تقول زيزي، جدتي: “الله يلعن البلاد اللي ما بتحمل أهلها يا ستي”.
وأفكر: ليس باستطاعة بلدٍ أن يحمل أبناءه، حين لا يستطيع أن يحمل نفسه.
مرّت أحداث كثيرة جعلتني أفكر في مغادرة لبنان. لكنني لم أشعر يومًا أن هذا القرار حقيقي. عندما عدت في عام 2024 بعد اتفاق وقف النار الى بيروت، بكيت لأربع ساعات في المطار معانقاً صديقتي المقربة “سالي”. شعرت بعدها أني ولدت من جديد، كنت أنظر في عيون الناس حولي، أرى الرعب يقطن أجوافهم، فحرب 2024 لم تكن بداية مآسي اللبنانيين واللبنانيات، بل النقطة التي أفاضت أكوابهم التي لم يبق شيء إلا وسقط فيها. أذكر في 2023 كم شعرت بالارتياح عندما رُفضت تأشيرتي إلى هولندا عندما كنت أحاول مغادرة لبنان. كنت أكتفي بالمحاولة، وأقنع نفسي أنني أبذل جهدي لأهاجر، من دون أن أريد فعلًا أن أرحل.
تذكرني صديقة فرنسية التقيتها في بروكسل في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 أنني أخبرتها حينها عن قراري بالبقاء في لبنان لثماني سنوات على الأقل. كنت قد بدأت دراسة علم النفس، وأخطط لأن أصبح معالجًا نفسيًا عياديًا، وهو مسار يحتاج من ست إلى ثماني سنوات. كان ذلك قراري بالبقاء، بخاصة بعد حرب 2024، حين شعرت أنني لا أريد أن أترك هذا البلد.
لكن ماذا نفعل عندما تنبذنا بلادنا؟
فجر يوم الاثنين، 2 آذار/ مارس 2026، استفقت ككثيرين من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت على القصف الإسرائيلي العنيف. لم أكن على دراية بأن حزب الله قد أطلق قبل بضع ساعات “ستة صورايخ” على إسرائيل، وبذلك فتح علينا باب الجحيم. مال البيت فينا، شعرت بضغط الهواء ينفخ في الغرفة، تلى ذلك الصوت صوت رصاص كثيف كأنها القيامة. صوت صراخ الجيران يملأ الشارع، باب بيتنا يُطرق بقوة لكي نخلي المنزل، وأنا، ارتميت على الأرض محاولاً أن أحمي نفسي من الضربات الإسرائيلية المتتالية والرصاص الطائش على حدّ سواء. ففي بلدٍ كلبنان، لا خطة طوارئ فيه ولا أجراس إنذارات، نُنذر للحرب بالرصاص. زحفت على الأرض محاولاً الوصول الى هاتفي على الجنب الآخر من الغرفة، وركضت بعدها نحو شنطة الطوارئ التي أصرّت خالتي على تحضيرها قبل أسبوعين. فتحتها لأضع بعض الثياب، ثم سقط صاروخ آخر في شارع قريب، سقطت فوق الشنطة، شعرت للمرة الأولى في حياتي أنني سأموت، لم أفكر من قبل بأنني سأقضي في عمرٍ صغير ولم أختر آخر ما أريد أن أفعله قبل أن أُقتل. أغلقت الشنطة كما هي، من دون ثياب جديدة، لففت ذراعيّ حول جسدي وقلت: “بعتذر… هيك رح تموت”، ثم بكيت.
نجونا بأعجوبة، ككثيرين في ذلك الفجر المجنون. بينما كنا نغادر منزل جدتي رأيت “شوفات بتشيّب الراس”، الناس تركض في الطرقات بثياب نومها، سيارات ودراجات نارية تقود بجنون. رأيت رجلين دهستهما دراجة نارية قبل أن تكمل طريقها غير آبهة بما خلّفت وراءها من الخوف. بالقرب من الملعب البلدي كانت هناك مجموعات كبيرة من الناس تجمعوا وأشعلوا ناراً علّها تدفئ صقيع ذلك الفجر الذي شيّبنا أجمعين. بدأت بعدها رحلة التهجير القسري: جونية، ثم الأشرفية، ثم الدكوانة.
بقيت في الدكوانة شهرًا، قبل أن تضيق بي طائفية عدد من سكان المبنى، فيمضون عريضة ويستدعون المخابرات، ليُطلب مني مغادرة بيت صديقي الذي كنت أتردد إليه منذ سكن فيه. كان ذلك على خلفية قتل إسرائيل مسؤولاً في القوات اللبنانية، بعدما زعمت أن المستهدف كان عنصراً في حزب الله. الحرب الإسرائيلية والاستهداف العشوائي لبيئة حزب الله حتى في أماكن النزوح، وتغلغل مسؤولين في الحزب والحرس الثوري في مناطق مدنية، يضاف اليها إرث من انعدام الثقة الأهلية منذ الحرب اللبنانية، جميعها خلطة معقدة كرّست التحسس والقلق من أن كل “شيعي” عنصر في حزب الله، بمن فيهم أنا، وأقراطي الثلاث، وكل معارضتي لسياسة الحزب، وحرب الإسناد التي أدخلنا فيها. وكأن كذبة الجامع يعانق الكنيسة لم تعد مجدية، ورجع كل فريق على متراسه.
لم أستوعب ما سمعته، شعرت حينها أن البلد كله ضاق بي. لا مكان يتّسعني. لا الضاحية التي لم أشعر يومًا أنها تشبهني، على رغم أنني أُجبرت على السكن فيها في بيت جدتي بعدما أصبحت عاطلًا عن العمل، ولا الأشرفية التي عشت فيها حين كنت أعمل، ولا الدكوانة التي لجأت إليها هربًا من قصف إسرائيل علينا.
إقرأوا أيضاً:
أين نذهب عندما تضيق فينا بلادنا؟
حزمت أمتعتي وذهبت إلى اسطنبول، المدينة التي يسمح لي جواز سفري اللبناني بالهروب إليها كلما ساءت الأمور. بكيت كثيرًا ونحن نصعد إلى الطائرة. شعرت وكأن وطني يبصقني خارجه، إلى منفى واسع، بارد، ومخيف. كأنني نسيت كل ما أعرف، كأنني في متاهة كبيرة، واسعة، ومخيفة.
في اسطنبول، لم أعرف كيف أبدأ. مدينة ضخمة، أحبّها عادةً، لكنني أخاف منها. أشعر أنها قد تبتلعني إذا حزنتُ لحظة، أو توقفتُ عن الركض. أبحث عن وجوه مألوفة، عن أصوات قريبة، عن شيء صغير يربطني بما كنتُه قبل أن أُقتلع.
يُقال إن اسطنبول مدينة عبور. وأنا، مثل كثيرين، عالق في هذا العبور. نعيش بين مكانين: مكان تركناه ولم يتركنا، ومكان نحاول أن نصل إليه من دون أن نعرف إن كان سيستقبلنا.
يعزّ على المرء ألا تحتويه بلاده، أن يُصبح مضطرًا للبحث عن موطن له في أوطانٍ أخرى يعرف مليًا أنها لن تحتضنه، أن يمضي في طريقٍ حاول أن يتجنبه طويلًا، وقد دفع نفسه ثمنًا لذلك، وأن تُستنزف روحه في بلاده.
يعزّ عليّ أن أستسلم للرحيل، وتعزّ عليّ نفسي التي كدت أخسرها في لبنان، وأحاول الحفاظ على ما تبقى منها.
ماذا يحدث لنا بعد أن نُسلخ عن أوطاننا؟ لا تستقبلنا البلدان الأخرى بسهولة، فنمضي وقتنا نحاول التأقلم، بناء انتماء هش، لا يشبهنا تمامًا. نبحث عن أوطان صغيرة داخل أوطان كبيرة: أشخاص يشبهوننا، في التجربة، في الفقد، في المنفى. نلتفّ حول بعضنا، ونبني عائلات بديلة.
تنقسم أرواحنا إلى نصفين: نصف يبقى هناك، حيث تركناه، ونصف يحاول أن يبدأ من جديد، من دون أن يعرف كيف.
أفكر في كل الذين أُبعدوا قسرًا عن أوطانهم. هل ينتهي المنفى؟ هل نجد أوطانًا بديلة؟ تغني فيروز:”وها أنا أستوطن الفراغ، شُرّدت عن أهلي مرتين، سكنت في الغياب مرتين…”.
هل يصبح الفراغ وطنًا؟












