في الدقيقة الثانية والعشرين تقريباً من خطابه الأخير، أراد الأمين العامّ لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم أن يقدّم دليلاً إسرائيلياً يعزّز هجومه على الدولة اللبنانية، وعلى مسار التفاوض الذي تخوضه مع إسرائيل.
اعتدل قاسم في جلسته وبدا كمن يريد أن يحفّز المتابعين، كونه سيُلقي بمعلومة ستقلب المعادلات: “طب اسمعوا، كنت عم اقرأ لمفكّر يهودي اسمه موشي يائير، في جريدة يديعوت أحرونوت…”.
ثم يتابع قاسم أن النصّ الذي سيقرأه جاء بعد اتّفاق الإطار وبعد الجولة الثانية من المفاوضات، ويستدرك أنه يخجل من بعض العبارات، لكنّه سينقل النصّ كما هو ولا يتبنّى مضمونه أو لغته. بعدها ينسب قاسم إلى الكاتب المزعوم قولاً مفاده أن إسرائيل محظوظة لأن لبنان أرسل وفداً “يحبّ إسرائيل وأميركا أكثر من بلده لبنان”، ثم يصف السياسيين اللبنانيين الساعين إلى إنهاء “حالة المقاومة” بالغباء، لأنهم وفق النصّ المنسوب إلى المفكّر الإسرائيلي المزعوم، يساعدون إسرائيل على احتلال بلدهم.
المشكلة أن “موشي يائير” هذا ليس موجوداً، فقد فنّد كتّاب ومعلّقون لبنانيون كلام نعيم قاسم وتبيّن لهم أن استدلاله ليس قائماً على معلومات صحيحة، وأن لا وجود لهذا الشخص بالصيغة التي قدّمها الأمين العامّ لـ”حزب الله”…
لاحقاً دخلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” نفسها على خطّ السجال، وكتبت الصحافية فيها سمادر بيري مقالاً عنوانه “قاسم يتلاشى”، قالت فيه إنه لم يتمّ العثور على مفكّر إسرائيلي معروف بهذا الاسم ولا على مقال منشور في “يديعوت أحرونوت” له، ما يجعل الاستشهاد الذي استخدمه قاسم في مهاجمة الحكومة اللبنانية قائماً على مصدر غير قابل للتحقّق.
ولمزيد من التحقّق يظهر أن القصّة التي تبنّاها قاسم موجودة على موقع لبناني يدعى “الحقائق”، وهو موقع يميل إلى سردية “المقاومة والممانعة”. المقال موجود على الموقع منذ 10 حزيران/ يونيو 2026 تحت اسم “موشي مائير”، والنصّ يتضمّن تقريباً العبارات نفسها التي قرأها قاسم عن الوفد اللبناني، لكن هنا مشكلة زمنية فادحة أيضاً، فقاسم قال إن المقال كُتب بعد اتّفاق الإطار فيما النسخة المتاحة منشورة قبل توقيع الاتّفاق بـ16 يوماً.
القصّة لا تنتهي هنا.
هناك تحقيق سابق نُشر في 2025 لشبكة “أريج”، حقّق في حساب واسع الانتشار تبيّن أنه يستخدم هويّة وهمية، وقد تنقّل صاحبه بين أسماء عدّة بينها “يائير موشى” و”موشى يائير” قبل أن يصبح “موشي جرادي”. طبعاً لا يمكن الجزم بأن هذا الحساب هو الذي أنتج النصّ الذي وصل إلى نعيم قاسم، لكنّ التحقيق يكشف كيف كانت أسماء إسرائيلية وهمية تتحوّل بفعل إعادة النشر غير المدقّق، إلى مصادر تستشهد بها وسائل إعلام، واليوم نرى الأمين العامّ لـ”حزب الله” في لحظة بالغة الخطورة والتعقيد يكرّر الأمر نفسه.
والآن ومع اتّساع السجال والسخرية حول واقعة نعيم قاسم، لم يصدر أيّ تصحيح أو توضيح علني منه أو من “حزب الله”.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى سقطة إعلامية تثير السخرية، لكنّها أكثر من ذلك بكثير.
نحن لا نتحدّث عن ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي أعاد نشر قصّة غير موثّقة، بل عن أمين عامّ لتنظيم مسلّح خاض حروباً مع إسرائيل وتسبّب بنكبة غير مسبوقة لأهل الجنوب وشيعة لبنان، وحالياً يرفض مسار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وينتقد مساراً تفاوضياً يتعلّق بمصير البلد بكامله مع تهديدات إسرائيلية مستمرّة، ثم يستحضر “شاهداً إسرائيلياً” لمنح موقفه قوّة ومصداقية ليتبيّن أن الشاهد والمقال هما محضّ هراء.
القضيّة هنا ليست شخصية “موشي يائير” الوهمية، بل ماذا يحدث عندما تصبح الرواية والوهم أقوى من الوقائع.
إقرأوا أيضاً:
“حزب الله” بنى طوال سنوات جزءاً كبيراً من شرعية خياراته على رواية تقول إنه يعرف إسرائيل أكثر من خصومه اللبنانيين ومن الدولة نفسها، وإنه يفهم نيّات إسرائيل وموازين القوى فيها، وعليه ينبغي أن تكون تقديراته الأمنية والعسكرية مرجعاً في تقرير ما يصلح للبنان.
سقوط قصّة “موشي يائير” الوهمي لا يُبطل بالضرورة كل تقديرات “حزب الله”، لكنّه يقدّم مثالاً فاقعاً عن الخطر المعاكس، أي أن تصبح المعلومات التي تؤكّد القناعة المسبقة مقبولة لأنها تناسب الرواية، لا لأنها صحيحة.
قاسم، في الخطاب نفسه، لم يكن يناقش خبراً عابراً. كان يهاجم اتّفاق الإطار ويقول للبنانيين إن سبع جولات من المفاوضات لم تحقّق شيئاً، ويشكّك عملياً في المسار الذي اختارته الدولة لوقف الحرب واستعادة الأراضي.
بالتزامن مع خطاب قاسم كان رئيس البرلمان الإيراني محمّد باقر قاليباف، يقول إنه لا يزال على تواصل مباشر مع مقاتلي “حزب الله” على خطوط المواجهة في جنوب لبنان، وإنه يعرفهم واحداً واحداً.
هنا تصبح قصّة “المفكّر الوهمي” مدخلاً إلى سؤال أكبر بكثير من فضيحة تحقّق صحافي، فعلى أي وقائع تُبنى اليوم القرارات التي قد تأخذ لبنان الى الحرب مرّة أخرى؟
المشهد المحيط بلبنان خلال الأيّام الأخيرة بات يحمل مجموعة متزامنة من مؤشّرات خطرة، فقيادة “حزب الله” تصعّد خطابها ضد الدولة والتفاوض، ومسؤول إيراني رفيع، هو قاليباف، يُعلن عن تواصل مباشر مع المقاتلين على الجبهة في لبنان، وإسرائيل توسّع ضرباتها وتربط استخدام القوّة بتحسين شروط المفاوضات، ومحادثات يفترض أنها صُمّمت لمنع الحرب، تبدو عاجزة حتى الآن عن إنتاج الانسحاب الإسرائيلي أو تسوية مسألة سلاح “حزب الله”.
لذلك، ربما لا تكون قصّة “موشي يائير” سوى تفصيل صغير في مشهد أكثر خطورة: لبنان يقف أمام قرارات مصيرية في الحرب والسلم، بينما تتصارع حوله روايات متناقضة، وبعضها لا يصمد حتى أمام اختبار بسيط للوقائع.
“موشي يائير” هو الوهم الذي يبيعنا إيّاه “حزب الله”، أما الحقيقة الثابتة فهي أن قاليباف هو من يقود الحرب مع إسرائيل على أرضنا.











