ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف مرّ “صهريج السلاح” عبر “كلّ” نقاط التفتيش العراقية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تمكّن الصهريج من اجتياز السيطرات الأمنية الممتدة على الطريق الدولي وصولاً إلى منفذ التنف، مستفيداً من عدم وجود أجهزة سونار متخصصة لفحص صهاريج السوائل، إضافةً إلى استخدام وسائل تمويه تمثلت في تغليف الأسلحة بأكياس عازلة وإغمارها بالنفط الأسود الكثيف، ما صعّب اكتشافها حتى بواسطة الكلاب البوليسية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قال مصدر أمني عراقي رفض الكشف عن اسمه لـ”درج”، أن ضبط صهريج نفط مليء بالسلاح على الحدود السورية – العراقية “خرق أمني خطير”.

 وأوضح المصدر لـ”درج” أن الصهريج لم يعبر منفذاً حدودياً واحداً فقط، وإنما مرّ عبر سلسلة من السيطرات والقواطع الأمنية المنتشرة بين المحافظات، الأمر الذي وسّع نطاق التحقيق ليشمل جميع الجهات التي أشرفت على عمليات التفتيش والتدقيق منذ انطلاق الشحنة وحتى وصولها إلى الحدود.

ويرى مسؤول رفيع في محافظة الأنبار، تحدث لـ”درج”، أن التحقيقات الجارية هي التي ستحدد طبيعة الخلل الذي سمح بمرور الصهريج، موضحاً أن جميع الجهات الأمنية والمدنية المختصة كانت موجودة داخل منفذ الوليد، بما فيها هيئة المنافذ الحدودية، والجمارك، والمخابرات، والأمن الوطني، وشرطة الجمارك، الأمر الذي يجعل المسؤولية محصورة بين احتمالين: وجود تواطؤ من بعض العاملين، أو خلل فني في منظومة التفتيش.

وعلى إثر ذلك، وجّه القائد العام للقوات المسلحة بتشكيل لجنة تحقيق عليا تضم الجهات المختصة، لمراجعة جميع الإجراءات التي رافقت مرور الصهريج، والتنسيق مع الجانب السوري للحصول على تفاصيل العملية، مع التأكيد على محاسبة أي جهة يثبت تقصيرها أو تورطها.

كما باشرت اللجنة مراجعة سجلات السيطرات ومحاضر التفتيش الخاصة بالشاحنة، على أن تُرفع نتائجها خلال مدة لا تتجاوز الـ48 ساعة.

ما بعد هرمز! 

مرور شحنة أسلحة داخل صهريج يحمل أوراقاً رسمية لشحنة من زيت الوقود يضع مسار تجاوز إشكاليات مضيق هرمز  وإغلاقه المتكرر أمام تحدّ أمني قد ينعكس على حركة الصادرات العراقية، ويمنح الجانب السوري مبررات لتشديد إجراءات التفتيش، فيما تسعى بغداد إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع دمشق وتوسيع حركة التجارة والطاقة بين البلدين.

وتعود تفاصيل الحادثة إلى صهريج غادر الأراضي العراقية قبل أيام متجهاً إلى سوريا، بعدما قُدِّمت أوراقه الرسمية على أنه ينقل مادة “النفط الأسود”. وكانت فوهة الصهريج مغلقة ومختومة جمركياً، مع تعليمات بعدم فتحها قبل الوصول إلى الجهة المستوردة، بذريعة الحفاظ على سلامة الشحنة ومنع رفضها عند التسليم.

تمكّن الصهريج من اجتياز السيطرات الأمنية الممتدة على الطريق الدولي وصولاً إلى منفذ التنف، مستفيداً من عدم وجود أجهزة سونار متخصصة لفحص صهاريج السوائل، إضافةً إلى استخدام وسائل تمويه تمثلت في تغليف الأسلحة بأكياس عازلة وإغمارها بالنفط الأسود الكثيف، ما صعّب اكتشافها حتى بواسطة الكلاب البوليسية.

وانتهت الرحلة عند الجانب السوري، حيث أسفر تفتيش دقيق عن العثور على كميات كبيرة من الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة مخبأة داخل الخزان بطريقة احترافية.

وبالتزامن مع ذلك، أكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية الفريق عمر عدنان الوائلي، أن الهيئة بدأت تدقيق جميع مراحل التفتيش وتحديد المسؤوليات، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تقصيره، مشدداً على أن حماية المنافذ الحدودية تمثل جزءاً أساسياً من الأمن الوطني، وأن ما حدث يستدعي مراجعة شاملة للإجراءات الأمنية والفنية المعتمدة.

كما دعا إلى تعزيز التنسيق مع الجانب السوري عبر ضباط الارتباط، لضمان منع تكرار مثل هذه الخروقات، لافتاً إلى أن منفذ الوليد يشهد حركة عبور يومية كثيفة للشاحنات والصهاريج، ما يجعل الحفاظ على انسيابية العمل فيه أولوية اقتصادية وأمنية في آن.

من جهتها أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إحباط محاولة تهريب الشحنة، فيما قالت وزارة الداخلية السورية إن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الأسلحة كانت معدّة للعبور عبر الأراضي السورية لصالح حزب الله اللبناني.

ويؤكد المسؤول في محافظة الأنبار أن تعطل جهاز السونار، إذا ثبت، لا يبرر مرور الشحنة، لأن الفحص العيني يعدّ إجراءً أساسياً معمولاً به حتى قبل إدخال أجهزة الكشف الحديثة إلى المنافذ الحدودية.

ويضيف أن الموظف المتخصّص يصعد إلى الصهريج ويفتح الخزان للتأكد من طبيعة الحمولة عند تعذر استخدام أجهزة السونار، لذلك فإن وصول الصهريج إلى الجانب السوري من دون اكتشاف محتوياته يفرض مراجعة دقيقة لكل مرحلة من مراحل التفتيش، سواء تعلق الأمر بإهمال أو تقصير أو تواطؤ.

وعلى الرغم من استبعاد المسؤول إغلاق منفذ الوليد بسبب الحادثة، فإنه يرجح أن تفرض السلطات السورية إجراءات تدقيق أكثر صرامة على الشاحنات العراقية، وهو ما قد ينعكس على سرعة عبور الصهاريج المتّجهة إلى ميناء بانياس، ويزيد من كلفة النقل ومدة وصول الشحنات.

ويبدو أن تشديد الرقابة على الشاحنات العراقية بدأ بالفعل. فبعد أيام من إعلان ضبط شحنة الأسلحة، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إحباط محاولات عدة لتهريب كميات كبيرة من الدخان (السجائر) كانت مخبأة داخل شاحنات وصهاريج قادمة من الأراضي العراقية، مؤكدة أن الضبط جاء نتيجة تكثيف عمليات التفتيش ورفع مستوى الجاهزية في منفذ التنف. وأضافت الهيئة أنها مستمرة في تشديد الرقابة على حركة الشاحنات والبضائع، بما يحد من عمليات التهريب ويعزز الأمن الاقتصادي.

وفيما تتواصل التحقيقات الأمنية، تؤكد وزارة النفط أن مسؤوليتها تنتهي عند تحميل الشحنة من المصفى.

ويقول المتحدث باسم الوزارة سليم الركابي، لـ”درج”، إن الشحنات التي تصدر إلى سوريا ليست نفطاً خاماً، وإنما منتج زيت الوقود، ويباع بموجب عقود شراء مع شركات خاصة، تنتهي مسؤولية وزارة النفط بمجرد تحميل المادة في الصهريج داخل المصفى.

ويضيف أن الشركات المشترية هي التي تتولى إجراءات النقل والحصول على أذونات المرور داخل الأراضي العراقية، بينما تخضع حركة الصهاريج لإجراءات الجهات الأمنية وهيئة المنافذ الحدودية حتى مغادرتها البلاد.

ويشير الركابي إلى أن حجم الصادرات عبر هذا المسار يختلف من فترة إلى أخرى تبعاً لعدد الصهاريج وسرعة التفريغ في الجانب السوري، موضحاً أن المعدل بلغ خلال الشهر الماضي نحو 20 ألف طن يومياً من زيت الوقود.

ويؤكد أن العراق يمتلك منافذ تصدير أخرى عبر الموانئ الجنوبية، إضافة إلى مسارات قائمة مع تركيا والأردن، إلا أن الطريق السوري يمثل خياراً مهماً ضمن سياسة تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مسار واحد.

من جانبها، تنفي وزارة النقل أي علاقة لها بحركة ناقلات النفط المتّجهة إلى سوريا.

ويقول المتحدث الرسمي باسم الوزارة حسين أحمد، لـ”درج”، إن الوزارة لا تمتلك أسطولاً لنقل المشتقات النفطية أو المواد السائلة، وإن هذه المهمة تقع ضمن اختصاص مديرية توزيع المشتقات النفطية التابعة لوزارة النفط.

ويضيف أن الشركة العامة للنقل البري تمتلك شاحنات مخصصة لنقل البضائع والسلع المختلفة لصالح مؤسسات الدولة، لكنها لا تمتلك صهاريج لنقل المنتجات النفطية، كما أن حركة الصهاريج العابرة للحدود تعتمد بصورة أساسية على شركات النقل الخاصة.

ويشير إلى أن دور الوزارة يقتصر على تنظيم بعض العمليات المرتبطة باتفاقية “التير” الخاصة بالنقل الدولي، بينما تخضع بقية الشاحنات لإجراءات هيئة المنافذ الحدودية والأجهزة الأمنية المختصة.

ويعني ذلك، بحسب أحمد، أن إجراءات التفتيش والرقابة على الصهاريج تقع خارج مسؤولية وزارة النقل، الأمر الذي يجعل نتائج التحقيقات الأمنية حاسمة في تحديد الجهة التي سمحت بمرور الشحنة.

ويرى الأكاديمي والمتخصص في الشأن النفطي كوفند شيرواني، أن تداعيات الحادثة تتجاوز التحقيق الأمني، لأنها تمس أحد المسارات التي يُعوَّل عليها لتنويع منافذ تصدير النفط، فيما تزداد الحاجة إلى بدائل بعد الاضطرابات التي شهدتها طرق التصدير التقليدية.

ويقول شيرواني، لـ”درج”، إن السلطات السورية ستتعامل، على الأرجح، مع الواقعة بوصفها مؤشراً إلى وجود ثغرة في إجراءات الرقابة، الأمر الذي سيدفعها إلى تشديد عمليات التفتيش على جميع الصهاريج العراقية المتجهة إلى ميناء بانياس، بغض النظر عن الجهة المصدرة أو طبيعة الحمولة.

ويضيف أن نقل النفط بواسطة الصهاريج يعد في الأساس أكثر بطئًا وكلفة من النقل عبر خطوط الأنابيب، وأن أي إجراءات إضافية على الحدود ستؤدي إلى إطالة مدة العبور ورفع كلفة النقل، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة الصادرات العراقية.

ويشير إلى أن مئات الصهاريج تنقل يومياً كميات تصل إلى نحو 100 ألف برميل من زيت الوقود، وهي لا تمثل سوى أقل من 7 في المئة من إجمالي صادرات العراق النفطية، إلا أن أهميتها لا تقاس بحجمها الحالي، بل بالدور الذي يمكن أن تؤديه مستقبلاً ضمن سياسة تنويع منافذ التصدير.

ويؤكد شيرواني أن الحادثة لا تضع المنفذ الحدودي وحده تحت الضغط، وإنما تمس أيضاً صورة العراق كشريك تجاري يسعى إلى توسيع التعاون مع سوريا في قطاع الطاقة، موضحاً أن استمرار مثل هذه الخروقات قد ينعكس على مستوى التعاون بين البلدين في مشاريع النقل والنفط.

ويضيف أن بغداد ودمشق تناقشان منذ سنوات مشاريع استراتيجية، من بينها إعادة إحياء خط الأنابيب الممتد من البصرة إلى حديثة ثم إلى ميناء بانياس، إلى جانب مشروع آخر يربط العراق بميناء جيهان التركي، وهي مشاريع تستهدف تقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية وفتح منافذ تصدير إضافية للأسواق العالمية.

ويرى أن نجاح هذه المشاريع لا يعتمد على التمويل أو الاتفاقات السياسية وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى ضمانات أمنية عالية، لأن الدول والشركات المستثمرة لن تغامر بضخ مليارات الدولارات في مسارات نقل يمكن أن تتحول إلى ممرات لتهريب الأسلحة أو البضائع غير المشروعة.

ويحذر شيرواني من أن تكرار مثل هذه الحوادث قد يمنح الدول المستوردة أو دول العبور مبررات لفرض قيود إضافية على حركة الشاحنات العراقية، وهو ما يتعارض مع هدف بغداد المعلن بتسهيل حركة التجارة وتعزيز موقعها بوصفها مركزاً إقليمياً للطاقة.

وبينما تواصل السلطات العراقية تحقيقاتها لمعرفة كيف تمكن صهريج واحد من اجتياز عشرات نقاط التفتيش والوصول إلى الحدود، تبدو القضية أبعد من محاولة تهريب أُحبطت في اللحظة الأخيرة. فالعراق لا يواجه اليوم تحدي كشف المسؤولين عن الخرق الأمني فحسب، بل أيضاً حماية واحد من أهم الخيارات التي يُعوَّل عليها لتنويع منافذ تصدير النفط.

من جهة أخرى، أعلنت قيادة شرطة الأنبار اعتقال اثنين من المتّهمين يُشتبه بتورطهما بعملية تهريب الأسلحة، ضمن”عملية نُفذت بإشراف قائد شرطة المحافظة اللواء عادل حامد رشيد وبالتنسيق مع وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية، بينما باشرت الجهات المختصة استكمال الإجراءات القانونية بحقهما”.   

وفي مرحلة تتزايد فيها المخاطر التي تحيط بالممرات التقليدية، يصبح الحفاظ على موثوقية الطريق المؤدي إلى بانياس جزءاً من الأمن الاقتصادي للعراق، لأن أي اهتزاز في الثقة بهذا المسار لن يقتصر أثره على حركة الصهاريج الحالية، وإنما قد يمتد إلى المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها بغداد لتقليل اعتمادها على الخليج، وفتح نافذة جديدة لصادراتها النفطية نحو البحر المتوسط.

وتكتسب الحادثة أهمية استثنائية في ظل تزايد الحديث عن تنويع منافذ تصدير النفط العراقي، بعدما أشار مرصد “إيكو عراق” الاقتصادي إلى أن البلاد خسرت نحو 350 مليون برميل من صادراتها النفطية، بما يعادل نحو 37.7 مليار دولار، نتيجة الاضطرابات التي طاولت طرق التصدير عبر مضيق هرمز، وهو ما أعاد إحياء مشاريع الربط مع سوريا، ولا سيما مسار بانياس، بوصفه خياراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية.

20.07.2026
زمن القراءة: 7 minutes

تمكّن الصهريج من اجتياز السيطرات الأمنية الممتدة على الطريق الدولي وصولاً إلى منفذ التنف، مستفيداً من عدم وجود أجهزة سونار متخصصة لفحص صهاريج السوائل، إضافةً إلى استخدام وسائل تمويه تمثلت في تغليف الأسلحة بأكياس عازلة وإغمارها بالنفط الأسود الكثيف، ما صعّب اكتشافها حتى بواسطة الكلاب البوليسية.

قال مصدر أمني عراقي رفض الكشف عن اسمه لـ”درج”، أن ضبط صهريج نفط مليء بالسلاح على الحدود السورية – العراقية “خرق أمني خطير”.

 وأوضح المصدر لـ”درج” أن الصهريج لم يعبر منفذاً حدودياً واحداً فقط، وإنما مرّ عبر سلسلة من السيطرات والقواطع الأمنية المنتشرة بين المحافظات، الأمر الذي وسّع نطاق التحقيق ليشمل جميع الجهات التي أشرفت على عمليات التفتيش والتدقيق منذ انطلاق الشحنة وحتى وصولها إلى الحدود.

ويرى مسؤول رفيع في محافظة الأنبار، تحدث لـ”درج”، أن التحقيقات الجارية هي التي ستحدد طبيعة الخلل الذي سمح بمرور الصهريج، موضحاً أن جميع الجهات الأمنية والمدنية المختصة كانت موجودة داخل منفذ الوليد، بما فيها هيئة المنافذ الحدودية، والجمارك، والمخابرات، والأمن الوطني، وشرطة الجمارك، الأمر الذي يجعل المسؤولية محصورة بين احتمالين: وجود تواطؤ من بعض العاملين، أو خلل فني في منظومة التفتيش.

وعلى إثر ذلك، وجّه القائد العام للقوات المسلحة بتشكيل لجنة تحقيق عليا تضم الجهات المختصة، لمراجعة جميع الإجراءات التي رافقت مرور الصهريج، والتنسيق مع الجانب السوري للحصول على تفاصيل العملية، مع التأكيد على محاسبة أي جهة يثبت تقصيرها أو تورطها.

كما باشرت اللجنة مراجعة سجلات السيطرات ومحاضر التفتيش الخاصة بالشاحنة، على أن تُرفع نتائجها خلال مدة لا تتجاوز الـ48 ساعة.

ما بعد هرمز! 

مرور شحنة أسلحة داخل صهريج يحمل أوراقاً رسمية لشحنة من زيت الوقود يضع مسار تجاوز إشكاليات مضيق هرمز  وإغلاقه المتكرر أمام تحدّ أمني قد ينعكس على حركة الصادرات العراقية، ويمنح الجانب السوري مبررات لتشديد إجراءات التفتيش، فيما تسعى بغداد إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع دمشق وتوسيع حركة التجارة والطاقة بين البلدين.

وتعود تفاصيل الحادثة إلى صهريج غادر الأراضي العراقية قبل أيام متجهاً إلى سوريا، بعدما قُدِّمت أوراقه الرسمية على أنه ينقل مادة “النفط الأسود”. وكانت فوهة الصهريج مغلقة ومختومة جمركياً، مع تعليمات بعدم فتحها قبل الوصول إلى الجهة المستوردة، بذريعة الحفاظ على سلامة الشحنة ومنع رفضها عند التسليم.

تمكّن الصهريج من اجتياز السيطرات الأمنية الممتدة على الطريق الدولي وصولاً إلى منفذ التنف، مستفيداً من عدم وجود أجهزة سونار متخصصة لفحص صهاريج السوائل، إضافةً إلى استخدام وسائل تمويه تمثلت في تغليف الأسلحة بأكياس عازلة وإغمارها بالنفط الأسود الكثيف، ما صعّب اكتشافها حتى بواسطة الكلاب البوليسية.

وانتهت الرحلة عند الجانب السوري، حيث أسفر تفتيش دقيق عن العثور على كميات كبيرة من الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة مخبأة داخل الخزان بطريقة احترافية.

وبالتزامن مع ذلك، أكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية الفريق عمر عدنان الوائلي، أن الهيئة بدأت تدقيق جميع مراحل التفتيش وتحديد المسؤوليات، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تقصيره، مشدداً على أن حماية المنافذ الحدودية تمثل جزءاً أساسياً من الأمن الوطني، وأن ما حدث يستدعي مراجعة شاملة للإجراءات الأمنية والفنية المعتمدة.

كما دعا إلى تعزيز التنسيق مع الجانب السوري عبر ضباط الارتباط، لضمان منع تكرار مثل هذه الخروقات، لافتاً إلى أن منفذ الوليد يشهد حركة عبور يومية كثيفة للشاحنات والصهاريج، ما يجعل الحفاظ على انسيابية العمل فيه أولوية اقتصادية وأمنية في آن.

من جهتها أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إحباط محاولة تهريب الشحنة، فيما قالت وزارة الداخلية السورية إن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الأسلحة كانت معدّة للعبور عبر الأراضي السورية لصالح حزب الله اللبناني.

ويؤكد المسؤول في محافظة الأنبار أن تعطل جهاز السونار، إذا ثبت، لا يبرر مرور الشحنة، لأن الفحص العيني يعدّ إجراءً أساسياً معمولاً به حتى قبل إدخال أجهزة الكشف الحديثة إلى المنافذ الحدودية.

ويضيف أن الموظف المتخصّص يصعد إلى الصهريج ويفتح الخزان للتأكد من طبيعة الحمولة عند تعذر استخدام أجهزة السونار، لذلك فإن وصول الصهريج إلى الجانب السوري من دون اكتشاف محتوياته يفرض مراجعة دقيقة لكل مرحلة من مراحل التفتيش، سواء تعلق الأمر بإهمال أو تقصير أو تواطؤ.

وعلى الرغم من استبعاد المسؤول إغلاق منفذ الوليد بسبب الحادثة، فإنه يرجح أن تفرض السلطات السورية إجراءات تدقيق أكثر صرامة على الشاحنات العراقية، وهو ما قد ينعكس على سرعة عبور الصهاريج المتّجهة إلى ميناء بانياس، ويزيد من كلفة النقل ومدة وصول الشحنات.

ويبدو أن تشديد الرقابة على الشاحنات العراقية بدأ بالفعل. فبعد أيام من إعلان ضبط شحنة الأسلحة، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إحباط محاولات عدة لتهريب كميات كبيرة من الدخان (السجائر) كانت مخبأة داخل شاحنات وصهاريج قادمة من الأراضي العراقية، مؤكدة أن الضبط جاء نتيجة تكثيف عمليات التفتيش ورفع مستوى الجاهزية في منفذ التنف. وأضافت الهيئة أنها مستمرة في تشديد الرقابة على حركة الشاحنات والبضائع، بما يحد من عمليات التهريب ويعزز الأمن الاقتصادي.

وفيما تتواصل التحقيقات الأمنية، تؤكد وزارة النفط أن مسؤوليتها تنتهي عند تحميل الشحنة من المصفى.

ويقول المتحدث باسم الوزارة سليم الركابي، لـ”درج”، إن الشحنات التي تصدر إلى سوريا ليست نفطاً خاماً، وإنما منتج زيت الوقود، ويباع بموجب عقود شراء مع شركات خاصة، تنتهي مسؤولية وزارة النفط بمجرد تحميل المادة في الصهريج داخل المصفى.

ويضيف أن الشركات المشترية هي التي تتولى إجراءات النقل والحصول على أذونات المرور داخل الأراضي العراقية، بينما تخضع حركة الصهاريج لإجراءات الجهات الأمنية وهيئة المنافذ الحدودية حتى مغادرتها البلاد.

ويشير الركابي إلى أن حجم الصادرات عبر هذا المسار يختلف من فترة إلى أخرى تبعاً لعدد الصهاريج وسرعة التفريغ في الجانب السوري، موضحاً أن المعدل بلغ خلال الشهر الماضي نحو 20 ألف طن يومياً من زيت الوقود.

ويؤكد أن العراق يمتلك منافذ تصدير أخرى عبر الموانئ الجنوبية، إضافة إلى مسارات قائمة مع تركيا والأردن، إلا أن الطريق السوري يمثل خياراً مهماً ضمن سياسة تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مسار واحد.

من جانبها، تنفي وزارة النقل أي علاقة لها بحركة ناقلات النفط المتّجهة إلى سوريا.

ويقول المتحدث الرسمي باسم الوزارة حسين أحمد، لـ”درج”، إن الوزارة لا تمتلك أسطولاً لنقل المشتقات النفطية أو المواد السائلة، وإن هذه المهمة تقع ضمن اختصاص مديرية توزيع المشتقات النفطية التابعة لوزارة النفط.

ويضيف أن الشركة العامة للنقل البري تمتلك شاحنات مخصصة لنقل البضائع والسلع المختلفة لصالح مؤسسات الدولة، لكنها لا تمتلك صهاريج لنقل المنتجات النفطية، كما أن حركة الصهاريج العابرة للحدود تعتمد بصورة أساسية على شركات النقل الخاصة.

ويشير إلى أن دور الوزارة يقتصر على تنظيم بعض العمليات المرتبطة باتفاقية “التير” الخاصة بالنقل الدولي، بينما تخضع بقية الشاحنات لإجراءات هيئة المنافذ الحدودية والأجهزة الأمنية المختصة.

ويعني ذلك، بحسب أحمد، أن إجراءات التفتيش والرقابة على الصهاريج تقع خارج مسؤولية وزارة النقل، الأمر الذي يجعل نتائج التحقيقات الأمنية حاسمة في تحديد الجهة التي سمحت بمرور الشحنة.

ويرى الأكاديمي والمتخصص في الشأن النفطي كوفند شيرواني، أن تداعيات الحادثة تتجاوز التحقيق الأمني، لأنها تمس أحد المسارات التي يُعوَّل عليها لتنويع منافذ تصدير النفط، فيما تزداد الحاجة إلى بدائل بعد الاضطرابات التي شهدتها طرق التصدير التقليدية.

ويقول شيرواني، لـ”درج”، إن السلطات السورية ستتعامل، على الأرجح، مع الواقعة بوصفها مؤشراً إلى وجود ثغرة في إجراءات الرقابة، الأمر الذي سيدفعها إلى تشديد عمليات التفتيش على جميع الصهاريج العراقية المتجهة إلى ميناء بانياس، بغض النظر عن الجهة المصدرة أو طبيعة الحمولة.

ويضيف أن نقل النفط بواسطة الصهاريج يعد في الأساس أكثر بطئًا وكلفة من النقل عبر خطوط الأنابيب، وأن أي إجراءات إضافية على الحدود ستؤدي إلى إطالة مدة العبور ورفع كلفة النقل، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة الصادرات العراقية.

ويشير إلى أن مئات الصهاريج تنقل يومياً كميات تصل إلى نحو 100 ألف برميل من زيت الوقود، وهي لا تمثل سوى أقل من 7 في المئة من إجمالي صادرات العراق النفطية، إلا أن أهميتها لا تقاس بحجمها الحالي، بل بالدور الذي يمكن أن تؤديه مستقبلاً ضمن سياسة تنويع منافذ التصدير.

ويؤكد شيرواني أن الحادثة لا تضع المنفذ الحدودي وحده تحت الضغط، وإنما تمس أيضاً صورة العراق كشريك تجاري يسعى إلى توسيع التعاون مع سوريا في قطاع الطاقة، موضحاً أن استمرار مثل هذه الخروقات قد ينعكس على مستوى التعاون بين البلدين في مشاريع النقل والنفط.

ويضيف أن بغداد ودمشق تناقشان منذ سنوات مشاريع استراتيجية، من بينها إعادة إحياء خط الأنابيب الممتد من البصرة إلى حديثة ثم إلى ميناء بانياس، إلى جانب مشروع آخر يربط العراق بميناء جيهان التركي، وهي مشاريع تستهدف تقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية وفتح منافذ تصدير إضافية للأسواق العالمية.

ويرى أن نجاح هذه المشاريع لا يعتمد على التمويل أو الاتفاقات السياسية وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى ضمانات أمنية عالية، لأن الدول والشركات المستثمرة لن تغامر بضخ مليارات الدولارات في مسارات نقل يمكن أن تتحول إلى ممرات لتهريب الأسلحة أو البضائع غير المشروعة.

ويحذر شيرواني من أن تكرار مثل هذه الحوادث قد يمنح الدول المستوردة أو دول العبور مبررات لفرض قيود إضافية على حركة الشاحنات العراقية، وهو ما يتعارض مع هدف بغداد المعلن بتسهيل حركة التجارة وتعزيز موقعها بوصفها مركزاً إقليمياً للطاقة.

وبينما تواصل السلطات العراقية تحقيقاتها لمعرفة كيف تمكن صهريج واحد من اجتياز عشرات نقاط التفتيش والوصول إلى الحدود، تبدو القضية أبعد من محاولة تهريب أُحبطت في اللحظة الأخيرة. فالعراق لا يواجه اليوم تحدي كشف المسؤولين عن الخرق الأمني فحسب، بل أيضاً حماية واحد من أهم الخيارات التي يُعوَّل عليها لتنويع منافذ تصدير النفط.

من جهة أخرى، أعلنت قيادة شرطة الأنبار اعتقال اثنين من المتّهمين يُشتبه بتورطهما بعملية تهريب الأسلحة، ضمن”عملية نُفذت بإشراف قائد شرطة المحافظة اللواء عادل حامد رشيد وبالتنسيق مع وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية، بينما باشرت الجهات المختصة استكمال الإجراءات القانونية بحقهما”.   

وفي مرحلة تتزايد فيها المخاطر التي تحيط بالممرات التقليدية، يصبح الحفاظ على موثوقية الطريق المؤدي إلى بانياس جزءاً من الأمن الاقتصادي للعراق، لأن أي اهتزاز في الثقة بهذا المسار لن يقتصر أثره على حركة الصهاريج الحالية، وإنما قد يمتد إلى المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها بغداد لتقليل اعتمادها على الخليج، وفتح نافذة جديدة لصادراتها النفطية نحو البحر المتوسط.

وتكتسب الحادثة أهمية استثنائية في ظل تزايد الحديث عن تنويع منافذ تصدير النفط العراقي، بعدما أشار مرصد “إيكو عراق” الاقتصادي إلى أن البلاد خسرت نحو 350 مليون برميل من صادراتها النفطية، بما يعادل نحو 37.7 مليار دولار، نتيجة الاضطرابات التي طاولت طرق التصدير عبر مضيق هرمز، وهو ما أعاد إحياء مشاريع الربط مع سوريا، ولا سيما مسار بانياس، بوصفه خياراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية.