في حديثي مع بعض الزملاء حول مسألة قتل الصحافيين، وعن الوقاحة والسفاهة الإسرائيلية في الاعتراف علنًا بجريمة حرب كهذه عبر اعتبار الصحافيين هدفًا “مشروعًا”، تفاجأتُ بأحد الزملاء يُصرّ على وصف الصحافيين الذين استهدفتهم آلة القتل الإسرائيلية بـ “صحافيي المنصّات التابعة لحزب الله”، وكأنّه، بأسلوبه الخاص، يميّزهم عن سائر الصحافيين في لبنان، أو، في الحدّ الأدنى، يضع ذريعة مبطّنة تحت تصرّف آلة القتل الإسرائيلية. وعلى رغم أنّني أعلم أنّ الزميل لم يقصدها بهذا الشكل، فوجئت بهذا الوصف وهذا التقسيم؛ فما يكمن في لاوعيه، كصحافي، على هذا الصعيد، مخيف فعلًا.
في عالم ومنطقة منقسمين سياسيًا ودينيًا وطائفيًا، بات الخلاف على ما يُفترض أنه بديهيات ومبادئ أساسية أمرًا مؤسفًا. قُتل أكثر من 260 صحافيًا في غزّة ولبنان منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع وامتدادها إلى لبنان، سواء في حرب الـ 66 يومًا أو في الحرب الدائرة اليوم. ووصفت لجنة حماية الصحافيين (CPJ) وغيرها من المنظمات الرقابية الحرب على غزّة بأنها النزاع الأكثر فتكًا بالصحافيين منذ بدء التوثيق، مع كون الغالبية الساحقة من الضحايا صحافيين فلسطينيين في غزّة. وبحسب لجنة حماية الصحافيين، “قُتل عدد أكبر من الصحافيين/ات والعاملين/ات في الإعلام عام 2025 مقارنة بأي عام آخر منذ أن بدأت اللجنة بجمع البيانات قبل أكثر من ثلاثة عقود. إسرائيل كانت مسؤولة عن ثلثي عمليات قتل الصحافيين/ات في عامي 2025 و2024، والجيش الإسرائيلي ارتكب أكبر عدد من عمليات القتل المستهدفة للصحافيين/ات مقارنة بأي جيش حكومي آخر منذ أن بدأت اللجنة توثيق هذه الحالات عام 1992”.
في هذا السياق، تقول رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، ألسي مفرج، في مقابلة مع موقع «درج»: “بعد الاستهداف الذي طاول علي شعيب، رأينا أنّ الأمور بلغت مستوى من الوقاحة، لم يكتفِ الطرف الإسرائيلي بتبنّي العملية، بل اعتبره هدفًا شرعيًا له، تمامًا كما اعتبر أفيخاي أدرعي في اليوم التالي أنّ سيارة الإسعاف هدف شرعي أيضًا. هكذا يُصار إلى شيطنة العمل الصحي والإسعاف، عبر تصويرهما على أنّهما يتجسّسان أو ينقلان معدات عسكرية، والى وصف الصحافي بالإرهابي وربطه بالأنشطة المسلّحة في لبنان التابعة لحزب الله، كما يحدث في غزّة مع حركة حماس، بهدف تبرير القول أمام العالم إنّه ليس صحافيًا، وبالتالي يحق لإسرائيل استهدافه. وهنا يتأثّر تعاطف الناس مع هذا الصحافي”.
| «يُقتَل الصحافيون بوتيرة وحجم يفترض أن يهزّا ضمير العالم. هذه ليست مآسي معزولة؛ بل تعكس فشلًا منهجيًا في احترام أبسط أشكال الحماية الواجبة للصحافيين المدنيين بموجب القانون الدولي»، تقول المديرة الإقليمية في لجنة حماية الصحافيين، سارة قداح. «حذّرت لجنة حماية الصحافيين مرارًا من أنّ غياب المحاسبة سيؤدي إلى استمرار تصاعد هذه الهجمات، ويشجّع كل من يسعى الى إسكات الصحافة المستقلة عبر العنف». تأتي هذه الجرائم في ظل تصاعد القصف الإسرائيلي على مختلف المناطق اللبنانية، بعد ساعات فقط من إعلان وقفٍ لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إذ نُفّذت أكثر من مئة غارة خلال دقائق، على الرغم من الإعلان عن الهدنة. 🚨 قتلُ إسرائيل الصحافيين في غزّة ولبنان اليوم ليس حدثًا عرضيًا، بل جزء من هجوم أوسع على حرية الصحافة. على المجتمع الدولي التحرّك فورًا لوقف ذلك. ~ لجنة حماية الصحافيين |
يُنبّه الصحافي الفلسطيني محمد أبو شحمة من غزّة، في حديث لـ«درج»، إلى أنّ «كلّ صحافي اليوم بات مستهدفًا من إسرائيل. الجيش الإسرائيلي لا يستهدف أيّ صحافي عشوائيًا، بل يركّز على الصحافيين الأكثر نشاطًا وتأثيرًا على الأرض؛ أي الذين ينقلون الأخبار والأحداث بدقّة ويؤثّرون في السردية الإسرائيلية. هذا الاستهداف ينعكس مباشرة على التغطية الصحافية للحرب».
فعندما يُستهدف أكثر من صحافي يعملون على خطّ النار وينقلون الأخبار من قلب المعركة وتحت القصف، يكون الهدف الإسرائيلي التأثير في هذه التغطية ومنعها. وهذا يدفع صحافيين آخرين إلى ممارسة رقابة ذاتية على أنفسهم؛ إذ توقّف كثيرون عن العمل فعليًا. لذلك فإن استهداف الصحافيين، مرّة بعد مرّة، يترك أثرًا بالغًا على التغطية. إسرائيل تدرك ذلك جيدًا، ولهذا تمارس استهدافًا منهجيًا للصحافيين، فلسطينيين ولبنانيين، وتختار توقيتات ترتفع فيها حدّة الأحداث، وفقًا لأبو شحمة.
تؤكّد مفرّج أنّ “استهداف الصحافيين هو، بطبيعته، استهداف للحقيقة، لأنّه يمسّ حق الناس في المعرفة. وهو يأتي ضمن محاولة متعمّدة لمنع الصحافيين من نقل صورة الجرائم الإسرائيلية وتوثيقها، وبالتالي تمكين المعتدي من التحكّم بالسردية التي يحاول فرضها على الرأي العام”.
الخطوات المقبلة
تقدّمت الدولة اللبنانية في 15 نيسان/ أبريل 2026 بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن على خلفية الغارات الإسرائيلية في 8 من الشهر نفسه داخل الأراضي اللبنانية، ولا سيما في بيروت، والتي أدّت إلى مقتل أكثر من 350 شخصاً في أقلّ من عشر دقائق.
على مستوى الدولة، يرأس الوزير طارق متري اللجنة الحكومية للقانون الدولي الإنساني، ومن المفترض أن تتقاطع عندها مختلف جهود التوثيق والمتابعة. وتشمل الخطوة التالية، كما تنقل مفرّج، مطالبة النيابات العامة بالتحرّك وفتح الملفات، علمًا أنّ مدير عام وزارة العدل تعهّد في الاجتماع الأخير بالعمل على هذا المسار، إلى جانب تكليف بعثة لبنان في جنيف درس الخيارات المتاحة أمام مجلس حقوق الإنسان، سواء عبر لجنة تقصّي حقائق أو لجنة تحقيق أو تقرير يصدر عن مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان.
إقرأوا أيضاً:
في موازاة ذلك، يتم العمل على مشروع قانون خاص لمعاقبة جرائم الحرب، على أن يُقدَّم إلى البرلمان عبر لجنة حقوق الإنسان. وترتكز الأولويات، كما تشرح مفرّج، على الضغط لـ: توثيق رسمي منظَّم من الدولة، فتح تحقيقات قضائية في كل حالة، إقرار قانون وطني يجرّم جرائم الحرب، المطالبة بآليات دولية لتقصّي الحقائق أمام مجلس حقوق الإنسان، ومنح الصلاحية للمحكمة الجنائية الدولية للنظر في هذه الجرائم.
في الوقت نفسه، يقوم اتحاد الصحافيين في لبنان بمهام عدة، من بينها التوثيق وإخطار المقرّرين الخاصّين في الأمم المتحدة. وقد صدرت عن هؤلاء مراسلات عدة تؤكّد ضرورة تحييد الصحافيين وعدم اعتبارهم أهدافًا عسكرية، وتدين استهداف علي شعيب وتصفه بأنه عمل مرفوض ومدان، وتشدّد على أنّ الصحافي، أيًّا تكن الوسيلة الإعلامية التي يعمل لصالحها، يتمتّع بالحماية. كما طالب المقرّرون بتحقيق دولي مستقل في هذه الجرائم.

القانون الدولي وحماية الصحافيين
هناك قرارات واتفاقيات دولية عدة تؤكّد أهمية حماية الصحافي في مناطق النزاع. ينصّ القانون الدولي الإنساني على وجود وضعين قانونيين للصحافيين في النزاعات المسلّحة الدولية: مراسلو الحروب المعتمدون لدى أحد أطراف النزاع، والصحافيون الآخرون الذين يُصنَّفون كمدنيين. يتمتع هؤلاء بصفة المدنيين ويجب أن يُحظوا بالحماية على هذا الأساس، استنادًا إلى المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف، كما يوضح ذلك The Practical Guide to Humanitarian Law..
وتُعدّ «خطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحافيين ومسألة الإفلات من العقاب» (2012) الإطار السياسي الأهم، القائم على ثلاثة أعمدة رئيسية: الوقاية، الحماية، والملاحقة القضائية، والمنسِّق لجهود هيئات الأمم المتحدة والدول ووسائل الإعلام والمجتمع المدني. جاءت هذه الخطة استكمالًا لـ«إعلان سلامة الصحافيين» (2009) الذي دعا إلى «تحرك دولي مستدام وملموس للتصدي لعمليات قتل الصحافيين والعاملين في دعم وسائل الإعلام حول العالم في أوقات السلم والحرب». وأخيرًا، في تمّوز/ يوليو 2025، صدر قرار جديد بشأن سلامة الصحافيين اعتمده مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالتوافق، مؤكّدًا ومحدّثًا التزامات الدول في هذا المجال.
ضمن عمل اليونسكو، صدر أيضًا قرار المؤتمر العام رقم 29 لعام 1997 بعنوان “إدانة العنف ضد الصحافيين”، الذي يدعو الدول الأعضاء إلى منع الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين والتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها. وفي السياق نفسه، جاء “إعلان ميديلين” (4 أيار/ مايو 2007) بشأن «ضمان سلامة الصحافيين ومكافحة الإفلات من العقاب»، مشجِّعًا الدول على التحقيق في كل أعمال العنف ضد الصحافيين، والإفراج عن المحتجزين منهم، والتصديق على البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي، والوفاء بالالتزامات المنبثقة من قرار اليونسكو 29.
أما على مستوى مجلس الأمن، فهناك مجموعة من القرارات البارزة، أهمها القرار 1738 (2006) الذي يدين الهجمات ضد الصحافيين في النزاعات، ويذكّر بأنّ الصحافيين والعاملين في الإعلام يُعتبرون مدنيين يجب احترامهم وحمايتهم. وبصفتهم مدنيين، يستفيد الصحافيون أيضًا من الحماية العامة المنصوص عليها في القرار 1894 (2009) بشأن حماية المدنيين في النزاعات المسلحة. ويضيف القرار 2222 (2015) طبقة أخرى من الحماية عبر توسيع وتعزيز أحكام القرار 1738، إذ يدين جميع الانتهاكات ضد الصحافيين في النزاعات، يؤكّد دور الإعلام الحر والمستقل في حماية المدنيين، ويندّد بالإفلات من العقاب، ويشدّد على مسؤولية الدول في ملاحقة الجناة.
كما تناولت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة 68/163 (2013) و69/185 (2014) سلامة الصحافيين ومسألة الإفلات من العقاب، فأدانت جميع الاعتداءات والانتهاكات بحقهم في أوقات السلم والحرب، واعترفت بتطور مهنة الصحافة وبالمخاطر الخاصة التي يتعرض لها الصحافيون، بما في ذلك من جهات غير دول. ودعت هذه القرارات الدول إلى خلق بيئة آمنة وتمكينية لعمل الصحافيين، واتخاذ تدابير تشريعية وعملية للتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها، وإحياء اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الصحافيين كأداة للوعي والتحرّك.
من الواضح أنّ إسرائيل تضرب بعرض الحائط كل القرارات والقوانين والمواثيق الدولية المتعلّقة بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة واستهداف الصحافيين، لكنّ السؤال يبقى: هل ستكون لدى الدولة اللبنانيّة، ومعها المنظومة الدوليّة، الجديّة الكافية لتفعيل آليّات المساءلة المتاحة، أم سيُترَك استهداف الصحافيين جريمة بلا عقاب؟
إقرأوا أيضاً:














