ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كيف يعاقب السيسي خصومه السياسيين في السجون؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يعاني معتقلو الاخوان داخل السجون المصريّة بدرجات متفاوتة، تبعاً لمستوى عضوية كل معتقل في التنظيم الممنوع. فمثلاً، تعاني قيادات الجماعة وقيادات الصف الثاني من العزل التام عن باقي المعتقلين، ولا يرون الشمس، ولا يتحدثون مع أحد سوى سجّانيهم. وهم محرومون من الزيارات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“في السجون نحن مجرد أرقام. قد تكون للمعتقلين الآخرين أهمية، وللجنائيين أيضًا، أما نحن فلسنا سوى أرقام، أو في أسفل طبقات سلم السجن. لن ينتفض الشارع إذا متنا في السجن، بل قد يهللون كما هللوا حين مات بعضنا في فض رابعة. نحن نعلم ذلك، والسجان كذلك، فنحن مذنبون وإن برأتنا المحكمة”. بهذه الكلمات وصف محمد معتصم – اسم مستعار – حياته التي أمضاها على مدى ثماني سنوات، متنقلاً بين سجن العقرب وبرج العرب، قبل أن يُخلى سبيله في القضية المعروفة بـ”أحداث فض رابعة”.

يقول معتصم: “كنت موصوماً داخل السجن بانتمائي إلى جماعة الإخوان. هذا الوصم جعل أحد ضباط السجن يقول لنا حين اعترضنا على سوء المعاملة: أنتم ليست لكم دية؟”.

معتصم واحد من آلاف المعتقلين المنتمين إلى جماعة الإخوان، والذين لا يوجد تقدير رسمي لأعدادهم في السجون المصرية بعد سقوط نظام الجماعة في حزيران/ يونيو 2013. وقد عاش هؤلاء – أو ما زالوا يعيشون – ظروفاً معيشية بالغة السوء داخل السجون، بهدف التنكيل بهم، وسط حملة دعائية إعلامية ضدهم، كان أبرز أدواتها مسلسلات مثل “الاختيار”، “سره الباتع”، “كلبش”، و”الجماعة 2”.

وكان آخر أوجه التنكيل ما صرّح به عضو لجنة العفو الرئاسي، النائب طارق الخولي، بأن اللجنة كانت تستبعد أي اسم من الجماعة حفاظًا على “أمن مصر”، على اعتبار أنهم – حتى وإن لم يكونوا متورطين في ارتكاب العنف – فهم مرشحون لذلك.

وبحسب معتصم، يعاني جميع معتقلي الإخوان داخل السجون، ولكن بدرجات متفاوتة، تبعًا لمستوى عضوية كل معتقل. فمثلاً، تعاني قيادات الجماعة وقيادات الصف الثاني من العزل التام عن باقي المعتقلين، ولا يرون الشمس، ولا يتحدثون مع أحد سوى سجّانيهم. وهم محرومون من الزيارات.

أما من هم أقل رتبة، فيُسمح لهم بالزيارة والاختلاط بمعتقلين آخرين من التيارات الإسلامية أو حتى من التيارات الأخرى، لكن ليس من الجنائيين. فاختلاط الجنائيين لا يحدث إلا إذا قرّر الضابط معاقبة أحد معتقلي الإخوان بتحريض الجنائيين ضده.

يُضاف إلى ذلك التضييق عليهم خلال الزيارات، من حيث ما يُسمح بإدخاله، وحتى في المبلغ الذي يُسمح لعائلاتهم بإيداعه في مقصف السجن لتلبية احتياجاتهم. كما يُمنعون من التريّض، أو يتم التضييق عليهم خلاله.

ما قاله محمد يتطابق مع رأي الباحث الحقوقي والمعتقل السابق عمرو حشاد، الذي كتب في منشور له على “فيسبوك”: “بحسب تجربتي الشخصية كمعتقل سابق ومصنف ضمن التيار الإسلامي، وبحسب عملي في منظمات حقوق الإنسان وشغلي المباشر مع ضحايا القمع والانتهاكات في مصر، أقدر أقول بكل وضوح إن معتقلي (التيار الإسلامي) وعلى رأسهم معتقلو الإخوان المسلمين هما أكتر ناس بيتعرضوا لانتهاكات ممنهجة وبشعة داخل السجون المصرية، من غير ما يكون ليهم صوت، ومن غير ما حد يطالب بحقوقهم، وكأنهم مش موجودين”.

أضاف حشاد: “الواقع بيقول إن التعذيب، الإهمال الطبي، العزل الانفرادي، المنع من الزيارات، الحرمان من العلاج، بل وحتى الموت البطيء،  ده أصبح جزء من حياة المعتقلين دول”.

أن تصبح معزولًا

ماذا يحدث حين يفقد الإنسان الأمل بأن يرى النور مجددًا؟ وحين يُعزل عن العالم فلا يسمع سوى صوت أنفاسه؟ يصبح الانتحار حينها هو الأقرب، والصرخة الوحيدة التي يطلقها في وجه المجتمع.
وهذا ما حدث مع عبد الرحيم محمد، طبيب القلب الشهير، المسجون في سجن بدر 3، والمحكوم عليه بالسجن 25 عامًا في ما يُعرف بقضية “أحداث مكتب الإرشاد”.

اعتُقل عبد الرحيم قبل 12 عامًا، بعد سقوط نظام الجماعة في حزيران/ يونيو 2013، وظل قيد التحقيق حتى آب/ أغسطس 2018، حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد مع عدد من المتهمين.
فهو، بحكم القانون، مذنب يقضي عقوبة.
لكن الأمر، بالنسبة إليه والى عدد كبير من معتقلي الجماعة – الذين لا يوجد إحصاء رسمي لهم حتى الآن – تجاوز حدود العقوبة القانونية، ليصل إلى ما يشبه القتل الصامت:
حرمان كامل من التواصل الإنساني، حتى مع من يُحتجزون معه في السجن ذاته، وحرمان من زيارة أسرته منذ سنوات، بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمّد.

ووفقًا للمادة 38 من قانون تنظيم السجون المصري، يحق لأسرة السجين زيارتين شهريًا، سواء أكان محكومًا عليه أم محبوسًا احتياطيًا.
إلا أن هذا الحق حُرم منه كثر من معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، لا سيما المحبوسين في سجن بدر 3، الذي يضم النسبة الأكبر من قيادات الجماعة وأفرادها، ومن بينهم د. محمد البلتاجي، المضرب عن الطعام منذ 20 حزيران الماضي، بحسب ما صرّحت به زوجته سناء عبد الجواد، التي قالت إن البلتاجي محروم من الزيارة منذ لحظة القبض عليه عام 2013، وممنوع حتى من رؤية ابنه، المسجون معه في السجن ذاته منذ 9 سنوات.

التدوير… والتدوير فقط

إذا كان عبد الرحيم والبلتاجي مسجونين لقضاء أحكام قضائية، فإن حالة المعتقل د. محمد السيد شهاب تختلف كليًا.
فشهاب، أستاذ الهندسة، أُلقي القبض عليه في مطار القاهرة أثناء سفره إلى الإمارات لتدريس مقررات دراسية في إحدى الجامعات، وذلك في أيلول/ سبتمبر 2013.

وحُكم عليه في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”هروب وادي النطرون”، إذ اتُّهم مع عدد من قيادات الجماعة بالهروب من السجن أثناء ثورة يناير، على رغم أنه كان معتقلًا في ذلك الحين.

وبعد ثماني سنوات، حصل شهاب على حكم بالبراءة في الاستئناف.
لكن، بدلًا من الإفراج عنه، قامت السلطات بتدويره في قضية جديدة حملت الرقم 786 لسنة 2020، وهو لا يزال محبوسًا على ذمتها منذ خمس سنوات، كحبس احتياطي.

وبحسب منشور لابنته إسراء شهاب على “فيسبوك” في كانون الثاني/ يناير الماضي، فإن السلطات المصرية قامت أيضًا بتدوير والدها في قضية أخرى رقم 2215 لسنة 2021.

وقالت إسراء في منشورها: “بابا مسجون بقاله 11 سنة و3 شهور، وبقالنا 7 سنين ممنوعين من الزيارة. سبع سنين!! أنا مش مصدقة الأرقام وأنا بكتبها والله. مخي بيعطّل لما بقعد أفكر في الـ11 سنة، حصل فيهم إيه؟ بابا معاصرش جوازي، ولا يعرف قد إيه محمد كان إنسان نبيل وزوج نادر الجمال. آخر مرة بابا شاف يحيى كان عمره أقل من تلات سنين.
يحيى قرب يبقى مراهق خلاص”.

ولم يكن حال عبد المنعم أبو الفتوح – الذي يُعد رسميًا خارج صفوف الإخوان منذ ما قبل سقوط الجماعة حين أسّس حزب “مصر القوية” – مختلفًا عن حال باقي المعتقلين.
فعلى رغم خروجه تنظيميًا من الجماعة، لم يسلم من التنكيل، إذ مُنع من الزيارات والتواصل الإنساني. وعلى رغم أنه محكوم عليه بالسجن 15 عامًا، تنتهي في 2033 (أي بعد بلوغه الثمانين)، إلا أن ذلك لم يمنع تدويره في قضية جديدة، يُتهم فيها بقيادة جماعة إرهابية، وعقد اجتماعات من داخل محبسه.
ويعاني أبو الفتوح من مشكلات صحية تستدعي الإفراج الصحي، نتيجة إصابته بأزمات قلبية متكررة داخل السجن، لا سيما أنه في العقد الثامن من عمره.

من العقرب إلى بدر 3

قبل كانون الأول/ ديسمبر 2021، كان معتقلو الجماعة في غالبيتهم – سواء الصادر بحقهم أحكام أو المحبوسين احتياطيًا – نزلاء في سجن طرة شديد الحراسة، المعروف باسم العقرب، وهو أحد أكثر السجون سيئة السمعة في مصر.

وسجن العقرب، أو طرة 992 شديد الحراسة، دُشِّن ضمن مجمع سجون طرة المطل على نيل القاهرة عام 1993، ويُعرف بكونه السجن الأهم لمعتقلي التيار الإسلامي. وقد صدرت بحقه تقارير حقوقية دولية عدة، كان أبرزها تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الصادر في أيلول/ سبتمبر 2016، الذي أكّد أن السجناء في هذا السجن يعاملون معاملة سيئة ويتعرضون للتعذيب بشكل منتظم.

ووفقًا للتقرير، الذي نقل شهادات من داخل السجن، فإن نزلاء العقرب – وهو أكثر أجزاء سجن طرة تشديدًا أمنيًا – يتعرضون للضرب، ويُحرمون من الطعام، ويُحتجزون في زنازين بلا نوافذ، لا يسمح صغر حجمها بالنوم. كما يُمنعون من الحصول على الأدوية.
وعلى رغم أن التقرير لم يحدد صراحة أن من تعرضوا لهذه الانتهاكات هم من جماعة الإخوان، فإن غالبية نزلاء السجن ينتمون إلى الجماعة أو مؤيدون لها.

وفي تقرير آخر صدر عن هيومن رايتس ووتش في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وُصفت فيه الإجراءات الجديدة التي اتخذتها إدارة السجن – كتقليص مساحات التهوية والإضاءة – بأنها عقاب جماعي للسجناء، وذلك بعدما أقدم أربعة سجناء محكوم عليهم بالإعدام، على قتل أربعة من ضباط الشرطة.
وفي تموز/ يوليو 2019، دخل أكثر من 130 نزيلاً في سجن العقرب في إضراب جماعي عن الطعام استمر 6 أسابيع، احتجاجًا على سوء المعاملة ومنع الزيارات العائلية.

ومع بحث الدولة عن استثمارات جديدة، ومحاولات بيع الأصول لمواجهة الأزمة الاقتصادية، دفعت السلطات نحو الاستفادة من موقع سجن العقرب المميز، عبر نقل المعتقلين إلى سجون جديدة، نُسخ فيها العقرب، وكان أبرزها سجن بدر 3، الذي سرعان ما اكتسب سمعة سيئة، مشابهة وربما أسوأ.

وفي سلسلة منشورات “شِبْر وقَبْضَة”، كشف المعتقل السابق أحمد دومة عن انتهاكات واسعة طالت الكثير من المعتقلين، وعلى رأسهم أعضاء جماعة الإخوان، تمثّلت في عزلهم داخل زنازين انفرادية، تفصل بينها زنزانة فارغة لضمان انعدام التواصل، وتجريد تلك الزنازين من أي وسائل تدفئة خلال الشتاء، كإجراء عقابي.

ووفقًا لمتابعات حقوقية، فقد شهد سجن بدر 3 ما يزيد عن 15 محاولة انتحار، احتجاجًا على منع الزيارات العائلية والتعسف الممارس، لا سيما ضد قيادات الجماعة.

ويخوض معتقلو الجماعة حاليًا، بحسب بيان نُشر عبر رابطة أسر معتقلي بدر بعنوان “50 هيكلًا عظميًا يواجهون الموت”، إضرابًا كليًا عن الطعام مستمرًا منذ أسابيع عدة، من دون أي استجابة من النظام. واتهم المعتقلون الموقعون على البيان السلطات بمحاولة القضاء عليهم والتخلص منهم بشكل ممنهج.

المذبحة الصامتة

هناك قتلٌ بالسلاح، ولكنْ هناك أيضًا قتلٌ صامت. وفي السجون، يعاني معتقلو جماعة الإخوان من هذا النوع من القتل: المذبحة الصامتة، أي القتل عبر الإهمال الطبي. وإذا كان جميع نزلاء السجون في مصر يعانون بدرجات متفاوتة من هذا الإهمال، فإن الجماعة المعزولة عن الحكم، يعاني أعضاؤها من القتل الصامت بدرجة أكبر.

فقدت الجماعة خلال السنوات الماضية عددًا من قياداتها البارزين بسبب هذا الإهمال، أبرزهم الرئيس المعزول محمد مرسي، والقيادي عصام العريان، والمرشد الأسبق مهدي عاكف.
وفي عام 2024، كان هشام الحداد، شقيق القيادي الإخواني عصام الحداد، أحد ضحايا الإهمال الطبي، بينما يواجه كثر من معتقلي الجماعة خطر الوفاة للأسباب نفسها، وعلى رأسهم: محمد البلتاجي، صلاح سلطان، عبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد بديع.

وبحسب رصد حقوقي، فقد سُجّلت 50 حالة وفاة لسجناء سياسيين خلال عام 2024، في غالبيتها بسبب الإهمال الطبي، ووقعت في صفوف المعتقلين المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين.

ومن بين من قضوا نتيجة الإهمال الطبي، عمرو أبو خليل، شقيق الحقوقي هيثم أبو خليل، مدير “مركز ضحايا”، الذي توفي في أيلول/ سبتمبر 2019 داخل سجن العقرب.

يقول هيثم أبو خليل إن أوضاع السجون في مصر سيئة بشكل عام، مشيرًا إلى أن الدولة، على رغم حديثها عن تطوير السجون وتغيير فلسفة التأهيل، استنسخت تجربة العقرب كما هي في سجون جديدة مثل بدر 3.

ويضيف أن معتقلي الإخوان، ولا سيما قياداتهم، يُعاملون بطريقة تتنافى مع الكرامة الإنسانية، وحتى مع القوانين واللوائح الداخلية لمصلحة السجون، التي لا تسمح بالعزل التام إلا كعقوبة محددة وبمدد مؤقتة، بينما هم يُعزلون سنوات، ويُمنعون من الزيارة لعشر سنوات أو أكثر.

ويؤكد أبو خليل أن معتقلي الجماعة يتعرضون لقتل منهجي، يُمنع فيه الدواء والعلاج، كما حدث مع شقيقه ومع عصام العريان.  ويُشير إلى المفارقة في المعاملة داخل السجون، قائلاً إنه فيما كان يُسمح لعائلات سجناء جنائيين – كعائلة محسن السكري، المتهم بقتل المطربة سوزان تميم – بإيداع عشرات الآلاف من الجنيهات في مقصف السجن، لم يكن يُسمح لعائلة المعتقل الإخواني بإيداع أكثر من 1500 جنيه فقط.

ويضيف أبو خليل أن معتقلي الإخوان يدفعون ثمن كونهم الخصم الأبرز للنظام، والفزاعة التي يستخدمها لتخويف الناس، سواء عبر المسلسلات التلفزيونية أو الخطابات الإعلامية، ما يبرر – من وجهة نظر السلطة – استهدافهم الممنهج، ويُضعف في الوقت نفسه فرص التضامن الشعبي معهم.

ويُشير إلى أن التدوير بات أداة خاصة بالإخوان، تُستخدم لإعادتهم إلى المربع الأول حتى بعد انتهاء محكوميتهم؛ إذ يُخلى سبيلهم نظريًا، ثم يُعاد القبض عليهم بعد إخفائهم لفترة، أو يُنقلون إلى قسم آخر، أو الأسوأ: تلفيق تهمة جديدة بناءً على وقائع داخل السجن نفسه، كما حدث في حالة عبد المنعم أبو الفتوح.

ويقول أنصار الجماعة إن ما حدث هو اعتداء على التجربة الديمقراطية، وانقلاب على الشرعية، وإنهم يدفعون ثمن موقفهم الرافض لهذا المسار. في المقابل، يرى النظام أن الإخوان أرادوا هدم الدولة، وارتكبوا جرائم عنف وإرهاب.

وما بين هذين الخطابين، يبقى المعتقل أو السجين إنسانًا، سواء كان مذنبًا بجرم مشهود، أو بريئًا يدفع ثمن الخلافات السياسية.  ويستحق – حتى لو كان إخوانيًا – أن يُعامل وفقًا للقانون، لأن حتى للإخوان… حقوق.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
23.07.2025
زمن القراءة: 9 minutes

يعاني معتقلو الاخوان داخل السجون المصريّة بدرجات متفاوتة، تبعاً لمستوى عضوية كل معتقل في التنظيم الممنوع. فمثلاً، تعاني قيادات الجماعة وقيادات الصف الثاني من العزل التام عن باقي المعتقلين، ولا يرون الشمس، ولا يتحدثون مع أحد سوى سجّانيهم. وهم محرومون من الزيارات.

“في السجون نحن مجرد أرقام. قد تكون للمعتقلين الآخرين أهمية، وللجنائيين أيضًا، أما نحن فلسنا سوى أرقام، أو في أسفل طبقات سلم السجن. لن ينتفض الشارع إذا متنا في السجن، بل قد يهللون كما هللوا حين مات بعضنا في فض رابعة. نحن نعلم ذلك، والسجان كذلك، فنحن مذنبون وإن برأتنا المحكمة”. بهذه الكلمات وصف محمد معتصم – اسم مستعار – حياته التي أمضاها على مدى ثماني سنوات، متنقلاً بين سجن العقرب وبرج العرب، قبل أن يُخلى سبيله في القضية المعروفة بـ”أحداث فض رابعة”.

يقول معتصم: “كنت موصوماً داخل السجن بانتمائي إلى جماعة الإخوان. هذا الوصم جعل أحد ضباط السجن يقول لنا حين اعترضنا على سوء المعاملة: أنتم ليست لكم دية؟”.

معتصم واحد من آلاف المعتقلين المنتمين إلى جماعة الإخوان، والذين لا يوجد تقدير رسمي لأعدادهم في السجون المصرية بعد سقوط نظام الجماعة في حزيران/ يونيو 2013. وقد عاش هؤلاء – أو ما زالوا يعيشون – ظروفاً معيشية بالغة السوء داخل السجون، بهدف التنكيل بهم، وسط حملة دعائية إعلامية ضدهم، كان أبرز أدواتها مسلسلات مثل “الاختيار”، “سره الباتع”، “كلبش”، و”الجماعة 2”.

وكان آخر أوجه التنكيل ما صرّح به عضو لجنة العفو الرئاسي، النائب طارق الخولي، بأن اللجنة كانت تستبعد أي اسم من الجماعة حفاظًا على “أمن مصر”، على اعتبار أنهم – حتى وإن لم يكونوا متورطين في ارتكاب العنف – فهم مرشحون لذلك.

وبحسب معتصم، يعاني جميع معتقلي الإخوان داخل السجون، ولكن بدرجات متفاوتة، تبعًا لمستوى عضوية كل معتقل. فمثلاً، تعاني قيادات الجماعة وقيادات الصف الثاني من العزل التام عن باقي المعتقلين، ولا يرون الشمس، ولا يتحدثون مع أحد سوى سجّانيهم. وهم محرومون من الزيارات.

أما من هم أقل رتبة، فيُسمح لهم بالزيارة والاختلاط بمعتقلين آخرين من التيارات الإسلامية أو حتى من التيارات الأخرى، لكن ليس من الجنائيين. فاختلاط الجنائيين لا يحدث إلا إذا قرّر الضابط معاقبة أحد معتقلي الإخوان بتحريض الجنائيين ضده.

يُضاف إلى ذلك التضييق عليهم خلال الزيارات، من حيث ما يُسمح بإدخاله، وحتى في المبلغ الذي يُسمح لعائلاتهم بإيداعه في مقصف السجن لتلبية احتياجاتهم. كما يُمنعون من التريّض، أو يتم التضييق عليهم خلاله.

ما قاله محمد يتطابق مع رأي الباحث الحقوقي والمعتقل السابق عمرو حشاد، الذي كتب في منشور له على “فيسبوك”: “بحسب تجربتي الشخصية كمعتقل سابق ومصنف ضمن التيار الإسلامي، وبحسب عملي في منظمات حقوق الإنسان وشغلي المباشر مع ضحايا القمع والانتهاكات في مصر، أقدر أقول بكل وضوح إن معتقلي (التيار الإسلامي) وعلى رأسهم معتقلو الإخوان المسلمين هما أكتر ناس بيتعرضوا لانتهاكات ممنهجة وبشعة داخل السجون المصرية، من غير ما يكون ليهم صوت، ومن غير ما حد يطالب بحقوقهم، وكأنهم مش موجودين”.

أضاف حشاد: “الواقع بيقول إن التعذيب، الإهمال الطبي، العزل الانفرادي، المنع من الزيارات، الحرمان من العلاج، بل وحتى الموت البطيء،  ده أصبح جزء من حياة المعتقلين دول”.

أن تصبح معزولًا

ماذا يحدث حين يفقد الإنسان الأمل بأن يرى النور مجددًا؟ وحين يُعزل عن العالم فلا يسمع سوى صوت أنفاسه؟ يصبح الانتحار حينها هو الأقرب، والصرخة الوحيدة التي يطلقها في وجه المجتمع.
وهذا ما حدث مع عبد الرحيم محمد، طبيب القلب الشهير، المسجون في سجن بدر 3، والمحكوم عليه بالسجن 25 عامًا في ما يُعرف بقضية “أحداث مكتب الإرشاد”.

اعتُقل عبد الرحيم قبل 12 عامًا، بعد سقوط نظام الجماعة في حزيران/ يونيو 2013، وظل قيد التحقيق حتى آب/ أغسطس 2018، حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد مع عدد من المتهمين.
فهو، بحكم القانون، مذنب يقضي عقوبة.
لكن الأمر، بالنسبة إليه والى عدد كبير من معتقلي الجماعة – الذين لا يوجد إحصاء رسمي لهم حتى الآن – تجاوز حدود العقوبة القانونية، ليصل إلى ما يشبه القتل الصامت:
حرمان كامل من التواصل الإنساني، حتى مع من يُحتجزون معه في السجن ذاته، وحرمان من زيارة أسرته منذ سنوات، بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمّد.

ووفقًا للمادة 38 من قانون تنظيم السجون المصري، يحق لأسرة السجين زيارتين شهريًا، سواء أكان محكومًا عليه أم محبوسًا احتياطيًا.
إلا أن هذا الحق حُرم منه كثر من معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، لا سيما المحبوسين في سجن بدر 3، الذي يضم النسبة الأكبر من قيادات الجماعة وأفرادها، ومن بينهم د. محمد البلتاجي، المضرب عن الطعام منذ 20 حزيران الماضي، بحسب ما صرّحت به زوجته سناء عبد الجواد، التي قالت إن البلتاجي محروم من الزيارة منذ لحظة القبض عليه عام 2013، وممنوع حتى من رؤية ابنه، المسجون معه في السجن ذاته منذ 9 سنوات.

التدوير… والتدوير فقط

إذا كان عبد الرحيم والبلتاجي مسجونين لقضاء أحكام قضائية، فإن حالة المعتقل د. محمد السيد شهاب تختلف كليًا.
فشهاب، أستاذ الهندسة، أُلقي القبض عليه في مطار القاهرة أثناء سفره إلى الإمارات لتدريس مقررات دراسية في إحدى الجامعات، وذلك في أيلول/ سبتمبر 2013.

وحُكم عليه في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”هروب وادي النطرون”، إذ اتُّهم مع عدد من قيادات الجماعة بالهروب من السجن أثناء ثورة يناير، على رغم أنه كان معتقلًا في ذلك الحين.

وبعد ثماني سنوات، حصل شهاب على حكم بالبراءة في الاستئناف.
لكن، بدلًا من الإفراج عنه، قامت السلطات بتدويره في قضية جديدة حملت الرقم 786 لسنة 2020، وهو لا يزال محبوسًا على ذمتها منذ خمس سنوات، كحبس احتياطي.

وبحسب منشور لابنته إسراء شهاب على “فيسبوك” في كانون الثاني/ يناير الماضي، فإن السلطات المصرية قامت أيضًا بتدوير والدها في قضية أخرى رقم 2215 لسنة 2021.

وقالت إسراء في منشورها: “بابا مسجون بقاله 11 سنة و3 شهور، وبقالنا 7 سنين ممنوعين من الزيارة. سبع سنين!! أنا مش مصدقة الأرقام وأنا بكتبها والله. مخي بيعطّل لما بقعد أفكر في الـ11 سنة، حصل فيهم إيه؟ بابا معاصرش جوازي، ولا يعرف قد إيه محمد كان إنسان نبيل وزوج نادر الجمال. آخر مرة بابا شاف يحيى كان عمره أقل من تلات سنين.
يحيى قرب يبقى مراهق خلاص”.

ولم يكن حال عبد المنعم أبو الفتوح – الذي يُعد رسميًا خارج صفوف الإخوان منذ ما قبل سقوط الجماعة حين أسّس حزب “مصر القوية” – مختلفًا عن حال باقي المعتقلين.
فعلى رغم خروجه تنظيميًا من الجماعة، لم يسلم من التنكيل، إذ مُنع من الزيارات والتواصل الإنساني. وعلى رغم أنه محكوم عليه بالسجن 15 عامًا، تنتهي في 2033 (أي بعد بلوغه الثمانين)، إلا أن ذلك لم يمنع تدويره في قضية جديدة، يُتهم فيها بقيادة جماعة إرهابية، وعقد اجتماعات من داخل محبسه.
ويعاني أبو الفتوح من مشكلات صحية تستدعي الإفراج الصحي، نتيجة إصابته بأزمات قلبية متكررة داخل السجن، لا سيما أنه في العقد الثامن من عمره.

من العقرب إلى بدر 3

قبل كانون الأول/ ديسمبر 2021، كان معتقلو الجماعة في غالبيتهم – سواء الصادر بحقهم أحكام أو المحبوسين احتياطيًا – نزلاء في سجن طرة شديد الحراسة، المعروف باسم العقرب، وهو أحد أكثر السجون سيئة السمعة في مصر.

وسجن العقرب، أو طرة 992 شديد الحراسة، دُشِّن ضمن مجمع سجون طرة المطل على نيل القاهرة عام 1993، ويُعرف بكونه السجن الأهم لمعتقلي التيار الإسلامي. وقد صدرت بحقه تقارير حقوقية دولية عدة، كان أبرزها تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الصادر في أيلول/ سبتمبر 2016، الذي أكّد أن السجناء في هذا السجن يعاملون معاملة سيئة ويتعرضون للتعذيب بشكل منتظم.

ووفقًا للتقرير، الذي نقل شهادات من داخل السجن، فإن نزلاء العقرب – وهو أكثر أجزاء سجن طرة تشديدًا أمنيًا – يتعرضون للضرب، ويُحرمون من الطعام، ويُحتجزون في زنازين بلا نوافذ، لا يسمح صغر حجمها بالنوم. كما يُمنعون من الحصول على الأدوية.
وعلى رغم أن التقرير لم يحدد صراحة أن من تعرضوا لهذه الانتهاكات هم من جماعة الإخوان، فإن غالبية نزلاء السجن ينتمون إلى الجماعة أو مؤيدون لها.

وفي تقرير آخر صدر عن هيومن رايتس ووتش في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وُصفت فيه الإجراءات الجديدة التي اتخذتها إدارة السجن – كتقليص مساحات التهوية والإضاءة – بأنها عقاب جماعي للسجناء، وذلك بعدما أقدم أربعة سجناء محكوم عليهم بالإعدام، على قتل أربعة من ضباط الشرطة.
وفي تموز/ يوليو 2019، دخل أكثر من 130 نزيلاً في سجن العقرب في إضراب جماعي عن الطعام استمر 6 أسابيع، احتجاجًا على سوء المعاملة ومنع الزيارات العائلية.

ومع بحث الدولة عن استثمارات جديدة، ومحاولات بيع الأصول لمواجهة الأزمة الاقتصادية، دفعت السلطات نحو الاستفادة من موقع سجن العقرب المميز، عبر نقل المعتقلين إلى سجون جديدة، نُسخ فيها العقرب، وكان أبرزها سجن بدر 3، الذي سرعان ما اكتسب سمعة سيئة، مشابهة وربما أسوأ.

وفي سلسلة منشورات “شِبْر وقَبْضَة”، كشف المعتقل السابق أحمد دومة عن انتهاكات واسعة طالت الكثير من المعتقلين، وعلى رأسهم أعضاء جماعة الإخوان، تمثّلت في عزلهم داخل زنازين انفرادية، تفصل بينها زنزانة فارغة لضمان انعدام التواصل، وتجريد تلك الزنازين من أي وسائل تدفئة خلال الشتاء، كإجراء عقابي.

ووفقًا لمتابعات حقوقية، فقد شهد سجن بدر 3 ما يزيد عن 15 محاولة انتحار، احتجاجًا على منع الزيارات العائلية والتعسف الممارس، لا سيما ضد قيادات الجماعة.

ويخوض معتقلو الجماعة حاليًا، بحسب بيان نُشر عبر رابطة أسر معتقلي بدر بعنوان “50 هيكلًا عظميًا يواجهون الموت”، إضرابًا كليًا عن الطعام مستمرًا منذ أسابيع عدة، من دون أي استجابة من النظام. واتهم المعتقلون الموقعون على البيان السلطات بمحاولة القضاء عليهم والتخلص منهم بشكل ممنهج.

المذبحة الصامتة

هناك قتلٌ بالسلاح، ولكنْ هناك أيضًا قتلٌ صامت. وفي السجون، يعاني معتقلو جماعة الإخوان من هذا النوع من القتل: المذبحة الصامتة، أي القتل عبر الإهمال الطبي. وإذا كان جميع نزلاء السجون في مصر يعانون بدرجات متفاوتة من هذا الإهمال، فإن الجماعة المعزولة عن الحكم، يعاني أعضاؤها من القتل الصامت بدرجة أكبر.

فقدت الجماعة خلال السنوات الماضية عددًا من قياداتها البارزين بسبب هذا الإهمال، أبرزهم الرئيس المعزول محمد مرسي، والقيادي عصام العريان، والمرشد الأسبق مهدي عاكف.
وفي عام 2024، كان هشام الحداد، شقيق القيادي الإخواني عصام الحداد، أحد ضحايا الإهمال الطبي، بينما يواجه كثر من معتقلي الجماعة خطر الوفاة للأسباب نفسها، وعلى رأسهم: محمد البلتاجي، صلاح سلطان، عبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد بديع.

وبحسب رصد حقوقي، فقد سُجّلت 50 حالة وفاة لسجناء سياسيين خلال عام 2024، في غالبيتها بسبب الإهمال الطبي، ووقعت في صفوف المعتقلين المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين.

ومن بين من قضوا نتيجة الإهمال الطبي، عمرو أبو خليل، شقيق الحقوقي هيثم أبو خليل، مدير “مركز ضحايا”، الذي توفي في أيلول/ سبتمبر 2019 داخل سجن العقرب.

يقول هيثم أبو خليل إن أوضاع السجون في مصر سيئة بشكل عام، مشيرًا إلى أن الدولة، على رغم حديثها عن تطوير السجون وتغيير فلسفة التأهيل، استنسخت تجربة العقرب كما هي في سجون جديدة مثل بدر 3.

ويضيف أن معتقلي الإخوان، ولا سيما قياداتهم، يُعاملون بطريقة تتنافى مع الكرامة الإنسانية، وحتى مع القوانين واللوائح الداخلية لمصلحة السجون، التي لا تسمح بالعزل التام إلا كعقوبة محددة وبمدد مؤقتة، بينما هم يُعزلون سنوات، ويُمنعون من الزيارة لعشر سنوات أو أكثر.

ويؤكد أبو خليل أن معتقلي الجماعة يتعرضون لقتل منهجي، يُمنع فيه الدواء والعلاج، كما حدث مع شقيقه ومع عصام العريان.  ويُشير إلى المفارقة في المعاملة داخل السجون، قائلاً إنه فيما كان يُسمح لعائلات سجناء جنائيين – كعائلة محسن السكري، المتهم بقتل المطربة سوزان تميم – بإيداع عشرات الآلاف من الجنيهات في مقصف السجن، لم يكن يُسمح لعائلة المعتقل الإخواني بإيداع أكثر من 1500 جنيه فقط.

ويضيف أبو خليل أن معتقلي الإخوان يدفعون ثمن كونهم الخصم الأبرز للنظام، والفزاعة التي يستخدمها لتخويف الناس، سواء عبر المسلسلات التلفزيونية أو الخطابات الإعلامية، ما يبرر – من وجهة نظر السلطة – استهدافهم الممنهج، ويُضعف في الوقت نفسه فرص التضامن الشعبي معهم.

ويُشير إلى أن التدوير بات أداة خاصة بالإخوان، تُستخدم لإعادتهم إلى المربع الأول حتى بعد انتهاء محكوميتهم؛ إذ يُخلى سبيلهم نظريًا، ثم يُعاد القبض عليهم بعد إخفائهم لفترة، أو يُنقلون إلى قسم آخر، أو الأسوأ: تلفيق تهمة جديدة بناءً على وقائع داخل السجن نفسه، كما حدث في حالة عبد المنعم أبو الفتوح.

ويقول أنصار الجماعة إن ما حدث هو اعتداء على التجربة الديمقراطية، وانقلاب على الشرعية، وإنهم يدفعون ثمن موقفهم الرافض لهذا المسار. في المقابل، يرى النظام أن الإخوان أرادوا هدم الدولة، وارتكبوا جرائم عنف وإرهاب.

وما بين هذين الخطابين، يبقى المعتقل أو السجين إنسانًا، سواء كان مذنبًا بجرم مشهود، أو بريئًا يدفع ثمن الخلافات السياسية.  ويستحق – حتى لو كان إخوانيًا – أن يُعامل وفقًا للقانون، لأن حتى للإخوان… حقوق.