ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف غدونا أضراراً جانبية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يعيش الاجتماع الشيعي اليوم كارثة وجودية فعلية. شيء يشبه، بطريقة ما، تداعيات حرب الجبل التي أصابت الموارنة في الحرب اللبنانية. يومها، خسروا ثقلهم في جبل لبنان الجنوبي منتصف الثمانينات، ونزح سكان تلك المناطق إلى مناطق “الشرعية”، وعانوا ما عانوه من صعوبة الاندماج.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كان عمري ستّ سنوات حين قيل لي، على وقع أزيز الطيران الحربي الإسرائيلي وعويل قذائفه المدفعية: “لمّوا الأغراض، رح نهرب عبيروت”. يومها، في تهجير 1993 أو ربّما 1996، لا أعلم. تختلط عليّ الحروب كما تختلط أسماء الأيّام حين لا يكون هناك عمل. كنت حينها ألعب على الأتاري، وكان ذلك همّي الجيوسياسي الوحيد. ثمّ فجأة، صرنا في زوق مكايل، جنوب مدينة جونيه، على الساحل الكسرواني.

هناك تعرّفت إلى أحد أقاربي، طوني.

كان طوني يملك اختراعاً خارقاً: تلفازاً أكبر من كفّ اليد بقليل، مدمجاً مع راديو إف إم. لا أعرف إن كنت قد رأيت شيئاً كهذا قبلاً. أشكّ. الأكيد أنّه كان يملك أكثر من جهاز، كأنّه يستعدّ لانهيار الحضارة أو لانقطاع الإرسال في حرب نووية.

بينما كنت أكتشف أجهزة قريبي الكهربائية، كان لبنان يكتشف شيئاً آخر: تكريس ما وُصف بالشيعية السياسية. بدأ الأمر تحت احتلال النظام السوري، في بداية تسعينات القرن الماضي، ثمّ صار الدعم إيرانياً خالصاً تقريباً بعد عام 2005. ومعه صار الجنوب جغرافيا مقاومة، بل أكثر من ذلك: صار جغرافيا سلطة جيوسياسية أيضاً؛ سلطة كاملة، اجتماعية وثقافية ومالية وعسكرية، عابرة للحدود.

جردة صعود الشيعية السياسية

أتذكّر، من فترة التسعينات تلك، نقلي من مدرسة في جنوب مدينة صور إلى مدرسة جديدة بإدارة الراهبات افتُتحت حينها. كان الهمّ الأمني ما زال طاغياً، وكان إرسال طفل ليتعلّم على بعد ثلاثين كيلومتراً من منزله، عابراً وادي العاصي بين بلدتي كفرا وصديقين، يُعدّ نوعاً من المخاطرة. فالوادي يشرف عليه الاحتلال، ويقطع طريقه مراراً وتكراراً.

في المدرسة الجديدة، يوم تحرير الجنوب، أُوقفت الدروس فجأةً، وأُرسلنا إلى المنازل. فرحاً بالعطلة المجانية طبعاً، لا أنسى أبداً دهشتي الغبية عندما فجروا موقع بيت ياحون. “شو قريب”، قلت يومها. وعلى الرغم من أنّي ابن بلدة تبنين، لم يحل ذلك دون أن أصنع جداراً وهمياً شاهقاً بين ضفتي “الشريط الحدودي” آنذاك حيث كانت إسرائيل لا تزال تحتل جزءاً من الجنوب. بعد ذلك، ونحن “نكزدر” في المنطقة المحرّرة كسيّاح أجانب، لفتت انتباهي أيضاً أرصفة الطريق وأعمدة الإنارة الجميلة في عين إبل.

متفاوتاً كان دخول تلك المناطق إلى اللعبة السياسية اللبنانية. بعض تلك المناطق نفضت عنها غبار الاحتلال، منضوية سريعاً تحت جناح الثنائي أمل وحزب الله بفعل التقارب المذهبي. أمّا بعضها الآخر فاحتاج إلى وقت أطول، بل احتاج أيضاً إلى تحالفات سياسية كبرى، أدّت، في ما أدّت، إلى أن أتعرّف شخصياً إلى الشاب الطموح جبران باسيل، وهو يستعرض ورقة تفاهم حزبه مع حزب الله في بلدة رميش أوائل عام 2006، القرية نفسها التي افتتحت فيها الرهبانية المارونية اللبنانية فرعاً لجامعة الروح القدس – الكسليك.

عرف الجنوب، مع بدء الألفية الجديدة، فترة ستّ سنوات من الاستقرار، ما بعد تحرير الجنوب عام 2000 وحتى حرب تموز/ يوليو 2006. انتابني رعب دام عاماً بعد انتهاء تلك الحرب؛ رعب من احتمال تجدّدها. بعدها توالت الأحداث، وأمست الحرب مجرّد ذكرى، يحتفل بها “محور المقاومة” بكلّ ما أوتي من تباهٍ. أمّا خطاب النصر الشهير الذي أحياه الأمين العام السابق حسن نصرالله في ملعب بنت جبيل، الذي أعادت دولة قطر إعماره، فقد أيقظ عندي أولى الأسئلة. لم أستسغ أبداً ربط الشرف والكرامة بموقف الناس السياسي. بعد ذلك، ومع تعاظم الهيمنة السياسية لحزب الله، تعاظم هذا الخطاب أكثر، بل نهل من شوفانية بعض ما كان يُسمّى أحزاب اليمين المسيحي، ليخلق فوقية في التعاطي بينه وبين الآخرين.

أسفر عجز إسرائيل عن القضاء على حزب الله عن إعادة ولادته بشكل أقوى، مستفيداً من ظرف إقليمي مؤاتٍ. وبالاشتراك طبعاً مع نبيه برّي، الذي شكّل جبهة سياسية واسعة ضمّت غالبية “أيتام” حقبة الوصاية السورية، بالإضافة إلى تحالف الحزب السياسي والاجتماعي مع تيار ميشال عون، الذي وفّر له غطاءً غير مسبوق داخل الشارع المسيحي. وبفعل هذه العوامل، تمكّن الحزب من السيطرة على مفاصل الدولة كافة. فلزّم الشأن اللبناني إلى وكلائه الداخليين، متفرّغاً لغزواته الإقليمية دفاعاً عن نظام الأسد في سوريا، ومتمكّناً من تحويل هذا التدخّل في الشأن السوري إلى حالة طبيعية، تآلف معها معظم أطراف الداخل اللبناني لأكثر من عشر سنوات.

ازداد، بالتزامن مع ذلك، ترنّح الدولة وعجزها عن تسيير أمور مواطنيها بالحدّ الأدنى. وتكرّس التعامل مع كلّ المشكلات بطريقة كنس الغبار تحت البساط، حتى انفجر مرفأ بيروت عصر الرابع من آب/ أغسطس 2020. أُضيفت تساؤلات أمنية عند بعض المواطنين والنخب إلى تساؤلات أخرى حول من يتحمّل مسؤولية الحالة الاقتصادية بعد انهيار النظام المالي والمصرفي المدوّي. علامات استفهام كثيرة تتعلّق بالانفجار وباحتمال ارتباط حزب الله به، لكن الإجابات تاهت بين السرديات الجاهزة ووباء كورونا المنتشر والاحتراق من الإحباط، فاعتكفت الجموع عن المساءلة، منشغلة بحماية صحّتها.

جردة هبوط الشيعية السياسية

يطوي الجنوب فترة الرخاء الاجتماعي التي قاربت ربع قرن قبل حرب الإسناد الأولى. تكرّس الثنائي أمل وحزب الله هذه الفترة بوصفهما حقيقة مطلقة في أذهان الجنوبيين. ساعد على ذلك نمو العمران الصاروخي ومستويات العيش، بالإضافة إلى انتشار نظرية ردع الدولة الصهيونية عن أطماعها. إلى أن انهار الاقتصاد، ملقياً الجنوبيين تحت أعبائه، خصوصاً ذوي الدخل المحدود وجيش موظفي القطاع العام، إسوة ببقية اللبنانيين. حينها، تعامل حزب الله مع أزمة النقد والمصارف باعتبارها عدواناً خارجياً أميركياً، هدفه تركيع البيئة الحاضنة والضغط على قياداتها.

واستنهض الوعي الجمعي الشيعي ضدّ أي شكل من أشكال الاحتجاج، خصوصاً في مناطق جبل عامل، كالنبطية مثلاً، أو حتى في ساحات وسط بيروت المتاخمة للأحياء ذات الغالبية السكانية الشيعية. نجحت هذه الخطة نوعاً ما، لكونها مطلوبة من معظم القوى السياسية اللبنانية التقليدية على اختلافها. وتمّ العمل، بموازاة ذلك، على تمكين التعاضد الأهلي بين المقيم والمغترب لتخفيف وطأة الفاقة التي حلّت بالعباد. مع خمود الاحتجاجات وانشغال الناس بقوتها اليومي، انتابني شعور بأنّ الجنوب سيستطيع تخطّي هذه الأزمة أسرع من غالبية المناطق الأخرى في البلد. وبعث فيّ صيف 2023 تفاؤلاً غريباً، أقله بالمستقبل القريب.

لكن خلف شمس تشرين 2023 اللطيفة انفجرت أسئلة أصعب وأخطر. فتح حزب الله، منفرداً كعادته وبمعزل عن بقية اللبنانيين، جبهة صغيرة بعد طوفان السابع من أكتوبر. ولم تلبث إسرائيل أن تدرّجت في ردّها على عملياته بوتيرة تصاعدية؛ بدأت بتهجير القرى المحاذية لحدودها بالكامل، ثمّ بحملة اغتيالات واسعة لكوادر الحزب. فانتشر بكثرة سؤال الجدوى من “حرب الإسناد” تلك، إلى درجة اضطرار الأمين العام الأسبق لحزب الله إلى استحضار كلّ كاريزميته الخطابية لتفسير ما لا يُفسَّر.

وفي قمّة التصعيد، فجّرت إسرائيل إحدى أكبر محاولات الاغتيال الجماعي وأكثرها إجراماً، أو ما يُعرف بعملية البايجرز، ووسّعت عدوانها على الأراضي اللبنانية كافة، مهجّرة أكثر من مليون ونصف المليون شخص من جبل عامل والضاحية الجنوبية لبيروت، وقاضية على تسعين في المئة من قيادات الحزب، بينهم طبعاً أمينه العام “الأسطوري”، الذي طبع الحياة السياسية اللبنانية بطابعه الخاص نحو ثلاثين عاماً؛ تلك الحياة التي كانت، في غالبية الأحيان، تدور في فلكه.

انتهى العدوان إلى دمار وتهجير، وتوقّف باتفاق مبهم البنود. أمّا جميع الأدبيات التي اعتاد عليها الجنوبيون بعد حرب تموز 2006، فبدأت تتساقط أيضاً. إذ بعدما استعرت الحرب أكثر من ستين يوماً في خريف 2024، لم يهرع أحد من الدول والمنظمات لتعويض كلفة الخسائر، بل إنّ حزب الله نفسه وقف عاجزاً أمام هولها. وأعقب نهاية الحرب بأيام قليلة سقوط نظام البعث في سوريا. وأصبح سؤال: ماذا فعلنا؟ وبماذا استفدنا من إقحام أنفسنا في حروب الإقليم ونزاعاته؟ سؤالاً طبيعياً يتكرّر على ألسنة أهل الجنوب، كما يحبّون أن يسمّوا أنفسهم. هؤلاء وجدوا أنفسهم داخل دوّامة تهجير جديدة، قبل أن يتمكّنوا من بلسمة جراحهم، عنوانها هذه المرّة: إسناد إيران.

انتهاء صلاحيتنا الجيوسياسية

تكتشف الجماعات اللبنانية، في مشهد متكرّر ومملّ، وبعد فوات الأوان في كلّ مرّة، أنّها أصبحت وحيدة، متروكة للعدو الخارجي يستبيحها، وللعدو الداخلي الشامت والمنتظر سقوطها، وهو الأصعب. هل استسهلت بعض دول الإقليم إجراء جراحة في الجسم اللبناني، مفضّلة إجرام بنيامين نتانياهو وجنونه على الاتكال على قدرة اللبنانيين أنفسهم على تقويض ما أصبح يُسمّى الشيعية السياسية؟ تدلّ بعض المؤشرات على ذلك. فالجمود اللبناني لم يعد مرغوباً فيه. حتى بات تصريح رئيس مجلس النواب نبيه برّي للسفير الأميركي، حين قال له: “أعطوني وقف إطلاق نار والباقي عليي”، خارج المنطق. لم تعد أرانبك ولا سلّتك تغري أحداً يا دولة الرئيس.

يحار المرء اليوم في أحوال أبي مصطفى. هو الذي امتهن فنّ السياسة على الحافة. انتقل بالشيعة من كوفية الحركات اليسارية والقومية المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى لحاف الدولة الوثير الدافئ. بالطبع، لم تكن الرحلة مفروشة بالورود؛ خاض معارك وهادن أخرى، هزّت الأرض تحت قدميه، واستطاع بالحنكة والكيدية والتسليم أيضاً أن يفرض نفسه شريكاً “مفوّضاً” لا يمكن تجاوزه.

لكن أرذل العمر أتى صعباً. انهارت دولة الوظائف والمحسوبيات على رؤوس أبنائها، وعادت قرى الجنوب تشتمّ رائحة البارود والخوف. أمّا الافتكاك الكلّي والصريح عن شريكه في الثنائي، فمستحيل بعد التكامل وتبادل الأدوار والألعاب لنحو أربعة عقود. واليوم دارت عجلة التاريخ بعكس ما يشتهي، وبعكس ما يقدر على مناورته.

أكثر من أن نعود

يعيش الاجتماع الشيعي اليوم كارثة وجودية فعلية. شيء يشبه، بطريقة ما، تداعيات حرب الجبل التي أصابت الموارنة في الحرب اللبنانية. يومها، خسروا ثقلهم في جبل لبنان الجنوبي منتصف الثمانينات، ونزح سكان تلك المناطق إلى مناطق “الشرعية”، وعانوا ما عانوه من صعوبة الاندماج. بعدها توالت الأحداث والمعارك الداخلية بين أبناء الصف الواحد، إلى أن نضج الوضع الإقليمي على قرار تهدئة العنف الأهلي في لبنان، فكان اتفاق الطائف، الذي عكس ما كان قد حصل على الأرض، وكرّس تعديلاً في الصيغة والدستور، أدّى، في ما أدّى، إلى عملية نقل نفوذ من جماعة طائفية إلى أخرى بدعم وقبول دوليين، وبأدوات تنفيذ إقليمية ليست بعيدة أبداً عن المشهد الراهن.

هل من مجال لحديث عن شكل اندماج المجتمع الشيعي اليوم، وأكثر من مليون شيعي يسكنون خارج مراكز الإيواء وداخلها؟ وما تبعات هذا التغيير الديمغرافي على النظام اللبناني المسكون بهواجس التعداد والتعدّي؟

أشرب القهوة اليوم قبل الظهر في بيروت، مستعرضاً كلّ ما سبق، ومستسلماً للأيام الخاملة. أيام طويلة أرزح تحتها في الحلقة الخامسة من مسلسل التهجير الخاص بي، وأنا أقارب الأربعين من العمر. أشرب القهوة وأراقب رجلاً وزوجته مُسحت قريتهما بالكامل. كانت بيوتهما الهانئة تطلّ على الجليل، وظنّا أنّهما سيرجعان فجر الثاني من آذار/ مارس، عندما أغلقا أبوابهما وأخذا معهما بعض الملابس الشتوية. يقول الزوج: البيت وجنى العمر مهمّان طبعاً، لكن الأهم أن نرجع! فرعبه الأكبر أنّه لن يستطيع أن يعود ليرى أطلال عمره، أو حتى ليُدفن بين أشجار كرمه.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
04.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

يعيش الاجتماع الشيعي اليوم كارثة وجودية فعلية. شيء يشبه، بطريقة ما، تداعيات حرب الجبل التي أصابت الموارنة في الحرب اللبنانية. يومها، خسروا ثقلهم في جبل لبنان الجنوبي منتصف الثمانينات، ونزح سكان تلك المناطق إلى مناطق “الشرعية”، وعانوا ما عانوه من صعوبة الاندماج.

كان عمري ستّ سنوات حين قيل لي، على وقع أزيز الطيران الحربي الإسرائيلي وعويل قذائفه المدفعية: “لمّوا الأغراض، رح نهرب عبيروت”. يومها، في تهجير 1993 أو ربّما 1996، لا أعلم. تختلط عليّ الحروب كما تختلط أسماء الأيّام حين لا يكون هناك عمل. كنت حينها ألعب على الأتاري، وكان ذلك همّي الجيوسياسي الوحيد. ثمّ فجأة، صرنا في زوق مكايل، جنوب مدينة جونيه، على الساحل الكسرواني.

هناك تعرّفت إلى أحد أقاربي، طوني.

كان طوني يملك اختراعاً خارقاً: تلفازاً أكبر من كفّ اليد بقليل، مدمجاً مع راديو إف إم. لا أعرف إن كنت قد رأيت شيئاً كهذا قبلاً. أشكّ. الأكيد أنّه كان يملك أكثر من جهاز، كأنّه يستعدّ لانهيار الحضارة أو لانقطاع الإرسال في حرب نووية.

بينما كنت أكتشف أجهزة قريبي الكهربائية، كان لبنان يكتشف شيئاً آخر: تكريس ما وُصف بالشيعية السياسية. بدأ الأمر تحت احتلال النظام السوري، في بداية تسعينات القرن الماضي، ثمّ صار الدعم إيرانياً خالصاً تقريباً بعد عام 2005. ومعه صار الجنوب جغرافيا مقاومة، بل أكثر من ذلك: صار جغرافيا سلطة جيوسياسية أيضاً؛ سلطة كاملة، اجتماعية وثقافية ومالية وعسكرية، عابرة للحدود.

جردة صعود الشيعية السياسية

أتذكّر، من فترة التسعينات تلك، نقلي من مدرسة في جنوب مدينة صور إلى مدرسة جديدة بإدارة الراهبات افتُتحت حينها. كان الهمّ الأمني ما زال طاغياً، وكان إرسال طفل ليتعلّم على بعد ثلاثين كيلومتراً من منزله، عابراً وادي العاصي بين بلدتي كفرا وصديقين، يُعدّ نوعاً من المخاطرة. فالوادي يشرف عليه الاحتلال، ويقطع طريقه مراراً وتكراراً.

في المدرسة الجديدة، يوم تحرير الجنوب، أُوقفت الدروس فجأةً، وأُرسلنا إلى المنازل. فرحاً بالعطلة المجانية طبعاً، لا أنسى أبداً دهشتي الغبية عندما فجروا موقع بيت ياحون. “شو قريب”، قلت يومها. وعلى الرغم من أنّي ابن بلدة تبنين، لم يحل ذلك دون أن أصنع جداراً وهمياً شاهقاً بين ضفتي “الشريط الحدودي” آنذاك حيث كانت إسرائيل لا تزال تحتل جزءاً من الجنوب. بعد ذلك، ونحن “نكزدر” في المنطقة المحرّرة كسيّاح أجانب، لفتت انتباهي أيضاً أرصفة الطريق وأعمدة الإنارة الجميلة في عين إبل.

متفاوتاً كان دخول تلك المناطق إلى اللعبة السياسية اللبنانية. بعض تلك المناطق نفضت عنها غبار الاحتلال، منضوية سريعاً تحت جناح الثنائي أمل وحزب الله بفعل التقارب المذهبي. أمّا بعضها الآخر فاحتاج إلى وقت أطول، بل احتاج أيضاً إلى تحالفات سياسية كبرى، أدّت، في ما أدّت، إلى أن أتعرّف شخصياً إلى الشاب الطموح جبران باسيل، وهو يستعرض ورقة تفاهم حزبه مع حزب الله في بلدة رميش أوائل عام 2006، القرية نفسها التي افتتحت فيها الرهبانية المارونية اللبنانية فرعاً لجامعة الروح القدس – الكسليك.

عرف الجنوب، مع بدء الألفية الجديدة، فترة ستّ سنوات من الاستقرار، ما بعد تحرير الجنوب عام 2000 وحتى حرب تموز/ يوليو 2006. انتابني رعب دام عاماً بعد انتهاء تلك الحرب؛ رعب من احتمال تجدّدها. بعدها توالت الأحداث، وأمست الحرب مجرّد ذكرى، يحتفل بها “محور المقاومة” بكلّ ما أوتي من تباهٍ. أمّا خطاب النصر الشهير الذي أحياه الأمين العام السابق حسن نصرالله في ملعب بنت جبيل، الذي أعادت دولة قطر إعماره، فقد أيقظ عندي أولى الأسئلة. لم أستسغ أبداً ربط الشرف والكرامة بموقف الناس السياسي. بعد ذلك، ومع تعاظم الهيمنة السياسية لحزب الله، تعاظم هذا الخطاب أكثر، بل نهل من شوفانية بعض ما كان يُسمّى أحزاب اليمين المسيحي، ليخلق فوقية في التعاطي بينه وبين الآخرين.

أسفر عجز إسرائيل عن القضاء على حزب الله عن إعادة ولادته بشكل أقوى، مستفيداً من ظرف إقليمي مؤاتٍ. وبالاشتراك طبعاً مع نبيه برّي، الذي شكّل جبهة سياسية واسعة ضمّت غالبية “أيتام” حقبة الوصاية السورية، بالإضافة إلى تحالف الحزب السياسي والاجتماعي مع تيار ميشال عون، الذي وفّر له غطاءً غير مسبوق داخل الشارع المسيحي. وبفعل هذه العوامل، تمكّن الحزب من السيطرة على مفاصل الدولة كافة. فلزّم الشأن اللبناني إلى وكلائه الداخليين، متفرّغاً لغزواته الإقليمية دفاعاً عن نظام الأسد في سوريا، ومتمكّناً من تحويل هذا التدخّل في الشأن السوري إلى حالة طبيعية، تآلف معها معظم أطراف الداخل اللبناني لأكثر من عشر سنوات.

ازداد، بالتزامن مع ذلك، ترنّح الدولة وعجزها عن تسيير أمور مواطنيها بالحدّ الأدنى. وتكرّس التعامل مع كلّ المشكلات بطريقة كنس الغبار تحت البساط، حتى انفجر مرفأ بيروت عصر الرابع من آب/ أغسطس 2020. أُضيفت تساؤلات أمنية عند بعض المواطنين والنخب إلى تساؤلات أخرى حول من يتحمّل مسؤولية الحالة الاقتصادية بعد انهيار النظام المالي والمصرفي المدوّي. علامات استفهام كثيرة تتعلّق بالانفجار وباحتمال ارتباط حزب الله به، لكن الإجابات تاهت بين السرديات الجاهزة ووباء كورونا المنتشر والاحتراق من الإحباط، فاعتكفت الجموع عن المساءلة، منشغلة بحماية صحّتها.

جردة هبوط الشيعية السياسية

يطوي الجنوب فترة الرخاء الاجتماعي التي قاربت ربع قرن قبل حرب الإسناد الأولى. تكرّس الثنائي أمل وحزب الله هذه الفترة بوصفهما حقيقة مطلقة في أذهان الجنوبيين. ساعد على ذلك نمو العمران الصاروخي ومستويات العيش، بالإضافة إلى انتشار نظرية ردع الدولة الصهيونية عن أطماعها. إلى أن انهار الاقتصاد، ملقياً الجنوبيين تحت أعبائه، خصوصاً ذوي الدخل المحدود وجيش موظفي القطاع العام، إسوة ببقية اللبنانيين. حينها، تعامل حزب الله مع أزمة النقد والمصارف باعتبارها عدواناً خارجياً أميركياً، هدفه تركيع البيئة الحاضنة والضغط على قياداتها.

واستنهض الوعي الجمعي الشيعي ضدّ أي شكل من أشكال الاحتجاج، خصوصاً في مناطق جبل عامل، كالنبطية مثلاً، أو حتى في ساحات وسط بيروت المتاخمة للأحياء ذات الغالبية السكانية الشيعية. نجحت هذه الخطة نوعاً ما، لكونها مطلوبة من معظم القوى السياسية اللبنانية التقليدية على اختلافها. وتمّ العمل، بموازاة ذلك، على تمكين التعاضد الأهلي بين المقيم والمغترب لتخفيف وطأة الفاقة التي حلّت بالعباد. مع خمود الاحتجاجات وانشغال الناس بقوتها اليومي، انتابني شعور بأنّ الجنوب سيستطيع تخطّي هذه الأزمة أسرع من غالبية المناطق الأخرى في البلد. وبعث فيّ صيف 2023 تفاؤلاً غريباً، أقله بالمستقبل القريب.

لكن خلف شمس تشرين 2023 اللطيفة انفجرت أسئلة أصعب وأخطر. فتح حزب الله، منفرداً كعادته وبمعزل عن بقية اللبنانيين، جبهة صغيرة بعد طوفان السابع من أكتوبر. ولم تلبث إسرائيل أن تدرّجت في ردّها على عملياته بوتيرة تصاعدية؛ بدأت بتهجير القرى المحاذية لحدودها بالكامل، ثمّ بحملة اغتيالات واسعة لكوادر الحزب. فانتشر بكثرة سؤال الجدوى من “حرب الإسناد” تلك، إلى درجة اضطرار الأمين العام الأسبق لحزب الله إلى استحضار كلّ كاريزميته الخطابية لتفسير ما لا يُفسَّر.

وفي قمّة التصعيد، فجّرت إسرائيل إحدى أكبر محاولات الاغتيال الجماعي وأكثرها إجراماً، أو ما يُعرف بعملية البايجرز، ووسّعت عدوانها على الأراضي اللبنانية كافة، مهجّرة أكثر من مليون ونصف المليون شخص من جبل عامل والضاحية الجنوبية لبيروت، وقاضية على تسعين في المئة من قيادات الحزب، بينهم طبعاً أمينه العام “الأسطوري”، الذي طبع الحياة السياسية اللبنانية بطابعه الخاص نحو ثلاثين عاماً؛ تلك الحياة التي كانت، في غالبية الأحيان، تدور في فلكه.

انتهى العدوان إلى دمار وتهجير، وتوقّف باتفاق مبهم البنود. أمّا جميع الأدبيات التي اعتاد عليها الجنوبيون بعد حرب تموز 2006، فبدأت تتساقط أيضاً. إذ بعدما استعرت الحرب أكثر من ستين يوماً في خريف 2024، لم يهرع أحد من الدول والمنظمات لتعويض كلفة الخسائر، بل إنّ حزب الله نفسه وقف عاجزاً أمام هولها. وأعقب نهاية الحرب بأيام قليلة سقوط نظام البعث في سوريا. وأصبح سؤال: ماذا فعلنا؟ وبماذا استفدنا من إقحام أنفسنا في حروب الإقليم ونزاعاته؟ سؤالاً طبيعياً يتكرّر على ألسنة أهل الجنوب، كما يحبّون أن يسمّوا أنفسهم. هؤلاء وجدوا أنفسهم داخل دوّامة تهجير جديدة، قبل أن يتمكّنوا من بلسمة جراحهم، عنوانها هذه المرّة: إسناد إيران.

انتهاء صلاحيتنا الجيوسياسية

تكتشف الجماعات اللبنانية، في مشهد متكرّر ومملّ، وبعد فوات الأوان في كلّ مرّة، أنّها أصبحت وحيدة، متروكة للعدو الخارجي يستبيحها، وللعدو الداخلي الشامت والمنتظر سقوطها، وهو الأصعب. هل استسهلت بعض دول الإقليم إجراء جراحة في الجسم اللبناني، مفضّلة إجرام بنيامين نتانياهو وجنونه على الاتكال على قدرة اللبنانيين أنفسهم على تقويض ما أصبح يُسمّى الشيعية السياسية؟ تدلّ بعض المؤشرات على ذلك. فالجمود اللبناني لم يعد مرغوباً فيه. حتى بات تصريح رئيس مجلس النواب نبيه برّي للسفير الأميركي، حين قال له: “أعطوني وقف إطلاق نار والباقي عليي”، خارج المنطق. لم تعد أرانبك ولا سلّتك تغري أحداً يا دولة الرئيس.

يحار المرء اليوم في أحوال أبي مصطفى. هو الذي امتهن فنّ السياسة على الحافة. انتقل بالشيعة من كوفية الحركات اليسارية والقومية المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى لحاف الدولة الوثير الدافئ. بالطبع، لم تكن الرحلة مفروشة بالورود؛ خاض معارك وهادن أخرى، هزّت الأرض تحت قدميه، واستطاع بالحنكة والكيدية والتسليم أيضاً أن يفرض نفسه شريكاً “مفوّضاً” لا يمكن تجاوزه.

لكن أرذل العمر أتى صعباً. انهارت دولة الوظائف والمحسوبيات على رؤوس أبنائها، وعادت قرى الجنوب تشتمّ رائحة البارود والخوف. أمّا الافتكاك الكلّي والصريح عن شريكه في الثنائي، فمستحيل بعد التكامل وتبادل الأدوار والألعاب لنحو أربعة عقود. واليوم دارت عجلة التاريخ بعكس ما يشتهي، وبعكس ما يقدر على مناورته.

أكثر من أن نعود

يعيش الاجتماع الشيعي اليوم كارثة وجودية فعلية. شيء يشبه، بطريقة ما، تداعيات حرب الجبل التي أصابت الموارنة في الحرب اللبنانية. يومها، خسروا ثقلهم في جبل لبنان الجنوبي منتصف الثمانينات، ونزح سكان تلك المناطق إلى مناطق “الشرعية”، وعانوا ما عانوه من صعوبة الاندماج. بعدها توالت الأحداث والمعارك الداخلية بين أبناء الصف الواحد، إلى أن نضج الوضع الإقليمي على قرار تهدئة العنف الأهلي في لبنان، فكان اتفاق الطائف، الذي عكس ما كان قد حصل على الأرض، وكرّس تعديلاً في الصيغة والدستور، أدّى، في ما أدّى، إلى عملية نقل نفوذ من جماعة طائفية إلى أخرى بدعم وقبول دوليين، وبأدوات تنفيذ إقليمية ليست بعيدة أبداً عن المشهد الراهن.

هل من مجال لحديث عن شكل اندماج المجتمع الشيعي اليوم، وأكثر من مليون شيعي يسكنون خارج مراكز الإيواء وداخلها؟ وما تبعات هذا التغيير الديمغرافي على النظام اللبناني المسكون بهواجس التعداد والتعدّي؟

أشرب القهوة اليوم قبل الظهر في بيروت، مستعرضاً كلّ ما سبق، ومستسلماً للأيام الخاملة. أيام طويلة أرزح تحتها في الحلقة الخامسة من مسلسل التهجير الخاص بي، وأنا أقارب الأربعين من العمر. أشرب القهوة وأراقب رجلاً وزوجته مُسحت قريتهما بالكامل. كانت بيوتهما الهانئة تطلّ على الجليل، وظنّا أنّهما سيرجعان فجر الثاني من آذار/ مارس، عندما أغلقا أبوابهما وأخذا معهما بعض الملابس الشتوية. يقول الزوج: البيت وجنى العمر مهمّان طبعاً، لكن الأهم أن نرجع! فرعبه الأكبر أنّه لن يستطيع أن يعود ليرى أطلال عمره، أو حتى ليُدفن بين أشجار كرمه.

04.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية