ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف نتذكّر المدن القبيحة بعد دمارها؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد الانفجار كان هناك خوف جماعي من أن نفقد المدينة مجدّداً بعدما فقدناها بعد الحرب الأهلية بسبب نظرة أو vision إعادة الإعمار التي لا تشبه بيروت والتي جعلت من وسط المدينة مدينة أشباح.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أتذكّر أنه بعد انفجار مرفأ بيروت، طُرح موضوع الذاكرة الجماعية بشكل ثوري، وكان هناك تركيز على أن نُشفى من هذا الانفجار بشكل صحّي، وحتى اليوم ما زلنا نصادف مبادرات للتروما الجماعية، والشفاء الجماعي، والتعبير بالفنّ وما إلى ذلك. المثير للاهتمام هو أن بيروت، المدينة التي لم يحتفظ أحد بذاكرتها الجماعية بعد الحرب الأهلية، هي اليوم بجيل جديد يفهم هذه التعبيرات والحالات، وكانت هذه المبادرات بمثابة خطوة جيّدة للشفاء، حتى من كيف تعامل أهلنا مع الحرب الأهلية، وكانت هذه المبادرات جيّدة أيضاً، لفكرة العدالة التي حُرمنا منها بعد الحرب الأهلية.

 بعد الانفجار، كان هناك خوف جماعي من أن نفقد المدينة مجدّداً، بعدما فقدناها بعد الحرب الأهلية، بسبب نظرة أو vision إعادة الإعمار التي لا تشبه بيروت، والتي جعلت من وسط المدينة مدينة أشباح. وجد الكثيرون من جيلي بيروت خاصّة به وتشبهه، وربما رسمها بطريقة معيّنة لتشبهه. مع النضج تتغيّر نظرتنا للمدينة، ومنّا من يبحث عن مدينة أكثر ترويضاً وأقلّ فوضى من بيروت، ومنّا من يستسلم لكلّ هذه الفوضى.

مرّت 5 سنوات على انفجار بيروت، ومرّت أشهر على دمار مدينتي الثانية؛ الضاحية الجنوبية. ولدت وعشت وتربّيت في منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية، وهي قرية أمّي التي عاش أجدادها فيها. اعتبر الكثيرون من سكّان البرج أن قريتهم منفصلة عن الضاحية بسبب طابعها القروي، حيث كانت ملأى بالأراضي الزراعية وكان سكّانها أصليين. لاحقاً، أخذت البرج الطابع العمراني الخاصّ بالضاحية، وغالباً ما فقدت طابعها المرتبط بالذاكرة الجماعية لأهلها، وحتى “جلّ” جدّي تحوّل إلى باركينغ. 

أما أنا شخصياً، فقد خرجت للمرّة الأولى من البرج إلى الضاحية، وتعرّفت على الضاحية شارعاً شارعاً، كنت أمشي من مدرستي من المريجة أحياناً، وفيما بعد من ثانويتي من الغبيري إلى البرج، ولاحقاً تعرّفت على أصدقاء يعيشون في الضاحية، وأصبحت هذه المدينة كلّ ذاكرتي.

بعد 4 سنوات من حرب تمّوز، ذهبت للمرّة الأولى إلى بئر العبد، وهذه كانت أوّل صدمة لي. أتذكّر أنه في صغرنا كنّا نزور ابن خالتي في بئر العبد، وكنت لسبب ما، لا أعرف كيف يبدو شكل بئر العبد حيث كنّا نلعب هناك، لكن حينما ذهبت للمرّة الأولى إليها بعد إعادة الإعمار، لم أفهم شيئاً، وكأنها كانت المرّة الأولى التي أزور فيها هذه المنطقة، ومن هناك تشكّلت عندي ذاكرة جديدة للضاحية، بعد وقت كانت تمحوها الأبنية الجديدة، والاستثمارات والمحلّات التي تُبنى، والآن، كلّ هذه الذاكرة مُحيت بالفعل، لكن من دون أن ينتبه أحد إلى الصدمة الجماعية، أو التعبير، أو الذاكرة. كلّ هذه المصطلحات لم تعنِ شيئاً بعد الحرب الأخيرة، وكأن هذه المدينة اعتادت على الدمار.

الضاحية مدينة قبيحة، ولا أعني بالشكل العمراني، أو أشرطة الكهرباء، أو زحمة السيارات، أو الاكتظاظ السكّاني، أو الموتسيكلات، بل هي قبيحة بجوهر طبيعة الحياة فيها. والقبح يعني أن يموت طفل لأنه تسمّم من سناك الحيّ بعدما نفق جرذ في برميل الكبيس، أو أن يموت شخص بالخطأ بسبب مشكل بين شخصين، لا يعلم حتى من هما، أو أن يطوف منزل صديقتنا زينب في الأوزاعي بالماء. 

الفقر قبيح في كلّ الأحوال، والضاحية كانت دائماً منزلاً للفقراء واللاجئين والفارّين من القانون والهاربين من الحرب، ولهذا ربما الذاكرة الجماعية فيها غير مهمّة للبعض في لبنان. فأي مبادرة ستجمع كلّ هذه الشخصيّات لتتكلّم عن الذاكرة؟

الدمار في الضاحية يقطّع القلب. أتذكّر أنه لحظة إعلان وقف إطلاق النار ذهبت إلى هناك وأنا أقود سيارتي، وبدأت بالبكاء بسبب الدمار ولأن المعالم تغيّرت، تماماً كما بكيت حينما شاهدت بيروت بعد انفجار المرفأ. 

لا أعلم ماذا يعني أن تُقتل ذاكرتي الجماعية بهذا الشكل، ولا أعلم ماذا يشكّل ذاكرتي الجماعية. أتذكّر أنه وقت إعلان قصف “حرقوص تشيكن”، شعرت أن ذاكرتي بدأت بالتلاشي، ولا أعلم لماذا شعرت أن “حرقوص تشيكن” جمعني بكلّ السكّان هناك. 

إسرائيل تفعل ذلك، تقتل الذاكرة الجماعية، وتدمّر معالم المدينة التي عرفناها، كجزء من الإبادة الثقافية، وطمس ذاكرة من تبقّى، كي يبقوا أسرى جرح الخسارة والدمار الذي يشبه جرح التخلّي. أذكر أن أهالي البرج شعروا بصدمة حينما قُصف فرن السيّاد؛ وهو فرن قديم في البرج تأسس في عام 1950، كان تدميره صدمة لأنه جزء من الذاكرة الجماعية التي لا يكترث لها أحد.

مرّت 5 سنوات على انفجار 4 آب، وكان الشفاء من هذا الانفجار صعب بالنسبة لي، وكانت كلّ المبادرات المتعلّقة بالذاكرة مثيرة للإعجاب، رغم أنها تعلّقنا بفكرة هشّة وتنسينا الفكرة الأساسية وهي العدالة. فكم واحد منّا شارك في مظاهرة أو “وقفة تضامنية” مع ضحايا الانفجار في السنوات الأخيرة؟

المحزن أنّ الحرب الأخيرة انتصرت عليّ وكسرت هذا التعلّق بالمدن. الدمار في الضاحية جعلني أصل إلى فكرة أن المدن يمكن أن تُمحى، وأن يتمّ إعادة إعمارها، والذاكرة الجماعية لا أعلم ماذا تعني حتى، لا أعلم ما تعريفها، وماذا تشكّل لي. هل هي فرن؟ أو مطعم دجاج؟ أو هي تلك الطرقات الصغيرة التي مشيتها من الغبيري حتى البرج لأكتشف المزيد من الطرق المختصرة في كلّ مرّة؟ هل هي منزل جدّي في حارة حريك الذي علّمته إسرائيل لتقصفه ونسيت أن تقصفه؟ أم هي منزل طفولتي الذي دُمّر أصلاً؟ هل هي مقبرة الرادوف التي لم تعنِ لي الكثير قبل موت أمّي؟ أم هي حديقة جدّتي التي تحوّلت إلى باركينغ؟ هل هي مدرسة الغبيري التي التقيت بها بألف فتاة وتشاجرت مع 500 منهن؟ أم هي مصادفة أن تلتقي بحسن نصرالله في باركينغ منزل صديقتك؟ هل هي محلّ الCD في شارع عبد النور الذي كنت أمشي إليه لأشتري ألعاباً للكومبيوتر أنا وشقيقتي؟ أم هي شوفير فان رقم 4 الذي “شحط” المتحرّش من الفان؟ 

لا أعلم ما هي، لكن أعلم أنني أخاف أن أمرّ جنب كلّ هذه الأماكن لربما ذاكرتي ستخونني كما خانتني مع بئر العبد بعد حرب تمّوز، فأنا أعلم أن هناك احتمالاً أن تكون دمّرت، وللأسف إذا دمّرت لا يمكنني أن أفعل شيئاً سوى أن أتقبّل خسارتها سريعاً، وأن أمحوها من ذاكرتي من دون شفاء جماعي، ومن دون أن أتكلّم عن الموضوع، فأنا حتى ما عدت أملك أصدقاء في الضاحية.

لربما هذا انتصار إسرائيل عليّ، ألّا أحزن على شيء، وأحياناً يمكن أن نُهزم ونقول إنه ما عاد هناك مشاعر كافية، لأن الدمار أكبر من أن نصلّحه، وأكبر من أن نسمع عبارة “ستعود أجمل مما كانت” ونصدّقها. فما الذي سيعود أجمل مما كان؟ ومن سيعيد كلّ شيء؟ فمنزل الطفولة أيضاً تحوّل إلى باركينغ، وكأنّ الحيّ بأكمله انتظر أن تبقى مساحة جديدة لأنه ما عاد يتّسع للسيارات.

يقول والدي إن منزلنا الذي دُمر في شارع حاطوم، سيعود مع باركينغ تحت الأرض، وهناك خطة لأن يكون أجمل. من أخبره كلّ ذلك؟ لا أعلم. ولربما الهزيمة الجديدة هو أن أفقد الأمل في أن تعود الشوارع والأبنية والمحلّات، ولربما والدي لا يريد نوعاً جديداً من الهزائم، فبنى فكرة الباركينغ تحت الأرض كنوع من الانتصار إذا انقطع “الترامال”.

مع كلّ هذه التطورات والحلم بأن نصبح “أوعى”، لا يمكننا سوى أن نفقد الأمل ونشعر بهزيمة أو لا عدل. هناك مدن لا نشعر أنه يمكننا أن نعيد بناءها كما كانت، وهذا يمرّ بشكل عادي، إمّا لأنها قبيحة وإما لأن مشاعر سكّانها محتكرة لفئة معيّنة، أو لأننا بكلّ بساطة أُنهكنا من كلّ ما جرى، وهناك مدن أخرى تستحقّ أيّام عطل ومبادرات أفضل. 

يوم وقف إطلاق النار، لم تعطّل المنظّمة الفرنسية التي كنت أعمل معها، وهذا كان قرار من “الأجانب” طبعاً لأنهم لا يفهمون ما معني أن تُمحى المدن، وأن تحتاجي يوماً لتزوري مدينتك كي تشاهدي ماذا جرى، وكأنني أُجبرت على أن أشعر أن الضاحية مدينة غريبة بعيدة عن بيروت. 

ضواحي بيروت لا يُطلق عليها اسم “ضواحي”، هي جزء من بيروت، إلا الضاحية التي نشعر أنها كوكب آخر له حروبه الخاصّة وأشخاصه المنفردون.

 أشتاق إلى الضاحية القديمة قبل الموت والدمار، وإلى وجه عائلتي غير المتعب، أشتاق إلى بيروت القديمة التي عرفتها قبل النضج حينما لم أشعر بكلّ هذه الفوضى واللا عدالة. من الصعب اليوم أن أفهم ماذا أريد من كلا المدينتين، فهما مشوّهتان بالدمار والاحتكار، والسياسة التي لا تعجبني، وفوضى الصدمات التي نظنّ أننا نُشفى منها بينما نحن نعتاد عليها.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…

بعد الانفجار كان هناك خوف جماعي من أن نفقد المدينة مجدّداً بعدما فقدناها بعد الحرب الأهلية بسبب نظرة أو vision إعادة الإعمار التي لا تشبه بيروت والتي جعلت من وسط المدينة مدينة أشباح.

أتذكّر أنه بعد انفجار مرفأ بيروت، طُرح موضوع الذاكرة الجماعية بشكل ثوري، وكان هناك تركيز على أن نُشفى من هذا الانفجار بشكل صحّي، وحتى اليوم ما زلنا نصادف مبادرات للتروما الجماعية، والشفاء الجماعي، والتعبير بالفنّ وما إلى ذلك. المثير للاهتمام هو أن بيروت، المدينة التي لم يحتفظ أحد بذاكرتها الجماعية بعد الحرب الأهلية، هي اليوم بجيل جديد يفهم هذه التعبيرات والحالات، وكانت هذه المبادرات بمثابة خطوة جيّدة للشفاء، حتى من كيف تعامل أهلنا مع الحرب الأهلية، وكانت هذه المبادرات جيّدة أيضاً، لفكرة العدالة التي حُرمنا منها بعد الحرب الأهلية.

 بعد الانفجار، كان هناك خوف جماعي من أن نفقد المدينة مجدّداً، بعدما فقدناها بعد الحرب الأهلية، بسبب نظرة أو vision إعادة الإعمار التي لا تشبه بيروت، والتي جعلت من وسط المدينة مدينة أشباح. وجد الكثيرون من جيلي بيروت خاصّة به وتشبهه، وربما رسمها بطريقة معيّنة لتشبهه. مع النضج تتغيّر نظرتنا للمدينة، ومنّا من يبحث عن مدينة أكثر ترويضاً وأقلّ فوضى من بيروت، ومنّا من يستسلم لكلّ هذه الفوضى.

مرّت 5 سنوات على انفجار بيروت، ومرّت أشهر على دمار مدينتي الثانية؛ الضاحية الجنوبية. ولدت وعشت وتربّيت في منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية، وهي قرية أمّي التي عاش أجدادها فيها. اعتبر الكثيرون من سكّان البرج أن قريتهم منفصلة عن الضاحية بسبب طابعها القروي، حيث كانت ملأى بالأراضي الزراعية وكان سكّانها أصليين. لاحقاً، أخذت البرج الطابع العمراني الخاصّ بالضاحية، وغالباً ما فقدت طابعها المرتبط بالذاكرة الجماعية لأهلها، وحتى “جلّ” جدّي تحوّل إلى باركينغ. 

أما أنا شخصياً، فقد خرجت للمرّة الأولى من البرج إلى الضاحية، وتعرّفت على الضاحية شارعاً شارعاً، كنت أمشي من مدرستي من المريجة أحياناً، وفيما بعد من ثانويتي من الغبيري إلى البرج، ولاحقاً تعرّفت على أصدقاء يعيشون في الضاحية، وأصبحت هذه المدينة كلّ ذاكرتي.

بعد 4 سنوات من حرب تمّوز، ذهبت للمرّة الأولى إلى بئر العبد، وهذه كانت أوّل صدمة لي. أتذكّر أنه في صغرنا كنّا نزور ابن خالتي في بئر العبد، وكنت لسبب ما، لا أعرف كيف يبدو شكل بئر العبد حيث كنّا نلعب هناك، لكن حينما ذهبت للمرّة الأولى إليها بعد إعادة الإعمار، لم أفهم شيئاً، وكأنها كانت المرّة الأولى التي أزور فيها هذه المنطقة، ومن هناك تشكّلت عندي ذاكرة جديدة للضاحية، بعد وقت كانت تمحوها الأبنية الجديدة، والاستثمارات والمحلّات التي تُبنى، والآن، كلّ هذه الذاكرة مُحيت بالفعل، لكن من دون أن ينتبه أحد إلى الصدمة الجماعية، أو التعبير، أو الذاكرة. كلّ هذه المصطلحات لم تعنِ شيئاً بعد الحرب الأخيرة، وكأن هذه المدينة اعتادت على الدمار.

الضاحية مدينة قبيحة، ولا أعني بالشكل العمراني، أو أشرطة الكهرباء، أو زحمة السيارات، أو الاكتظاظ السكّاني، أو الموتسيكلات، بل هي قبيحة بجوهر طبيعة الحياة فيها. والقبح يعني أن يموت طفل لأنه تسمّم من سناك الحيّ بعدما نفق جرذ في برميل الكبيس، أو أن يموت شخص بالخطأ بسبب مشكل بين شخصين، لا يعلم حتى من هما، أو أن يطوف منزل صديقتنا زينب في الأوزاعي بالماء. 

الفقر قبيح في كلّ الأحوال، والضاحية كانت دائماً منزلاً للفقراء واللاجئين والفارّين من القانون والهاربين من الحرب، ولهذا ربما الذاكرة الجماعية فيها غير مهمّة للبعض في لبنان. فأي مبادرة ستجمع كلّ هذه الشخصيّات لتتكلّم عن الذاكرة؟

الدمار في الضاحية يقطّع القلب. أتذكّر أنه لحظة إعلان وقف إطلاق النار ذهبت إلى هناك وأنا أقود سيارتي، وبدأت بالبكاء بسبب الدمار ولأن المعالم تغيّرت، تماماً كما بكيت حينما شاهدت بيروت بعد انفجار المرفأ. 

لا أعلم ماذا يعني أن تُقتل ذاكرتي الجماعية بهذا الشكل، ولا أعلم ماذا يشكّل ذاكرتي الجماعية. أتذكّر أنه وقت إعلان قصف “حرقوص تشيكن”، شعرت أن ذاكرتي بدأت بالتلاشي، ولا أعلم لماذا شعرت أن “حرقوص تشيكن” جمعني بكلّ السكّان هناك. 

إسرائيل تفعل ذلك، تقتل الذاكرة الجماعية، وتدمّر معالم المدينة التي عرفناها، كجزء من الإبادة الثقافية، وطمس ذاكرة من تبقّى، كي يبقوا أسرى جرح الخسارة والدمار الذي يشبه جرح التخلّي. أذكر أن أهالي البرج شعروا بصدمة حينما قُصف فرن السيّاد؛ وهو فرن قديم في البرج تأسس في عام 1950، كان تدميره صدمة لأنه جزء من الذاكرة الجماعية التي لا يكترث لها أحد.

مرّت 5 سنوات على انفجار 4 آب، وكان الشفاء من هذا الانفجار صعب بالنسبة لي، وكانت كلّ المبادرات المتعلّقة بالذاكرة مثيرة للإعجاب، رغم أنها تعلّقنا بفكرة هشّة وتنسينا الفكرة الأساسية وهي العدالة. فكم واحد منّا شارك في مظاهرة أو “وقفة تضامنية” مع ضحايا الانفجار في السنوات الأخيرة؟

المحزن أنّ الحرب الأخيرة انتصرت عليّ وكسرت هذا التعلّق بالمدن. الدمار في الضاحية جعلني أصل إلى فكرة أن المدن يمكن أن تُمحى، وأن يتمّ إعادة إعمارها، والذاكرة الجماعية لا أعلم ماذا تعني حتى، لا أعلم ما تعريفها، وماذا تشكّل لي. هل هي فرن؟ أو مطعم دجاج؟ أو هي تلك الطرقات الصغيرة التي مشيتها من الغبيري حتى البرج لأكتشف المزيد من الطرق المختصرة في كلّ مرّة؟ هل هي منزل جدّي في حارة حريك الذي علّمته إسرائيل لتقصفه ونسيت أن تقصفه؟ أم هي منزل طفولتي الذي دُمّر أصلاً؟ هل هي مقبرة الرادوف التي لم تعنِ لي الكثير قبل موت أمّي؟ أم هي حديقة جدّتي التي تحوّلت إلى باركينغ؟ هل هي مدرسة الغبيري التي التقيت بها بألف فتاة وتشاجرت مع 500 منهن؟ أم هي مصادفة أن تلتقي بحسن نصرالله في باركينغ منزل صديقتك؟ هل هي محلّ الCD في شارع عبد النور الذي كنت أمشي إليه لأشتري ألعاباً للكومبيوتر أنا وشقيقتي؟ أم هي شوفير فان رقم 4 الذي “شحط” المتحرّش من الفان؟ 

لا أعلم ما هي، لكن أعلم أنني أخاف أن أمرّ جنب كلّ هذه الأماكن لربما ذاكرتي ستخونني كما خانتني مع بئر العبد بعد حرب تمّوز، فأنا أعلم أن هناك احتمالاً أن تكون دمّرت، وللأسف إذا دمّرت لا يمكنني أن أفعل شيئاً سوى أن أتقبّل خسارتها سريعاً، وأن أمحوها من ذاكرتي من دون شفاء جماعي، ومن دون أن أتكلّم عن الموضوع، فأنا حتى ما عدت أملك أصدقاء في الضاحية.

لربما هذا انتصار إسرائيل عليّ، ألّا أحزن على شيء، وأحياناً يمكن أن نُهزم ونقول إنه ما عاد هناك مشاعر كافية، لأن الدمار أكبر من أن نصلّحه، وأكبر من أن نسمع عبارة “ستعود أجمل مما كانت” ونصدّقها. فما الذي سيعود أجمل مما كان؟ ومن سيعيد كلّ شيء؟ فمنزل الطفولة أيضاً تحوّل إلى باركينغ، وكأنّ الحيّ بأكمله انتظر أن تبقى مساحة جديدة لأنه ما عاد يتّسع للسيارات.

يقول والدي إن منزلنا الذي دُمر في شارع حاطوم، سيعود مع باركينغ تحت الأرض، وهناك خطة لأن يكون أجمل. من أخبره كلّ ذلك؟ لا أعلم. ولربما الهزيمة الجديدة هو أن أفقد الأمل في أن تعود الشوارع والأبنية والمحلّات، ولربما والدي لا يريد نوعاً جديداً من الهزائم، فبنى فكرة الباركينغ تحت الأرض كنوع من الانتصار إذا انقطع “الترامال”.

مع كلّ هذه التطورات والحلم بأن نصبح “أوعى”، لا يمكننا سوى أن نفقد الأمل ونشعر بهزيمة أو لا عدل. هناك مدن لا نشعر أنه يمكننا أن نعيد بناءها كما كانت، وهذا يمرّ بشكل عادي، إمّا لأنها قبيحة وإما لأن مشاعر سكّانها محتكرة لفئة معيّنة، أو لأننا بكلّ بساطة أُنهكنا من كلّ ما جرى، وهناك مدن أخرى تستحقّ أيّام عطل ومبادرات أفضل. 

يوم وقف إطلاق النار، لم تعطّل المنظّمة الفرنسية التي كنت أعمل معها، وهذا كان قرار من “الأجانب” طبعاً لأنهم لا يفهمون ما معني أن تُمحى المدن، وأن تحتاجي يوماً لتزوري مدينتك كي تشاهدي ماذا جرى، وكأنني أُجبرت على أن أشعر أن الضاحية مدينة غريبة بعيدة عن بيروت. 

ضواحي بيروت لا يُطلق عليها اسم “ضواحي”، هي جزء من بيروت، إلا الضاحية التي نشعر أنها كوكب آخر له حروبه الخاصّة وأشخاصه المنفردون.

 أشتاق إلى الضاحية القديمة قبل الموت والدمار، وإلى وجه عائلتي غير المتعب، أشتاق إلى بيروت القديمة التي عرفتها قبل النضج حينما لم أشعر بكلّ هذه الفوضى واللا عدالة. من الصعب اليوم أن أفهم ماذا أريد من كلا المدينتين، فهما مشوّهتان بالدمار والاحتكار، والسياسة التي لا تعجبني، وفوضى الصدمات التي نظنّ أننا نُشفى منها بينما نحن نعتاد عليها.