ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف هُزم السوريون وانتصر حافظ الأسد! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عندما خرجنا إلى الشوارع، لم نكن فقط نريد وطناً لنا جميعاً، بل كنّا نريد، قبل هذا وأكثر منه، أن ننعتق… هذا ما عشته فعلاً خلال تلك الأيّام التي لا تُنسى، وما عاشه الجميع، ولكن، أين أصبحنا الآن؟! 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أحد معارفي منذ فترة الطفولة، الذي ما زال يُقيم في الحيّ القديم الذي كان فيه منزل أهلي في دمشق، كتب على حسابه في “فيسبوك”، إثر بدء الاشتباكات في جرمانا وصحنايا، الضاحيتين القريبتين من دمشق، حيث تقطن أغلبية درزية، داعياً “سيادة العميد محمد الجاسم (اللقب الرسمي الجديد لأبو عمشة) إلى القيام بما يجب القيام به تجاه أولئك… الدروز!”، حرفياً هكذا ومن دون تورية، ومن دون حتى أن يستخدم، على الأقلّ، الوصف الذي درج بُعيد سقوط نظام الأسد، وبدء عهد أحمد الشرع، تجاه كلّ ما هو غير “عربي سنّي”، بصفتهم إما “أقلّويين”، وإما “انفصاليين”، وإما “متآمرين على أمن البلاد ووحدتها (لقب الفلول صار حكراً على الطائفة العلوية) دعا “صديق الطفولة” هذا، “سيادة عميده”، إلى تكرار ما فعله بـ “العلويين” حتى يفهموا أن الله حقّ، ولا يعودوا إلى غيّهم مرّة أخرى. 

اقتبس مما ورد في بوست “صديق الطفولة” هذا، حيث إيراد البوست حرفياً كما كتبه، ليس أمراً مخجلاً جدّاً بالنسبة لي فحسب، بل إني أخشى إن أوردته حرفياً أن أتعرّض لأحدى نتيجتين: إما أن ترفض “درج” نشر المقال، بسبب فظاعة الألفاظ المستخدَمة فيه، حتى ولو كانت نقلاً عن مصدره، وإما أن أتعرّض أنا، ناقل الكلام، إلى مساءلة قانونية أجدها مشروعة جدّاً، بتهمة التشهير بأعراض الناس وكراماتهم! 

هذه عيّنة مقتبسة ومفلترة إلى أقصى درجة ممكنة، مما يرد ذكره بشكل يكاد يكون يومياً، من قِبل ما بتنا نطلق عليهم لقب “شبيحة النظام الجديد”، تجاه أية جهة ترفض الانصياع لحكم “السنّة”… هكذا، حرفياً، من دون أية إطالة، أو محاولة تخفيف حدّة الوصف. 

من جهتنا، كمذعورين مما بتنا نراه مؤخراً من سلوك أقرب إلى التوحّش منه إلى أي شيء آخر، من قِبل من كان يفترَض أنهم ضحايا اضطهاد نظام الأسد، قبل بضعة أشهر فقط، فإن النتيجة الطبيعية بالنسبة إلينا هي اليأس الذي سيوصلنا بالنتيجة إلى موقف “صديق طفولتي” نفسه، الذي ورد أعلاه، ولكن بشكل معكوس: ما دام هؤلاء يريدون الموت والإبادة لكلّ من يختلف عنهم، طائفياً أو عرقياً، وهو أمر لا يختاره المرء إطلاقاً، إنما يفرَض عليه منذ لحظة ولادته، فالحلّ الأمثل معهم ليس أقلّ من إبادة مضادّة! 

ولكن الحقيقة، ككلّ حقيقة، وهي نسبية دائماً بالمناسبة، تحتاج إلى بعض التأنّي والصبر، حتى ندرك بعضاً من ملامحها. عسى تلك الملامح بدورها، تُعيننا في رسم صورة الهول الذي عشناه، وما نزال نعيشه، كما هو، ومن دون أية محاولة للتجميل، وهذا فقط لندرك إلى أي مدى وضعنا بات على حافة الهاوية فعلاً، وبحاجة إلى طرق إنقاذ للبشر قبل أي اعتبار آخر، يجب طرحها بوضوح ومن دون مجاملة، أو خوف من أحد. 

عارياً… ولكن أين هي الحقيقة؟! 

بالنسبة إلى “صديق الطفولة” أعلاه، فأنا، كما غيري من سكّان حيّنا القديم، أعرف تماماً دافعه إلى قول ما قاله. الحقّ أنه يمكننا الحديث عن ألف دافع، وهذا ليس تبريراً لموقف متوحّش فعلاً، بقدر ما هو محاولة لفهمه، عسانا، بمعجزة إلهية (بات الإله برحمته، كما يحبّ عباده أن يصفوه، مطلوباً بإلحاح في سوريا الآن) نصل إلى أهم ما نحتاجه كبشر… حيث العيش، حتى ولو مُداسين بمليون حذاء، لا يُعفينا من المطالبة بحقّ أسمى وأهم بكثير من الكرامة نفسها: الحقّ في الفهم.  

“صديقي” هذا، كان قد اعتُقل مع بدء المظاهرات المضادّة للنظام في الحيّ. رصد المخبرون وقتها أحد أولاده بصفته مشاركاً وفعالاً جدّاً في تلك المظاهرات، ولم تستطع “الجهات المختصّة” إلقاء القبض عليه، النتيجة، أُخذ الأب عوضاً عن الابن. أبقوه في فرع المخابرات في المنطقة نفسها لمدّة يوم وليلة، ولما أدركوا أنهم لن يستطيعوا الاحتفاظ به لوقت أطول، لأن لديه أقارب نافذين من جهة أحد أفراد عائلته، ويمكن أن يتدخّلوا للإفراج عنه، قرّروا حسم الأمر وأطلقوه صبيحة اليوم التالي للاعتقال، ولكن عارياً تماماً… تكرّموا عليه بأن أبقوه محتفظاً بسرواله الداخلي فقط. 

المسافة الفاصلة بين بيته وفرع المخابرات في دمشق، كانت ما يقارب الألفي متر، قطعها الرجل عارياً تماماً تقريباً وحافياً على مرأى الجميع. لم يجرؤ أحد، ولا حتى سائق سيّارة عابرة، على عرض المساعدة عليه لإيصاله إلى المنزل. الجميع عرفوا لِمَ فُعل به هذا، من آثار التعذيب على جسده، وما هي الرسالة المراد إيصالها لهم عبر هذا الفعل.  

يمكن الحديث عن أسباب أخرى… الرجل نفسه كان موظفاً في مؤسّسة عسكرية، ويعرف تماماً أكثر من غيره بكثير، ما معنى ألا تكون علوياً في سوريا الأسد. 

لا أريد تبرير موقفه، أريد أن أفهم فقط، حيث يبدو أن معركتي، حتى الشخصية، مع نظام حافظ الأسد لم تنتهِ بعد، أو يبدو أنها انتهت، وأنا وبضعة غيري باتوا قلّة للأسف، وبعناد ممضّ ما زلنا مصرّين على أنه لم ينتصر. 

عدالة الضحايا!

ما فُعل بـ “صديقي”، وملايين غيره، من أبناء الطائفة السنّية، ولأنهم سنّة تحديداً، أمر لا يمكن نسيانه، ويجب أن يتمّ وضعه ضمن إطاره الصحيح، حتى نستطيع جميعاً تجاوزه. والإطار الصحيح الوحيد هو العدالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الموقف شديد التوحّش تجاه من يروه السنّة مضطهدي الأمس، مساهماً في المجزرة التي حدثت بحقّهم، ولو بصمته عنها، لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، وبالتالي فإن الخيار أمام من يرى نفسه ضحيّة، حتى لا يتحوّل بدوره إلى جلّاد، هو واحد من اثنين: إما أن يمضي بمطالبته بالعدالة الكاملة لكلّ الضحايا، في مواجهة جلاديهم الفعليين، وإما أن يرفض العيش مع من ما يزال يصرّ على أنهم جميعاً، هكذا بالجملة، كانوا جلاديه… لا هذا، ولا ذاك، تحقّق. 

لم ننل عدالة، وكبار جلّادي ومموّلي حقبة الأسد، يسرحون ويمرحون علناً وبحماية أمن النظام الجديد. هذا من دون ذكر أولئك المرتكبين من الفصائل الإسلامية المتحالفة مع “الهيئة”، وحتى مرتبكي “الهيئة” أنفسهم، من جرائم بحقّ النشطاء المدنيين، حيث العدالة لو تحقّقت، ستصل لا بدّ إلى أولئك، وإلى من هو أكبر منهم، ورأس وما زال “هيئة تحرير الشام” بجميع ارتكاباتها خلال فترة “إدلب العزّ”: أحمد الشرع شخصياً، صدر مؤخّراً قانون العدالة الانتقالية، الذي طال انتظاره، حاصراً مهامها في جرائم النظام فقط!  

ولا قبل “المنتصرين” بصيغة تفصّل فيها من يرون أنفسهم ضحايا عمّن يرونهم جلّاديهم، وكلّ هذا تحت شعارات وحدة الوطن، وأمن الوطن، والمؤامرات، ومرة أخرى بحقّ هذا “الوطن”! 

وفي النهاية صار هذا “الوطن” هو نفسه السجن الذي بناه حافظ الأسد، ليذلّ فيه كلّ من تسوّل له نفسه بناء وطن حقيقي لجميع أبنائه. 

كثر تساءلوا وعن حقّ، لو كان حافظ الأسد سنّياً، هل كانت “البيئة السنّية” الحاضنة للثورة، ستثور ضدّ نظامه؟ 

ما يقوله “صديقي”، بعد أن خرج من دور الضحيّة وصار جلّاداً، هو أنهم ما كانوا ليفعلوها… وهنا أجد نفسي مضطرّاً إلى أن أضع كلمتي، في مقابل كلمة “صديقي”، حيث شاركت بدوري في المظاهرات السلمية في أول أيّام الثورة، وأعرف كثراً، منهم “صديقي” نفسه، شاركوا على أمل ليس فقط بوطن لنا جميعاً، من دون استثناء، بل بما هو أبعد من ذلك بكثير. 

لم يكن أي منا مثالياً في شيء يتعلّق بحياته، أو عمله، أو أي من صلاته الأسرية، بل يمكنني القول إننا كنّا ننظر إلى أنفسنا بصفتنا سيّئين في كلّ هذا، كأزواج، وآباء وأمهات، وأصدقاء، وعشاق، ومهندسين، ومحامين، وأطباء أسنان، ومدرّسين، ومزارعين، وحتى سائقي تاكسي. لم يكن هناك شيء طبيعي في حيواتنا على الإطلاق، إذ بقي من تجرّأنا أخيراً على وصفه بـ “المقبور” يحكمنا حتى من قبره، معطلاً كلّ أمل بحياة طبيعية يمكن أن نعيشها، كما يعيش بقيّة البشر من حولنا. 

عندما خرجنا إلى الشوارع، لم نكن فقط نريد وطناً لنا جميعاً، بل كنّا نريد، قبل هذا وأكثر منه، أن ننعتق… هذا ما عشته فعلاً خلال تلك الأيّام التي لا تُنسى، وما عاشه الجميع، ولكن، أين أصبحنا الآن؟! 

ولادة جديدة… وموت

كانت الثورة بالنسبة إلينا جميعاً كلّ هذا، ومن أجل هذا خرجنا لأنها فرصتنا الأخيرة لنصبح ما كنّا نحلم دائما أن نكونه، وما جعل الأمر ممكناً، أو ما أعطى الأمنيات فرصتها في أن تنطلق، وتعبّر عن نفسها ضمن أهازيج كاملة ردّدناها جميعاً، هو أننا كنّا جميعاً معاً في تلك اللحظات، التي يفترَض أنها أعادت خلقنا جميعاً من جديد. 

كان يمكن لهذا أن يعاود الظهور بكلّ الأبّهة والقوّة والاندفاع التي امتلكها في أيّام الثورة الأولى، وبعد أربعة عشر عاماً من الدمار الكامل للبلاد والعباد، وكانت هذه الفرصة في التاسع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2024، في ساحة الأمويين، بعد أحد عشر يوماً بالضبط من سقوط الطاغية، عندما خرجت المظاهرة الأولى والأخيرة للأسف، المطالبة بسوريا علمانية لجميع مواطنيها. 

نعرف جميعاً ما حدث، وأشكّ في أن “صديقي” نفسه كان موجوداً في الساحة، ولن أظلمه وأقول إنه كان مع شبّيحة النظام الجديد الذين أطلقوا لحظتها تهمة “فلول”، بحقّ أولئك المطالبين بما يفترَض أنه كان موضع إجماع السوريين الثائرين في الأيّام الأولى للثورة، وأغلب الظنّ أنه وقف لحظتها متردداً وهو يرى كيف تمّ التشهير بكلّ من وقف هناك. 

لم تمضِ ساعات إلا وامتلأت “السوشال ميديا” بأقذع الألفاظ في وصف أولئك الذين تجرّأوا وخرجوا ضدّ النظام الجديد! مع أن الخروج لم يكن ضدّ أحد وقتها، بقدر ما كان محاولة لتأكيد ثوابت لا يمكن أن ننساها، والسلطة الجديدة ذات تاريخ “مشرّف” بالاستئثار بالحكم، بل وتجاه الحرّيات الشخصية حتى، لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، إلا إن قرّر أن يُعمي عينيه، ويمحو ذاكرته بنفسه. الحجّة كانت أن هناك من بين المشاركين في تلك المظاهرة من لهم تاريخ في التشبيح مع النظام! نُسي المئات ممن شاركوا في تلك المظاهرة، ومنهم من شارك في الثورة وبقي في سوريا رغم كلّ شيء، وتمّ التركيز على بضعة أفراد ليس إلا. 

ما زاد الطين بِلّة، أن بعض من يفترَض أنهم “نخبة” مثقّفي سوريا، بدأوا بترديد التهمة نفسها: فلول! من دون أخذ بعين الاعتبار للسياق الذي وُجدت فيه هذه الصفة في مصر، واختلاف السياقات بكلّ تفاصيلها بين سوريا ومصر، عشيّة سقوط النظامين المستبدّين فيهما. 

وصل التشهير ذروته، في التاسع من آذار/ مارس 2025، إثر بدء المذبحة ضدّ العلويين، وتجمّع عدد من المثقّفين والفنانين السوريين في ساحة المرجة، في وقفة صامتة للتضامن مع الضحايا المدنيين. هاجمهم شبّيحة النظام مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة ليس على “السوشال ميديا” بل مباشرة، وبأقذع الألفاظ، بل وصل الأمر إلى بداية اشتباكات بالأيدي، وفي هذه المرّة، لم يذكر أحد ممن هاجموا ذلك الاحتجاج، أن من بين المحتجّين من كانوا يعتبَرون رموزاً لثورة السوريين السلمية، قبل بضع ساعات فقط! 

أغلب الظنّ أن “صديقي” كان في ساحة المرجة في ذلك الوقت، ولكن ليس كمتفرج، محتار. أظنّه، في تلك اللحظة بالذات، حسم أمره وشارك في الاعتداء على المحتجّين. الفارق بين المظاهرة والوقفة كان قد مضى عليه شهران وعشرون يوماً، وهذه فترة طويلة جدّاً من عمر النظام الجديد، الذي أبدى شهية هائلة على الحشد والسيطرة، ولو فوق جثث الآلاف… ونجح. 

كنت أفضّل أن أُبقي على صورة “صديقي” في وقفته الأولى في ساحة الأمويين محتاراً؛ ففي مثل هذه اللحظات يظهر أنبل ما فينا كبشر، مدافعاً عما تبقى له من مكانة في أنفسنا، لحظة الصراع تلك هي ما يمكن أن يؤسّس لولادة جديدة، تماماً كما حدث معنا عندما انتصرنا على خوفنا من الوحش حافظ الأسد، ومضينا إلى الشوارع مطالبين باستعادة أنفسنا، ولكن للأسف، يبدو أنها كانت لحظة عابرة، نسيها معظم من شارك فيها. 

كان يفترَض بي أن أخلص إلى نتيجة هي أن “صديقي” وكثر من أمثاله، كانوا ضحيّة تلاعب النظام الجديد في سوريا بهم، هكذا افترضت وأنا أبدأ بكتابة هذا المقال، ولكن الحقيقة تكمن في مكان آخر. 

 نعم، تتحمّل عقود تجاوزت نصف قرن من الإذلال المستمرّ، المسؤولية الكبرى عمّا وصلنا إليه، ولكن إن بقينا نلوك هذه العبارة، فلن نخرج أبداً من دوامة الموت والموت المضادّ، وأن يستخدَم هذا الظلم الفادح لإحقاق حقّ شيء، وأن تستخدمه لتبرير ظلم مضادّ شيء آخر تماماً. هذه ليست مسؤولية النظام الجديد فقط، الذي يحاول، وبطريقة لا تخطئها عين، استغلال الأمر لتثبيت حكمه؛ هذه مسؤوليتنا جميعاً، قبل وأكثر من النظام الجديد. 

لحظة الحيرة تلك، كان يجب ألا تطول وأن تحسَم، كما حصل في المرّة الأولى عند بدء الثورة، لصالح الإنسان فينا، وهذا ما فشلنا في تحقيقه… بهذا، وبهذا فقط، ينتصر حافظ الأسد، ونُهزَم جميعاً. 

26.05.2025
زمن القراءة: 8 minutes

عندما خرجنا إلى الشوارع، لم نكن فقط نريد وطناً لنا جميعاً، بل كنّا نريد، قبل هذا وأكثر منه، أن ننعتق… هذا ما عشته فعلاً خلال تلك الأيّام التي لا تُنسى، وما عاشه الجميع، ولكن، أين أصبحنا الآن؟! 

أحد معارفي منذ فترة الطفولة، الذي ما زال يُقيم في الحيّ القديم الذي كان فيه منزل أهلي في دمشق، كتب على حسابه في “فيسبوك”، إثر بدء الاشتباكات في جرمانا وصحنايا، الضاحيتين القريبتين من دمشق، حيث تقطن أغلبية درزية، داعياً “سيادة العميد محمد الجاسم (اللقب الرسمي الجديد لأبو عمشة) إلى القيام بما يجب القيام به تجاه أولئك… الدروز!”، حرفياً هكذا ومن دون تورية، ومن دون حتى أن يستخدم، على الأقلّ، الوصف الذي درج بُعيد سقوط نظام الأسد، وبدء عهد أحمد الشرع، تجاه كلّ ما هو غير “عربي سنّي”، بصفتهم إما “أقلّويين”، وإما “انفصاليين”، وإما “متآمرين على أمن البلاد ووحدتها (لقب الفلول صار حكراً على الطائفة العلوية) دعا “صديق الطفولة” هذا، “سيادة عميده”، إلى تكرار ما فعله بـ “العلويين” حتى يفهموا أن الله حقّ، ولا يعودوا إلى غيّهم مرّة أخرى. 

اقتبس مما ورد في بوست “صديق الطفولة” هذا، حيث إيراد البوست حرفياً كما كتبه، ليس أمراً مخجلاً جدّاً بالنسبة لي فحسب، بل إني أخشى إن أوردته حرفياً أن أتعرّض لأحدى نتيجتين: إما أن ترفض “درج” نشر المقال، بسبب فظاعة الألفاظ المستخدَمة فيه، حتى ولو كانت نقلاً عن مصدره، وإما أن أتعرّض أنا، ناقل الكلام، إلى مساءلة قانونية أجدها مشروعة جدّاً، بتهمة التشهير بأعراض الناس وكراماتهم! 

هذه عيّنة مقتبسة ومفلترة إلى أقصى درجة ممكنة، مما يرد ذكره بشكل يكاد يكون يومياً، من قِبل ما بتنا نطلق عليهم لقب “شبيحة النظام الجديد”، تجاه أية جهة ترفض الانصياع لحكم “السنّة”… هكذا، حرفياً، من دون أية إطالة، أو محاولة تخفيف حدّة الوصف. 

من جهتنا، كمذعورين مما بتنا نراه مؤخراً من سلوك أقرب إلى التوحّش منه إلى أي شيء آخر، من قِبل من كان يفترَض أنهم ضحايا اضطهاد نظام الأسد، قبل بضعة أشهر فقط، فإن النتيجة الطبيعية بالنسبة إلينا هي اليأس الذي سيوصلنا بالنتيجة إلى موقف “صديق طفولتي” نفسه، الذي ورد أعلاه، ولكن بشكل معكوس: ما دام هؤلاء يريدون الموت والإبادة لكلّ من يختلف عنهم، طائفياً أو عرقياً، وهو أمر لا يختاره المرء إطلاقاً، إنما يفرَض عليه منذ لحظة ولادته، فالحلّ الأمثل معهم ليس أقلّ من إبادة مضادّة! 

ولكن الحقيقة، ككلّ حقيقة، وهي نسبية دائماً بالمناسبة، تحتاج إلى بعض التأنّي والصبر، حتى ندرك بعضاً من ملامحها. عسى تلك الملامح بدورها، تُعيننا في رسم صورة الهول الذي عشناه، وما نزال نعيشه، كما هو، ومن دون أية محاولة للتجميل، وهذا فقط لندرك إلى أي مدى وضعنا بات على حافة الهاوية فعلاً، وبحاجة إلى طرق إنقاذ للبشر قبل أي اعتبار آخر، يجب طرحها بوضوح ومن دون مجاملة، أو خوف من أحد. 

عارياً… ولكن أين هي الحقيقة؟! 

بالنسبة إلى “صديق الطفولة” أعلاه، فأنا، كما غيري من سكّان حيّنا القديم، أعرف تماماً دافعه إلى قول ما قاله. الحقّ أنه يمكننا الحديث عن ألف دافع، وهذا ليس تبريراً لموقف متوحّش فعلاً، بقدر ما هو محاولة لفهمه، عسانا، بمعجزة إلهية (بات الإله برحمته، كما يحبّ عباده أن يصفوه، مطلوباً بإلحاح في سوريا الآن) نصل إلى أهم ما نحتاجه كبشر… حيث العيش، حتى ولو مُداسين بمليون حذاء، لا يُعفينا من المطالبة بحقّ أسمى وأهم بكثير من الكرامة نفسها: الحقّ في الفهم.  

“صديقي” هذا، كان قد اعتُقل مع بدء المظاهرات المضادّة للنظام في الحيّ. رصد المخبرون وقتها أحد أولاده بصفته مشاركاً وفعالاً جدّاً في تلك المظاهرات، ولم تستطع “الجهات المختصّة” إلقاء القبض عليه، النتيجة، أُخذ الأب عوضاً عن الابن. أبقوه في فرع المخابرات في المنطقة نفسها لمدّة يوم وليلة، ولما أدركوا أنهم لن يستطيعوا الاحتفاظ به لوقت أطول، لأن لديه أقارب نافذين من جهة أحد أفراد عائلته، ويمكن أن يتدخّلوا للإفراج عنه، قرّروا حسم الأمر وأطلقوه صبيحة اليوم التالي للاعتقال، ولكن عارياً تماماً… تكرّموا عليه بأن أبقوه محتفظاً بسرواله الداخلي فقط. 

المسافة الفاصلة بين بيته وفرع المخابرات في دمشق، كانت ما يقارب الألفي متر، قطعها الرجل عارياً تماماً تقريباً وحافياً على مرأى الجميع. لم يجرؤ أحد، ولا حتى سائق سيّارة عابرة، على عرض المساعدة عليه لإيصاله إلى المنزل. الجميع عرفوا لِمَ فُعل به هذا، من آثار التعذيب على جسده، وما هي الرسالة المراد إيصالها لهم عبر هذا الفعل.  

يمكن الحديث عن أسباب أخرى… الرجل نفسه كان موظفاً في مؤسّسة عسكرية، ويعرف تماماً أكثر من غيره بكثير، ما معنى ألا تكون علوياً في سوريا الأسد. 

لا أريد تبرير موقفه، أريد أن أفهم فقط، حيث يبدو أن معركتي، حتى الشخصية، مع نظام حافظ الأسد لم تنتهِ بعد، أو يبدو أنها انتهت، وأنا وبضعة غيري باتوا قلّة للأسف، وبعناد ممضّ ما زلنا مصرّين على أنه لم ينتصر. 

عدالة الضحايا!

ما فُعل بـ “صديقي”، وملايين غيره، من أبناء الطائفة السنّية، ولأنهم سنّة تحديداً، أمر لا يمكن نسيانه، ويجب أن يتمّ وضعه ضمن إطاره الصحيح، حتى نستطيع جميعاً تجاوزه. والإطار الصحيح الوحيد هو العدالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الموقف شديد التوحّش تجاه من يروه السنّة مضطهدي الأمس، مساهماً في المجزرة التي حدثت بحقّهم، ولو بصمته عنها، لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، وبالتالي فإن الخيار أمام من يرى نفسه ضحيّة، حتى لا يتحوّل بدوره إلى جلّاد، هو واحد من اثنين: إما أن يمضي بمطالبته بالعدالة الكاملة لكلّ الضحايا، في مواجهة جلاديهم الفعليين، وإما أن يرفض العيش مع من ما يزال يصرّ على أنهم جميعاً، هكذا بالجملة، كانوا جلاديه… لا هذا، ولا ذاك، تحقّق. 

لم ننل عدالة، وكبار جلّادي ومموّلي حقبة الأسد، يسرحون ويمرحون علناً وبحماية أمن النظام الجديد. هذا من دون ذكر أولئك المرتكبين من الفصائل الإسلامية المتحالفة مع “الهيئة”، وحتى مرتبكي “الهيئة” أنفسهم، من جرائم بحقّ النشطاء المدنيين، حيث العدالة لو تحقّقت، ستصل لا بدّ إلى أولئك، وإلى من هو أكبر منهم، ورأس وما زال “هيئة تحرير الشام” بجميع ارتكاباتها خلال فترة “إدلب العزّ”: أحمد الشرع شخصياً، صدر مؤخّراً قانون العدالة الانتقالية، الذي طال انتظاره، حاصراً مهامها في جرائم النظام فقط!  

ولا قبل “المنتصرين” بصيغة تفصّل فيها من يرون أنفسهم ضحايا عمّن يرونهم جلّاديهم، وكلّ هذا تحت شعارات وحدة الوطن، وأمن الوطن، والمؤامرات، ومرة أخرى بحقّ هذا “الوطن”! 

وفي النهاية صار هذا “الوطن” هو نفسه السجن الذي بناه حافظ الأسد، ليذلّ فيه كلّ من تسوّل له نفسه بناء وطن حقيقي لجميع أبنائه. 

كثر تساءلوا وعن حقّ، لو كان حافظ الأسد سنّياً، هل كانت “البيئة السنّية” الحاضنة للثورة، ستثور ضدّ نظامه؟ 

ما يقوله “صديقي”، بعد أن خرج من دور الضحيّة وصار جلّاداً، هو أنهم ما كانوا ليفعلوها… وهنا أجد نفسي مضطرّاً إلى أن أضع كلمتي، في مقابل كلمة “صديقي”، حيث شاركت بدوري في المظاهرات السلمية في أول أيّام الثورة، وأعرف كثراً، منهم “صديقي” نفسه، شاركوا على أمل ليس فقط بوطن لنا جميعاً، من دون استثناء، بل بما هو أبعد من ذلك بكثير. 

لم يكن أي منا مثالياً في شيء يتعلّق بحياته، أو عمله، أو أي من صلاته الأسرية، بل يمكنني القول إننا كنّا ننظر إلى أنفسنا بصفتنا سيّئين في كلّ هذا، كأزواج، وآباء وأمهات، وأصدقاء، وعشاق، ومهندسين، ومحامين، وأطباء أسنان، ومدرّسين، ومزارعين، وحتى سائقي تاكسي. لم يكن هناك شيء طبيعي في حيواتنا على الإطلاق، إذ بقي من تجرّأنا أخيراً على وصفه بـ “المقبور” يحكمنا حتى من قبره، معطلاً كلّ أمل بحياة طبيعية يمكن أن نعيشها، كما يعيش بقيّة البشر من حولنا. 

عندما خرجنا إلى الشوارع، لم نكن فقط نريد وطناً لنا جميعاً، بل كنّا نريد، قبل هذا وأكثر منه، أن ننعتق… هذا ما عشته فعلاً خلال تلك الأيّام التي لا تُنسى، وما عاشه الجميع، ولكن، أين أصبحنا الآن؟! 

ولادة جديدة… وموت

كانت الثورة بالنسبة إلينا جميعاً كلّ هذا، ومن أجل هذا خرجنا لأنها فرصتنا الأخيرة لنصبح ما كنّا نحلم دائما أن نكونه، وما جعل الأمر ممكناً، أو ما أعطى الأمنيات فرصتها في أن تنطلق، وتعبّر عن نفسها ضمن أهازيج كاملة ردّدناها جميعاً، هو أننا كنّا جميعاً معاً في تلك اللحظات، التي يفترَض أنها أعادت خلقنا جميعاً من جديد. 

كان يمكن لهذا أن يعاود الظهور بكلّ الأبّهة والقوّة والاندفاع التي امتلكها في أيّام الثورة الأولى، وبعد أربعة عشر عاماً من الدمار الكامل للبلاد والعباد، وكانت هذه الفرصة في التاسع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2024، في ساحة الأمويين، بعد أحد عشر يوماً بالضبط من سقوط الطاغية، عندما خرجت المظاهرة الأولى والأخيرة للأسف، المطالبة بسوريا علمانية لجميع مواطنيها. 

نعرف جميعاً ما حدث، وأشكّ في أن “صديقي” نفسه كان موجوداً في الساحة، ولن أظلمه وأقول إنه كان مع شبّيحة النظام الجديد الذين أطلقوا لحظتها تهمة “فلول”، بحقّ أولئك المطالبين بما يفترَض أنه كان موضع إجماع السوريين الثائرين في الأيّام الأولى للثورة، وأغلب الظنّ أنه وقف لحظتها متردداً وهو يرى كيف تمّ التشهير بكلّ من وقف هناك. 

لم تمضِ ساعات إلا وامتلأت “السوشال ميديا” بأقذع الألفاظ في وصف أولئك الذين تجرّأوا وخرجوا ضدّ النظام الجديد! مع أن الخروج لم يكن ضدّ أحد وقتها، بقدر ما كان محاولة لتأكيد ثوابت لا يمكن أن ننساها، والسلطة الجديدة ذات تاريخ “مشرّف” بالاستئثار بالحكم، بل وتجاه الحرّيات الشخصية حتى، لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، إلا إن قرّر أن يُعمي عينيه، ويمحو ذاكرته بنفسه. الحجّة كانت أن هناك من بين المشاركين في تلك المظاهرة من لهم تاريخ في التشبيح مع النظام! نُسي المئات ممن شاركوا في تلك المظاهرة، ومنهم من شارك في الثورة وبقي في سوريا رغم كلّ شيء، وتمّ التركيز على بضعة أفراد ليس إلا. 

ما زاد الطين بِلّة، أن بعض من يفترَض أنهم “نخبة” مثقّفي سوريا، بدأوا بترديد التهمة نفسها: فلول! من دون أخذ بعين الاعتبار للسياق الذي وُجدت فيه هذه الصفة في مصر، واختلاف السياقات بكلّ تفاصيلها بين سوريا ومصر، عشيّة سقوط النظامين المستبدّين فيهما. 

وصل التشهير ذروته، في التاسع من آذار/ مارس 2025، إثر بدء المذبحة ضدّ العلويين، وتجمّع عدد من المثقّفين والفنانين السوريين في ساحة المرجة، في وقفة صامتة للتضامن مع الضحايا المدنيين. هاجمهم شبّيحة النظام مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة ليس على “السوشال ميديا” بل مباشرة، وبأقذع الألفاظ، بل وصل الأمر إلى بداية اشتباكات بالأيدي، وفي هذه المرّة، لم يذكر أحد ممن هاجموا ذلك الاحتجاج، أن من بين المحتجّين من كانوا يعتبَرون رموزاً لثورة السوريين السلمية، قبل بضع ساعات فقط! 

أغلب الظنّ أن “صديقي” كان في ساحة المرجة في ذلك الوقت، ولكن ليس كمتفرج، محتار. أظنّه، في تلك اللحظة بالذات، حسم أمره وشارك في الاعتداء على المحتجّين. الفارق بين المظاهرة والوقفة كان قد مضى عليه شهران وعشرون يوماً، وهذه فترة طويلة جدّاً من عمر النظام الجديد، الذي أبدى شهية هائلة على الحشد والسيطرة، ولو فوق جثث الآلاف… ونجح. 

كنت أفضّل أن أُبقي على صورة “صديقي” في وقفته الأولى في ساحة الأمويين محتاراً؛ ففي مثل هذه اللحظات يظهر أنبل ما فينا كبشر، مدافعاً عما تبقى له من مكانة في أنفسنا، لحظة الصراع تلك هي ما يمكن أن يؤسّس لولادة جديدة، تماماً كما حدث معنا عندما انتصرنا على خوفنا من الوحش حافظ الأسد، ومضينا إلى الشوارع مطالبين باستعادة أنفسنا، ولكن للأسف، يبدو أنها كانت لحظة عابرة، نسيها معظم من شارك فيها. 

كان يفترَض بي أن أخلص إلى نتيجة هي أن “صديقي” وكثر من أمثاله، كانوا ضحيّة تلاعب النظام الجديد في سوريا بهم، هكذا افترضت وأنا أبدأ بكتابة هذا المقال، ولكن الحقيقة تكمن في مكان آخر. 

 نعم، تتحمّل عقود تجاوزت نصف قرن من الإذلال المستمرّ، المسؤولية الكبرى عمّا وصلنا إليه، ولكن إن بقينا نلوك هذه العبارة، فلن نخرج أبداً من دوامة الموت والموت المضادّ، وأن يستخدَم هذا الظلم الفادح لإحقاق حقّ شيء، وأن تستخدمه لتبرير ظلم مضادّ شيء آخر تماماً. هذه ليست مسؤولية النظام الجديد فقط، الذي يحاول، وبطريقة لا تخطئها عين، استغلال الأمر لتثبيت حكمه؛ هذه مسؤوليتنا جميعاً، قبل وأكثر من النظام الجديد. 

لحظة الحيرة تلك، كان يجب ألا تطول وأن تحسَم، كما حصل في المرّة الأولى عند بدء الثورة، لصالح الإنسان فينا، وهذا ما فشلنا في تحقيقه… بهذا، وبهذا فقط، ينتصر حافظ الأسد، ونُهزَم جميعاً.