منذ خطاب المرشد الأعلى علي خامنئي الذي وصف فيه المتظاهرين بأنهم مجموعة إرهابيين ومرتزقة ومثيري شغب، تغيّر التعريف الرسمي للمحتجّين في وسائل الإعلام الرسمية، وفي تصريحات المسؤولين الحكوميين في إيران.
في خطابه، أقرّ المرشد بوجود احتجاجات داخل البازار، من دون أن يكيل التهم، لكنّه ميّز بين المحتجّين والإرهابيين، فسمّى تجّار البازار محتجّين، أما المتظاهرون الذين انضمّوا إلى احتجاجات البازار فوصفهم بالإرهابيين، ما اعتُبر رخصة شرعية لتصعيد مستوى العنف ضدّ الشارع، وبدء عمليّات القتل العمد.
صنّف خامنئي في خطابه المتظاهرين ضمن فئتين، وحدّد في الوقت نفسه طريقة التعامل مع كلّ فئة. فئة المحتجّين التي من الممكن فهم مطالبها ودرسها، وفئة المشاغبين التي لا يمكن التحاور معها إلا بلغة القمع، إذ قال: “نتحدّث إلى المحتجّين… ولكن لا جدوى من التحدّث إلى المشاغبين”، أي أن هناك من نحاوره وهناك من نقتله.
فصل المشاغبين عن المحتجّين، والطريقة التي تمّ بها التعامل مع المتظاهرين المدرجين ضمن هاتين الفئتين، حوّل المواجهة في الشارع إلى مسرح للعنف العاري، فلم تتلكّأ أجهزة النظام وعلى رأسها استخبارات الحرس الثوري، لحظة في تنفيذ “أوامر” خامنئي، إذ شرع عناصرها يطلقون النار على المتظاهرين، وكأنهم في رحلة صيد، كما قال أحد الناجين من رصاصهم. وفي ليلة الثامن من كانون الثاني/ يناير وحدها، سقط أكثر من ألف قتيل، واقتُلعت أعين أكثر من ألفين آخرين، عدا آلاف المعتقلين، كما أشارت وسائل إعلام معارضة ومنظّمات حقوقية محلّية.
لذلك، شهدنا بعد الخطاب مباشرة، كيف تنقّلت المجازر في كلّ أنحاء إيران، لا سيّما في طهران، التي سقط فيها مئات المتظاهرين بالرصاص الحيّ، في ما عُدّ جريمة ضدّ الإنسانية بحسب منظّمات حقوقية.
ومع ذلك، استمرّت الاحتجاجات وانتشرت على نطاق أوسع، الى درجة أنه بدخولها أسبوعها الثالث، لم يعد هناك مكان تقريباً في إيران لم يشهد سيلاً بشرياً هادراً، سواء في الحواضر الكبرى أو في الأرياف أو في الأطراف، وكلّ التظاهرات يُسمع فيها هتاف: “الموت للديكتاتور، الموت لخامنئي”.
تعقيباً على تصعيد خامنئي لهجته، أبلغ رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجه إي، المتظاهرين عبر وسائل الإعلام، أنه انتهى وقت التساهل وحان وقت الجدّ، وأمر النائب العامّ والمدّعين العامّين في جميع أنحاء البلاد بعدم إظهار أيّ تعاطف أو رحمة تجاههم، كما هدّد أحمد رضا رادان قائد قوّات الشرطة ومكافحة الشغب، الذي يملك تاريخاً أسود في التعامل العنيف مع المتظاهرين منذ احتجاجات “الحركة الخضراء”، بمواجهة مثيري الشغب حتى آخر واحد فيهم. بدوره، طلب حسين يكتا، وهو قائد في قوّات “البسيج”، من الأهالي منع أبنائهم من الخروج إلى الشوارع، وقال: “إذا قتلهم رجال الأمن فلا تشتكوا لاحقاً!”. يكتا سبق أن حمّل أهالي المتظاهرين خلال احتجاجات شهدتها إيران من قبل، منها “الحركة الخضراء”، مسؤوليّة حدوث أيّ مكروه لأبنائهم المشاركين في الاحتجاجات. واللافت أن وكالة أنباء “فارس” المقرّبة من الحرس الثوري، تفوّقت على نفسها وعلى الجميع، إذ استخدمت مصطلح “زومبي” لوصف المتظاهرين.
على خط المعارضة التقليدية، وصف رئيس الجمهورية الإصلاحي مسعود بزشكيان، المتظاهرين في أوّل موقف رسمي له، بأنهم “مثيرو شغب” و”إرهابيون”، ودعا قوّات الأمن إلى اتّخاذ إجراءات حاسمة وفورية ضدّهم، وادّعى أنهم يتلقّون أوامرهم مباشرة من الولايات المتّحدة الأميركية وإسرائيل، وأن الدولتين الآنفتين درّبتا سابقاً مجموعات منهم ثم أرسلتهم إلى إيران لينفّذوا عمليّات إرهابية. واتّهم المتظاهرين بأنهم يخطفون رجال الأمن ثم يقطعون رؤوسهم، كما كان يفعل تنظيم “داعش”، متماهياً مع وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري التي عمّمت هذه الرواية.
إقرأوا أيضاً:
في موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران سابقاً، كان المرشد والنظام والأجهزة الأمنية، يكتفون بوصف المحتجّين بمثيري الشغب فقط، لتبرير قمعهم بطرق عنيفة، لكن هذه المرّة اعتمدوا وصفهم بالإرهاب لتبرير قتلهم. آنذاك، كان بزشكيان الذي وافق اليوم على مصطلح “إرهابيين”، يمتنع حتى عن استخدام مصطلح “أعمال الشغب” لوصف الاحتجاجات، كان حينها يعتزم الترشّح للانتخابات الرئاسية، وكان بحاجة إلى أصوات المعارضين والمعسكر الإصلاحي، الذي يوافق عادة على حركات الاحتجاج. حتى حسن الخميني حفيد روح الله الخميني المؤسّس، الذي استعان به النظام لتلميع واجهته على رغم أنه مركون جانباً، تبنّى في مقابلة أجريت معه هذه التوصيفات، فيما وصف صحافيون ومفكّرون معارضون (إصلاحيون ومعتدلون) الاحتجاجات بأنها المرحلة الثانية من حرب إسرائيل ضدّ إيران. وتصديقاً لهذا الكلام، رفعت بلدية طهران جدارية ضخمة في إحدى الساحات الرئيسية في العاصمة، كُتب عليها أن الاحتجاجات الحالية هي “اليوم الثالث عشر” من الحرب الإيرانية – الإسرائيلية التي استمرّت 12 يوماً. وبحسب قول أحد الصحافيين المعارضين، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحرّك التظاهرات من البيت الأبيض، لأنه حين يهدّد بالتدخّل إلى جانب المتظاهرين، فمعناه أنه “يسعى الى حماية أرواح عملائه داخل إيران”.
يأتي تحديث المصطلحات المستخدمة لوصف المتظاهرين أو تصنيفهم، بالتزامن مع تقارير تتحدّث عن ارتفاع عدد القتلى إلى أرقام مهولة، وسعي معارضين في الخارج إلى تحضير ملفّ حقوقي لاتّهام النظام الإيراني بارتكاب جريمة ضدّ الانسانية أو جريمة قتل جماعي ظهرت صورها علناً.
فعلى رغم الجهود المتواصلة التي يبذلها النظام وأجهزته القمعية، لتبرير العنف غير المسبوق ضدّ المتظاهرين، بوصفهم ساعة بالإرهابيين، وساعة أخرى بالزومبي، ونسب عمليّات إطلاق نار وقطع رؤوس إليهم، فإن المجتمع الدولي والمنظّمات الحقوقية والإنسانية ووسائل الإعلام المعارضة تمكّنت من أن تكذّب هذه الادّعاءات، ووثّقت ما هو عكسها تماماً. إذ أعلن المفوّض السامي لمنظّمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتّحدة فولكر تورك، أنه من غير المقبول أن يصف المسؤولون الحكوميون المتظاهرين في إيران بأنهم إرهابيون، لتبرير استخدام العنف ضدّهم، ودعا إلى محاسبة الحكومة الإيرانية على “الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان”، خلال قمع الاحتجاجات الشعبية
وعليه، يمكن القول إن هدف النظام الإيراني من استخدام كلمة “إرهابيين” لوصف المتظاهرين، هو بمثابة إصدار رخصة لمواجهتهم بعنف غير محدود، كما أن تعمّد وسائل إعلامه الرسمية وغير الرسمية، بثّ صور ومقاطع فيديو للقتلى داخل أكياس بلاستيكية سوداء، هو دليل إضافي لتوسلّه العنف كأداة أخيرة لحماية وجوده، كما يمكن قراءة لجوئه إلى العنف لضمان بقائه في السلطة، كعلامة على بدء انحداره نحو هاوية النهاية، سواء كانت وشيكة أو مؤجّلة.
نقطة أخيرة تتعلّق باتّهام المتظاهرين بالانخراط في أنشطة إرهابية، وتلقّي مجموعات منهم تدريبات خارج إيران، فهذا بحدّ ذاته إدانة للنظام قبل أن يكون إدانة للمتظاهرين؛ إذا صحّ الاتّهام، إذ إنه يثبت فشله وفشل أجهزته الأمنية الحديدية واستخبارات الحرس الثوري، في حفظ الأمن وحماية البلاد من إمكانية نموّ جماعات إرهابية مدعومة من الأعداء في الداخل، على رغم ادّعائهم القوّة والتذاكي.
إقرأوا أيضاً:














