لا يغادر اللاجئ السوداني محمّد عبد الله المنزل الذي تقطنه عائلته في منطقة فيصل في محافظة الجيزة، وهي منطقة تُعرف بكونها من أكثر المناطق اكتظاظاً باللاجئين السودانيين في مصر، إلا لشراء متطلّبات المعيشة اليومية.
يشرح عبدالله وضعه وقلقه، وكيف أن حياته في مصر تحوّلت إلى ما يشبه الإقامة القسرية، بسبب حملة أمنية وصفها حقوقيون بأنها “الأوسع منذ سنوات”، استهدفت تجمّعات اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين.
عبد الله، وهو في أواخر العشرينيات من عمره، نزح مع عائلته إلى مصر قبل عامين مع تصاعد الحرب في السودان، ويحمل بطاقة اللجوء الصفراء الصادرة عن المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين، غير أنها غير سارية حالياً، إذ يقول إن تجديدها يتطلّب انتظاراً قد يمتدّ لأشهر بسبب الضغط على مكاتب التسجيل.
يضيف في حديثه لـ”درج”: “أعيش كابوس الترحيل في أيّ وقت، رغم أن وضعي قانوني. توقيفي يعني أنني سأُطالب بتغطية نفقات ترحيلي، وقد أبقى أيّاماً أو أسابيع محتجزاً”.
ويشير إلى أنه يعرف حالات من أبناء جاليته، قال إنها تعرّضت للاحتجاز أو الترحيل، خلال حملة حكومية تقول السلطات إنها تهدف إلى تقنين أوضاع المقيمين بصورة غير نظامية.
تصعيد موثّق حقوقياً
تقول منظّمات حقوقية محلّية ودولية معنيّة بشؤون اللجوء والهجرة، إنها رصدت في الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الإجراءات الأمنية المرتبطة بملفّات المهاجرين واللاجئين في مصر.
ووفق بيانات وتقارير صادرة عن بعض هذه المنظّمات، شملت الإجراءات توسّعاً في التوقيفات والمداهمات، بما في ذلك توقيف نساء وأطفال، إضافة إلى بلاغات عن حالات اختفاء بعد توقيف أشخاص في الشوارع، أو في وسائل النقل العامّة.
إقرأوا أيضاً:
وفي هذا السياق، وجّه عدد من خبراء الإجراءات الخاصّة التابعين لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة، مذكّرة إلى الحكومة المصرية أعربوا فيها عن قلقهم من أنماط احتجاز وترحيل، قالوا إنها قد تنطوي على انتهاكات للضمانات القانونية المكفولة للاجئين وطالبي اللجوء، بموجب الدستور المصري والاتّفاقيات الدولية.
واستندت المذكّرة وفق ما نقلته تقارير حقوقية وإعلامية، إلى تقديرات تشير إلى ترحيل ما بين 10 آلاف و22 ألف سوداني خلال العام 2024، وهي أرقام تختلف باختلاف الجهات الراصدة، لكنّها تتّفق على وجود ارتفاع ملحوظ في وتيرة الترحيل مقارنة بسنوات سابقة.
وفيات داخل الاحتجاز
وتصاعد الجدل بعد تداول تقارير صادرة عن مبادرات مجتمع مدني وصفحات تمثل جاليات سودانية، تفيد بوفاة شخصين سودانيين أثناء احتجازهما داخل مقار شرطية.
وبحسب تلك المصادر، توفّي السوداني مبارك قمر الدين (67 عاماً) داخل قسم شرطة الشروق بعد أيّام من احتجازه، وقيل إنه كان يحمل بطاقة مفوضيّة سارية. كما أفادت روايات أسرية ومنشورات مجتمعية، بوفاة شابّ سوداني يُدعى النذير صادق (18 عاماً) بعد احتجازه لأسابيع داخل قسم شرطة في مدينة بدر، حيث قالت أسرته إنه أصيب بوعكة صحّية أثناء الاحتجاز.
ولم يصدر تعليق رسمي مفصّل عن وزارة الداخلية المصرية بشأن هذه الحالات تحديداً. وكانت الوزارة قد أعلنت سابقاً في واقعة منفصلة جرى تداولها عبر فيديو، أن شخصاً سودانياً أُوقف في الإسكندرية دخل البلاد بطريقة غير شرعية، وأن الإجراءات القانونية اتُّخذت بحقّه.
في المقابل، دعت السفارة السودانية في القاهرة رعاياها إلى حمل أوراقهم الثبوتية والتأكّد من سريانها، كما شدّدت على أهمّية حمل بطاقات المفوضيّة، وبطاقات الإقامة الصادرة عن الجهات المختصّة.
لكن إبراهيم عز الدين، الذي يعرّف نفسه بأنه ممثّل للجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، يقول إن “كثيرين يواجهون صعوبات لوجستية في استكمال إجراءات التسجيل أو التجديد”، مطالباً السلطات بـ”مراعاة أوضاعهم الإنسانية”، مضيفاً أن “الإجراءات الأخيرة أثّرت في آلاف ممّن لم يتمكّنوا من تسوية أوضاعهم القانونية”.
ويرى أن “تداعيات أزمة الأوراق امتدّت إلى قطاع التعليم”، مشيراً إلى ما وصفه بـ”توقيف طلاب ومعلّمين وإغلاق مدارس يديرها سودانيون”.
وكانت منصّة حقوقية تُعنى بشؤون اللاجئين، قد تحدّثت في تقارير عن رصد حالات إغلاق مبادرات تعليمية يديرها لاجئون، من دون توفّرها على أرقام رسمية شاملة.
روايات قانونية
المحامي المتخصّص في قضايا اللاجئين أشرف ميلاد يقول إن “بعض الموقوفين كانوا يحملون بطاقات سارية أو منتهية حديثاً، وكانوا ينتظرون استكمال إجراءات التجديد”، ويرى أن “السودانيين كانوا الأكثر عرضة للتوقيف، بسبب انتشارهم الواسع في محافظات مختلفة”.
ويؤكّد أن “السوريين اللاجئين والمقيمين في مصر، يواجهون بدورهم تحدّيات مختلفة تتعلّق بالإقامات”، مشيرا إلى أن “قيوداً إدارية خلال الأعوام الأخيرة صعّبت تجديد بعض أنواع الإقامات، وهو ما يتطلّب من المقيمين البحث عن بدائل قانونية أخرى”.
أحد المقيمين السوريين في مصر منذ عشر سنوات (طلب عدم ذكر اسمه)، قال “إن كثيرين كانوا يعتمدون على إقامات سياحية أو دراسية أو عمل، لكنّهم باتوا يواجهون خيارات محدودة، منها تأسيس شركات أو الحصول على بطاقات لجوء سارية، وهي إجراءات قد تستغرق وقتاً طويلاً”.
ويرى محامون ونشطاء أن تأخّر إصدار بطاقات اللجوء أو تجديدها، يترك بعض طالبي اللجوء دون حماية قانونية فعلية. وتقول تقارير حقوقية إن هذا التأخير قد يؤدّي عملياً إلى تعريض بعضهم لمخاطر التوقيف، رغم أن المفوضيّة لم تعلن رسمياً، وجود ضغوط حكومية عليها في هذا الشأن.
وجاءت هذه التطوّرات بعد إقرار أوّل قانون وطني ينظّم شؤون اللاجئين في مصر، وهو تشريع قالت منظّمات حقوقية إنه أثار مخاوف تتعلّق بضمانات الحماية القانونية وآليّات التطبيق، في حين تقول السلطات إن الهدف منه تنظيم الملفّ بشكل مؤسّسي، ونقل إدارته تدريجياً من المفوضيّة إلى الجهات الحكومية المختصّة.
خطاب كراهية رقمي
لا تقتصر التحدّيات على الواقع الميداني، إذ أفادت منصّة حقوقية متخصّصة، بأنها رصدت تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضدّ اللاجئين على وسائل التواصل الاجتماعي، عبر حسابات قالت إنها نشرت معلومات مضلّلة أو غير موثّقة، تربط وجود اللاجئين بالجريمة أو الأزمات الاقتصادية، وهو نمط سبق أن حذّرت منه منظّمات دولية، باعتباره عاملاً يزيد من هشاشة أوضاع اللاجئين.
وسط هذه التطوّرات، يجد كثير من اللاجئين أنفسهم أمام خيارات محدودة: إمّا مواجهة خطر الترحيل إلى بلدان تعاني نزاعات أو أزمات، وإمّا البقاء في حالة ترقّب دائم تحكمها المخاوف من التوقيف، أو فقدان الوضع القانوني.














