في سبعينيات القرن الماضي، كنت صغيراً وحلمت بأن أكون صحافياً، لا طبيباً ولا مهندساً، ولا معلّماً، كنت مفتوناً بنجوم التلفزيون والصحافة المصرية، أريد مهنة مختلفة عمّا كان سائداً آنذاك.
لم يطرق أذني مصطلح “مهنة المتاعب”، بل مصطلح “صاحبة الجلالة”، و”كاشفة الحقيقة” و”مهنة الأضواء”، والفرص المتاحة للوصول إلى الفنّانين ولاعبي الكرة وغيرهم من المشاهير.
وفعلاً بدأت العمل في الصحافة في عام ١٩٨٤ مراسلاً رياضياً في قطاع غزّة، لصحيفة “الميثاق” الرصينة الملتزمة الخطّ الوطني والنضالي الفلسطيني، الصادرة في مدينة القدس المحتلّة.
لم أذهب إلى الصحافة السياسية، مع أنني كنت ناشطاً سياسياً، إلا مع توقيع اتّفاق أوسلو في عام ١٩٩٣، وقيام أول سلطة وطنية فلسطينية في العام التالي.
منذ ذلك الحين عرفت معنى “مهنة المتاعب”، وعرفت المعنى الحقيقي للكذب والتدليس والتضليل، والترهيب والتهديد، والمقاطعة والحصار والضرب والاعتداء والاعتقال من قِبل سلطات الأمن وغيرها.
ولم أعرف بعد معنى الخوف، بل عرفت معنى التصميم والإصرار والنزاهة والشرف، وأخلاقيات المهنة وآدابها، واحترام الجمهور والقرّاء وعقولهم، ونشر الحقائق، وفي أغلب الأحيان عدم تمرير الدعاية والأخبار الزائفة والمضلّلة من قِبل “بعض” السياسيين والجهات الحكومية وتدليسهم.
وعلى رغم شنّ إسرائيل أربعة حروب كبرى على قطاع غزّة، وعشرات الحروب الصغرى بين ٢٠٠٠ و ٢٠١٤، لم أشعر بالخوف مطلقاً، الخوف من موت يقترب منك باستمرار، بل واصلت العمل بكلّ إخلاص وتفانٍ، من أجلي كإنسان، ومن أجل أبنائي وعائلتي، وأبناء الشعب الفلسطيني، الذين يُقتلون ويُجرحون وتُنتهك كراماتهم يومياً.
وجاءت الحرب الحالية، النكبة الثانية أو الثالثة، حرب الإبادة الجماعية، حرب التجويع والاقتلاع والتهجير، حرب قتل المدنيين، ومن بينهم الصحافيون الشهداء والشهود على عار الصمت والسكوت عن “موت معلن” على الهواء مباشرة.
للمرّة الأولى، بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، ونحو ٤٠ عاماً على بداية عملي في الصحافة، أصبحت أشعر بخوف حقيقي، ليس فقط على حياتي، في وقت بات واضحاً أن إسرائيل قرّرت فقأ عيني الحقيقة، ونفي شهودها من الوجود والحياة، بل الخوف أكثر على أمّي وزوجتي وأبنائي وإخوتي وأخواتي وعائلتي، وأهل قطاع غزّة المذبوحين من الوريد إلى الوريد.
لم أخشَ الموت يوماً، فهو حقّ على كلّ إنسان، لكنّ مشاعر متناقضة تتنازعني خلال ليالي الحرب وأيّامها.
بعد موت أمّي في السادس من حزيران/ يونيو ٢٠٢٤، نتيجة عدم تلقّي العلاج اللازم، باتت مشاعر من الخوف تنتابني من أن أموت وأترك خلفي زوجة وشابّين وشابّتين، يواجهون مصيرهم وحدهم من دون سند، من دون أن يتسنّى لي إكمال رسالتي في الحياة، أو مواصلة طريق الحقّ والحقيقة، أو أن أُصاب بجروح أو إعاقة تُقعدني طريح الفراش حتى النهاية.
في الليل، عندما أضع رأسي على الوسادة، تتزاحم أفكار سوداء في رأسي، وتتسابق، أيّهم ستفرض عتمتها أكثر؟ أهو الموت بصاروخ مباشر من “زنّانة” (طائرة درون من دون طيّار مذخّرة بصاروخين) تزنّ طوال الليل والنهار منذ أكثر من ٢٥ عاماً بلا توقّف؟ أم الموت باستهداف مباشر أثناء العمل وتغطية القصف والإبادة التي لا تتوقّف؟ أم تسوقني الصدفة إلى موت غير مقصود جرّاء استهداف مركبة أو درّاجة بخارية أو هوائية أو شخص يسير على قدميه بين جموع الناس؟
وبينما يزداد طنين “زنّانة” تطير على ارتفاع منخفض جدّاً، يصمّ الأذنين، تزداد شراسة الأسئلة الملحّة والأفكار السوداء، فيخطر لي، عندما يعلو ضجيج محرّكات سرب من طائرات مقاتلة، هي أحدث ما أنتجته آلة الموت الأميركية، أن إحداها قد تطلق صاروخاً زنته طن من المتفجّرات شديدة التدمير، على خيمتنا أو خيمة مجاورة، يتوارى خلف قماشها مواطن تعتبره إسرائيل “مطلوبا”، فيُحيل كلّ المنطقة، بمن فيها نحن البشر، إلى رماد.
أُقرّر، ورأسي يعمل مثل خليّة نحل اقتحمها سرب من الدبابير القاتلة، أن أتخلّص من الأفكار السلبية والسوداوية، وأستسلم لنوم يهرب من بين جفوني كسراب في يوم صيفي قائظ.
لكنّ النوم يأبى أن يستجيب، وأظلّ أسمع صوت انفجار هنا، أو حزام ناري هناك، ثم يتبعه صوت صفارات سيارة الأسعاف، فأقول الحمد لله، فالقاعدة الذهبية تقول: إذا سمعت صوت الانفجار فهذا يعني أنك ما تزال على قيد الحياة، ربما لم تنجُ تماماً، ربما تكون قد أُصبت، لكن لم يحن أوان موتك بعد.
هكذا تمضي ساعات من الرعب في ليل يكسر صمته وعتمته الحالكة، نظراً لقطع إسرائيل التيار الكهربائي منذ بدء الحرب، وميض القذائف والصواريخ في كلّ ثانية، تتبعه أصوات انفجارتها.
لا برد الشتاء، ولا “رطوبة” أيّام الصيف ولياله الحارّة تطفئ ناراً مشتعلة في رأسي، مثل حلقة “توك شو” ساخنة عن فلسطين أو لبنان أو سوريا، أو عن حال أمّة تائهة ضائعة في دروب الحضارة والتاريخ، أو أنظمة لا تتحرّك شعرة في رأسها لرؤية دماء أطفال تسيل، أو أمراة تصرخ من “قاع قلبها” على زوجها أو بنتها أو ابنها أو بيتها المهدّم.
وفي النهار، تقاوم الحرب والحرّ الشديد في أشهر الصيف الملتهبة ب”الصمود والصبر”، ويطلبون منك أن تقاومه في أشهر الشتاء الباردة ب”صمود وصبر” إضافيين، أو بالدعاء.
بالدعاء والصبر والصمود وحده لن تُهزم إسرائيل، ولن ينتصر الفلسطينيون.
في النهار، تنشغل تارة بالتغطية الإخبارية، وطوراً بتلبية متطلّبات البيت، وثالثة بحزن شديد على قريب أو صديق أو جار أو زميلة أو زميل، ارتقى إلى العلا بقصف مباشر أو غير مباشر.
فجأة، يراودني سؤال غاب خلال السنوات الأخيرة: ما جدوى الصحافة؟ ما جدوى التغطية الصحافية؟ ما جدوى عملي الصحافي وعمل غيري، إن لم يغيّر الرأي العامّ وتوجّهاته؟ هل أعتزل الآن في عزّ المعمعة والإبادة؟
لا إجابات…
لا أعرف لماذا تقفز هذه القصّة فجأة إلى تفكيري، كلّما فقدت الأمل أو شعرت بالإحباط والموت يقترب: في عام ٢٠٠٦ أو ٢٠٠٧، أجريت مقابلة مع شابّ جريح في مقتبل العمر، مزّق صاروخ إسرائيلي جسده في مخيّم المغازي للاجئين وسط القطاع، لصالح صحيفة “الحياة” اللندنية، التي كنت مراسلها في قطاع غزّة.
كان حديث الشابّ ينضح دماً وألماً وحزناً، وأنا أستمع وأحترق من داخلي، وأبكي بلا دموع حتى “لا أزيده همّاً” فوق همّه.
وبعدما أنهيت المقابلة، وأنا أخرج من غرفته في مستشفى الشفاء، كان الحزن والغضب والقهر يعتمل في صدري، رنّ هاتفي الجوّال، وكانت على الطرف الأخر محرّرة الشؤون الفلسطينية الصديقة الراحلة المقدسية فاتنة الدجاني: “مرحبا فتحي”.
لم أتمكن من الإجابة وانفجرت باكياً بحرقة شديدة جدّاً، بينما هي مصدومة: “مالك؟ إيش في؟ ليش عم تبكي؟ هل حصل معك أي مكروه لا سمح الله؟”، وأنا أردّد وأصرخ: “لا أريد أن أعمل في الصحافة بعد الآن، لا أريد أن أعمل صحافياً بعد اليوم”، وبكيت كما لم أبكِ من قبل.
إقرأوا أيضاً:
قالت من دون أن تفهم أي شيء: “سأتركك حتى تهدأ، وعندما تهدأ كلّمني”.
واستذكرت حينها قصّة آل العثامنة في بلدة بيت حانون شمال شرقي القطاع.
قتلت قذيفة إسرائيلة ١٨ واحداً منهم دفعة واحدة، بينهم طفلة وُلدت قبل أسابيع أو شهور قليلة.
وأثناء تغطيتي المجزرة من الطبقة الثانية من منزلهم، وصلت الجنازة الجماعية، وكانت تضمّ كلّ نساء البلدة تقريباً، المتّشحات بالسواد.
أخذ رجل الطفلة ورفعها بذراعيه فوق رأسه، لنراها ونصوّر جثمانها من فوق، حينها صرخت النسوة صرخة واحدة مدّوية اخترقت “حشيشة” قلبي، فشعرت بألم غير مسبوق، وبكيت كما لم أبكِ أيضاً من قبل.
يومها عدت إلى البيت وقلت لفاتنة: “أشعر أن قلبي سيتوقّف عن ضخّ الدم في عروقي، وأشعر أن عقلي بات خاوياً، كما لو أنك عملت “ديليت”، أو سوفت وير” أو “إعادة ضبط المصنع” بلغة الهواتف النقّالة”.
لا، لا، لا أريد أن أستذكر هذه القصص، لن أتخلّى عن مهنتي ودوري ورسالتي وإنسانيتي.
أقول لنفسي: اطرد السواد من رأسك، فهناك كثيرون بحاجة لإيصال معاناتهم وآلامهم وعذاباتهم وقصصهم إلى العالم. كن إيجابياً كما كنت دائماً، كن مع الناس، مع الضحايا والمظلومين، كن إنساناً فهذه طبيعتك وطبيعة مهنتك السامية… ثم أعود للتغطية ومشاغل الحرب والحياة وصراع الأفكار والذكريات.
وهنا تستذكر العشرات ممّن صادقتهم أو زامتلهم في بلاط “مهنة الموت”، تستذكر مواقف وطرائف وأشياء حلوة وأخرى مُرّة، ذكريات مفرحة وأخرى محزنة، فيخفق قلبك وتزداد نبضاته خوفاً على آخرين مرشّحين لموت معلن.
أقول لنفسي: يا إلهي… فقدت حتى الآن 246 زميلة وزميلاً، وأكثر من ٦٢ ألف إنسان ارتقوا في مجازر متنقّلة، ونحو ١٥٠ ألفاً جُرحوا، من بينهم عشرات الآلاف أُصيبوا بإعاقات دائمة، من بينهم المئات من أقاربي وأصدقائي وجيراني.
الحمد لله أنا لست من بين أي منهم.
ألهذه الدرجة صرت أخاف؟ أأصبحت جباناً؟ هل نجحوا في إخافتي؟ الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة جدّاً، بل تكاد تكون مستحيلة. الله زرع الخوف، بتفاوت، في كلّ إنسان. لا يوجد شخص على وجه البسيطة لا يخاف.
هكذا أواسي نفسي وأفلسف الأمور، إنها “حيل دفاعية” يلجأ إليها الإنسان في حال حاق به الخطر من كلّ الجهات، أو في لحظة ضعف إنسانية تنتابه، فيما الموت ورائحة الدم يشمّها من فوق جلده.
أنا، حقيقة، لا أخاف الموت، لكنّي أرجوه أن يأتي دفعة واحدة، أو بالأحرى أن أموت ب”الضربة القاضية”، وليس ب”النقاط”، على غرار لكمات الملاكم الأميركي الشهير محمّد علي كلاي، الذي كان يُسقط منافسيه بواحدة منها في الجولة الخامسة أو السادسة.
أنا أرده بـ”النقاط”، في الجولة الأخيرة، بعد أن أُكمل رسالتي المهنية وفي الحياة، وليس قبل أن أُكمل رسالتي ورسالة الضحايا، ليس قبل أن أرى فلسطين تتحرّر من نير الاحتلال.












