ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف يجني المزوّرون أرباحًا من أكثر أدوية السرطان مبيعًا في العالم؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مرضى يائسون، وحتى مستشفيات، وقعوا ضحايا لأدوية “كيترودا” مزيّفة، مع ما تحمله من عواقب قد تكون قاتلة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

نيكول صادق وإيزابيلا كوتا

بعد تشخيص إصابة والدة بهِنّاتا بيا بسرطان المريء عام 2020، عقدت بيا العزم على أن تكون مُسانِدة لا تفارقها. كان والدها قد توفي بالسرطان نفسه قبل ثلاث سنوات فقط، وقد دمّر رحيله تلك العائلة النيبالية المتماسكة.

تقول بيا لـ “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين“: “عندما مات والدي، كنت أبكي بلا توقف. لم نفعل ما يكفي”. “لكن عندما ماتت أمي، شعرت حقًا بأننا فعلنا كل ما بوسعنا”.

كانت بيا قد عادت من كليفلاند إلى نيبال لمدة ستة أشهر، بينما بقي زوجها دين فينكي، وهو طبيب أميركي، في الولايات المتحدة. هناك، اعتنت بوالدتها (63 عامًا) سيتا غوروونغ، خلال النهار، وعملت عن بُعد ليلًا مديرةَ مشروعات في شركة تكنولوجيا للرعاية الصحية، إلى أن بات من المستحيل عليها التوفيق بين ذلك كله.

تركت بيا عملها. دفعت آلاف الدولارات من أصل كلفة علاج غوروونغ، التي تجاوزت الـ40 ألف دولار. رافقتها إلى الهند لإجراء الفحوص والتصوير. وكانت تجلس إلى جوارها لساعات في المطبخ، تراقبها وهي تزداد هزالًا وتعجز في النهاية عن الأكل، بينما تُصرّ الأم على تعليمها طريقة إعداد وصفاتها المفضّلة.

تقول بيا، وهي اليوم في السادسة والثلاثين: “قالت لي مرة إنه لولا وجودي إلى جانبها، لكانت ماتت منذ زمن طويل”.

في أواخر عام 2022، ومع تدهور صحة غوروونغ، وصف لها طبيبها علاجًا مناعيًا باهظ الكلفة يُدعى “كيترودا”. وبناءً على توصية الطبيب، اشتريا الدواء من موظف في مستشفى في الهند يدير عملًا في “السياحة العلاجية”.

استمرت غوروونغ على الدواء لمدة شهرين، لكن لم يحدث أي تغيير. في 9 شباط/ فبراير 2023، وبعد عامين ونصف العام من جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي والمناعي المرهقة، توفيت في منزلها، وابنتها الكبرى وبيا إلى جانبها.

تقول بيا: “كنت أجد بعض السلام في فكرة أننا فعلنا كل شيء”. لكن هذا الشعور لم يدم طويلًا. بعد عام على وفاة غوروونغ، كانت أخت بيا تزورها في أوهايو عندما قرأت خبرًا صادمًا وأخبرتها: “عليك أن تجلسي أولًا قبل أن تسمعي هذا”. فقد نشرت صحيفة هندية أن الرجل الذي باعهما دواء السرطان لوالدتهما قد أُلقي القبض عليه. ووجّهت إليه شرطة نيودلهي وإلى آخرين تهم بيع أدوية مغشوشة، بعدما زعمت سجلات الشرطة أنهم عبّأوا قوارير تحمل ملصقات كيترودا وأدوية باهظة أخرى لعلاج السرطان بسائل مضاد للفطريات.

لم تُجرِ بيا أي اختبار على الدواء الذي تناولته أمها، ولم يخطر ببالها أنه قد يكون مزيفًا. لكن الخبر زرع في نفسها خوفًا مروّعًا: هل تكون قد أعطت والدتها أدوية مزيّفة؟ تقول: “شعرت بالخدر التام”. بالنسبة الى أشخاص يعانون أنواعًا معينة من السرطان، يشكل كيترودا شريان حياة؛ فهو قادر على إطالة أعمار بعض المرضى لسنوات، أو حتى شفائهم بالكامل.

يُنتَج كيترودا من شركة الأدوية العملاقة “ميرك وشركاه”، ويُستخدم لعلاج أكثر من اثني عشر نوعًا من السرطان، من بينها أنواع من سرطان الرئة وسرطان الثدي. لكن كلفته قد تكون مُدمّرة.

تتراوح كلفة الجرعة الواحدة من 200 ملغ من كيترودا بين 1,700 دولار في إندونيسيا و12 ألف دولار في الولايات المتحدة، بحسب تحليل أجراه الاتحاد الدولي لأسعار القوائم الحديثة. ويُعطى الدواء عادة عبر تسريب وريدي كل ثلاثة أسابيع، ويمكن أن يستمر العلاج لمدة تصل إلى عامين – أي ما يصل إلى 416 ألف دولار في الولايات المتحدة قبل الحسومات.

في عام 2025، شكّل “كيترودا” ما يقرب من نصف إيرادات ميرك البالغة 65 مليار دولار، ما جعله أكبر مصدر دخل للشركة. وقد عملت “ميرك” بلا كلل للإبقاء على هذا الوضع.

كشف تحقيق جديد بعنوان أرباح مرض السرطان The Cancer Calculus أنجزه الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين مع 47 شريكاً صحافياً حول العالم، بينهم موقع “درج”، أن ميرك استغلت نظام البراءات العالمي لدرء المنافسين. كما روّجت لاستخدام جرعة أعلى من “كيترودا” ممّا هو ضروري في كثير من الأحيان، ما رفع التكاليف على المرضى والمستشفيات، في إطار حملة شرسة لزيادة عائداتها.

ساهمت الأسعار المرتفعة الناتجة من ذلك في خلق فجوات هائلة في القدرة على الوصول إلى العلاج، تبعًا لمكان إقامة المرضى ومقدار ما يمكن لهم أو لحكوماتهم أو لشركات التأمين تحمّله من كلفة. وقد فتح هذا الواقع ثغرة خطِرة: فرصًا جديدة للمزوّرين للاستفادة ماليًا من الطلب على أدوية الأورام الباهظة فيما ترتفع معدلات السرطان في العالم.

قدّم الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وشركاؤه عشرات طلبات الحصول على سجلات عامة، وأجروا مقابلات مع محققين وخبراء، وتواصلوا مع باعة غير قانونيين، ليكتشفوا أن الزبائن غير المدركين الاحتيال لا يقتصرون على المرضى وحدهم، بل يشملون أيضًا مستشفيات.

روى مريض في المكسيك لمحطة Univision أنه تلقى جرعات من كيترودا مزيّف في مستشفى حكومي. وكانت روايته واحدة من حوادث عدة مثيرة للقلق رصدها الاتحاد في البلاد، إذ توفي ما لا يقل عن شخص واحد بعدما “أُعطي” جرعة من كيترودا مزيّف، بحسب شركة ميرك.

قال أنطوني زوك، نائب رئيس ميرك المساعد للأمن العالمي، في رسالة بريد إلكتروني إلى الاتحاد الدولي، إن “مجموعات إجرامية باتت تستهدف بصورة متزايدة الأدوية المنقذة للحياة”. وأضاف: “هذا التحول مدفوع بدوافع مالية”. ومع ذلك، دافعت ميرك عن سياسة تسعيرها في بيان للاتحاد.

وقالت يوهانا هيرمان، النائبة الأولى للرئيس وكبيرة مسؤولي الاتصالات في ميرك: “لدينا تاريخ طويل في تسعير أدويتنا بمسؤولية، بما يعكس قيمتها للمرضى، والدافعين، والمجتمع”.

تتوقع “منظمة الصحة العالمية” (WHO) أنه بحلول عام 2050 ستقفز معدلات السرطان إلى أكثر من 35 مليون حالة، أي بزيادة قدرها 77 في المئة مقارنة بعام 2022، مع تأثير غير متناسب على المرضى في البلدان منخفضة الدخل. وهؤلاء هم تحديدًا الأشخاص الذين يملكون أصلًا أقل قدر من الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، فضلًا عن علاجات الأورام الباهظة مثل كيترودا.

بالنسبة الى المزوّرين، تبدو المعادلة رابحة بالكامل. يقول كريس بوكنر، مؤسس شركة Investigative Consultants، وهي شركة تحقيقات خاصة مقرها كاليفورنيا تتعقب المنتجات المزيّفة، بما في ذلك الأدوية: “ربما يكلفهم إنتاج الدواء 10 دولارات بينما يبيعونه بـ 1,500 أو 2,000 أو 4,000 دولار”. فضلًا عن ذلك، إذا توفي مريض سرطان، فمن غير المرجّح أن يعرف أحد ما إذا كان سبب الوفاة السرطان نفسه أم تناول دواء مزيّف. ويضيف: “إنها الجريمة الكاملة”. وطالما ظل كيترودا مُسعَّرًا كسلعة فاخرة، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ظهور نسخ مقلدة رخيصة، وإلى دفع المزوّرين لاستغلال الفئات الأشد هشاشة.

بديل “عقلاني”

يُعرَف كيترودا بالاسم العلمي بيمبروليزوماب، ويُسخّر الجهاز المناعي للمريض لمهاجمة الخلايا السرطانية. وعلى عكس العلاج الكيميائي الذي يستهدف الخلايا سريعة الانقسام عمومًا، يمنع كيترودا المستقبل PD-1 على الخلايا المناعية من الارتباط ببروتين يمكن أن يعطّل قدرة الجسم على التعرّف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

يقول بيناي شاه، اختصاصي أمراض الدم والأورام الذي يعمل بين الولايات المتحدة ونيبال وشارك في تأسيس “مؤسسة بينايتارا” المعنية بتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية: “لقد غيّر قواعد اللعبة في طريقة إدارتنا للسرطان، كما تحسّنت بشكل كبير نتائج المرضى في الكثير من أنواع السرطان”.

لكن نجاح كيترودا تزامن مع ما وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه ارتفاع “مثير للقلق” في عدد الحوادث المبلَّغ عنها المتعلقة بمنتجات طبية دون المستوى أو مزيّفة حول العالم في السنوات الأخيرة. (فالمنتجات المزيّفة تُزوّر هويتها أو تركيبها أو مصدرها عمدًا، بينما المنتجات دون المستوى هي تلك التي تفشل في استيفاء معايير الجودة). ومنذ عام 2019، سجّلت المنظمة 36 بلاغًا عن منتجات من كيترودا المزيّفة، يمثّل كل منها “آلافاً عدة من الجرعات أو عددًا قليلًا منها فقط”، وفقًا لما ذكره متحدث باسمها. لكن هذه الأرقام على الأرجح لا تعكس سوى جزء من حجم المشكلة، جزئيًا لأنه من السهل إغفال الآثار السلبية الناجمة عن الأدوية المزيّفة، خصوصًا لدى مرضى السرطان.

تنتشر الأدوية المزيّفة بطرق عدة. فمثلًا، قد يتواطأ المزوّرون مع موظفين فاسدين في المستشفيات أو الصيدليات لسرقة عبوات أصلية، مثل قوارير كيترودا، وإعادة تعبئتها بمواد أخرى، وفقًا لما جاء في تقارير يوروبول، وكالة إنفاذ القانون في الاتحاد الأوروبي. ويمكن للمزوّرين أيضًا تزوير العبوات بالكامل. وبالنسبة الى غير المتخصصين، قد تبدو هذه المنتجات أصلية لكنها تحتوي على مكونات أو أرقام دفعات مختلقة – وهي مجموعة الحروف والأرقام التي تستخدمها الشركات لتتبع شحنات منتجاتها. وغالبًا ما تُباع هذه المنتجات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة مثل واتسآب، أو الأسواق الإلكترونية التي يلجأ إليها المرضى بحثًا عن بدائل أقل ثمناً. وقال متحدث منظمة الصحة العالمية إن “كميات كبيرة” من هذه النسخ المقلدة المتقنة “قد تكون في التداول”.

يقول تيم ماكي، أستاذ في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو وباحث في الصحة العامة، درس كيفية تسلّل نسخ مزيّفة من دواء السرطان Avastin إلى سلسلة الإمداد الأميركية عام 2012: “إن المستهلكين يبحثون بنشاط عن الأدوية خارج سلسلة الإمداد الخاضعة للرقابة”.

يمكن أن تقود محاولة العثور على دواء ميسور الكلفة، من دون قصد، إلى واحد من عشرات آلاف الصيدليات الإلكترونية التي تعمل بشكل غير قانوني، أو حتى إلى متجر يديره باعة متحايلون أو مجموعات من الجريمة المنظمة. وفي الحالتين، قد لا تكون المخاطر واضحة منذ البداية.

أحد هذه المتاجر يقع في حي إل سانتواريو، في قلب مدينة غوادالاخارا في المكسيك. الشارع الرئيسي هناك – الذي يحمل اسمًا دالًا هو “هوسبيتال” – يغصّ بالصيدليات غير النظامية. وبدلًا من المعاطف البيضاء، يرتدي الفتية والرجال الذين ينتحلون صفة الصيادلة قبعات ذات حواف مسطّحة.

سأل أحد هؤلاء “الصيادلة”، وهو رجل ضخم البنية يحمل وشم دمعة أسفل عينه، مراسلًا من فريق ICIJ الإعلامي “إل باييس” زار الحي في كانون الأول/ ديسمبر: “ماذا تريد يا رجل؟”. أجاب المراسل: “كيترودا”. ناداه الرجل إلى زميل داخل المتجر: “كيترودا؟”.

قال الزميل: “أعطني لحظة”. بحث في هاتفه فعثر على قارورة واحدة بتركيز 100 ملغ متوافرة. كان ثمنها 30 ألف بيزو (نحو 1,700 دولار) – أي ما يقارب ثلث السعر المعروض على الإنترنت من صيدليات في المكسيك.

قد يبدو شراء الدواء في بيئة كهذه أو عبر الإنترنت خطوة محفوفة بالمخاطر، لكن بالنسبة الى مرضى السرطان الذين لا يستطيعون تحمّل كلفة دواء، قد ينقذ حياتهم أو لا يتوافر لهم عبر القنوات الرسمية، فإن محاولة تأمينه من أي مكان ممكن تبدو “خيارًا منطقيًا إلى حد بعيد”، كما يقول ماكي. وأحيانًا، يكون هذا هو الخيار الوحيد.

البحث عن كيترودا

في أحد الأيام، حين كانت سيتا غوروونغ طالبة جامعية في وسط نيبال، مرّت بجانب لوحة إعلانات في الحرم ولاحظت أن أحدهم علّق عليها قصيدة. لاحقًا التقت كاتب القصيدة، ماهيندرا بيا، زميلها في الجامعة والرجل الذي سيصبح زوجها.

تقول بهِنّاتا بيا: “القصة هي أنها وقعت في حبّ الشاعر قبل أن تقع في حب أبي”.

كان الزوجان ينتميان إلى طبقتين اجتماعيتين وطَبَقِيّتَين مختلفتين، ما جعلهما ثنائيًا غير متوقَّع. تقول بيا: “هربا معًا إلى كاتماندو لأن عائلتيهما لم توافقا على علاقتهما أو على زواجهما”. وواصلا هذا النهج غير التقليدي في حياتهما الزوجية؛ إذ تولّى الأب دور ربّ المنزل المقيم مع الأطفال، فيما شغلت الأم وظيفة في شركة “الخطوط الجوية النيبالية”، متدرّجة من موظفة حسابات إلى مديرة في الإدارة المالية.

قالت بيا: “كان من النادر جدًا في ذلك الوقت أن تعمل امرأة، فضلًا عن أن تكون ناجحة. كانت مستقلة بشراسة بالنسبة الى امرأة نيبالية”.

في عام 2016، شُخِّصت إصابة ماهيندرا بيا بسرطان المريء، وتدهورت صحته بسرعة. وبعد نحو عام على مرضه، تلقّت بهِنّاتا اتصالًا من شقيقتها تطلب منها أن تعود إلى البيت. وما إن وصلت بيا مع زوجها إلى نيبال حتى استيقظا في منتصف الليل ليجدا والدها يفقد الوعي. انطلقوا مسرعين نحو المستشفى، وبيا تحتضن والدها في المقعد الخلفي للسيارة، لكنه فارق الحياة بين ذراعيها قبل أن يصلوا.

تقول بيا: “لمدة عامٍ كامل كان ذلك المشهد يُعاد ويُكرَّر في رأسي بلا توقف”.

حزنت غوروونغ طويلًا على وفاة زوجها، لكن حياتها بدأت ببطء تنفتح على آفاق جديدة. ففي عقدها السادس، قررت متابعة دراسات عليا في علم النفس الإرشادي.

في تلك الفترة تقريبًا، أصبحت غوروونغ – التي كانت دائمًا شديدة الحرص على صحتها – تخشى أن تُصاب هي أيضًا بسرطان المريء. رأت بيا أن والدتها تبالغ في مخاوفها، لكن ذات يوم “اتصلت بي، ربما بعد ثلاث سنوات، وقالت لي: “أنا في المستشفى وعندي ما كان عند والدك. وهم يقولون إنني سأموت أساسًا بسبب السرطان”، كما تروي. كانت غوروونغ قد بدأت بالفعل العلاج الكيميائي. تقول بيا: “بدا الأمر غير حقيقي”.

ساعدت بيا في نقل والدتها من المستشفى الذي عولج فيه والدها إلى منشأة طبية متطورة تقع على بعد نحو عشرة أميال جنوب كاتماندو، عاصمة نيبال. في البداية، أعجبها طبيب الأورام الجديد لدى والدتها، بانكاج بارمان، الذي بدا مهنيًا ومحترمًا ويصغي فعلًا لما تقوله أمها – وهو ما ترى أن أطباء والدها فشلوا في القيام به. وضع بارمان خطة علاج تضمنت العلاجين الكيميائي والإشعاعي، وبعد ستة أشهر دخلت غوروونغ في حالة سكون للمرض.

ولتأكيد خلو غوروونغ من المرض، أوصى بارمان بأن تُجري فحصًا متخصصًا في مستشفى يقع جنوب غربي نيودلهي. وأخبر العائلة أن رجلًا يُدعى نيراج تشوهان، وهو إداري مخضرم في أقسام الأورام بمستشفيات عدة في الهند، سيتولى تنسيق الزيارة. رافقت بيا والدتها إلى الهند، حيث قدّم تشوهان لهما المساعدة، وبالفعل أكّد الفحص أن غوروونغ في حالة سكون. لكن قبل عودتهما إلى نيبال، تقول بيا إن تشوهان وبارمان طلبا منهما “خدمة”: هل يمكنهما حمل بعض الأدوية لمرضى آخرين عبر الحدود؟

راود بيا الشك. لكن والدتها أصرت بإلحاح على تنفيذ طلب طبيبها، خشية أن يؤثر الرفض في طريقة تعامله معها.

بعد موافقتهما على الخطة، أوصل تشوهان الأدوية إلى فندقهما في صندوق من الستايروفوم مغلّف بكميات كبيرة من الشريط اللاصق. وعلى الرغم من أنهما لم تكونا تعرفان ما هي هذه الأدوية أو لمن تُرسَل، حملت غوروونغ وبيا الصندوق معهما إلى نيبال. وقيل لهما إنه لا لزوم للتصريح عن الحزمة على الحدود. وحتى في حينه، لم يكن الترتيب غريبًا تمامًا؛ إذ تتشارك الهند ونيبال حدودًا مفتوحة، وليس من غير القانوني نقل كميات صغيرة من الأدوية عبر الحدود للاستخدام الشخصي. وعند عودتهما إلى نيبال، أبلغهما بارمان عبر رسالة نصية بوجوب حفظ الحزمة في البرّاد وتسليمها إلى المستشفى في اليوم التالي.

واصل بارمان علاج غوروونغ كما من قبل، فوصف لها دواء نيفولوماب، وهو علاج مناعي شبيه بـ”كيترودا”، لمنع عودة السرطان. لكن بعد سبعة أشهر عاد المرض. وتقول بيا إن سماع هذا الخبر كان أقسى من تلقي تشخيص السرطان الأول؛ إذ بدا لها أن فترة السكون كانت “جيدة أكثر مما ينبغي لتكون حقيقية”، خصوصًا بعد وفاة والدها. عادت غوروونغ إلى تلقي العلاج الكيميائي، ثم سافرت هي وبيا مرة أخرى إلى الهند للحصول على رأي طبي ثانٍ.

ومجدّدًا، طلب منهما تشوهان وبارمان أن يُرجعا أدوية لمريض آخر. هذه المرة، بعث فينكي، زوج بيا، رسالة حادّة إلى بارمان يعبّر فيها عن “قلقه البالغ” من هذا الطلب. ويقول فينكي، الذي يعمل طبيبًا في الطب الباطني في جامعة كيس وسترن ريزيرف في أوهايو، إن خبرته جعلته شديد الإدراك لاختلال ميزان القوة بين الأطباء والمرضى في نيبال: “بالنسبة لي، كان ذلك إشارة تحذير ضخمة. إنه شكل من أشكال الإكراه”.

قال تشوهان إنه سيعثر على شخص آخر ليقوم بالمهمة أو سيتولاها بنفسه.

بعد بضعة أشهر، وصف بارمان دواء كيترودا، موضحًا للعائلة أن أمامها خيارين: يمكنها شراء كل جرعة من 200 ملغ مقابل 368 ألف روبية نيبالية، أي ما يعادل نحو 2,700 دولار آنذاك، من دون أن يحدّد المصدر، أو يمكنها شراء الدواء من خلال تشوهان، الذي “قد يتمكن من ترتيب سعر مخفَّض”، وفقًا لرسائل واتسآب شاركتها بيا مع ICIJ. في البداية، أجرت بيا أبحاثها الخاصة ووجدت دواءً مشابهًا يمكن لشركة نيبالية استيراده من بنغلادش. حاولت شراء الدواء من تلك الشركة مرات عدة، لكن “الجمارك كانت تواصل رفض الشحنة وإعادتها”، من دون شرح، كما تقول. وفي النهاية، لجأت العائلة إلى تشوهان.

تقول بيا إن مرضى آخرين نقلوا أيضًا دواء كيترودا من الهند إلى نيبال، تمامًا كما فعلت هي ووالدتها. كانت الجرعات تصل بشكل متقطّع، تبعًا لمواعيد سفر الناس بين البلدين. وفي إحدى المرات، تسلّمت عائلة غوروونغ كيترودا من مطار كاتماندو بعدما أرسله تشوهان مع أحد ركاب “الخطوط الجوية النيبالية”.  

قالت بيا لـ ICIJ: “لا فكرة لدينا من يكون هذا الشخص أصلًا. عندما التقينا به في المطار، قال إنه كان قلقًا جدًا عندما طُلب منه حمل الأدوية، لكنه ما إن سمع أنها قد تُساهم في علاج مريض سرطان حتى وافق على الفور”.  

توضح بيا أن العائلة دفعت في النهاية لتشوهان أكثر من 7,800 دولار مقابل ما قيل لهم إنه دواء كيترودا. وطبيب آخر، تولّى تحصيل المبلغ نيابة عن تشوهان، طلب منهم أن يكون الدفع نقدًا.  

تقول بيا: “كان سلوكهم مريبًا للغاية في كل ما يتعلّق بالأمر”، مضيفةً أن الطبيب نفسه طلب منها أن تدفع له على انفراد، بعيدًا عن أنظار أي شخص آخر. وقال محامي تشوهان، أنكيت فيرما، لـ ICIJ إن موكله نفى حدوث مثل هذه المدفوعات.  

تلقت غوروونغ جرعات التسريب لمدة شهرين، لكن السرطان واصل التقدّم إلى أن عجزت عن الأكل أو الكلام. تتذكر بيا الأسبوع الأخير من حياة والدتها فتقول: “نامت وبقيت على تلك الحال لمدة ستة أو سبعة أيام. قرأتُ مرةً أنهم يتنفسون بطريقة معيّنة قبل الموت مباشرة، وقد رأيت تلك الأنفاس تأتي، فذهبت وأحضرت أختي من الغرفة الأخرى وقلت لها: حان الوقت. بقينا إلى جوارها وأمسكنا بيدها… ثم رحلت”.  

أحرقت العائلة جثمان غوروونغ في الليلة نفسها، ثم نثرت لاحقًا جزءًا من رمادها في نهر باغماتي، أحد الأنهار المقدسة.  

عادت بيا إلى الولايات المتحدة واستأنفت عملها. لكن حزنها تجدد في عام 2024 عندما علمت أن تشوهان ونحو عشرة أشخاص آخرين اعتُقلوا في إطار ما وصفته السلطات بأنه شبكة لتزوير أدوية السرطان.  

وقالت شرطة نيودلهي إنها عثرت في شقة تشوهان على 519 قارورة فارغة تُستخدم لحقن أدوية السرطان وأكثر من 120 ألف دولار بعملات مختلفة. وتُظهر سجلات الشرطة أنه اعترف لاحقًا ببيع أدوية مزيّفة. وبحسب تلك السجلات، قال تشوهان إنه عمل مديرًا في أقسام الأورام بمستشفيات كبرى عدة في دلهي بين عامي 2006 و2022. وفي عام 2022 التقى، بحسب اعترافه، بفيفيل جاين، الذي وصفه المحققون بالعقل المدبّر للعملية. وقال تشوهان إن جاين ألهمه بالفكرة حين شرح له كيف كان يعيد تعبئة قوارير فارغة من أدوية علاج السرطان بدواء مضاد للفطريات، ثم يبيعها “بنصف سعر السوق” محققًا أرباحًا كبيرة.

ما زال تشوهان وبقية المتهمين بانتظار المحاكمة. وقال محامي تشوهان لـ ICIJ إن الاتهامات الموجّهة إلى موكله لا أساس لها، وإن الشرطة ضغطت عليه ليدلي باعتراف كاذب. وأضاف أن السلطات لفّقت ادعاءات العثور على قوارير فارغة ومبالغ نقدية في شقة تشوهان. وقال فيرما: “هو لم يرتكب أي خطأ”، زاعمًا أن تشوهان كان “يوفّر” أدوية أصلية لجاين، الذي غيّرها لاحقًا من دون علمه. كما نفى تشوهان، بحسب فيرما، أن يكون قد طلب من عائلة غوروونغ نقل أدوية من الهند إلى نيبال.  

أما بارمان، الطبيب الذي عالج غوروونغ، فأبلغ ICIJ في رسالة عبر واتسآب بأنه “لم يسمع أو يرَ أبدًا استخدام كيترودا مزيّف في أي مكان”. وأضاف أنه خلال جائحة كورونا لم تكن أدوية كثيرة متاحة في نيبال، وقد يكون المرضى حملوا “أدوية لبعضهم البعض خلال تلك الفترة الصعبة”. ولم توجّه السلطات أي اتهامات الى بارمان.  

خلال فترة علاج غوروونغ، لم يكن كيترودا – ولا يزال – معتمدًا للبيع في نيبال. ونفى بارمان وجود أي إهمال طبي، قائلًا إنه “كان يرسل المرضى إلى [تشوهان] بناءً على طلبهم إذا لم يتوافر دواء معيّن في نيبال”.  

وأضاف: “لقد تم ذلك كله بحسن نية وبهدف العلاج”.  

مشكلة عالمية  

بعد أكثر من عام على اطّلاع بيا على خبر كيترودا المزيّف في مقال صحافي، جاء خبر تلفزيوني من شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك ليؤكّد شكوك فرانسيسكو تشافيس بأن علاجه من السرطان كان مغشوشًا.  

شافيز، وهو منتج في قطاع الترفيه في الخمسينات من عمره، كان يدير جولات لفنانين – من بينهم ريكي مارتن وJ Balvin – في مدينة ميريدا. لكن في أواخر عام 2022، خسر 123 رطلًا وبدأت بشرته تميل إلى اللون الرمادي، كما روى لشريك ICIJ الإعلامي “يونيفيجن”. شُخّصت إصابته بورم سرطاني في الكلى أُزيل جراحيًا، لكن السرطان كان قد انتشر بالفعل إلى رئتيه. وصف له الأطباء في مستشفى “إلفيا كارّيو بوِرتو” الحكومي دواء كيترودا، وبعد الجرعة الرابعة عانى آثارًا جانبية مؤلمة: رجفات، وشلل مؤقت، وما وصفه بارتفاع خارج عن السيطرة في مستوى السكر في الدم. التقط شافيز صورًا لكل علبة من كيترودا تسلّمها.  

وبعد أيام من تلقّيه العلاج، قدّم شكاوى إلى ثلاث جهات رسمية، من بينها المؤسسة الحكومية التي تدير المستشفى الذي عولج فيه. وطالب بمعرفة محتوى القوارير التي حُقن بها، وبالاطلاع على الفواتير المتعلقة بشراء المستشفى كيترودا. كما طلب من المستشفى كشف عدد المرضى المتضررين، لكنه لم يتلقَّ أي رد.

أرسل شافيز إلى ميرك الصور التي التقطها، مرفقةً بنُسخ من الشكاوى التي قدّمها. وقالت الشركة لـ ICIJ إن موظفين من MSD، وهو الاسم الذي تُعرَف به ميرك خارج الولايات المتحدة وكندا، سافروا إلى المستشفى وجمعوا المواد المشتبه بها – ثلاثة نماذج من المنتج تحمل رقمَي تشغيل مختلفين – وأرسلوها إلى مختبر الخدمات الجنائية التابع لميرك في “وِست بوينت” بولاية بنسلفانيا. وأوضحت ميرك أن جمع العينات جاء في سياق تحقيق كانت تجريه الشركة بشأن المستشفى، وليس استجابة مباشرة لصور شافيز.

وبعد تحليل العينات، أرسلت MSD رسالة إلى شافيز جاء فيها أنه “تم تحديد مخالفات لا تتطابق مع خصائص المنتجات المصنَّعة أو الموزعة من شركتنا”. وذكرت الرسالة، الموقَّعة من المدير المشارك لسلامة المنتجات في أميركا اللاتينية، أن MSD شاركت نتائجها مع هيئة تنظيم الأدوية في المكسيك المعروفة باسم Cofepris، ومع مكتب المدعي العام.

وفي أيلول/ سبتمبر 2024، أصدرت Cofepris تحذيرًا بخصوص أدوية سرطان مزيّفة، من بينها تشغيلات من كيترودا كان شافيز قد أبلغ عنها. ولا يزال من غير الواضح كيف انتهى الأمر بهذا الدواء داخل المستشفى.

ومع استمرار علاج شافيز، واصل تسجيل أرقام التشغيل – وهو ما تبيّن لاحقًا أنه خطوة حكيمة. يقول: “كنت أشاهد التلفزيون بهدوء في البيت عندما بثّت قناة إخبارية وطنية تحذيرًا صحيًا عامًا عن دواء بيمبروليزوماب، المعروف باسم كيترودا”. لم يصدّق ما يسمع. فقد عرض التقرير التلفزيوني أرقام تشغيل دفعات مزيّفة عدة. توجه إلى هاتفه وتفقّد الصور التي التقطها. “اتضح أنه عندما رأيت رقم التشغيل على التلفزيون، كان هو نفسه الرقم الموجود على العبوة التي أُعطيت لي”، كما قال. أدرك شافيز أنه خضع من دون أن يدري لعلاج ثانٍ بكيترودا مزيّف، لكنه أوضح أنه لم يشعر هذه المرة بأي آثار سلبية.

يقول شافيز (56 عامًا)، إن السرطان لديه “مسيطر عليه”. لكن حياته تغيّرت إلى الأبد، كما يؤكد، منذ أن ضُخت تلك المادة المجهولة في عروقه للمرة الأولى. فهو يعاني الآن من آلام مزمنة في الظهر و نوبات مفاجئة من الشلل غير المفهوم، تمنعه من العمل وتُهدّد استقراره المالي.

يقول لـ”يونيفيجن”: “لم أعد قادرًا على الحركة كما كنت من قبل. في الماضي، كنت أصعد وأنزل عن المسرح لأرتّب المعدات أو أنصُبها وأحمل الأشياء. انتهى ذلك كله بالنسبة إليّ الآن”.

يقول شافيز إنه أخذ يجمع المعلومات من أشخاص يعملون في المستشفى الذي عولج فيه بينما يستعد لرفع دعوى مدنية. وهو يعتقد الآن أن مرضى آخرين تلقوا أدوية مشبوهة تسببت في بعض الحالات بآثار عكسية. وعندما زار صحافيو “يونيفيجن” المستشفى وطلبوا التحدث إلى المدير، أغلق الموظفون الأبواب لمنعهم من الدخول.

يقول شافيز إنه، إلى جانب سعيه لتعويض مالي، يريد شفافية من المستشفى، وأن تُجبَرَ الحكومة على فتح تحقيق. وعلى رغم أنه أعدّ دعواه المدنية وأصبحت جاهزة للتقديم، يؤكد أنه لا يستطيع تحمّل أتعاب محامٍ يتابع قضيته. وحين سُئل عن الأسعار الباهظة لدواء كيترودا التي تحددها ميرك، قال: “أن ترى كيف تُنهِك عائلتك ماليًا وجسديًا، أنك لم تعد الشخص نفسه في حياتك اليومية، وفوق ذلك كلّه تدرك أنهم – ميرك – يجنون الأرباح من معاناتك؛ هذا مؤلم، مؤلم جدًا”.

في المكسيك، تنتشر الأدوية المزيّفة على نطاق واسع بسبب ضعف تمويل أنظمة الصحة العامة، ونقص الأدوية، وسطوة الجريمة المنظمة. وفي العام الماضي، أضافت الحكومة الأميركية المكسيك إلى قائمتها “ذات الأولوية للمراقبة” التي تضم ثمانية بلدان متهمة بالتقصير في محاسبة من “يسرقون الملكية الفكرية”.

قضية شافيز هي واحدة من أربع حالات رصدها ICIJ وشركاؤه الإعلاميون، تم فيها تزويد مستشفيات في المكسيك بكيترودا مزيّف. وقد وقعت ثلاث من هذه الحالات على الأقل في مؤسسات تديرها الدولة. وقال زوك، نائب رئيس ميرك المساعد للأمن العالمي، إن MSD قدّمت 20 شكوى جنائية مرتبطة بكيترودا المزيّف إلى مكتب المدعي العام المكسيكي.

في كانون الأول/ ديسمبر 2021، اكتشف موظفون في “المركز الطبي البحري” في مكسيكو سيتي قارورة مشبوهة من كيترودا ضمن شحنة وصلت من شركة Top Pharma SA de CV، وهي شركة لها سجلّ لسنوات في توريد الأدوية للمستشفيات والصيدليات العامة. وبحسب تقرير داخلي حصل عليه ICIJ، أبلغ المستشفى هيئة Cofepris بأرقام التشغيل، فأرسلت الهيئة القوارير إلى MSD لفحصها وفتّشت مقر “توب فارما”. وبعدما أكدت MSD أن المحتوى لا يطابق الصيغة المسجّلة ببراءة لصالحها، أصدرت الهيئة أوّل تحذير وطني بشأن كيترودا مزيّف في مطلع عام 2022. ومنذ ذلك الحين، أصدرت المكسيك خمسة تحذيرات إضافية تتعلق بكيترودا، آخرها في آذار/ مارس الماضي.

وفي تقرير منفصل حول عملية التفتيش، ذكرت السلطات التنظيمية أنها لم تتمكن من تأكيد ما إذا كانت “توب فارما” قد اشترت الدواء مباشرة من ميرك. وبدلًا من ذلك، أظهرت وثائق الشركة أنها اشترت كيترودا من رجل أضيف لاحقًا إلى قائمةٍ علنية لموزعين دون المستوى، في تحذير موجّه إلى العاملين في قطاع الأدوية.

أجرى ICIJ وشركاؤه الإعلاميون محاولات متعددة للتواصل مع “توب فارما”، التي تتخذ من مكسيكو سيتي مقرًا لها. وبعدما بقيت الاتصالات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني وواتسآب بلا رد، زار صحافي العنوان المذكور على موقع الشركة، فلم يجد سوى صيدلية صغيرة من دون أي لوحة تحمل اسم “توب فارما”. وقد رفض رجل داخل المتجر، قال إنه المسؤول ويعمل لدى الشركة، الإجابة عن أي أسئلة.

يَرِد عنوانٌ مختلف، على بُعد نحو ميلين، كمقرٍّ رئيسي للشركة في تقرير التفتيش الصادر عن الجهة التنظيمية. المبنى، الخالي من النوافذ، يقع على بُعد شارع واحد تقريبًا من مركز تسوّق في حيّ سكني؛ لا يحمل أي لافتة أو شعار، يحيط به سياج عالٍ تعلوه أسلاك شائكة، وتراقبه كاميرات مراقبة. 

بعد حادثة “المركز الطبي البحري”، فُرضت على “توب فارما” غرامة تجاوزت الـ240 ألف بيزو (نحو 12,800 دولار). ومع ذلك، واصلت الشركة الفوز بعقود حكومية في المكسيك. وتُظهر السجلات العامة أن “توب فارما” حصلت بين عامي 2021 و2025 على 91 عقدًا بقيمة إجمالية تبلغ نحو 42.8 مليون بيزو (نحو 2.2 مليون دولار). وردًّا على أسئلة وجهها إليها ICIJ، قالت دائرة العلاقات العامة في البحرية المكسيكية إن “توب فارما” دفعت الغرامة وما زال مسموحًا لها قانونًا أن تنافس على العقود.  

مواجهة المزوَّرات  

تُعَدّ الأدوية المزيّفة تجارةً سيئة لشركات الأدوية؛ فهذه البدائل الأقل ثمناً تنتهك العلامات التجارية، وتستنزف حصّة الشركات من السوق، وتُلحق الضرر بسمعتها وتُقوِّض ثقة المرضى، وذلك كله يمكن أن ينعكس على أرباحها. ولتقليل هذه المخاطر، تعمل شركات الأدوية مع محققين داخليين وخارجيين لتعقّب هذه المنتجات.  

أمضى كريس بوكنر، وهو محقّق خاص مقيم في كاليفورنيا، 30 عامًا يطارد كل شيء من الحقائب المقلّدة إلى أغطية الوسائد الهوائية المزيفة. ويرى أن الأدوية هي أكثر المنتجات “فجاجة” عندما يتعلق الأمر بالتزوير. وقد عملت شركته، Investigative Consultants، مع ميرك على قضايا عدة، من بينها تحقيق بارز في عام 2025 أدى، بحسب وزارة العدل الأميركية، إلى الحكم بالسجن على شقيقين من الهند في قضية بيع دواء لعلاج الحموضة أعيد تصنيعه ووُضع في قوارير تحمل اسم كيترودا داخل الولايات المتحدة.  

يقول بوكنر إنه لا يستطيع التعليق على تفاصيل تلك القضية، لكنه يوضح أن هدف شركته هو منح سلطات إنفاذ القانون “أفضلية الانطلاق”.  

ويدير أندريس دياز شركة تحقيقات خاصة مقرها واشنطن العاصمة – AIT Enforcement – ساعدت ميرك في تعقّب المزوّرين في أميركا اللاتينية. وقد استعانت السلطات بدياز في عملية نفذتها البحرية المكسيكية في غوادالاخارا عام 2024، انتهت باعتقال “إل تاتشو”، وهو رجل متهم ببيع كيترودا وأدوية أخرى مزيّفة. وخلال المداهمة على ممتلكاته، عثرت البحرية، بحسب تحقيق نشره شريك ICIJ “إل سول دي مكسيكو”، على 12,500 جرعة من أدوية مزيّفة، بينها كيترودا. وقدّر المسؤولون القيمة السوقية لهذه الأدوية بأكثر من 110 ملايين بيزو (نحو 5.7 مليون دولار). وأبلغت دائرة العلاقات العامة في البحرية ICIJ بأن التحقيق لا يزال مستمرًا.

إلى جانب العمل مع المحققين، تُدير ميرك أربعة مختبرات جنائية لفحص المنتجات المشبوهة، بحسب زوك. في هذه المختبرات، تُصوَّر المنتجات، وتُقارَن عبواتها وبروفايلاتها الكيميائية مع كيترودا الأصلي. ووفقًا لموقع الشركة، اختبرت مختبرات ميرك الجنائية أكثر من 800 عيّنة من المنتجات في عام 2024، من بينها تسع عينات من كيترودا من العملية التي نُفِّذت في نيودلهي وتورّط فيها تشوهان على ما يُزعم؛ وأظهر تحليل ميرك أن ثمانيَ منها لا تحتوي على المكوّن الفعّال للدواء، بيمبروليزوماب.  

يقول زوك إنه عندما يُكشف عن كيترودا مزيّف، “تعمل ميرك عن كثب مع أجهزة إنفاذ القانون والسلطات الصحية المعنية حول العالم، فتشاركها المعلومات الاستخباراتية، والأدلة الجنائية، والدعم العملياتي لتمكينها من تنفيذ إجراءات إنفاذ جنائية وإدارية تحمي الصحة العامة”. ويضيف: “حيثما أمكن، تتخذ ميرك أيضًا إجراءات قانونية مدنية ضد الضالعين في تصنيع الأدوية المزيّفة وتوزيعها”.  

كما تراقب ميرك بنشاط الإعلانات المشبوهة على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع التجارة الإلكترونية مثل Amazon وeBay وMercado Libre وIndiaMART. وأفادت الشركة بأنها ساعدت في إزالة نحو 30 ألف إعلان في عام 2024.  

لكن القضاء على التقليدات الخطِرة بات مهمة تزداد صعوبة، ليس على شركات الأدوية فحسب، بل على أجهزة إنفاذ القانون أيضًا. فالشبكات الإجرامية اليوم تستخدم تطبيقات مراسلة مشفّرة للوصول إلى الزبائن، وتُخفي هوياتها وثرواتها عبر شبكات مالية معقدة، وتستغل أنظمة البريد الدولية لتزوير بيانات الشحنات، بحسب ما جاء في بيان للمتحدث باسم “إدارة الغذاء والدواء” الأميركية.  

وفي مقابلات متعددة، قال خبراء لـ ICIJ إن على شركات الأدوية وصنّاع السياسات بذل المزيد لمعالجة الأسباب الجذرية التي تسمح بازدهار هذه المزوّرات ابتداءً: السعر والتوافر.  

يقول ماكي، أستاذ جامعة كاليفورنيا في سان دييغو: “هناك الكثير من ممارسات الـ evergreening وغيرها من قضايا البراءات التي تظهر في أواخر عمر المنتج”. و”evergreening” هي إستراتيجية تلجأ فيها شركات الأدوية إلى بناء احتكار حول دوائها عبر تسجيل براءات لا تعدو كونها تعديلات طفيفة، مثل تغيير مقدار الجرعات أو وتيرتها. كانت البراءات الرئيسية لدواء كيترودا ستنتهي في عام 2028، لكن ICIJ وجد أن ميرك واصلت الحصول على براءات إضافية للدواء تتجاوز المكوّن الفعّال الأصلي، في استراتيجية قد تجعل دخول المنافسين إلى السوق الأميركية أكثر صعوبة لمدة 14 عامًا أخرى.

قال سيف الدين أحمد، الباحث الرئيس في مبادرة BESAFE التابعة لجامعة جونز هوبكنز والهادفة إلى التصدي لانتشار الأدوية المشبوهة، إن تمويل أبحاث وتطوير أدوية مثل كيترودا من المال العام يمكن أن يساهم في خفض الأسعار. وقال: “إذا تم تطوير الدواء عبر مشاريع ممولة من القطاع العام، فسيكون من الممكن على الأرجح توزيعه على نطاق واسع وبسعر أقل”.  

في الوقت الحالي، ما زال انعدام القدرة على الوصول إلى العلاج يعصف بأنظمة الرعاية الصحية حول العالم، تاركًا كثراً من المرضى يواجهون مصيرهم وحدهم. يقول بوكنر: “يحتاج المرضى إلى أدوية علاجية ميسورة الكلفة، حقيقية، وقادرة على إنقاذ حياتهم. هذه هي الخلاصة”.  

“أسوأ ما يمكن أن يحدث”  

تحيي بهِنّاتا بيا ذكرى والدتها كل عام عبر التبرع لجمعية خيرية تُعنى بالغذاء، لكن هذا التقليد ما زال بعيدًا عن أن يمنحها شعورًا بالانغلاق أو السلام.  

تقول عن احتمال أن تكون قد أعطت والدتها دواءً مزيّفًا: “كيف يمكن للمرء أصلًا أن يستوعب شيئًا كهذا؟ أعتقد أنه عندما نعرف أن هذا لن يحدث لآخرين، وأن المسؤولين سيُحاسَبون، ربما أتمكن عندها من إغلاق هذه الصفحة ذهنيًا والمضيّ قدمًا”.  

وفي محاولة لفعل ذلك، رفعت دعوى إهمال طبي في نيبال ضد بارمان، وتشوهان، والطبيب الذي تقاضى ثمن جرعات كيترودا، والمستشفى الذي عولجت فيه والدتها. وبسبب أن تشوهان ليس مواطنًا نيباليًا، تتحرك القضية ببطء.  

أما فرانسيسكو شافيز، فلا يزال هو الآخر يشعر بأن تجربته تُطارده بينما يحاول أن يضع قضيته على السكة.  

يقول شافيز: “أعتقد أن تحقيق الأرباح من صحة الناس هو أسوأ ما يمكن أن يحدث في العالم”.  


المراسلون المساهمون: أنجي ساندوفال وخيراردو رييس (يونيفيجن)، فيوليتا سانتياغو (Quinto Elemento Lab)، ألدو كانيدو (El Sol de México)، كارلوس كارابانيا (El País)، دينيس أجيري، يلينا تسوسيتش، وكاري كيهو (ICIJ).

14.04.2026
زمن القراءة: 22 minutes

مرضى يائسون، وحتى مستشفيات، وقعوا ضحايا لأدوية “كيترودا” مزيّفة، مع ما تحمله من عواقب قد تكون قاتلة.

نيكول صادق وإيزابيلا كوتا

بعد تشخيص إصابة والدة بهِنّاتا بيا بسرطان المريء عام 2020، عقدت بيا العزم على أن تكون مُسانِدة لا تفارقها. كان والدها قد توفي بالسرطان نفسه قبل ثلاث سنوات فقط، وقد دمّر رحيله تلك العائلة النيبالية المتماسكة.

تقول بيا لـ “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين“: “عندما مات والدي، كنت أبكي بلا توقف. لم نفعل ما يكفي”. “لكن عندما ماتت أمي، شعرت حقًا بأننا فعلنا كل ما بوسعنا”.

كانت بيا قد عادت من كليفلاند إلى نيبال لمدة ستة أشهر، بينما بقي زوجها دين فينكي، وهو طبيب أميركي، في الولايات المتحدة. هناك، اعتنت بوالدتها (63 عامًا) سيتا غوروونغ، خلال النهار، وعملت عن بُعد ليلًا مديرةَ مشروعات في شركة تكنولوجيا للرعاية الصحية، إلى أن بات من المستحيل عليها التوفيق بين ذلك كله.

تركت بيا عملها. دفعت آلاف الدولارات من أصل كلفة علاج غوروونغ، التي تجاوزت الـ40 ألف دولار. رافقتها إلى الهند لإجراء الفحوص والتصوير. وكانت تجلس إلى جوارها لساعات في المطبخ، تراقبها وهي تزداد هزالًا وتعجز في النهاية عن الأكل، بينما تُصرّ الأم على تعليمها طريقة إعداد وصفاتها المفضّلة.

تقول بيا، وهي اليوم في السادسة والثلاثين: “قالت لي مرة إنه لولا وجودي إلى جانبها، لكانت ماتت منذ زمن طويل”.

في أواخر عام 2022، ومع تدهور صحة غوروونغ، وصف لها طبيبها علاجًا مناعيًا باهظ الكلفة يُدعى “كيترودا”. وبناءً على توصية الطبيب، اشتريا الدواء من موظف في مستشفى في الهند يدير عملًا في “السياحة العلاجية”.

استمرت غوروونغ على الدواء لمدة شهرين، لكن لم يحدث أي تغيير. في 9 شباط/ فبراير 2023، وبعد عامين ونصف العام من جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي والمناعي المرهقة، توفيت في منزلها، وابنتها الكبرى وبيا إلى جانبها.

تقول بيا: “كنت أجد بعض السلام في فكرة أننا فعلنا كل شيء”. لكن هذا الشعور لم يدم طويلًا. بعد عام على وفاة غوروونغ، كانت أخت بيا تزورها في أوهايو عندما قرأت خبرًا صادمًا وأخبرتها: “عليك أن تجلسي أولًا قبل أن تسمعي هذا”. فقد نشرت صحيفة هندية أن الرجل الذي باعهما دواء السرطان لوالدتهما قد أُلقي القبض عليه. ووجّهت إليه شرطة نيودلهي وإلى آخرين تهم بيع أدوية مغشوشة، بعدما زعمت سجلات الشرطة أنهم عبّأوا قوارير تحمل ملصقات كيترودا وأدوية باهظة أخرى لعلاج السرطان بسائل مضاد للفطريات.

لم تُجرِ بيا أي اختبار على الدواء الذي تناولته أمها، ولم يخطر ببالها أنه قد يكون مزيفًا. لكن الخبر زرع في نفسها خوفًا مروّعًا: هل تكون قد أعطت والدتها أدوية مزيّفة؟ تقول: “شعرت بالخدر التام”. بالنسبة الى أشخاص يعانون أنواعًا معينة من السرطان، يشكل كيترودا شريان حياة؛ فهو قادر على إطالة أعمار بعض المرضى لسنوات، أو حتى شفائهم بالكامل.

يُنتَج كيترودا من شركة الأدوية العملاقة “ميرك وشركاه”، ويُستخدم لعلاج أكثر من اثني عشر نوعًا من السرطان، من بينها أنواع من سرطان الرئة وسرطان الثدي. لكن كلفته قد تكون مُدمّرة.

تتراوح كلفة الجرعة الواحدة من 200 ملغ من كيترودا بين 1,700 دولار في إندونيسيا و12 ألف دولار في الولايات المتحدة، بحسب تحليل أجراه الاتحاد الدولي لأسعار القوائم الحديثة. ويُعطى الدواء عادة عبر تسريب وريدي كل ثلاثة أسابيع، ويمكن أن يستمر العلاج لمدة تصل إلى عامين – أي ما يصل إلى 416 ألف دولار في الولايات المتحدة قبل الحسومات.

في عام 2025، شكّل “كيترودا” ما يقرب من نصف إيرادات ميرك البالغة 65 مليار دولار، ما جعله أكبر مصدر دخل للشركة. وقد عملت “ميرك” بلا كلل للإبقاء على هذا الوضع.

كشف تحقيق جديد بعنوان أرباح مرض السرطان The Cancer Calculus أنجزه الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين مع 47 شريكاً صحافياً حول العالم، بينهم موقع “درج”، أن ميرك استغلت نظام البراءات العالمي لدرء المنافسين. كما روّجت لاستخدام جرعة أعلى من “كيترودا” ممّا هو ضروري في كثير من الأحيان، ما رفع التكاليف على المرضى والمستشفيات، في إطار حملة شرسة لزيادة عائداتها.

ساهمت الأسعار المرتفعة الناتجة من ذلك في خلق فجوات هائلة في القدرة على الوصول إلى العلاج، تبعًا لمكان إقامة المرضى ومقدار ما يمكن لهم أو لحكوماتهم أو لشركات التأمين تحمّله من كلفة. وقد فتح هذا الواقع ثغرة خطِرة: فرصًا جديدة للمزوّرين للاستفادة ماليًا من الطلب على أدوية الأورام الباهظة فيما ترتفع معدلات السرطان في العالم.

قدّم الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وشركاؤه عشرات طلبات الحصول على سجلات عامة، وأجروا مقابلات مع محققين وخبراء، وتواصلوا مع باعة غير قانونيين، ليكتشفوا أن الزبائن غير المدركين الاحتيال لا يقتصرون على المرضى وحدهم، بل يشملون أيضًا مستشفيات.

روى مريض في المكسيك لمحطة Univision أنه تلقى جرعات من كيترودا مزيّف في مستشفى حكومي. وكانت روايته واحدة من حوادث عدة مثيرة للقلق رصدها الاتحاد في البلاد، إذ توفي ما لا يقل عن شخص واحد بعدما “أُعطي” جرعة من كيترودا مزيّف، بحسب شركة ميرك.

قال أنطوني زوك، نائب رئيس ميرك المساعد للأمن العالمي، في رسالة بريد إلكتروني إلى الاتحاد الدولي، إن “مجموعات إجرامية باتت تستهدف بصورة متزايدة الأدوية المنقذة للحياة”. وأضاف: “هذا التحول مدفوع بدوافع مالية”. ومع ذلك، دافعت ميرك عن سياسة تسعيرها في بيان للاتحاد.

وقالت يوهانا هيرمان، النائبة الأولى للرئيس وكبيرة مسؤولي الاتصالات في ميرك: “لدينا تاريخ طويل في تسعير أدويتنا بمسؤولية، بما يعكس قيمتها للمرضى، والدافعين، والمجتمع”.

تتوقع “منظمة الصحة العالمية” (WHO) أنه بحلول عام 2050 ستقفز معدلات السرطان إلى أكثر من 35 مليون حالة، أي بزيادة قدرها 77 في المئة مقارنة بعام 2022، مع تأثير غير متناسب على المرضى في البلدان منخفضة الدخل. وهؤلاء هم تحديدًا الأشخاص الذين يملكون أصلًا أقل قدر من الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، فضلًا عن علاجات الأورام الباهظة مثل كيترودا.

بالنسبة الى المزوّرين، تبدو المعادلة رابحة بالكامل. يقول كريس بوكنر، مؤسس شركة Investigative Consultants، وهي شركة تحقيقات خاصة مقرها كاليفورنيا تتعقب المنتجات المزيّفة، بما في ذلك الأدوية: “ربما يكلفهم إنتاج الدواء 10 دولارات بينما يبيعونه بـ 1,500 أو 2,000 أو 4,000 دولار”. فضلًا عن ذلك، إذا توفي مريض سرطان، فمن غير المرجّح أن يعرف أحد ما إذا كان سبب الوفاة السرطان نفسه أم تناول دواء مزيّف. ويضيف: “إنها الجريمة الكاملة”. وطالما ظل كيترودا مُسعَّرًا كسلعة فاخرة، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ظهور نسخ مقلدة رخيصة، وإلى دفع المزوّرين لاستغلال الفئات الأشد هشاشة.

بديل “عقلاني”

يُعرَف كيترودا بالاسم العلمي بيمبروليزوماب، ويُسخّر الجهاز المناعي للمريض لمهاجمة الخلايا السرطانية. وعلى عكس العلاج الكيميائي الذي يستهدف الخلايا سريعة الانقسام عمومًا، يمنع كيترودا المستقبل PD-1 على الخلايا المناعية من الارتباط ببروتين يمكن أن يعطّل قدرة الجسم على التعرّف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

يقول بيناي شاه، اختصاصي أمراض الدم والأورام الذي يعمل بين الولايات المتحدة ونيبال وشارك في تأسيس “مؤسسة بينايتارا” المعنية بتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية: “لقد غيّر قواعد اللعبة في طريقة إدارتنا للسرطان، كما تحسّنت بشكل كبير نتائج المرضى في الكثير من أنواع السرطان”.

لكن نجاح كيترودا تزامن مع ما وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه ارتفاع “مثير للقلق” في عدد الحوادث المبلَّغ عنها المتعلقة بمنتجات طبية دون المستوى أو مزيّفة حول العالم في السنوات الأخيرة. (فالمنتجات المزيّفة تُزوّر هويتها أو تركيبها أو مصدرها عمدًا، بينما المنتجات دون المستوى هي تلك التي تفشل في استيفاء معايير الجودة). ومنذ عام 2019، سجّلت المنظمة 36 بلاغًا عن منتجات من كيترودا المزيّفة، يمثّل كل منها “آلافاً عدة من الجرعات أو عددًا قليلًا منها فقط”، وفقًا لما ذكره متحدث باسمها. لكن هذه الأرقام على الأرجح لا تعكس سوى جزء من حجم المشكلة، جزئيًا لأنه من السهل إغفال الآثار السلبية الناجمة عن الأدوية المزيّفة، خصوصًا لدى مرضى السرطان.

تنتشر الأدوية المزيّفة بطرق عدة. فمثلًا، قد يتواطأ المزوّرون مع موظفين فاسدين في المستشفيات أو الصيدليات لسرقة عبوات أصلية، مثل قوارير كيترودا، وإعادة تعبئتها بمواد أخرى، وفقًا لما جاء في تقارير يوروبول، وكالة إنفاذ القانون في الاتحاد الأوروبي. ويمكن للمزوّرين أيضًا تزوير العبوات بالكامل. وبالنسبة الى غير المتخصصين، قد تبدو هذه المنتجات أصلية لكنها تحتوي على مكونات أو أرقام دفعات مختلقة – وهي مجموعة الحروف والأرقام التي تستخدمها الشركات لتتبع شحنات منتجاتها. وغالبًا ما تُباع هذه المنتجات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة مثل واتسآب، أو الأسواق الإلكترونية التي يلجأ إليها المرضى بحثًا عن بدائل أقل ثمناً. وقال متحدث منظمة الصحة العالمية إن “كميات كبيرة” من هذه النسخ المقلدة المتقنة “قد تكون في التداول”.

يقول تيم ماكي، أستاذ في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو وباحث في الصحة العامة، درس كيفية تسلّل نسخ مزيّفة من دواء السرطان Avastin إلى سلسلة الإمداد الأميركية عام 2012: “إن المستهلكين يبحثون بنشاط عن الأدوية خارج سلسلة الإمداد الخاضعة للرقابة”.

يمكن أن تقود محاولة العثور على دواء ميسور الكلفة، من دون قصد، إلى واحد من عشرات آلاف الصيدليات الإلكترونية التي تعمل بشكل غير قانوني، أو حتى إلى متجر يديره باعة متحايلون أو مجموعات من الجريمة المنظمة. وفي الحالتين، قد لا تكون المخاطر واضحة منذ البداية.

أحد هذه المتاجر يقع في حي إل سانتواريو، في قلب مدينة غوادالاخارا في المكسيك. الشارع الرئيسي هناك – الذي يحمل اسمًا دالًا هو “هوسبيتال” – يغصّ بالصيدليات غير النظامية. وبدلًا من المعاطف البيضاء، يرتدي الفتية والرجال الذين ينتحلون صفة الصيادلة قبعات ذات حواف مسطّحة.

سأل أحد هؤلاء “الصيادلة”، وهو رجل ضخم البنية يحمل وشم دمعة أسفل عينه، مراسلًا من فريق ICIJ الإعلامي “إل باييس” زار الحي في كانون الأول/ ديسمبر: “ماذا تريد يا رجل؟”. أجاب المراسل: “كيترودا”. ناداه الرجل إلى زميل داخل المتجر: “كيترودا؟”.

قال الزميل: “أعطني لحظة”. بحث في هاتفه فعثر على قارورة واحدة بتركيز 100 ملغ متوافرة. كان ثمنها 30 ألف بيزو (نحو 1,700 دولار) – أي ما يقارب ثلث السعر المعروض على الإنترنت من صيدليات في المكسيك.

قد يبدو شراء الدواء في بيئة كهذه أو عبر الإنترنت خطوة محفوفة بالمخاطر، لكن بالنسبة الى مرضى السرطان الذين لا يستطيعون تحمّل كلفة دواء، قد ينقذ حياتهم أو لا يتوافر لهم عبر القنوات الرسمية، فإن محاولة تأمينه من أي مكان ممكن تبدو “خيارًا منطقيًا إلى حد بعيد”، كما يقول ماكي. وأحيانًا، يكون هذا هو الخيار الوحيد.

البحث عن كيترودا

في أحد الأيام، حين كانت سيتا غوروونغ طالبة جامعية في وسط نيبال، مرّت بجانب لوحة إعلانات في الحرم ولاحظت أن أحدهم علّق عليها قصيدة. لاحقًا التقت كاتب القصيدة، ماهيندرا بيا، زميلها في الجامعة والرجل الذي سيصبح زوجها.

تقول بهِنّاتا بيا: “القصة هي أنها وقعت في حبّ الشاعر قبل أن تقع في حب أبي”.

كان الزوجان ينتميان إلى طبقتين اجتماعيتين وطَبَقِيّتَين مختلفتين، ما جعلهما ثنائيًا غير متوقَّع. تقول بيا: “هربا معًا إلى كاتماندو لأن عائلتيهما لم توافقا على علاقتهما أو على زواجهما”. وواصلا هذا النهج غير التقليدي في حياتهما الزوجية؛ إذ تولّى الأب دور ربّ المنزل المقيم مع الأطفال، فيما شغلت الأم وظيفة في شركة “الخطوط الجوية النيبالية”، متدرّجة من موظفة حسابات إلى مديرة في الإدارة المالية.

قالت بيا: “كان من النادر جدًا في ذلك الوقت أن تعمل امرأة، فضلًا عن أن تكون ناجحة. كانت مستقلة بشراسة بالنسبة الى امرأة نيبالية”.

في عام 2016، شُخِّصت إصابة ماهيندرا بيا بسرطان المريء، وتدهورت صحته بسرعة. وبعد نحو عام على مرضه، تلقّت بهِنّاتا اتصالًا من شقيقتها تطلب منها أن تعود إلى البيت. وما إن وصلت بيا مع زوجها إلى نيبال حتى استيقظا في منتصف الليل ليجدا والدها يفقد الوعي. انطلقوا مسرعين نحو المستشفى، وبيا تحتضن والدها في المقعد الخلفي للسيارة، لكنه فارق الحياة بين ذراعيها قبل أن يصلوا.

تقول بيا: “لمدة عامٍ كامل كان ذلك المشهد يُعاد ويُكرَّر في رأسي بلا توقف”.

حزنت غوروونغ طويلًا على وفاة زوجها، لكن حياتها بدأت ببطء تنفتح على آفاق جديدة. ففي عقدها السادس، قررت متابعة دراسات عليا في علم النفس الإرشادي.

في تلك الفترة تقريبًا، أصبحت غوروونغ – التي كانت دائمًا شديدة الحرص على صحتها – تخشى أن تُصاب هي أيضًا بسرطان المريء. رأت بيا أن والدتها تبالغ في مخاوفها، لكن ذات يوم “اتصلت بي، ربما بعد ثلاث سنوات، وقالت لي: “أنا في المستشفى وعندي ما كان عند والدك. وهم يقولون إنني سأموت أساسًا بسبب السرطان”، كما تروي. كانت غوروونغ قد بدأت بالفعل العلاج الكيميائي. تقول بيا: “بدا الأمر غير حقيقي”.

ساعدت بيا في نقل والدتها من المستشفى الذي عولج فيه والدها إلى منشأة طبية متطورة تقع على بعد نحو عشرة أميال جنوب كاتماندو، عاصمة نيبال. في البداية، أعجبها طبيب الأورام الجديد لدى والدتها، بانكاج بارمان، الذي بدا مهنيًا ومحترمًا ويصغي فعلًا لما تقوله أمها – وهو ما ترى أن أطباء والدها فشلوا في القيام به. وضع بارمان خطة علاج تضمنت العلاجين الكيميائي والإشعاعي، وبعد ستة أشهر دخلت غوروونغ في حالة سكون للمرض.

ولتأكيد خلو غوروونغ من المرض، أوصى بارمان بأن تُجري فحصًا متخصصًا في مستشفى يقع جنوب غربي نيودلهي. وأخبر العائلة أن رجلًا يُدعى نيراج تشوهان، وهو إداري مخضرم في أقسام الأورام بمستشفيات عدة في الهند، سيتولى تنسيق الزيارة. رافقت بيا والدتها إلى الهند، حيث قدّم تشوهان لهما المساعدة، وبالفعل أكّد الفحص أن غوروونغ في حالة سكون. لكن قبل عودتهما إلى نيبال، تقول بيا إن تشوهان وبارمان طلبا منهما “خدمة”: هل يمكنهما حمل بعض الأدوية لمرضى آخرين عبر الحدود؟

راود بيا الشك. لكن والدتها أصرت بإلحاح على تنفيذ طلب طبيبها، خشية أن يؤثر الرفض في طريقة تعامله معها.

بعد موافقتهما على الخطة، أوصل تشوهان الأدوية إلى فندقهما في صندوق من الستايروفوم مغلّف بكميات كبيرة من الشريط اللاصق. وعلى الرغم من أنهما لم تكونا تعرفان ما هي هذه الأدوية أو لمن تُرسَل، حملت غوروونغ وبيا الصندوق معهما إلى نيبال. وقيل لهما إنه لا لزوم للتصريح عن الحزمة على الحدود. وحتى في حينه، لم يكن الترتيب غريبًا تمامًا؛ إذ تتشارك الهند ونيبال حدودًا مفتوحة، وليس من غير القانوني نقل كميات صغيرة من الأدوية عبر الحدود للاستخدام الشخصي. وعند عودتهما إلى نيبال، أبلغهما بارمان عبر رسالة نصية بوجوب حفظ الحزمة في البرّاد وتسليمها إلى المستشفى في اليوم التالي.

واصل بارمان علاج غوروونغ كما من قبل، فوصف لها دواء نيفولوماب، وهو علاج مناعي شبيه بـ”كيترودا”، لمنع عودة السرطان. لكن بعد سبعة أشهر عاد المرض. وتقول بيا إن سماع هذا الخبر كان أقسى من تلقي تشخيص السرطان الأول؛ إذ بدا لها أن فترة السكون كانت “جيدة أكثر مما ينبغي لتكون حقيقية”، خصوصًا بعد وفاة والدها. عادت غوروونغ إلى تلقي العلاج الكيميائي، ثم سافرت هي وبيا مرة أخرى إلى الهند للحصول على رأي طبي ثانٍ.

ومجدّدًا، طلب منهما تشوهان وبارمان أن يُرجعا أدوية لمريض آخر. هذه المرة، بعث فينكي، زوج بيا، رسالة حادّة إلى بارمان يعبّر فيها عن “قلقه البالغ” من هذا الطلب. ويقول فينكي، الذي يعمل طبيبًا في الطب الباطني في جامعة كيس وسترن ريزيرف في أوهايو، إن خبرته جعلته شديد الإدراك لاختلال ميزان القوة بين الأطباء والمرضى في نيبال: “بالنسبة لي، كان ذلك إشارة تحذير ضخمة. إنه شكل من أشكال الإكراه”.

قال تشوهان إنه سيعثر على شخص آخر ليقوم بالمهمة أو سيتولاها بنفسه.

بعد بضعة أشهر، وصف بارمان دواء كيترودا، موضحًا للعائلة أن أمامها خيارين: يمكنها شراء كل جرعة من 200 ملغ مقابل 368 ألف روبية نيبالية، أي ما يعادل نحو 2,700 دولار آنذاك، من دون أن يحدّد المصدر، أو يمكنها شراء الدواء من خلال تشوهان، الذي “قد يتمكن من ترتيب سعر مخفَّض”، وفقًا لرسائل واتسآب شاركتها بيا مع ICIJ. في البداية، أجرت بيا أبحاثها الخاصة ووجدت دواءً مشابهًا يمكن لشركة نيبالية استيراده من بنغلادش. حاولت شراء الدواء من تلك الشركة مرات عدة، لكن “الجمارك كانت تواصل رفض الشحنة وإعادتها”، من دون شرح، كما تقول. وفي النهاية، لجأت العائلة إلى تشوهان.

تقول بيا إن مرضى آخرين نقلوا أيضًا دواء كيترودا من الهند إلى نيبال، تمامًا كما فعلت هي ووالدتها. كانت الجرعات تصل بشكل متقطّع، تبعًا لمواعيد سفر الناس بين البلدين. وفي إحدى المرات، تسلّمت عائلة غوروونغ كيترودا من مطار كاتماندو بعدما أرسله تشوهان مع أحد ركاب “الخطوط الجوية النيبالية”.  

قالت بيا لـ ICIJ: “لا فكرة لدينا من يكون هذا الشخص أصلًا. عندما التقينا به في المطار، قال إنه كان قلقًا جدًا عندما طُلب منه حمل الأدوية، لكنه ما إن سمع أنها قد تُساهم في علاج مريض سرطان حتى وافق على الفور”.  

توضح بيا أن العائلة دفعت في النهاية لتشوهان أكثر من 7,800 دولار مقابل ما قيل لهم إنه دواء كيترودا. وطبيب آخر، تولّى تحصيل المبلغ نيابة عن تشوهان، طلب منهم أن يكون الدفع نقدًا.  

تقول بيا: “كان سلوكهم مريبًا للغاية في كل ما يتعلّق بالأمر”، مضيفةً أن الطبيب نفسه طلب منها أن تدفع له على انفراد، بعيدًا عن أنظار أي شخص آخر. وقال محامي تشوهان، أنكيت فيرما، لـ ICIJ إن موكله نفى حدوث مثل هذه المدفوعات.  

تلقت غوروونغ جرعات التسريب لمدة شهرين، لكن السرطان واصل التقدّم إلى أن عجزت عن الأكل أو الكلام. تتذكر بيا الأسبوع الأخير من حياة والدتها فتقول: “نامت وبقيت على تلك الحال لمدة ستة أو سبعة أيام. قرأتُ مرةً أنهم يتنفسون بطريقة معيّنة قبل الموت مباشرة، وقد رأيت تلك الأنفاس تأتي، فذهبت وأحضرت أختي من الغرفة الأخرى وقلت لها: حان الوقت. بقينا إلى جوارها وأمسكنا بيدها… ثم رحلت”.  

أحرقت العائلة جثمان غوروونغ في الليلة نفسها، ثم نثرت لاحقًا جزءًا من رمادها في نهر باغماتي، أحد الأنهار المقدسة.  

عادت بيا إلى الولايات المتحدة واستأنفت عملها. لكن حزنها تجدد في عام 2024 عندما علمت أن تشوهان ونحو عشرة أشخاص آخرين اعتُقلوا في إطار ما وصفته السلطات بأنه شبكة لتزوير أدوية السرطان.  

وقالت شرطة نيودلهي إنها عثرت في شقة تشوهان على 519 قارورة فارغة تُستخدم لحقن أدوية السرطان وأكثر من 120 ألف دولار بعملات مختلفة. وتُظهر سجلات الشرطة أنه اعترف لاحقًا ببيع أدوية مزيّفة. وبحسب تلك السجلات، قال تشوهان إنه عمل مديرًا في أقسام الأورام بمستشفيات كبرى عدة في دلهي بين عامي 2006 و2022. وفي عام 2022 التقى، بحسب اعترافه، بفيفيل جاين، الذي وصفه المحققون بالعقل المدبّر للعملية. وقال تشوهان إن جاين ألهمه بالفكرة حين شرح له كيف كان يعيد تعبئة قوارير فارغة من أدوية علاج السرطان بدواء مضاد للفطريات، ثم يبيعها “بنصف سعر السوق” محققًا أرباحًا كبيرة.

ما زال تشوهان وبقية المتهمين بانتظار المحاكمة. وقال محامي تشوهان لـ ICIJ إن الاتهامات الموجّهة إلى موكله لا أساس لها، وإن الشرطة ضغطت عليه ليدلي باعتراف كاذب. وأضاف أن السلطات لفّقت ادعاءات العثور على قوارير فارغة ومبالغ نقدية في شقة تشوهان. وقال فيرما: “هو لم يرتكب أي خطأ”، زاعمًا أن تشوهان كان “يوفّر” أدوية أصلية لجاين، الذي غيّرها لاحقًا من دون علمه. كما نفى تشوهان، بحسب فيرما، أن يكون قد طلب من عائلة غوروونغ نقل أدوية من الهند إلى نيبال.  

أما بارمان، الطبيب الذي عالج غوروونغ، فأبلغ ICIJ في رسالة عبر واتسآب بأنه “لم يسمع أو يرَ أبدًا استخدام كيترودا مزيّف في أي مكان”. وأضاف أنه خلال جائحة كورونا لم تكن أدوية كثيرة متاحة في نيبال، وقد يكون المرضى حملوا “أدوية لبعضهم البعض خلال تلك الفترة الصعبة”. ولم توجّه السلطات أي اتهامات الى بارمان.  

خلال فترة علاج غوروونغ، لم يكن كيترودا – ولا يزال – معتمدًا للبيع في نيبال. ونفى بارمان وجود أي إهمال طبي، قائلًا إنه “كان يرسل المرضى إلى [تشوهان] بناءً على طلبهم إذا لم يتوافر دواء معيّن في نيبال”.  

وأضاف: “لقد تم ذلك كله بحسن نية وبهدف العلاج”.  

مشكلة عالمية  

بعد أكثر من عام على اطّلاع بيا على خبر كيترودا المزيّف في مقال صحافي، جاء خبر تلفزيوني من شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك ليؤكّد شكوك فرانسيسكو تشافيس بأن علاجه من السرطان كان مغشوشًا.  

شافيز، وهو منتج في قطاع الترفيه في الخمسينات من عمره، كان يدير جولات لفنانين – من بينهم ريكي مارتن وJ Balvin – في مدينة ميريدا. لكن في أواخر عام 2022، خسر 123 رطلًا وبدأت بشرته تميل إلى اللون الرمادي، كما روى لشريك ICIJ الإعلامي “يونيفيجن”. شُخّصت إصابته بورم سرطاني في الكلى أُزيل جراحيًا، لكن السرطان كان قد انتشر بالفعل إلى رئتيه. وصف له الأطباء في مستشفى “إلفيا كارّيو بوِرتو” الحكومي دواء كيترودا، وبعد الجرعة الرابعة عانى آثارًا جانبية مؤلمة: رجفات، وشلل مؤقت، وما وصفه بارتفاع خارج عن السيطرة في مستوى السكر في الدم. التقط شافيز صورًا لكل علبة من كيترودا تسلّمها.  

وبعد أيام من تلقّيه العلاج، قدّم شكاوى إلى ثلاث جهات رسمية، من بينها المؤسسة الحكومية التي تدير المستشفى الذي عولج فيه. وطالب بمعرفة محتوى القوارير التي حُقن بها، وبالاطلاع على الفواتير المتعلقة بشراء المستشفى كيترودا. كما طلب من المستشفى كشف عدد المرضى المتضررين، لكنه لم يتلقَّ أي رد.

أرسل شافيز إلى ميرك الصور التي التقطها، مرفقةً بنُسخ من الشكاوى التي قدّمها. وقالت الشركة لـ ICIJ إن موظفين من MSD، وهو الاسم الذي تُعرَف به ميرك خارج الولايات المتحدة وكندا، سافروا إلى المستشفى وجمعوا المواد المشتبه بها – ثلاثة نماذج من المنتج تحمل رقمَي تشغيل مختلفين – وأرسلوها إلى مختبر الخدمات الجنائية التابع لميرك في “وِست بوينت” بولاية بنسلفانيا. وأوضحت ميرك أن جمع العينات جاء في سياق تحقيق كانت تجريه الشركة بشأن المستشفى، وليس استجابة مباشرة لصور شافيز.

وبعد تحليل العينات، أرسلت MSD رسالة إلى شافيز جاء فيها أنه “تم تحديد مخالفات لا تتطابق مع خصائص المنتجات المصنَّعة أو الموزعة من شركتنا”. وذكرت الرسالة، الموقَّعة من المدير المشارك لسلامة المنتجات في أميركا اللاتينية، أن MSD شاركت نتائجها مع هيئة تنظيم الأدوية في المكسيك المعروفة باسم Cofepris، ومع مكتب المدعي العام.

وفي أيلول/ سبتمبر 2024، أصدرت Cofepris تحذيرًا بخصوص أدوية سرطان مزيّفة، من بينها تشغيلات من كيترودا كان شافيز قد أبلغ عنها. ولا يزال من غير الواضح كيف انتهى الأمر بهذا الدواء داخل المستشفى.

ومع استمرار علاج شافيز، واصل تسجيل أرقام التشغيل – وهو ما تبيّن لاحقًا أنه خطوة حكيمة. يقول: “كنت أشاهد التلفزيون بهدوء في البيت عندما بثّت قناة إخبارية وطنية تحذيرًا صحيًا عامًا عن دواء بيمبروليزوماب، المعروف باسم كيترودا”. لم يصدّق ما يسمع. فقد عرض التقرير التلفزيوني أرقام تشغيل دفعات مزيّفة عدة. توجه إلى هاتفه وتفقّد الصور التي التقطها. “اتضح أنه عندما رأيت رقم التشغيل على التلفزيون، كان هو نفسه الرقم الموجود على العبوة التي أُعطيت لي”، كما قال. أدرك شافيز أنه خضع من دون أن يدري لعلاج ثانٍ بكيترودا مزيّف، لكنه أوضح أنه لم يشعر هذه المرة بأي آثار سلبية.

يقول شافيز (56 عامًا)، إن السرطان لديه “مسيطر عليه”. لكن حياته تغيّرت إلى الأبد، كما يؤكد، منذ أن ضُخت تلك المادة المجهولة في عروقه للمرة الأولى. فهو يعاني الآن من آلام مزمنة في الظهر و نوبات مفاجئة من الشلل غير المفهوم، تمنعه من العمل وتُهدّد استقراره المالي.

يقول لـ”يونيفيجن”: “لم أعد قادرًا على الحركة كما كنت من قبل. في الماضي، كنت أصعد وأنزل عن المسرح لأرتّب المعدات أو أنصُبها وأحمل الأشياء. انتهى ذلك كله بالنسبة إليّ الآن”.

يقول شافيز إنه أخذ يجمع المعلومات من أشخاص يعملون في المستشفى الذي عولج فيه بينما يستعد لرفع دعوى مدنية. وهو يعتقد الآن أن مرضى آخرين تلقوا أدوية مشبوهة تسببت في بعض الحالات بآثار عكسية. وعندما زار صحافيو “يونيفيجن” المستشفى وطلبوا التحدث إلى المدير، أغلق الموظفون الأبواب لمنعهم من الدخول.

يقول شافيز إنه، إلى جانب سعيه لتعويض مالي، يريد شفافية من المستشفى، وأن تُجبَرَ الحكومة على فتح تحقيق. وعلى رغم أنه أعدّ دعواه المدنية وأصبحت جاهزة للتقديم، يؤكد أنه لا يستطيع تحمّل أتعاب محامٍ يتابع قضيته. وحين سُئل عن الأسعار الباهظة لدواء كيترودا التي تحددها ميرك، قال: “أن ترى كيف تُنهِك عائلتك ماليًا وجسديًا، أنك لم تعد الشخص نفسه في حياتك اليومية، وفوق ذلك كلّه تدرك أنهم – ميرك – يجنون الأرباح من معاناتك؛ هذا مؤلم، مؤلم جدًا”.

في المكسيك، تنتشر الأدوية المزيّفة على نطاق واسع بسبب ضعف تمويل أنظمة الصحة العامة، ونقص الأدوية، وسطوة الجريمة المنظمة. وفي العام الماضي، أضافت الحكومة الأميركية المكسيك إلى قائمتها “ذات الأولوية للمراقبة” التي تضم ثمانية بلدان متهمة بالتقصير في محاسبة من “يسرقون الملكية الفكرية”.

قضية شافيز هي واحدة من أربع حالات رصدها ICIJ وشركاؤه الإعلاميون، تم فيها تزويد مستشفيات في المكسيك بكيترودا مزيّف. وقد وقعت ثلاث من هذه الحالات على الأقل في مؤسسات تديرها الدولة. وقال زوك، نائب رئيس ميرك المساعد للأمن العالمي، إن MSD قدّمت 20 شكوى جنائية مرتبطة بكيترودا المزيّف إلى مكتب المدعي العام المكسيكي.

في كانون الأول/ ديسمبر 2021، اكتشف موظفون في “المركز الطبي البحري” في مكسيكو سيتي قارورة مشبوهة من كيترودا ضمن شحنة وصلت من شركة Top Pharma SA de CV، وهي شركة لها سجلّ لسنوات في توريد الأدوية للمستشفيات والصيدليات العامة. وبحسب تقرير داخلي حصل عليه ICIJ، أبلغ المستشفى هيئة Cofepris بأرقام التشغيل، فأرسلت الهيئة القوارير إلى MSD لفحصها وفتّشت مقر “توب فارما”. وبعدما أكدت MSD أن المحتوى لا يطابق الصيغة المسجّلة ببراءة لصالحها، أصدرت الهيئة أوّل تحذير وطني بشأن كيترودا مزيّف في مطلع عام 2022. ومنذ ذلك الحين، أصدرت المكسيك خمسة تحذيرات إضافية تتعلق بكيترودا، آخرها في آذار/ مارس الماضي.

وفي تقرير منفصل حول عملية التفتيش، ذكرت السلطات التنظيمية أنها لم تتمكن من تأكيد ما إذا كانت “توب فارما” قد اشترت الدواء مباشرة من ميرك. وبدلًا من ذلك، أظهرت وثائق الشركة أنها اشترت كيترودا من رجل أضيف لاحقًا إلى قائمةٍ علنية لموزعين دون المستوى، في تحذير موجّه إلى العاملين في قطاع الأدوية.

أجرى ICIJ وشركاؤه الإعلاميون محاولات متعددة للتواصل مع “توب فارما”، التي تتخذ من مكسيكو سيتي مقرًا لها. وبعدما بقيت الاتصالات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني وواتسآب بلا رد، زار صحافي العنوان المذكور على موقع الشركة، فلم يجد سوى صيدلية صغيرة من دون أي لوحة تحمل اسم “توب فارما”. وقد رفض رجل داخل المتجر، قال إنه المسؤول ويعمل لدى الشركة، الإجابة عن أي أسئلة.

يَرِد عنوانٌ مختلف، على بُعد نحو ميلين، كمقرٍّ رئيسي للشركة في تقرير التفتيش الصادر عن الجهة التنظيمية. المبنى، الخالي من النوافذ، يقع على بُعد شارع واحد تقريبًا من مركز تسوّق في حيّ سكني؛ لا يحمل أي لافتة أو شعار، يحيط به سياج عالٍ تعلوه أسلاك شائكة، وتراقبه كاميرات مراقبة. 

بعد حادثة “المركز الطبي البحري”، فُرضت على “توب فارما” غرامة تجاوزت الـ240 ألف بيزو (نحو 12,800 دولار). ومع ذلك، واصلت الشركة الفوز بعقود حكومية في المكسيك. وتُظهر السجلات العامة أن “توب فارما” حصلت بين عامي 2021 و2025 على 91 عقدًا بقيمة إجمالية تبلغ نحو 42.8 مليون بيزو (نحو 2.2 مليون دولار). وردًّا على أسئلة وجهها إليها ICIJ، قالت دائرة العلاقات العامة في البحرية المكسيكية إن “توب فارما” دفعت الغرامة وما زال مسموحًا لها قانونًا أن تنافس على العقود.  

مواجهة المزوَّرات  

تُعَدّ الأدوية المزيّفة تجارةً سيئة لشركات الأدوية؛ فهذه البدائل الأقل ثمناً تنتهك العلامات التجارية، وتستنزف حصّة الشركات من السوق، وتُلحق الضرر بسمعتها وتُقوِّض ثقة المرضى، وذلك كله يمكن أن ينعكس على أرباحها. ولتقليل هذه المخاطر، تعمل شركات الأدوية مع محققين داخليين وخارجيين لتعقّب هذه المنتجات.  

أمضى كريس بوكنر، وهو محقّق خاص مقيم في كاليفورنيا، 30 عامًا يطارد كل شيء من الحقائب المقلّدة إلى أغطية الوسائد الهوائية المزيفة. ويرى أن الأدوية هي أكثر المنتجات “فجاجة” عندما يتعلق الأمر بالتزوير. وقد عملت شركته، Investigative Consultants، مع ميرك على قضايا عدة، من بينها تحقيق بارز في عام 2025 أدى، بحسب وزارة العدل الأميركية، إلى الحكم بالسجن على شقيقين من الهند في قضية بيع دواء لعلاج الحموضة أعيد تصنيعه ووُضع في قوارير تحمل اسم كيترودا داخل الولايات المتحدة.  

يقول بوكنر إنه لا يستطيع التعليق على تفاصيل تلك القضية، لكنه يوضح أن هدف شركته هو منح سلطات إنفاذ القانون “أفضلية الانطلاق”.  

ويدير أندريس دياز شركة تحقيقات خاصة مقرها واشنطن العاصمة – AIT Enforcement – ساعدت ميرك في تعقّب المزوّرين في أميركا اللاتينية. وقد استعانت السلطات بدياز في عملية نفذتها البحرية المكسيكية في غوادالاخارا عام 2024، انتهت باعتقال “إل تاتشو”، وهو رجل متهم ببيع كيترودا وأدوية أخرى مزيّفة. وخلال المداهمة على ممتلكاته، عثرت البحرية، بحسب تحقيق نشره شريك ICIJ “إل سول دي مكسيكو”، على 12,500 جرعة من أدوية مزيّفة، بينها كيترودا. وقدّر المسؤولون القيمة السوقية لهذه الأدوية بأكثر من 110 ملايين بيزو (نحو 5.7 مليون دولار). وأبلغت دائرة العلاقات العامة في البحرية ICIJ بأن التحقيق لا يزال مستمرًا.

إلى جانب العمل مع المحققين، تُدير ميرك أربعة مختبرات جنائية لفحص المنتجات المشبوهة، بحسب زوك. في هذه المختبرات، تُصوَّر المنتجات، وتُقارَن عبواتها وبروفايلاتها الكيميائية مع كيترودا الأصلي. ووفقًا لموقع الشركة، اختبرت مختبرات ميرك الجنائية أكثر من 800 عيّنة من المنتجات في عام 2024، من بينها تسع عينات من كيترودا من العملية التي نُفِّذت في نيودلهي وتورّط فيها تشوهان على ما يُزعم؛ وأظهر تحليل ميرك أن ثمانيَ منها لا تحتوي على المكوّن الفعّال للدواء، بيمبروليزوماب.  

يقول زوك إنه عندما يُكشف عن كيترودا مزيّف، “تعمل ميرك عن كثب مع أجهزة إنفاذ القانون والسلطات الصحية المعنية حول العالم، فتشاركها المعلومات الاستخباراتية، والأدلة الجنائية، والدعم العملياتي لتمكينها من تنفيذ إجراءات إنفاذ جنائية وإدارية تحمي الصحة العامة”. ويضيف: “حيثما أمكن، تتخذ ميرك أيضًا إجراءات قانونية مدنية ضد الضالعين في تصنيع الأدوية المزيّفة وتوزيعها”.  

كما تراقب ميرك بنشاط الإعلانات المشبوهة على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع التجارة الإلكترونية مثل Amazon وeBay وMercado Libre وIndiaMART. وأفادت الشركة بأنها ساعدت في إزالة نحو 30 ألف إعلان في عام 2024.  

لكن القضاء على التقليدات الخطِرة بات مهمة تزداد صعوبة، ليس على شركات الأدوية فحسب، بل على أجهزة إنفاذ القانون أيضًا. فالشبكات الإجرامية اليوم تستخدم تطبيقات مراسلة مشفّرة للوصول إلى الزبائن، وتُخفي هوياتها وثرواتها عبر شبكات مالية معقدة، وتستغل أنظمة البريد الدولية لتزوير بيانات الشحنات، بحسب ما جاء في بيان للمتحدث باسم “إدارة الغذاء والدواء” الأميركية.  

وفي مقابلات متعددة، قال خبراء لـ ICIJ إن على شركات الأدوية وصنّاع السياسات بذل المزيد لمعالجة الأسباب الجذرية التي تسمح بازدهار هذه المزوّرات ابتداءً: السعر والتوافر.  

يقول ماكي، أستاذ جامعة كاليفورنيا في سان دييغو: “هناك الكثير من ممارسات الـ evergreening وغيرها من قضايا البراءات التي تظهر في أواخر عمر المنتج”. و”evergreening” هي إستراتيجية تلجأ فيها شركات الأدوية إلى بناء احتكار حول دوائها عبر تسجيل براءات لا تعدو كونها تعديلات طفيفة، مثل تغيير مقدار الجرعات أو وتيرتها. كانت البراءات الرئيسية لدواء كيترودا ستنتهي في عام 2028، لكن ICIJ وجد أن ميرك واصلت الحصول على براءات إضافية للدواء تتجاوز المكوّن الفعّال الأصلي، في استراتيجية قد تجعل دخول المنافسين إلى السوق الأميركية أكثر صعوبة لمدة 14 عامًا أخرى.

قال سيف الدين أحمد، الباحث الرئيس في مبادرة BESAFE التابعة لجامعة جونز هوبكنز والهادفة إلى التصدي لانتشار الأدوية المشبوهة، إن تمويل أبحاث وتطوير أدوية مثل كيترودا من المال العام يمكن أن يساهم في خفض الأسعار. وقال: “إذا تم تطوير الدواء عبر مشاريع ممولة من القطاع العام، فسيكون من الممكن على الأرجح توزيعه على نطاق واسع وبسعر أقل”.  

في الوقت الحالي، ما زال انعدام القدرة على الوصول إلى العلاج يعصف بأنظمة الرعاية الصحية حول العالم، تاركًا كثراً من المرضى يواجهون مصيرهم وحدهم. يقول بوكنر: “يحتاج المرضى إلى أدوية علاجية ميسورة الكلفة، حقيقية، وقادرة على إنقاذ حياتهم. هذه هي الخلاصة”.  

“أسوأ ما يمكن أن يحدث”  

تحيي بهِنّاتا بيا ذكرى والدتها كل عام عبر التبرع لجمعية خيرية تُعنى بالغذاء، لكن هذا التقليد ما زال بعيدًا عن أن يمنحها شعورًا بالانغلاق أو السلام.  

تقول عن احتمال أن تكون قد أعطت والدتها دواءً مزيّفًا: “كيف يمكن للمرء أصلًا أن يستوعب شيئًا كهذا؟ أعتقد أنه عندما نعرف أن هذا لن يحدث لآخرين، وأن المسؤولين سيُحاسَبون، ربما أتمكن عندها من إغلاق هذه الصفحة ذهنيًا والمضيّ قدمًا”.  

وفي محاولة لفعل ذلك، رفعت دعوى إهمال طبي في نيبال ضد بارمان، وتشوهان، والطبيب الذي تقاضى ثمن جرعات كيترودا، والمستشفى الذي عولجت فيه والدتها. وبسبب أن تشوهان ليس مواطنًا نيباليًا، تتحرك القضية ببطء.  

أما فرانسيسكو شافيز، فلا يزال هو الآخر يشعر بأن تجربته تُطارده بينما يحاول أن يضع قضيته على السكة.  

يقول شافيز: “أعتقد أن تحقيق الأرباح من صحة الناس هو أسوأ ما يمكن أن يحدث في العالم”.  


المراسلون المساهمون: أنجي ساندوفال وخيراردو رييس (يونيفيجن)، فيوليتا سانتياغو (Quinto Elemento Lab)، ألدو كانيدو (El Sol de México)، كارلوس كارابانيا (El País)، دينيس أجيري، يلينا تسوسيتش، وكاري كيهو (ICIJ).