظات درامية تحصد نسب مشاهدة أعلى.

أما جيني مكارثي، الممثّلة التي صارت من أبرز الوجوه المناهضة للتطعيم، فقد دخلت هي الأخرى في مدار وينفري. في 2009، وقّعت مكارثي عقد تطوير مع شركة “هاربو برودكشنز” المملوكة لوينفري، لتقديم مشروعات متعدّدة المنصّات، من بينها برنامج حواري مزمَع ومدوّنة على موقع Oprah.com. بالتوازي، كانت مكارثي تروّج لخطاب يربط بين اللقاحات و مرض التوحّد، على الرغم من إجماع علمي واسع ينفي هذه المزاعم.

روجت وينفري كذلك لكتاب “The Secret” لروندا بايرن، الذي بنى نجاحه على ما يسمّى “قانون الجذب”: فكرة أن التفكير الإيجابي يغيّر الكون ويجلب ما تريد، وأن الأفكار السلبية تجلب المرض والفقر. انتقدت مقالات وتحليلات عديدة هذا الخطاب بوصفه خلطة من كليشيهات المساعدة الذاتية ووعود شبه سحرية، لكنّ ظهور الكتاب في أكثر من حلقة من برنامج وينفري، منح هذا التصوّر قدراً من الشرعية والتأثير لا يتناسب مع هشاشته المعرفية.

منبر أوبرا وينفري الإعلامي أطلق مسيرات ترتبط بالعلم الزائف، وهو ما يجده الناس جذّاباً، ليس بسبب غبائهم، لكن أيضاً لارتيابهم من الرعاية الصحّية المؤسّسية وشركات الأدوية، وأيضاً لأنه يبحث عن قصّة أسهل، يحمل وعدا أن المرض أو استخدام الدواء ليس حتمياً.
رغم أن محمود سعد ليس وراءه إمبراطورية إنتاج ضخمة كأوبرا وينفري، لكنّه في حدود مساحته، له تأثيره الذي لا يُنكَر.

في ردّ سعد الأخير؛ قال إن استضافة العوضي كانت لمناقشة “ظاهرة مجتمعية”، لا للترويج لأفكاره. هذه تقريباً هي الحجّة ذاتها التي استخدمتها وينفري حين سُئلت عن دكتور أوز وجيني مكارثي: “نطرح الأسئلة، والناس يختارون”. 

في الأدبيات الغربية يسمّون هذا النمط “Just asking questions”، إعلاميون “يسألون فقط”، ويتبرّأون من مسؤولية ما تصنعه أسئلتهم من أثر، لكنّ أولئك الذين كانوا “يطرحون الأسئلة فقط”، يساهمون اليوم في تشكيل سياسات صحّية وتعليمية تتعارض مع نصائح علماء حقيقيين.

أوز نفسه، بعد سنوات من توصيات مشكوك في علميتها، صار جزءاً من مشهد سياسي؛ إذ أعلن البيت الأبيض في 2018 أن الرئيس دونالد ترامب يعتزم تعيينه في مجلس الرياضة واللياقة والتغذية، في خطوة رآها البعض انتقالاً من تأثير تلفزيوني على الأفراد إلى تأثير مؤسّسي على السياسات. 

لماذا انحاز محمود سعد إلى الحقيقة في 2011 وإلى المشاهدات في 2023؟

هل من حقّ الإعلامي أن يستضيف ضياء العوضي، أو وسيم السيسي، أو أيّ مدعٍ يقول كلاماً مخالفاً للعلم؟

الإجابة العامّة: نعم، في حدود.

الصحافي مدعوّ إلى تغطية ما يحدث في المجتمع، حتى ما هو سيّئ، والسؤال ليس “هل تستضيفهم؟”، بل “كيف تستضيفهم؟”.

هناك ثلاث طرق لاستضافة قول مخالف للعلم. الأولى: المناظرة، أن تُجلس أمام الضيف خصماً متخصّصاً، يُفنّد ادّعاءاته في اللحظة. الثانية: التحقيق، أن تستضيفه ضمن مادّة موثّقة بالأرقام والشهادات، تشرح للمشاهد لماذا كلامه خطأ، مع إعطائه فرصة الردّ. الثالثة: التحذير المؤطّر، أن تضع على الشاشة طوال الحلقة شريطاً يُبين أن الكلام لا يمثّل توصية طبّية، وأن تبدأ كل فاصل بإعلان من نقابة الأطبّاء أو وزارة الصحّة. 

هذه ثلاث طرق محترمة، كلّها تستلزم احترام عقل المشاهد، وإدراكاً لخطورة الكاميرا وسحرها، والكاريزما المرعبة التي يتمتّع بها في الأغلب، الدجّالون ومروّجو العلم الزائف.

محمود سعد لم يفعل أيّاً من هذه الطرق الثلاث، والحلقة بها شبهة الاحتفاء لا التحقيق الصحافي. الضيف كان “صاحب ثورة”، لا موضع شكّ، ولم يكن أمامه طبيب يُجادله، ولم تكن على الشاشة كلمة واحدة تنّبه المشاهد، كان فيديو يوتيوب طويلاً يُشيد فيه إعلامي محبوب برجل سيتسبّب بعد سنتين في موت طبيبة شابّة في الإسكندرية، وأن يقع ضحاياه عشرات المرضى، اللذين تتكشّف حكاياتهم مع الوقت، سواء هؤلاء الذين يُوقفون لأنفسهم أو لذويهم أدوية الأنسولين أو يمنعونهم من زراعة الكلى.

عقب الضغط واتّضاح مسؤولية حلقة سعد عن إطلاق شهرة ضياء العوضي، لجأ سعد إلى حجّتين. الأولى أنه إعلامي، يقدّم الظاهرة. الثانية أن الضيف كان “أستاذاً مساعداً”. والحجّتان كلتاهما تنهار عند أوّل سؤال. الأولى تنهار لأن تقديم الظاهرة دون تفنيدها يساوي ترويجها، والثانية تنهار لأن الضيف كان قد فُصل من جامعة عين شمس قبل ذلك بستّة أشهر.

والأخطر أن هذه الحجج  قِيلت في سياق له ضحيّة بالاسم، وزوج يكتب على فيسبوك، وأطبّاء يخرجون على الشاشات يطالبون بالمحاسبة. قال الدكتور خالد أمين، الأمين العامّ المساعد لنقابة الأطبّاء وعضو لجنة التحقيق مع العوضي إن “بعض وسائل الإعلام تساهم في تلميع خبراء التغذية دون التأكّد من انتسابهم للنقابة، وهذا ما حدث مع العوضي”، والتلميع كلمة ذات دلالة هنا، إذ يهيّأ له عبر طريقة الاستضافة مجالاً يحوّل الادّعاء إلى رأي موثوق.
بالطبع لا تتساوى مسؤولية سعد مع العوضي، إذ إن الأخير طبيب مؤتمن عبر القسم وعبر أخلاقيات المهنة على صحّة مرضاه، لكنّ الإعلامي مسؤول أيضاً، ولا يستطيع أن يُخرج نفسه من المعادلة بمحاولة الفرار إلى وراء صفته الصحافية التي يظنّ أنها تجعله مساحة محايدة. هو عامل في الحدث، فاعل في صياغته، يقرّر من يجلس على كرسي الضيف، وكيف يقدّمه، وكم مرّة سيستضيفه، وأيّ السياقات سيوفّرها له.

الحلقة حُذفت في 3 أيّار/ مايو 2026، هذا تاريخ مفيد للأرشيف، عديم الفائدة لشيماء البديوي.

الذي حدث بين أيلول/ سبتمبر 2023 — تاريخ التصوير — و3 أيّار/ مايو 2026 — تاريخ الحذف — كان يمكن أن يحدث في كثير من اللحظات بطريقة أخرى، كان يمكن لسعد أن يحذف الحلقة في شباط/ فبراير 2026 حين شطبت النقابة العوضي، كان يمكن أن يحذفها في آذار/ مارس حين أغلقت الوزارة عيادته، كان يمكن أن يحذفها في نيسان/ أبريل حين توفّي العوضي، كان يمكن أن يحذفها في أواخر نيسان/ أبريل حين خرج الزوج البريدي علناً يروي شهادته، كان يمكن أن يحذفها أصلاً في أيلول/ سبتمبر 2023، لو أنه أو فريق إعداده تحقّقا قبل التصوير من الحالة الوظيفية للضيف وتاريخه المهني.

كل هذه اللحظات مرّت، والحلقة بقيت، حتى جاء الاتّصال من الأمين العامّ للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. 

لم يعتذر محمود سعد حتى لحظة كتابة المقال، عن هذا الخطأ، لم يقدّم حلقة بديلة عن الضحايا، أو يوفّر مساحة مضادّة تحلّل “نظام الطيّبات” للعوضي من مختصّين، وأصرّ على أن الاستضافة كانت لمناقشة ظاهرة، لا لترويج فكرة، وهو جواب لا يكفي، ليس فقط لعدم صحّته، بل لصدوره بعد فوات الآوان، ومن إعلامي حذف الحلقة تحت قرار إداري لا رغبة ذاتية.

ربما يكون أنبل ما يستطيع سعد فعله الآن أن يُعيد الحلقة، لكن بصورة أخرى، أن يجلس أمامه الزوج البريدي، وأبناء المرضى الذين فقدوا ذويهم، وأطبّاء النقابة الذين شطبوا العوضي، أن يُعطي للحقيقة المتأخّرة المنبر الذي أعطاه للكذب المبكر، هذا لن يُعيد شيماء، لكنّه سيُعيد لـ”باب الخلق” باباً لم يفتحه طوال هذه القصّة.

وربما؛ وهذه فرضية أصعب لأنها تعني توسيع دائرة المسؤولية، على الإعلام المصري كله أن يفكّر في ما حدث، لا بوصفه فضيحة فردية، بل بوصفه نتيجة طبيعية لنموذج عمل أعمق وأقدم.

النموذج ليس صناعة خاصّة لمحمود سعد، وليس للترفيه الصحّي الأميركي وحده، له في مصر تاريخه الرسمي. ففي 22 شباط/ فبراير 2014، أعلنت القوّات المسلّحة المصرية عبر صفحتها الرسمية عن “اكتشاف مصري فريد من نوعه”: جهاز يسحب فيروس الإيدز والتهاب الكبد الوبائي من المريض، ويعيده إليه في صورة “أصابع كفتة” يتغذّى عليها، بنسبة نجاح تجاوزت 90%. 

استدعت قنوات الدولة الرسمية المخترع اللواء إبراهيم عبد العاطي، ووصفت الكاميرات كيف يفحص المرضى ويُعلن شفاءهم فور الفحص، ولما شكّك في الجهاز أطبّاء ومستشار علمي للرئاسة، ردّ الإعلام الموالي بسؤال مختلف تماماً: هل أنتم وطنيون؟ طالبت مذيعة بحرمان المشكّكين وعائلاتهم من العلاج إن مرضوا، وأُحيل تسعة أطبّاء إلى محاكم تأديبية. المنتقد صار مشتبهاً به، والجهاز صار رمزاً وطنياً، ووصفت BBC ما جرى بـ”الفضيحة العلمية لمصر”.

في هذه البيئة، ضياء العوضي ليس استثناءً، هو ثمرة طبيعية لشجرة مزروعة منذ العام 2013. 

هذا النموذج له تاريخ في أميركا، كلّفها جيلاً من المناهضين للتطعيم. وله تاريخ في القاهرة، كلفنا — في نسخته الرسمية — مرضى صدّقوا أن الجيش اكتشف علاجاً للإيدز في أصابع الكفتة، وكلّفنا — في نسخته الترفيهية — طبيبة شابّة وعشرات آخرين لم يُحصَوا بعد.

أوبرا وينفري أنهت عبر شركتها “هاربو برودكشنز” البرنامج الإذاعي لدكتور أوز في أيّار/ مايو 2015، بعد أن أرسل عشرة أطبّاء وأساتذة رسالة إلى جامعة كولومبيا يطالبون بإقالته بسبب “إهانته المتكرّرة للعلم والطبّ المبني على الأدلّة”، لم تعتذر، لم تُحاسَب، لكن سمعتها لم تنجُ تماماً، سمّت كاتبة في “الغارديان” عجزها عن مقاومة النظريات الغريبة “وصمة” على ميراثها.

محمود سعد كان قد قال يوماً إنه ترك “مصر النهارده” في 26 كانون الثاني/ يناير 2011 لأنه رفض أن يصف الثوّار بالبلطجية والمندسّين. كان وقتها على حقّ، ربما يكون السؤال الذي عليه أن يجيب عنه الآن بسيطاً: لماذا اختار الانحياز إلى الحقيقة في 2011، وانحاز إلى المشاهدات في 2023؟

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
09.05.2026
زمن القراءة: 14 minutes

ضياء العوضي ليس الضيف الإشكالي الوحيد في تاريخ محمود سعد، هو الأحدث، وربما الأخطر، لكنّه ليس فريداً.

في أيّار/ مايو 2025، شاهدت الصيدلانية شيماء مسعد البديوي (في بداية الأربعينيات من عمرها ومقيمة في الإسكندرية) حلقة على يوتيوب، وكانت تخضع لعلاج من الذئبة الحمراء بالكورتيزون ومثبّطات المناعة بدأته في 2018، مع متابعة دورية كلّ ثلاثة أشهر لفحوصات الدم وتعديل الجرعات. 

في آخر فحص أجرته قبل مشاهدة الفيديو، سجّل مستوى الهيموغلوبين لديها 11، وكرات الدم البيضاء 4 آلاف، والصفائح 154 ألفاً، وهي أرقام تسمح بحياة شبه طبيعية، لكنّ ثماني سنوات من الكورتيزون تترك أثراً واضحاً على الوجه، والمزاج، والصبر.

الحلقة كانت من برنامج “باب الخلق” الذي يقدّمه الإعلامي الشهير، وكان ضيفه الدكتور ضياء الدين العوضي، الذي سُجلت الحلقة معه في عام 2023. شرح العوضي وهو أستاذ مساعد سابق في قسم التخدير والعناية المركّزة وعلاج الألم في جامعة عين شمس نظامه المعروف باسم “الطيبات”: تقسيم الطعام إلى طيّب وخبيث، التخلّي عن الكورتيزون والأنسولين لمن يستطيع، الصيام، والثقة بقدرة الجسد على الشفاء.

اقتنعت شيماء، وذهبت إلى عيادة العوضي في شارع النزهة في مدينة نصر، دفعت 4000 جنيه للكشف، وتابعت أونلاين. أوقفت الكورتيزون ومثبّطات المناعة دون إخبار زوجها الصيدلي محمود البريدي، الذي كان يعمل في الولايات المتّحدة، والذي حذّرها سابقاً من عدم دقّة كلام العوضي علمياً، لكنّها لم تجادل.

بعد أسبوع، بدأ النزيف. أرسلت رسائل إلى العوضي، الذي كان يردّ كل يومين أو ثلاثة، مُلقياً اللوم على أكلها الجبن أو القمح. في آب/ أغسطس 2025، نُقلت إلى مستشفى في الإسكندرية، وفشل الأطبّاء في إيقاف النزيف، وتوفّيت قبل وصول زوجها من أميركا.

ثمانية أشهر بعد ذلك، توفّي العوضي نفسه في غرفة فندق في دبي بجلطة قلبية مفاجئة عن 47 عاماً، بعد نحو 40 يوماً من قرار نقابة الأطبّاء العامّة إسقاط عضويته كاستشاري تخدير وعناية مركزة وعلاج ألم في 10 آذار/ مارس 2026؛ الرجل الذي وعد أتباعه بحياة خالية من الأدوية لثلاثين سنة، لم يحفظ قلبه شهراً واحداً.

ظهر الزوج علناً نهاية نيسان/ أبريل 2026 (في 28 منه تحديداً في مقابلة مع القاهرة 24)، راوياً تفاصيل الشهادة على فيسبوك ووسائل إعلامية. مرّت أسابيع، ثم في 3 أيّار/ مايو 2026، أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراره بمنع نشر أو تداول أيّ محتوى صادر عن العوضي. في اليوم نفسه تلقّى الإعلامي محمود سعد اتّصالاً من الأمين العامّ للمجلس المستشار ياسر معبدي، وحُذفت الحلقة من يوتيوب.

لكنّ الحلقة بقيت شهادة حيّة على مخاطر الوعود الطبّية غير المدعومة علمياً، والإعلام المسؤول عن الترويج لها.


ما الذي عرفه محمود سعد… أو تجاهل التحقّق منه؟

في آذار/ مارس 2023، أنهت جامعة عين شمس عمل الدكتور ضياء العوضي مدرّس التخدير والعناية المركزة، بعد إحالته إلى مجلس تأديب بسبب ما يقدّمه من أفكار علاجية تحت مسمّى “نظام الطيّبات”. أمرت النقابة بإغلاق عيادته، وحين تحدّى القرار وأعاد فتحها، حذّرته وزارة الصحّة. حدث كل هذا قبل ستّة أشهر من اللحظة التي جلس فيها العوضي أمام محمود سعد، الذي أكّد لاحقاً أن الحلقة سُجّلت في أيلول/ سبتمبر 2023، أي بعد فصل الضيف من جامعته بستّة أشهر، وبعد إغلاق عيادته بالقرار الإداري، وبعد تحذير وزارة الصحّة له. 

في دفاع محمود سعد الأوّل عن نفسه، قبل أن يحذف الحلقة، استند إلى لقب الضيف، قال إن أمامه “أستاذ مساعد، مش واحد جاي من أي حتة”، اللقب كان قد سقط فعلاً قبل أن يتلفّظ به، لكن الإعلامي لم يتحقّق، ولم يتحقّق فريق إعداد البرنامج، ولم تتحقّق القناة. 

النقابة العامّة لأطبّاء مصر شطبته نهائياً في 17 شباط/ فبراير 2026، وقال عضو مجلس النقابة الدكتور شادي صفوت إن كلام العوضي تسبّب في مشاكل لبعض المرضى، وفي وفاة سيّدة بعد منعها من الأدوية، وإن منع طفل من الأنسولين جُرم. في 10 آذار/ مارس 2026، أصدرت وزارة الصحّة قرار الغلق الإداري رقم 256 لعيادته، وألغت ترخيص مزاولة المهنة. بعد ذلك بأسابيع، وفي 3 أيّار/ مايو 2026، صدر قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحظر تداول أيّ محتوى منسوب إلى الراحل، ثم حُذفت الحلقة من يوتيوب استجابة لهذا القرار.

الحذف وقع تحت ضغط قانوني، لا أخلاقي. هذا ما تقوله رسالة سعد على فيسبوك؛ كتب أنه استجاب لاتّصال من الأمين العامّ للمجلس الأعلى، التزاماً بقرار يمنع نشر أو تداول أيّ مقاطع للعوضي. لو لم يحدث الاتّصال، لو لم يصدر القرار، لكان الفيديو على الأرجح ما زال يحقّق المشاهدات. 

أسرة الراحلة، التي طالبت بالحذف مع انتشار قصّتها في أواخر نيسان/ أبريل 2026، لم تكن سبباً كافياً، الناقدون من زملاء المهنة، الذين طالبوا بالحذف منذ أواخر 2025، لم يكونوا سبباً كافياً، القرار الإداري كان سبباً كافياً.

ثم جاءت الموجة الثانية من الدفاع. نشر سعد فيديو قديماً من 21 أيلول/ سبتمبر 2023، يقول فيه إن إيقاف الأدوية في منتهى الخطورة، ولا يمكن مطالبة أيّ مريض بالاكتفاء بالنظام الغذائي دون دراسات مكتملة، وقال إن نقاشاً دار بينه وبين العوضي بعد التصوير، طلب فيه أبحاثاً علمية، فردّ الضيف بأن أدلّته هي تجاربه على المرضى. 

ما ينقص ذلك الدفاع أنه لا يُجيب عن سؤال واحد: لماذا لم تُذكر للجمهور تلك المعلومات؟ إذا كان سعد قد عرف بعد التصوير أن ضيفه يُجري تجاربه على بشر، ولا يقدّم أدلّة علمية، فلماذا أذاع الحلقة؟ ولماذا تركها تحقّق ملايين المشاهدات لما يقرب من عامين ونصف العام؟ ولماذا حتى في فيديو 21 أيلول/ سبتمبر التحذيري، لم يقل صراحة للجمهور إن الضيف الذي شاهدوه قبل أيّام طبيب مفصول من الجامعة ومحلّ قرارات مهنية متتابعة؟

رغم المطالبات بحذف الفيديو وتقديم اعتذار للجمهور، لحماية المجتمع من التضليل الطبّي، سعد لم يفعل أيّاً من هذا، حذف الفيديو فقط حين جاء الاتّصال.


ضيوف محمود سعد: تاريخ طويل من تطبيع الكلام غير العلمي

ضياء العوضي ليس الضيف الإشكالي الوحيد في تاريخ محمود سعد، هو الأحدث، وربما الأخطر، لكنّه ليس فريداً.

في 21 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018، استضاف “باب الخلق” الدكتور وسيم السيسي، الذي يقدّم نفسه باحثاً في علم المصريات، وفي 1 آذار/ مارس 2019، عاد ضيفاً ليكشف “المسكوت عنه في التاريخ”، وفي 22 شباط/ فبراير من العام نفسه سجّل حلقة أخرى، قبل ذلك بسنوات، في كانون الثاني/ يناير 2015، استضافه سعد في “آخر النهار”، وفي آب/ أغسطس 2025، حلقة جديدة بعنوان “أسرار حياة الدكتور وسيم السيسي”، وفي الشهر نفسه حلقة عن نوستراداموس ونبوءاته.

عشر سنوات، حلقات متكرّرة، والسؤال: من هو وسيم السيسي فعلاً؟

قال وسيم السيسي في جلسة نقاشية على قناة “صدى البلد” جمعته بزاهي حواس وعدد من المتخصّصين في علم المصريات، إنه طبيب جرّاح في المسالك البولية، وإن قدّمته مذيعة ذات مرّة باعتباره عالم مصريات، فهو يرفض ذلك، ويصف نفسه بـ”عاشق المصريات” أو “باحث”. 

هذا الإقرار، حين يُقال أمام علماء آثار حقيقيين، يبدو محتشماً، لكنّ السيسي على شاشات أخرى لا يفعل هذا. جادل في تلك الجلسة أن الأهرامات كانت تُستخدم في توليد الطاقة، فردّ حواس بأن هذه “تهيّؤات تفتقر إلى الأدلّة”، وما يُروى من روايات حول الأهرامات “خزعبلات”، فيما نفى ممدوح الدماطي عالم الآثار ووزير الآثار المصري الأسبق تماماً الادّعاءات غير المستندة إلى حفريات أو وثائق تاريخية.

هذا هو الضيف الذي جلس على كرسي “باب الخلق” مرّات لا تُحصى عبر عقد كامل، وهذه هي الادّعاءات التي تجد طريقها إلى ملايين المشاهدين، تحت غطاء التوقير الذي يفرضه محمود سعد على كل ضيف يدعوه. الإعلامي لا يجادل، لا يُحضر معارضاً، لا يطلب مرجعاً، يستمع، يومئ، يقول “عظيم”.

في السياق نفسه، تكرّر الأمر مع الطبيب حسام موافي، لكنّ قصته أعقد قليلاً، وأهل للأمانة في المعالجة. موافي، على عكس العوضي والسيسي، أستاذ حقيقي في أمراض الباطنة والحالات الحرجة في كليّة الطبّ في القصر العيني في جامعة القاهرة، له سيرة أكاديمية معتبرة تمتدّ على أربعة عقود، لم يُشطب، ليس متّهماً بالاحتيال، وحذّر مراراً من تناول الأدوية دون استشارة، ونفى أن يكون قد روّج لعلاج بالأعشاب، هذا كله صحيح، وهذا كله لا يلغي السؤال.

قال موافي في برنامجه “ربّي زدني علماً” على قناة “صدى البلد” إن الشخص المؤمن والقريب من ربّه لا يُصاب بالأمراض النفسية، ردّ أطبّاء نفسيون مصريون بأن هذا الكلام لا يعترف به الطبّ النفسي في الأكاديميات العالمية، لأن كثيرين يذهبون إلى المساجد والكنائس ويُصابون بأمراض نفسية، وأن  الطبّ الحديث قائم على الدليل، ولا يجوز الربط بين الدين الثابت والعلم المتغيّر، وأن ما قاله موافي عن علاج الصداع النصفي بالاعتكاف وعلاج الجلطة بالصلاة لا يمتّ للعلم بأيّ صلة.

الفارق بين موافي والعوضي ليس في النيّة، بل في المستوى. العوضي قال للمرضى: أَوقفوا الأدوية، موافي قال للمرضى إن الإيمان يحميكم من المرض النفسي. الأوّل قتل، الثاني روّج عقيدة طبّية تجعل المريض النفسي يخجل من مرضه، فيتأخّر في العلاج، فتتعقّد حالته…

محمود سعد لم يكن هو الذي صنع موافي، الفضل في ذلك لقناة “صدى البلد” ولرجل الأعمال محمّد أبو العينين. لكنّ سعد ضمن نمط إعلامي أكبر، نمط مصري تحديداً، يُعطي للطبيب الذي يخلط الدين بالطبّ منبراً أعلى من الطبيب الذي يُلزم نفسه بالدليل العلمي. النمط هو ما نتحدّث عنه، المنبر هو ما نتحدّث عنه، الكاميرا التي تجعل قول الواحد قولاً ميموناً، لمجرّد أنه قاله أمامها.

أوبرا وينفري… كيف صُنِع دكتور أوز ورفاقه على الشاشة

كل هذا له تاريخ، لم يخترعه محمود سعد أو الإعلام المصري، لكن ربما تكون الإعلامية الأشهر أوبرا وينفري، من استضافة من لا يملكون أسساً علمية لأحاديثهم وجعله نموذجاً يحتذى به، إذ حظيت وينفري بنفوذ لا ينكَر، ملايين المشاهدين تابعوها يومياً ولسنوات، مع مجلّة شهرية تحمل صورتها على غلافها  (“O, The Oprah Magazine”)، قناة كابل تحمل اسمها (OWN)، ومحطّة راديو فضائي (Oprah & Friends على راديو الأقمار الصناعية)، منحت في أوقات كثيرة، منبراً لمن يروّجون لعلاجات طبّية ونصائح صحّية لا تستند إلى دليل قوي.

من أبرز هؤلاء الدكتور محمّد (Mehmet) أوز، الجرّاح التركي الأميركي المتخصّص في جراحة القلب والصدر، الذي صنعت منه وينفري ظاهرة تلفزيونية. أصبح أوز في النهاية موضع هجوم واسع في الأوساط الطبّية بسبب تأييده علاجات غير علمية، من بينها استخدام مستخلص حبوب القهوة الخضراء كوسيلة سريعة لإنقاص الوزن، الذي روّج له أيضاً ضيف متكرّر اسمه ليندسي دنكان، كانت له فيه مصلحة مالية مباشرة. لاحقاً، أجبرته لجنة التجارة الفيدرالية في الولايات المتّحدة على دفع تسوية تقارب تسعة ملايين دولار، لتعويض المستهلكين الذين اشتروا المنتج بناءً على دعايته المضلّلة.

في 2014، نشر فريق من الباحثين في المجلّة الطبّية البريطانية BMJ دراسة حلّلوا فيها توصيات صحّية من برنامجي The Dr. Oz Show وThe Doctors. اختاروا عشوائياً 80 توصية من كل برنامج. بالنسبة إلى الدكتور أوز تحديداً، وجدوا أن الأدلّة المتاحة تدعم 46% فقط من التوصيات، وتناقض 15% منها، فيما لم يُعثر على أيّ دليل لـ39%، ولم تتجاوز التوصيات المدعومة بأدلّة “مصدّقة أو شبه مصدّقة” ثلث ما يقدّمه. أقلّ من النصف مدعوم بأدلّة واضحة، في برنامج صحّي يُتابعه ملايين.

أطلقت وينفري أيضاً المسيرة التلفزيونية لفيليب “دكتور فيل” ماكغرو، الذي صار لاحقاً من أعلى مقدّمي البرامج النهارية أجراً في التلفزيون الأميركي. وفي 2017، كشفت تحقيقات مشتركة لموقع STAT المتخصّص في الصحافة الصحّية، وصحيفة “بوسطن غلوب”، أن بعض ضيوف برنامج “Dr. Phil” — خصوصاً المدمنين — تعرّضوا لممارسات قد تكون عرّضت صحّتهم للخطر، في سعي البرنامج إلى صناعة لحظات درامية تحصد نسب مشاهدة أعلى.

أما جيني مكارثي، الممثّلة التي صارت من أبرز الوجوه المناهضة للتطعيم، فقد دخلت هي الأخرى في مدار وينفري. في 2009، وقّعت مكارثي عقد تطوير مع شركة “هاربو برودكشنز” المملوكة لوينفري، لتقديم مشروعات متعدّدة المنصّات، من بينها برنامج حواري مزمَع ومدوّنة على موقع Oprah.com. بالتوازي، كانت مكارثي تروّج لخطاب يربط بين اللقاحات و مرض التوحّد، على الرغم من إجماع علمي واسع ينفي هذه المزاعم.

روجت وينفري كذلك لكتاب “The Secret” لروندا بايرن، الذي بنى نجاحه على ما يسمّى “قانون الجذب”: فكرة أن التفكير الإيجابي يغيّر الكون ويجلب ما تريد، وأن الأفكار السلبية تجلب المرض والفقر. انتقدت مقالات وتحليلات عديدة هذا الخطاب بوصفه خلطة من كليشيهات المساعدة الذاتية ووعود شبه سحرية، لكنّ ظهور الكتاب في أكثر من حلقة من برنامج وينفري، منح هذا التصوّر قدراً من الشرعية والتأثير لا يتناسب مع هشاشته المعرفية.

منبر أوبرا وينفري الإعلامي أطلق مسيرات ترتبط بالعلم الزائف، وهو ما يجده الناس جذّاباً، ليس بسبب غبائهم، لكن أيضاً لارتيابهم من الرعاية الصحّية المؤسّسية وشركات الأدوية، وأيضاً لأنه يبحث عن قصّة أسهل، يحمل وعدا أن المرض أو استخدام الدواء ليس حتمياً.
رغم أن محمود سعد ليس وراءه إمبراطورية إنتاج ضخمة كأوبرا وينفري، لكنّه في حدود مساحته، له تأثيره الذي لا يُنكَر.

في ردّ سعد الأخير؛ قال إن استضافة العوضي كانت لمناقشة “ظاهرة مجتمعية”، لا للترويج لأفكاره. هذه تقريباً هي الحجّة ذاتها التي استخدمتها وينفري حين سُئلت عن دكتور أوز وجيني مكارثي: “نطرح الأسئلة، والناس يختارون”. 

في الأدبيات الغربية يسمّون هذا النمط “Just asking questions”، إعلاميون “يسألون فقط”، ويتبرّأون من مسؤولية ما تصنعه أسئلتهم من أثر، لكنّ أولئك الذين كانوا “يطرحون الأسئلة فقط”، يساهمون اليوم في تشكيل سياسات صحّية وتعليمية تتعارض مع نصائح علماء حقيقيين.

أوز نفسه، بعد سنوات من توصيات مشكوك في علميتها، صار جزءاً من مشهد سياسي؛ إذ أعلن البيت الأبيض في 2018 أن الرئيس دونالد ترامب يعتزم تعيينه في مجلس الرياضة واللياقة والتغذية، في خطوة رآها البعض انتقالاً من تأثير تلفزيوني على الأفراد إلى تأثير مؤسّسي على السياسات. 

لماذا انحاز محمود سعد إلى الحقيقة في 2011 وإلى المشاهدات في 2023؟

هل من حقّ الإعلامي أن يستضيف ضياء العوضي، أو وسيم السيسي، أو أيّ مدعٍ يقول كلاماً مخالفاً للعلم؟

الإجابة العامّة: نعم، في حدود.

الصحافي مدعوّ إلى تغطية ما يحدث في المجتمع، حتى ما هو سيّئ، والسؤال ليس “هل تستضيفهم؟”، بل “كيف تستضيفهم؟”.

هناك ثلاث طرق لاستضافة قول مخالف للعلم. الأولى: المناظرة، أن تُجلس أمام الضيف خصماً متخصّصاً، يُفنّد ادّعاءاته في اللحظة. الثانية: التحقيق، أن تستضيفه ضمن مادّة موثّقة بالأرقام والشهادات، تشرح للمشاهد لماذا كلامه خطأ، مع إعطائه فرصة الردّ. الثالثة: التحذير المؤطّر، أن تضع على الشاشة طوال الحلقة شريطاً يُبين أن الكلام لا يمثّل توصية طبّية، وأن تبدأ كل فاصل بإعلان من نقابة الأطبّاء أو وزارة الصحّة. 

هذه ثلاث طرق محترمة، كلّها تستلزم احترام عقل المشاهد، وإدراكاً لخطورة الكاميرا وسحرها، والكاريزما المرعبة التي يتمتّع بها في الأغلب، الدجّالون ومروّجو العلم الزائف.

محمود سعد لم يفعل أيّاً من هذه الطرق الثلاث، والحلقة بها شبهة الاحتفاء لا التحقيق الصحافي. الضيف كان “صاحب ثورة”، لا موضع شكّ، ولم يكن أمامه طبيب يُجادله، ولم تكن على الشاشة كلمة واحدة تنّبه المشاهد، كان فيديو يوتيوب طويلاً يُشيد فيه إعلامي محبوب برجل سيتسبّب بعد سنتين في موت طبيبة شابّة في الإسكندرية، وأن يقع ضحاياه عشرات المرضى، اللذين تتكشّف حكاياتهم مع الوقت، سواء هؤلاء الذين يُوقفون لأنفسهم أو لذويهم أدوية الأنسولين أو يمنعونهم من زراعة الكلى.

عقب الضغط واتّضاح مسؤولية حلقة سعد عن إطلاق شهرة ضياء العوضي، لجأ سعد إلى حجّتين. الأولى أنه إعلامي، يقدّم الظاهرة. الثانية أن الضيف كان “أستاذاً مساعداً”. والحجّتان كلتاهما تنهار عند أوّل سؤال. الأولى تنهار لأن تقديم الظاهرة دون تفنيدها يساوي ترويجها، والثانية تنهار لأن الضيف كان قد فُصل من جامعة عين شمس قبل ذلك بستّة أشهر.

والأخطر أن هذه الحجج  قِيلت في سياق له ضحيّة بالاسم، وزوج يكتب على فيسبوك، وأطبّاء يخرجون على الشاشات يطالبون بالمحاسبة. قال الدكتور خالد أمين، الأمين العامّ المساعد لنقابة الأطبّاء وعضو لجنة التحقيق مع العوضي إن “بعض وسائل الإعلام تساهم في تلميع خبراء التغذية دون التأكّد من انتسابهم للنقابة، وهذا ما حدث مع العوضي”، والتلميع كلمة ذات دلالة هنا، إذ يهيّأ له عبر طريقة الاستضافة مجالاً يحوّل الادّعاء إلى رأي موثوق.
بالطبع لا تتساوى مسؤولية سعد مع العوضي، إذ إن الأخير طبيب مؤتمن عبر القسم وعبر أخلاقيات المهنة على صحّة مرضاه، لكنّ الإعلامي مسؤول أيضاً، ولا يستطيع أن يُخرج نفسه من المعادلة بمحاولة الفرار إلى وراء صفته الصحافية التي يظنّ أنها تجعله مساحة محايدة. هو عامل في الحدث، فاعل في صياغته، يقرّر من يجلس على كرسي الضيف، وكيف يقدّمه، وكم مرّة سيستضيفه، وأيّ السياقات سيوفّرها له.

الحلقة حُذفت في 3 أيّار/ مايو 2026، هذا تاريخ مفيد للأرشيف، عديم الفائدة لشيماء البديوي.

الذي حدث بين أيلول/ سبتمبر 2023 — تاريخ التصوير — و3 أيّار/ مايو 2026 — تاريخ الحذف — كان يمكن أن يحدث في كثير من اللحظات بطريقة أخرى، كان يمكن لسعد أن يحذف الحلقة في شباط/ فبراير 2026 حين شطبت النقابة العوضي، كان يمكن أن يحذفها في آذار/ مارس حين أغلقت الوزارة عيادته، كان يمكن أن يحذفها في نيسان/ أبريل حين توفّي العوضي، كان يمكن أن يحذفها في أواخر نيسان/ أبريل حين خرج الزوج البريدي علناً يروي شهادته، كان يمكن أن يحذفها أصلاً في أيلول/ سبتمبر 2023، لو أنه أو فريق إعداده تحقّقا قبل التصوير من الحالة الوظيفية للضيف وتاريخه المهني.

كل هذه اللحظات مرّت، والحلقة بقيت، حتى جاء الاتّصال من الأمين العامّ للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. 

لم يعتذر محمود سعد حتى لحظة كتابة المقال، عن هذا الخطأ، لم يقدّم حلقة بديلة عن الضحايا، أو يوفّر مساحة مضادّة تحلّل “نظام الطيّبات” للعوضي من مختصّين، وأصرّ على أن الاستضافة كانت لمناقشة ظاهرة، لا لترويج فكرة، وهو جواب لا يكفي، ليس فقط لعدم صحّته، بل لصدوره بعد فوات الآوان، ومن إعلامي حذف الحلقة تحت قرار إداري لا رغبة ذاتية.

ربما يكون أنبل ما يستطيع سعد فعله الآن أن يُعيد الحلقة، لكن بصورة أخرى، أن يجلس أمامه الزوج البريدي، وأبناء المرضى الذين فقدوا ذويهم، وأطبّاء النقابة الذين شطبوا العوضي، أن يُعطي للحقيقة المتأخّرة المنبر الذي أعطاه للكذب المبكر، هذا لن يُعيد شيماء، لكنّه سيُعيد لـ”باب الخلق” باباً لم يفتحه طوال هذه القصّة.

وربما؛ وهذه فرضية أصعب لأنها تعني توسيع دائرة المسؤولية، على الإعلام المصري كله أن يفكّر في ما حدث، لا بوصفه فضيحة فردية، بل بوصفه نتيجة طبيعية لنموذج عمل أعمق وأقدم.

النموذج ليس صناعة خاصّة لمحمود سعد، وليس للترفيه الصحّي الأميركي وحده، له في مصر تاريخه الرسمي. ففي 22 شباط/ فبراير 2014، أعلنت القوّات المسلّحة المصرية عبر صفحتها الرسمية عن “اكتشاف مصري فريد من نوعه”: جهاز يسحب فيروس الإيدز والتهاب الكبد الوبائي من المريض، ويعيده إليه في صورة “أصابع كفتة” يتغذّى عليها، بنسبة نجاح تجاوزت 90%. 

استدعت قنوات الدولة الرسمية المخترع اللواء إبراهيم عبد العاطي، ووصفت الكاميرات كيف يفحص المرضى ويُعلن شفاءهم فور الفحص، ولما شكّك في الجهاز أطبّاء ومستشار علمي للرئاسة، ردّ الإعلام الموالي بسؤال مختلف تماماً: هل أنتم وطنيون؟ طالبت مذيعة بحرمان المشكّكين وعائلاتهم من العلاج إن مرضوا، وأُحيل تسعة أطبّاء إلى محاكم تأديبية. المنتقد صار مشتبهاً به، والجهاز صار رمزاً وطنياً، ووصفت BBC ما جرى بـ”الفضيحة العلمية لمصر”.

في هذه البيئة، ضياء العوضي ليس استثناءً، هو ثمرة طبيعية لشجرة مزروعة منذ العام 2013. 

هذا النموذج له تاريخ في أميركا، كلّفها جيلاً من المناهضين للتطعيم. وله تاريخ في القاهرة، كلفنا — في نسخته الرسمية — مرضى صدّقوا أن الجيش اكتشف علاجاً للإيدز في أصابع الكفتة، وكلّفنا — في نسخته الترفيهية — طبيبة شابّة وعشرات آخرين لم يُحصَوا بعد.

أوبرا وينفري أنهت عبر شركتها “هاربو برودكشنز” البرنامج الإذاعي لدكتور أوز في أيّار/ مايو 2015، بعد أن أرسل عشرة أطبّاء وأساتذة رسالة إلى جامعة كولومبيا يطالبون بإقالته بسبب “إهانته المتكرّرة للعلم والطبّ المبني على الأدلّة”، لم تعتذر، لم تُحاسَب، لكن سمعتها لم تنجُ تماماً، سمّت كاتبة في “الغارديان” عجزها عن مقاومة النظريات الغريبة “وصمة” على ميراثها.

محمود سعد كان قد قال يوماً إنه ترك “مصر النهارده” في 26 كانون الثاني/ يناير 2011 لأنه رفض أن يصف الثوّار بالبلطجية والمندسّين. كان وقتها على حقّ، ربما يكون السؤال الذي عليه أن يجيب عنه الآن بسيطاً: لماذا اختار الانحياز إلى الحقيقة في 2011، وانحاز إلى المشاهدات في 2023؟