يشكل مشروع دولة إسرائيل الصغرى الذي يروّج له الكيان الصهيوني حالياً، خطراً رئيساً على الكيان اللبناني، من خلال إعلانه الإمساك بمنطقة جنوب الليطاني، الى جانب الجنوب السوري، كخطوة نحو إسرائيل الكبرى التي أعلن عنها بنيامين نتانياهو، اعتماداً على ما أفضت إليه الحرب الأخيرة على الجنوب اللبناني من نتائج مدمّرة على الصعد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كانت المقاومة، بمختلف أساليبها، تشكل وسيلة للدفاع عن الوطن، فإن بناء دولة لكل مواطنيها يشكّل الهدف الأساس لوطن حر ومستقل.
بعد تحرير الجنوب عام 2000، وانسحاب الجيش السوري عام 2005، لم تقدم القوى السياسية اللبنانية بمختلف مكوناتها، على بناء دولة مؤسسات تستند الى قوانين تساوي بين المواطنين، كما لم تسمح القوى السياسية، من خلال إمساكها بسلطات مركزية ومحلية ببناء عناصر المواطنة، وأهمّها تأمين عنصر المشاركة الذي يقوم على حرية الرأي والتعبير والمساءلة، ولم تلتزم الشفافية في علاقتها بالجمهور.
في الجنوب اللبناني، برزت سلطة الثنائي الشيعي في معظم المجالات، فأقصت وهمّشت أي تيار أو قوة قد تطرح رأياً يخالفها، وفي ذلك أمثلة كثيرة، ومنها ما حدث في إحدى بلدات قضاء النبطية، حيث حاولت مجموعة من الشباب عقد جلسة نقاش حول دور الشباب في البلدات التي لا توجد فيها مجالس بلدية، وما يمكن أن يقوم به الشباب من مهام تتعلق بالشأن العام، وهذا حق مكفول بالدستور اللبناني وفي مفهوم المواطنة، لكن هذه المجموعة الشبابية واجهت عقبة تتمثل بأن عقد مثل هذه الجلسات بحاجة الى موافقة من الأطراف السياسية السلطوية، التي بقيت طوال شهرين تماطل بإعطاء موقف سلبي أو إيجابي بحجة التدقيق في الجهة التي ستدير النقاش، والنقاط التي ستناقَش، ما أدى الى إلغاء النشاط نفسه ووضع سداً أمام بداية مشاركة لبناء المواطنة الفاعلة.
وفي بلدة جنوبية أخرى في قضاء الزهراني، منعت القوة السياسية الأساسية فيها، شباب البلدة من لقاء شباب بلدة جنوبية أخرى لنقاش المشكلات التي يواجهها الشباب في علاقتهم مع السلطات المحلية، والسبب يعود إلى الانتماء الديني لشباب البلدة الأولى المختلف عن الانتماء الديني لشباب البلدة الثانية.
وفي مدينة جنوبية أخرى، حوّلت بلديتها تجربة بناء التشاركية بينها وبين المجتمع المحلي فيها الى مسرحية كي تمرر ما تريد من مشاريع مموّلة من الخارج، لأن الجهة المانحة طلبت أن تحظى المشاريع المقترحة بموافقة المجتمع المحلي، لكن السلطة المحلية استخدمت وسائل مختلفة لتحوّل آلية العمل التشاركي الى وسيلة استُخدمت وفق مصلحة المجلس البلدي وسياسته وليس وفق اقتراحات المجتمع المحلي وتوصياته.
وقبل أسابیع قليلة، قررت إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي) إيقاف رخص الدخان التي يزرعها المواطن أحمد اسماعيل من عيتا الشعب قضاء بنت جبيل، والتي يبلغ عددها 11 رخصة، بالإضافة إلى 94 رخصة تعود الى 25 مزارعاً آخر يستثمرها اسماعيل وفق اتفاق معها. ويستند قرار الوقف إلى حديث اسماعيل عن وجود رشى في إدارة الريجي خلال مقابلة صحافية ظهر فيها ضمن تحقيق مصور أنجزته إحدى المنصات(مناطق نت).
إنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها وقف رخص اسماعيل، فقد أضاء على موضوع الفساد والرشى عام 2019، وتم وقف رخصه حينها قبل أن يعاد العمل فيها بعد وساطات.
إقرأوا أيضاً:
بات المزارع اللبناني يشعر بخطرين، الأول: العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تلقي قنابل صوتية وتطلق الرصاص على المزارعين الذين يحاولون إعادة العمل في أراضيهم، والخطر الثاني: ما تقوم به مؤسسة عامة تتبع لوزارة المالية، لكنها عملياً تحت سلطة أحد طرفي الثنائي الشيعي الذي حولها الى مؤسسة تؤمن له ألزبائنية السياسية والسيطرة على الجمهور الجنوبي من خلال الإمساك بلقمة عيش المزارعين. والقرار الذي اتخذته إدارة الريجي تعسفيّ، فاسماعيل يمارس حقه في التعبير الذي كفله الدستور اللبناني في المادة 13 منه، والمادة 19 من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن سحب الرخصة أو إيقافها بحاجة الى قرار من وزارة المالية وضمن شروط محددة.
إنها نماذج من سياسة سلطات الأمر الواقع، التي لا ترى مشروع الدولة هدفاً بل وسيلة لاستخدامه في بناء “الدويلة” لكل طرف من أطراف السلطة. مشروع دويلة يقف حاجزاً في وجه أي محاولة لبناء دولة لكل مواطنيها.
لكن ذلك لا يمنع الوزارات والإدارات المعنية من القيام بواجباتها التي تنص عليها القوانين، فوزارة الداخلية تملك سلطة وصاية على البلديات والسلطات المحلية للتأكد من التزامها القوانين، وهو ما لا تقوم به بسبب سيطرة قوى سياسية على السلطات المحلية، وهذا ما يفرض عليها التزام الشفافية والسماح بحرية الرأي والتعبير وحق الوصول إلى المعلومات. وتعود بي الذاكرة الى عام 2011 عندما رفضت إحدى البلديات الالتزام بالمادتبن 45 و55 من قانون البلديات والمتعلقتين بنشر القرارات وإطلاع المواطنين عليها، يومها تقدم أحد المواطنين بشكوى الى محافظ الجنوب الذي نصح المواطن بالتراجع عن الشكوى بحجة أنه لا يريد مشكلة مع رئيس البلدية المحسوب على طرف سياسي سلطوي فاعل.
كما أن على وزارة المالية بصفتها وزارة عامة لكل المواطنين، أن تمارس سلطتها وإشرافها على جميع المؤسسات الخاضعة لها، كي لا تصبح كل مؤسسة عامة خاضعة لطرف سياسي أو طائفي.
وفي إحدى المرات تقدم أحد المواطنين بطلب الحصول على نفي ملكية البلدية التي ينتمي إليها في الجنوب، وفقاً للقانون 28/ 2017، أي حق الوصول الى المعلومات. آنذاك رفض الموظف والمسؤول عنه إعطاء أي معلومات تحت حجة أنها تعليمات وزير المالية الذي كان يمثل الثنائي الشيعي في الحكومة حينها.
وبالتالي، يتطلب هذا الواقع تشكيل مجموعات ضغط كي تلتزم الوزارات والمؤسسات العامة بالقوانين المرعية الإجراء.
عملية بناء دولة لجميع مواطنيها في بلدٍ مثل لبنان، الذي تطغى عليه التعدّدية والتنوّع والانتماءات الطائفية على حساب الانتماء الوطني، هي عملية صعبة لكنها غير مستحيلة؛ إذ إنّ الاستحالة تكمن في طروحات كل طرفٍ سلطوي يسعى إلى بناء “دويلة” على مقاسه ووفقًا لانتماء أيديولوجي خاص، لا يمتّ بصلة إلى الانتماء الوطني اللبناني. وهذا الانتماء لا يُبنى إلا عبر حركة شعبية لا تكتفي برفع شعار المواطنة الفاعلة، بل تعمل على خلق مساحات مشتركة بين مواطنين من مختلف المكوّنات، تجمعهم مصلحة بناء دولة تُنتج وطنًا بديلاً عن مشروع وطن لا يزال معلّقًا.












