ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لا سقفَ لانهيارات طرابلس

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من الخطأ الاعتقاد بأن أصحاب القرار في طرابلس لم يُحدثوا فرقاً. لقد أفلحوا حقّاً في مسألتين: تكريس اليأس، بعد كوم من الوعود المهدورة على منوال “ممنوع حدا يجوع بطرابلس”، وهي تندرج ضمن أدوات الإفقار الممنهج، بحيث  توظّف القواعد البشرية الفقيرة في الكسب الانتخابي، والتخدير والتفريغ بالممنوعات والسلاح المتفشّي، الذي تتكاثر ضحاياه في شهر رمضان بصورة مريبة، ويستقبله الطرابلسيون بقلوب متكدّرة تخاف مرّتين: الموت تحت أنقاض بيوتهم أو مبنى يمرّون بقربه، أو الموت برصاصة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هل حقّاً سينجو؟ سؤال يسابق به الرجل الريح، يحاول على دراجته النارية اللحاق بالمهندس الذي أنهى معاينة بناية مهترئة في القبّة، إحدى المناطق الساخنة لانهيارات مباني طرابلس.

حين أدركه، سأل الرجل برجاء: “قل لي الحقيقة، هل حقّاً البناية لن تنهار؟”.

“والله لن تنهار. لكن جربّ أن تجد حياة لك ولأسرتك في مكان آخر”. 

قصّة من الميدان، يرويها لـ”درج” المهندس بلال علي، بعدما شارك في تقرير مصوّر أعدّه الموقع حول هذه المباني. تبدو هذه اللحظات أقرب إلى تكثيف للمأساة، في وجعها ونتائجها وتفسيرها، لا يثق أهالي طرابلس في تقييمات الأبنية، لم يعد البعض يصدّق أنه سيعيش. 

رجل آخر من القبّة، يوافق بعد تردّد التحدّث أمام الكاميرا. يحاول أن يحفظ بقايا كرامته، التي جعلته لا يغادر المنزل أسوة ببقيّة الجيران. يعاني الرجل مرضاً مزمناً يتفشّى في رجليه المتورّمتين. لم يشكُ، لكن المرض كان الفيل الصامت في الغرفة. تكلّمت زوجته قبل التصوير. لا سقف حماية للعائلة، لا سيّما الابنة التي تدهورت نفسيتها جرّاء عجز والدها عن العمل والحركة، وخوفها من الموت تحت سقف منهار. 

وهناك الشابّ أحمد، بائع القهوة الذي صبر على خطوبة ابنة الجيران 12 سنة، كان خلالها يجمع مفروشات المنزل ولوازمه. حكى أحمد فبكى، كان يحفظ أغراضه في شقّة خطيبته التي تسكن في بناية انهارت في القبّة.

أمضى أحمد سنوات من التشرّد والتقشّف ليستحقّ الفرح. تهشّمت غرفة النوم، وتفتّت التلفاز الذي كان آخر ما اشتراه، وفناجين الشاي وتحف الكريستال، التي تعدّ كماليات لجهاز شابّ فقير، لكنّها كانت لسنوات طوال سبب وجوده، ولأنه يرى زواجه ارتقاء اجتماعياً بكلّ المقاييس. لا يستيقظ أحمد قبل الظهيرة، ويبقى صاحياً طيلة الليل. يتأمّل في حياة انهارت، متمنيّاً لو حملت عنه هذه الحادثة عبء إنهاء حياته.

ينهار مبنى آخر في التبّانة، فتتلاحق رسائل واتساب من أيمن: “هل ستتأخّرين في نشر الفيديو؟”، “ألا تعلمين أننا سنموت؟”، “انهارت بناية قبالتنا، هل تتابعون الأخبار؟”. عليك في تلك اللحظة احتواء مشاعر كثيرة، صدمتك، صدمته، لومه، رعبه، غضبيكما. كان فيديو “درج” لأيمن بمثابة قشّة الغريق، لعلّه ينجو بها، فالموت يهمز ويلمز له من شقوق البيت، ويقبض الأرواح على بعد خطوات منه. 

التدخّلات، صناديق وبطاقات وإخلاءات

بيانات بلدية طرابلس مفزعة. نحو 600 مبنى يحتاج إلى ترميم وتدعيم منذ العام 2006، و105 مبانٍ بحاجة إلى الإخلاء الفوريّ، أمّا المباني التي سقطت، فهي غير مسجّلة ضمن هذا الإحصاء.

تتولّى بلدية طرابلس التدخّل الفوري، وتتعاون معها نقابة المهندسين في طرابلس ولجان متطوّعين وفاعلين من المجتمع المدني، شكّلوا معاً “الصندوق الخاصّ الطارئ لتدعيم الأبنية شديدة الخطورة في مدينة طرابلس”، يتلقّى تبرّعات مالية مع تعهّد بالشفافية، وبأنها أموال لترميم المباني، وأطلق الصندوق نداءات لمهندسين ليتطوّعوا في المسح. 

أمّا رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، ونوّاب طرابلس الحاليون، ونوابها ووزراؤها السابقون، فوجودهم لم يتخطّ تصاريح وبيانات تؤكّد أنهم ملتزمون باللامبالاة.

المفارقة أنه للمرّة الأولى بعد عقود من إهمال طرابلس وتهميشها، تحرّكت الدولة اللبنانية على مستوى مركزي حكومي.

تُرجمت هذه الخطوات باستجابة إنسانية عاجلة، من خلال “تيليون” تلفزيون لبنان، الذي حشد الأموال لمساندة العائلات المتضرّرة. وحصّلت وزارة الشؤون الاجتماعية بحسب الوزيرة حنين السيّد مبلغ مليون دولار لمساعدة العائلات، وأدرجت الأخيرة على برنامج “أمان”. كما أطلقت وزارة الصحّة بطاقة “كريم”، وهي بطاقة خاصّة لتغطية الاستشفاء بشكل كامل للعائلات التي أخلت منازلها، وستستفيد أيضاً من شبكة الرعاية الصحّية الأوّلية.

تتوالى يومياً إخلاءات لمبانٍ في القبّة والزاهرية والتبّانة، وإشعارات بتدعيم عاجل، ويؤمّن البدل لإيواء العائلات لمدّة سنة تُدفَع على أربعة أقساط فصلية، بقيمة 1000 دولار لكلّ شيك. وإلى حينه، لم تجد بعض عائلات القبّة مأوى، فنصبت الخيم في الشارع. أُحيلت عائلات إلى المدرسة الفندقية في الميناء، وهناك فندق “كواليتي إن” الذي يُفترَض أنه في عُهدة وزارة الاقتصاد ورُصد لتوفير مساكن مؤقّتة، لكنّه أقرب إلى خربة كما وثّقته فيديوهات. 

أسئلة معلّقة و”كثرة الطبّاخين” 

ينبغي ألا تلغي إلحاحيّة التدخّلات التروّي في اعتمادها، ثم في كيفية تطبيقها. لا يحتاج المراقب خبرة في الهندسة أو إدارة الأزمات ليرصد علامات فوضى سارية، ستنطوي على إهدار جهود، ووقت، وأموال وموارد هائلة، وآمال متبقّية، وأرواح تحت الخطر.

فبعد أيّام من انهيار مبنى في القبّة، وخلال زيارة ميدانية لـ”درج”، رُصدت على الركام مجموعة شبّان يسحبون الحديد من الأساسات لبيعه، دون رقابة أو إجراءات تطويق الموقع ومنع العبث بالأدلة، فيما التحقيقات لم تنتهِ حول أسباب الانهيار. ولم تطبّق أقلّ تدابير لتأمين السلامة العامّة، وبقايا الأنقاض تتدحرج على الأرصفة، وتعترض المارّة أسلاك الحديد الناتئة من الركام. 

ويبقى السؤال معلّقاً حول استغراق انتشال أليسار 72 ساعة، أي كان في الإمكان إنقاذها لو انتُشلت بكفاءة الإنقاذ نفسها في مبنى التبّانة الذي استغرق نحو 12 ساعة. 

أمّا اللجنة الهندسية المكلّفة بالكشف عن المباني، فهي تلقي نداءات التطوّع على وسائل التواصل، الأمر الذي يطرح السؤال عن درجة الالتزام، وحتى عن تقييم كفاءة هؤلاء المهندسين، وبعضهم مهندسون معماريون، بحسب معلومات “درج”.

ويحتاج الرأي العامّ تشخيصاً علمياً حاسماً بشأن طبيعة الأرض التي تقوم عليها الأبنية. تقول كشوفات سابقة أنها صلصالية غير عازلة. في التبّانة تحديداً تتخزّن المياه في ملاجئ البنايات، يُضاف فوقها ضغط العشوائيات والطوابق المخالفة.

في الوقت نفسه، تشمل تفلّتات العمران وغياب تخطيطها مجالات طرابلس الجديدة، فحتى منطقة الضمّ والفرز التي تُعتبَر من الأغلى عقارياً، تتفشّى في جدران بناياتها الرطوبة وتختزن آبارها المياه المالحة.

حتى الآن، لم يجد أهالي طرابلس تفسيراً للانهيارات المتلاحقة سوى تأويلات غيبيّة على سبيل “علامات القيامة”، أو “الجنّ تحت الأرض”. أمّا رئيس البلدية الدكتور عبد الحميد كريمة، فيقول إن هذه الانهيارات قد تكون “بفعل فاعل”، علماً أن عشرات هذه المباني تضرّرت من معارك جبل محسن وباب التبّانة بين العامين 2011 و2014، وكثير منها لم يرمّم منذ معارك “قوّات الردع” السورية في الثمانينيات.

غياب مستمرّ للرقابة والمحاسبة

تحتاج عمليّة إنقاذ الأهالي وأبنية طرابلس؛ بصورة ملحّة وغير قابلة للتفاوض، إلى هيئة مستقلّة للرقابة والمحاسبة، تتفرّع منها لجان لعمليّات تقييم الأبنية، وإغاثة الأهالي، والترميم والإنفاق في كلّ الصناديق، من صندوق تلفزيون لبنان، إلى صندوق البلدية ونقابة المهندسين، وميزانية الهيئة العليا للإغاثة، والتبرّعات الموجّهة لوزارة الشؤون. بدون هذا الإجراء المصيري، ستتحوّل هذه الصناديق إلى أدوات لانهيارات مؤجّلة، أو ربما تسريع لها، ولم نتحدّث عن مخاطر سوء إدارة الأموال، وهدرها على حساب أرواح الناس وخسائرهم، وهذا ما وقع خلال منعطفات عديدة مشابهة بقيت دون مراقبة أو محاسبة.

تذكّر مبادرة “غربال” بأن مجلس الإنماء والإعمار أنفق 19.2 مليون دولار في طرابلس بين العامين 2004 و2019 لتأهيل أبنية تراثية ومستشفيات وقاعات ومعارض. تستدعي هذه الحزمة التدقيق في شقّ الأبنية التراثية المرمّمة، وإن كانت تتضمّن مباني سكنية، فالمعلوم أن جزءاً وافياً من البيوت في أسواق طرابلس وأحيائها القديمة في الزاهرية وضهر المغر مصنّفة مباني تراثية، فهل لحقتها أعمال الترميم هذه، وكيف؟

كما تلقّت بلدية طرابلس في عام 2024 هبة نقدية من مصلحة استثمار مرفأ طرابلس، لترميم مبنى البلدية بعد حريقه في عام 2021، والمبلغ بقيمة 500 ألف دولار. لم تتوضّح إنفاقات المبلغ الضخم لترميم مبنى واحد، بينما تنتشر عشرات المباني الآيلة للسقوط قرب البلدية وفي كلّ المدينة القديمة.

واللافت أيضاً متّصل بجولات التبّانة وجبل محسن، حيث رصدت الهيئة العليا للإغاثة مبالغ لتعويضات الإيواء والترميم وإعادة الإعمار للأضرار الناتجة عن الاشتباكات الموازية للأزمة السورية (2011-2014). بعد عشر سنوات، بقيت تفاصيل التعويضات مبهمة، والبيوت تنهار.

وبعد خمود المعارك في 2015 نفّذت جمعيّات محلّية مشاريع تجميل واجهات المحال التجارية والمباني في شارع سوريا، بينما تتهالك البنايات في الشارع نفسه فوق رؤوس السكّان.

وشطر واسع من هذه المباني في التبّانة وجبل محسن وضهر المغر مجاور لنهر أبو علي. ويجري التعامل مع انهياراتها بمقاربة منقطعة عن مشروع “الإرث الثقافي”، الذي نُفّذ في بداية الألفية على النهر، وأكّد البنك الدولي، وهو الجهة المانحة التي رصدت لطرابلس 30-40 مليون دولار، فشل التنفيذ وانحرافه عن تصوّر المشروع الذي كان يهدف إلى تحويل المنطقة إلى برشلونة ثانية. 

جنت الأحياء الفقيرة  من المشروع سقفاً اسمنتياً فوق النهر، تناثرت عليه البالات، والمزيد من فقاعات الفقر والتعدّيات على الأرصفة بفرض الخوّة. غيّر هذا المشروع الكارثي مورفولوجيا المدينة القديمة وتكوينها الاقتصادي وأثّر على مجرى النهر، وكلّ هذه العوامل الهندسية والتنظيمية والمجتمعية وتداعياتها تغيب بشكل كامل عن أدبيات تقييم المباني المتداولة اليوم.

خذلانات وتدخّلات متأخّرة

إزاء كلّ هذا الخراب، ليس أمام طرابلس خياراً سوى الالتحاق بالصناديق والمبادرات التي انطلقت لتنقذ الأبنية المتهالكة. ولكن في ظلّ عدم توفّر العمل المنهجي والشروط الرقابية، لا شيء سيقطع الحلقة الجحيمية لمآسي طرابلس، التي لا تفتقر إلى المشاريع والتمويلات، بقدر افتقارها إلى الحوكمة وضبط التنفيذ ممّن يجدر أن يعنيهم الأمر.

كان ينبغي أن تنطلق ورشة طوارئ وطنية في عام 2015، حين أعلنت الأسكوا طرابلس “أفقر مدينة على المتوسّط”، وعوضاً عن رصد برامج تنموية تستجيب لهذا الناقوس الخطير، لم تكسب طرابلس سوى تعميق الوصم وإذاعة صيتها البائس.

كان ينبغي أن يشكّل التفجير المزدوج لمسجدي التقوى والسلام في آب/ أغسطس 2013 لحظة عدالة حاسمة، يُحاسَب فيها المتورّطون حساباً يوازي حجم الجريمة التي أودت بـحياة 47 ضحيّة، وخلّفت مئات الجرحى.

كان ينبغي أن تنطلق حالة استنفار لإنهاء مخاطر الأبنية المنهارة منذ صيف 2022، حين انهار المنزل على الطفلة جمانة ديكو، وبعدها بشهور قليلة توفيت الطفلة ماغي محمود تحت سقف مدرستها، المصنّفة بناء أثرياً في جبل محسن.

كان ينبغي هذا وذاك، الآن، وقبل سنة وقبل عشرات السنين، ولم يحدث. وما انهيارات المباني، بكلّ تغوّلها على الكرامات، سوى الرأس الظاهر من جبل الجليد، الذي يؤكّد أن أسباب الحياة وفرصها القليلة غير المستثمرة، هي المنهارة. 

تعكس تفسّخات المباني في طرابلس تجسيداً مادّياً قوياً، لعلّه الأبلغ، لفجوات اجتماعية واقتصادية مزمنة تنخر طرابلس. 

انهيارات المدينة، لا المباني

لا سقف لانهيارات هذه المدينة. لا في قارب الموت المستقرّ على شاطئها منذ العام 2022، الذي تحوّلت جثثه إلى ولائم للأسماك، ولا في 21 جولة قتالية تسبّبت في مقتل 200 ضحيّة وجرح المئات، ولم يُحاسَب مرتكبوها، إنما تكرّسوا قوى أمر واقع للأحياء المنكوبة، يأتمرون بأمر نوّاب طرابلس وزعمائها ولصالحهم، ويعتاشون من الخوّات والتقارير المخابراتية.

لم يتعجّب أحد من تنصّل رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي من مأساة الأبنية المتهالكة، وهي غير منفصلة عن فساد قروض الإسكان المسؤولة عن تشريد عشرات عائلات طرابلس، أمّا الحديث عن سلطته الرئاسية وثرائه العالمي، فبات ممجوجاً ودون جدوى. 

حين سُئل مرّة عن ثروته، استحضر ميقاتي “قل أعوذ برب الفلق”. نسخة إيمانية لـ”الخرزة الزرقاء” التي رفعها “تيّار المستقبل”. من ناحيته، قرّر النائب فيصل كرامي ترميم “بركة الملاحة” في سوق قديم، أقصى ما تعنيه وراثته السياسية الطويلة، ولنقس على البقيّة، نواباً ووزراء جدداً وقدامى.

يمارس هؤلاء ما يسمّى بـ”عقيدة الصدمة”، بوصفها آليّة حكم غير معلنة تُستثمر فيها الأزمات الكبرى. لقد وظّفت الأزمات المتلاحقة في طرابلس في إعادة تشكيل سلوك المدينة. أدخل هؤلاء السياسيون الناس بالفعل في حالة إنهاك ذهني وعاطفي تسلب قدرتهم على المراقبة والمحاسبة، وتحصر أقصى طموحاتهم في طلب سقف يؤويهم.

لم يكن انتشال طرابلس في السنوات الأخيرة ممنوعاً بالقمع السياسي، أسوة بمناطق طرفية أخرى في البقاع والجنوب، إنما التغيير في طرابلس ممنوع بالإرهاق. تبلور بعد رتل من الأزمات والخذلانات المتعمّدة مجتمع متكيّف مع ما يُعدّ غير مقبول  إنسانياً. 

كلّ هذا السياق يُضاف إلى تكوين عضوي لمدينة مستقرّة في امتداد تاريخيّ لقرن من التقاليد والوراثة- على عكس بيروت منقطعة السياقات والمراحل-  فغدت طرابلس، وعلى صورتها المباني، مثقلة بكامل محمولها الاجتماعي والتقاليدي والديني، وما تمليه أو تتركه على حاله، عائلاتها “العريقة”، التي لا تزال تستلم القيادة لأنّها مقتبسة من هذا المحمول الثقيل.  

من الخطأ الاعتقاد بأن أصحاب القرار في طرابلس لم يُحدثوا فرقاً. لقد أفلحوا حقّاً في مسألتين: تكريس اليأس، بعد كوم من الوعود المهدورة على منوال “ممنوع حدا يجوع بطرابلس”، وهي تندرج ضمن أدوات الإفقار الممنهج، بحيث  توظّف القواعد البشرية الفقيرة في الكسب الانتخابي، والتخدير والتفريغ بالممنوعات والسلاح المتفشّي، الذي تتكاثر ضحاياه في شهر رمضان بصورة مريبة، ويستقبله الطرابلسيون بقلوب متكدّرة تخاف مرّتين: الموت تحت أنقاض بيوتهم أو مبنى يمرّون بقربه، أو الموت برصاصة.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
18.02.2026
زمن القراءة: 8 minutes

من الخطأ الاعتقاد بأن أصحاب القرار في طرابلس لم يُحدثوا فرقاً. لقد أفلحوا حقّاً في مسألتين: تكريس اليأس، بعد كوم من الوعود المهدورة على منوال “ممنوع حدا يجوع بطرابلس”، وهي تندرج ضمن أدوات الإفقار الممنهج، بحيث  توظّف القواعد البشرية الفقيرة في الكسب الانتخابي، والتخدير والتفريغ بالممنوعات والسلاح المتفشّي، الذي تتكاثر ضحاياه في شهر رمضان بصورة مريبة، ويستقبله الطرابلسيون بقلوب متكدّرة تخاف مرّتين: الموت تحت أنقاض بيوتهم أو مبنى يمرّون بقربه، أو الموت برصاصة.

هل حقّاً سينجو؟ سؤال يسابق به الرجل الريح، يحاول على دراجته النارية اللحاق بالمهندس الذي أنهى معاينة بناية مهترئة في القبّة، إحدى المناطق الساخنة لانهيارات مباني طرابلس.

حين أدركه، سأل الرجل برجاء: “قل لي الحقيقة، هل حقّاً البناية لن تنهار؟”.

“والله لن تنهار. لكن جربّ أن تجد حياة لك ولأسرتك في مكان آخر”. 

قصّة من الميدان، يرويها لـ”درج” المهندس بلال علي، بعدما شارك في تقرير مصوّر أعدّه الموقع حول هذه المباني. تبدو هذه اللحظات أقرب إلى تكثيف للمأساة، في وجعها ونتائجها وتفسيرها، لا يثق أهالي طرابلس في تقييمات الأبنية، لم يعد البعض يصدّق أنه سيعيش. 

رجل آخر من القبّة، يوافق بعد تردّد التحدّث أمام الكاميرا. يحاول أن يحفظ بقايا كرامته، التي جعلته لا يغادر المنزل أسوة ببقيّة الجيران. يعاني الرجل مرضاً مزمناً يتفشّى في رجليه المتورّمتين. لم يشكُ، لكن المرض كان الفيل الصامت في الغرفة. تكلّمت زوجته قبل التصوير. لا سقف حماية للعائلة، لا سيّما الابنة التي تدهورت نفسيتها جرّاء عجز والدها عن العمل والحركة، وخوفها من الموت تحت سقف منهار. 

وهناك الشابّ أحمد، بائع القهوة الذي صبر على خطوبة ابنة الجيران 12 سنة، كان خلالها يجمع مفروشات المنزل ولوازمه. حكى أحمد فبكى، كان يحفظ أغراضه في شقّة خطيبته التي تسكن في بناية انهارت في القبّة.

أمضى أحمد سنوات من التشرّد والتقشّف ليستحقّ الفرح. تهشّمت غرفة النوم، وتفتّت التلفاز الذي كان آخر ما اشتراه، وفناجين الشاي وتحف الكريستال، التي تعدّ كماليات لجهاز شابّ فقير، لكنّها كانت لسنوات طوال سبب وجوده، ولأنه يرى زواجه ارتقاء اجتماعياً بكلّ المقاييس. لا يستيقظ أحمد قبل الظهيرة، ويبقى صاحياً طيلة الليل. يتأمّل في حياة انهارت، متمنيّاً لو حملت عنه هذه الحادثة عبء إنهاء حياته.

ينهار مبنى آخر في التبّانة، فتتلاحق رسائل واتساب من أيمن: “هل ستتأخّرين في نشر الفيديو؟”، “ألا تعلمين أننا سنموت؟”، “انهارت بناية قبالتنا، هل تتابعون الأخبار؟”. عليك في تلك اللحظة احتواء مشاعر كثيرة، صدمتك، صدمته، لومه، رعبه، غضبيكما. كان فيديو “درج” لأيمن بمثابة قشّة الغريق، لعلّه ينجو بها، فالموت يهمز ويلمز له من شقوق البيت، ويقبض الأرواح على بعد خطوات منه. 

التدخّلات، صناديق وبطاقات وإخلاءات

بيانات بلدية طرابلس مفزعة. نحو 600 مبنى يحتاج إلى ترميم وتدعيم منذ العام 2006، و105 مبانٍ بحاجة إلى الإخلاء الفوريّ، أمّا المباني التي سقطت، فهي غير مسجّلة ضمن هذا الإحصاء.

تتولّى بلدية طرابلس التدخّل الفوري، وتتعاون معها نقابة المهندسين في طرابلس ولجان متطوّعين وفاعلين من المجتمع المدني، شكّلوا معاً “الصندوق الخاصّ الطارئ لتدعيم الأبنية شديدة الخطورة في مدينة طرابلس”، يتلقّى تبرّعات مالية مع تعهّد بالشفافية، وبأنها أموال لترميم المباني، وأطلق الصندوق نداءات لمهندسين ليتطوّعوا في المسح. 

أمّا رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، ونوّاب طرابلس الحاليون، ونوابها ووزراؤها السابقون، فوجودهم لم يتخطّ تصاريح وبيانات تؤكّد أنهم ملتزمون باللامبالاة.

المفارقة أنه للمرّة الأولى بعد عقود من إهمال طرابلس وتهميشها، تحرّكت الدولة اللبنانية على مستوى مركزي حكومي.

تُرجمت هذه الخطوات باستجابة إنسانية عاجلة، من خلال “تيليون” تلفزيون لبنان، الذي حشد الأموال لمساندة العائلات المتضرّرة. وحصّلت وزارة الشؤون الاجتماعية بحسب الوزيرة حنين السيّد مبلغ مليون دولار لمساعدة العائلات، وأدرجت الأخيرة على برنامج “أمان”. كما أطلقت وزارة الصحّة بطاقة “كريم”، وهي بطاقة خاصّة لتغطية الاستشفاء بشكل كامل للعائلات التي أخلت منازلها، وستستفيد أيضاً من شبكة الرعاية الصحّية الأوّلية.

تتوالى يومياً إخلاءات لمبانٍ في القبّة والزاهرية والتبّانة، وإشعارات بتدعيم عاجل، ويؤمّن البدل لإيواء العائلات لمدّة سنة تُدفَع على أربعة أقساط فصلية، بقيمة 1000 دولار لكلّ شيك. وإلى حينه، لم تجد بعض عائلات القبّة مأوى، فنصبت الخيم في الشارع. أُحيلت عائلات إلى المدرسة الفندقية في الميناء، وهناك فندق “كواليتي إن” الذي يُفترَض أنه في عُهدة وزارة الاقتصاد ورُصد لتوفير مساكن مؤقّتة، لكنّه أقرب إلى خربة كما وثّقته فيديوهات. 

أسئلة معلّقة و”كثرة الطبّاخين” 

ينبغي ألا تلغي إلحاحيّة التدخّلات التروّي في اعتمادها، ثم في كيفية تطبيقها. لا يحتاج المراقب خبرة في الهندسة أو إدارة الأزمات ليرصد علامات فوضى سارية، ستنطوي على إهدار جهود، ووقت، وأموال وموارد هائلة، وآمال متبقّية، وأرواح تحت الخطر.

فبعد أيّام من انهيار مبنى في القبّة، وخلال زيارة ميدانية لـ”درج”، رُصدت على الركام مجموعة شبّان يسحبون الحديد من الأساسات لبيعه، دون رقابة أو إجراءات تطويق الموقع ومنع العبث بالأدلة، فيما التحقيقات لم تنتهِ حول أسباب الانهيار. ولم تطبّق أقلّ تدابير لتأمين السلامة العامّة، وبقايا الأنقاض تتدحرج على الأرصفة، وتعترض المارّة أسلاك الحديد الناتئة من الركام. 

ويبقى السؤال معلّقاً حول استغراق انتشال أليسار 72 ساعة، أي كان في الإمكان إنقاذها لو انتُشلت بكفاءة الإنقاذ نفسها في مبنى التبّانة الذي استغرق نحو 12 ساعة. 

أمّا اللجنة الهندسية المكلّفة بالكشف عن المباني، فهي تلقي نداءات التطوّع على وسائل التواصل، الأمر الذي يطرح السؤال عن درجة الالتزام، وحتى عن تقييم كفاءة هؤلاء المهندسين، وبعضهم مهندسون معماريون، بحسب معلومات “درج”.

ويحتاج الرأي العامّ تشخيصاً علمياً حاسماً بشأن طبيعة الأرض التي تقوم عليها الأبنية. تقول كشوفات سابقة أنها صلصالية غير عازلة. في التبّانة تحديداً تتخزّن المياه في ملاجئ البنايات، يُضاف فوقها ضغط العشوائيات والطوابق المخالفة.

في الوقت نفسه، تشمل تفلّتات العمران وغياب تخطيطها مجالات طرابلس الجديدة، فحتى منطقة الضمّ والفرز التي تُعتبَر من الأغلى عقارياً، تتفشّى في جدران بناياتها الرطوبة وتختزن آبارها المياه المالحة.

حتى الآن، لم يجد أهالي طرابلس تفسيراً للانهيارات المتلاحقة سوى تأويلات غيبيّة على سبيل “علامات القيامة”، أو “الجنّ تحت الأرض”. أمّا رئيس البلدية الدكتور عبد الحميد كريمة، فيقول إن هذه الانهيارات قد تكون “بفعل فاعل”، علماً أن عشرات هذه المباني تضرّرت من معارك جبل محسن وباب التبّانة بين العامين 2011 و2014، وكثير منها لم يرمّم منذ معارك “قوّات الردع” السورية في الثمانينيات.

غياب مستمرّ للرقابة والمحاسبة

تحتاج عمليّة إنقاذ الأهالي وأبنية طرابلس؛ بصورة ملحّة وغير قابلة للتفاوض، إلى هيئة مستقلّة للرقابة والمحاسبة، تتفرّع منها لجان لعمليّات تقييم الأبنية، وإغاثة الأهالي، والترميم والإنفاق في كلّ الصناديق، من صندوق تلفزيون لبنان، إلى صندوق البلدية ونقابة المهندسين، وميزانية الهيئة العليا للإغاثة، والتبرّعات الموجّهة لوزارة الشؤون. بدون هذا الإجراء المصيري، ستتحوّل هذه الصناديق إلى أدوات لانهيارات مؤجّلة، أو ربما تسريع لها، ولم نتحدّث عن مخاطر سوء إدارة الأموال، وهدرها على حساب أرواح الناس وخسائرهم، وهذا ما وقع خلال منعطفات عديدة مشابهة بقيت دون مراقبة أو محاسبة.

تذكّر مبادرة “غربال” بأن مجلس الإنماء والإعمار أنفق 19.2 مليون دولار في طرابلس بين العامين 2004 و2019 لتأهيل أبنية تراثية ومستشفيات وقاعات ومعارض. تستدعي هذه الحزمة التدقيق في شقّ الأبنية التراثية المرمّمة، وإن كانت تتضمّن مباني سكنية، فالمعلوم أن جزءاً وافياً من البيوت في أسواق طرابلس وأحيائها القديمة في الزاهرية وضهر المغر مصنّفة مباني تراثية، فهل لحقتها أعمال الترميم هذه، وكيف؟

كما تلقّت بلدية طرابلس في عام 2024 هبة نقدية من مصلحة استثمار مرفأ طرابلس، لترميم مبنى البلدية بعد حريقه في عام 2021، والمبلغ بقيمة 500 ألف دولار. لم تتوضّح إنفاقات المبلغ الضخم لترميم مبنى واحد، بينما تنتشر عشرات المباني الآيلة للسقوط قرب البلدية وفي كلّ المدينة القديمة.

واللافت أيضاً متّصل بجولات التبّانة وجبل محسن، حيث رصدت الهيئة العليا للإغاثة مبالغ لتعويضات الإيواء والترميم وإعادة الإعمار للأضرار الناتجة عن الاشتباكات الموازية للأزمة السورية (2011-2014). بعد عشر سنوات، بقيت تفاصيل التعويضات مبهمة، والبيوت تنهار.

وبعد خمود المعارك في 2015 نفّذت جمعيّات محلّية مشاريع تجميل واجهات المحال التجارية والمباني في شارع سوريا، بينما تتهالك البنايات في الشارع نفسه فوق رؤوس السكّان.

وشطر واسع من هذه المباني في التبّانة وجبل محسن وضهر المغر مجاور لنهر أبو علي. ويجري التعامل مع انهياراتها بمقاربة منقطعة عن مشروع “الإرث الثقافي”، الذي نُفّذ في بداية الألفية على النهر، وأكّد البنك الدولي، وهو الجهة المانحة التي رصدت لطرابلس 30-40 مليون دولار، فشل التنفيذ وانحرافه عن تصوّر المشروع الذي كان يهدف إلى تحويل المنطقة إلى برشلونة ثانية. 

جنت الأحياء الفقيرة  من المشروع سقفاً اسمنتياً فوق النهر، تناثرت عليه البالات، والمزيد من فقاعات الفقر والتعدّيات على الأرصفة بفرض الخوّة. غيّر هذا المشروع الكارثي مورفولوجيا المدينة القديمة وتكوينها الاقتصادي وأثّر على مجرى النهر، وكلّ هذه العوامل الهندسية والتنظيمية والمجتمعية وتداعياتها تغيب بشكل كامل عن أدبيات تقييم المباني المتداولة اليوم.

خذلانات وتدخّلات متأخّرة

إزاء كلّ هذا الخراب، ليس أمام طرابلس خياراً سوى الالتحاق بالصناديق والمبادرات التي انطلقت لتنقذ الأبنية المتهالكة. ولكن في ظلّ عدم توفّر العمل المنهجي والشروط الرقابية، لا شيء سيقطع الحلقة الجحيمية لمآسي طرابلس، التي لا تفتقر إلى المشاريع والتمويلات، بقدر افتقارها إلى الحوكمة وضبط التنفيذ ممّن يجدر أن يعنيهم الأمر.

كان ينبغي أن تنطلق ورشة طوارئ وطنية في عام 2015، حين أعلنت الأسكوا طرابلس “أفقر مدينة على المتوسّط”، وعوضاً عن رصد برامج تنموية تستجيب لهذا الناقوس الخطير، لم تكسب طرابلس سوى تعميق الوصم وإذاعة صيتها البائس.

كان ينبغي أن يشكّل التفجير المزدوج لمسجدي التقوى والسلام في آب/ أغسطس 2013 لحظة عدالة حاسمة، يُحاسَب فيها المتورّطون حساباً يوازي حجم الجريمة التي أودت بـحياة 47 ضحيّة، وخلّفت مئات الجرحى.

كان ينبغي أن تنطلق حالة استنفار لإنهاء مخاطر الأبنية المنهارة منذ صيف 2022، حين انهار المنزل على الطفلة جمانة ديكو، وبعدها بشهور قليلة توفيت الطفلة ماغي محمود تحت سقف مدرستها، المصنّفة بناء أثرياً في جبل محسن.

كان ينبغي هذا وذاك، الآن، وقبل سنة وقبل عشرات السنين، ولم يحدث. وما انهيارات المباني، بكلّ تغوّلها على الكرامات، سوى الرأس الظاهر من جبل الجليد، الذي يؤكّد أن أسباب الحياة وفرصها القليلة غير المستثمرة، هي المنهارة. 

تعكس تفسّخات المباني في طرابلس تجسيداً مادّياً قوياً، لعلّه الأبلغ، لفجوات اجتماعية واقتصادية مزمنة تنخر طرابلس. 

انهيارات المدينة، لا المباني

لا سقف لانهيارات هذه المدينة. لا في قارب الموت المستقرّ على شاطئها منذ العام 2022، الذي تحوّلت جثثه إلى ولائم للأسماك، ولا في 21 جولة قتالية تسبّبت في مقتل 200 ضحيّة وجرح المئات، ولم يُحاسَب مرتكبوها، إنما تكرّسوا قوى أمر واقع للأحياء المنكوبة، يأتمرون بأمر نوّاب طرابلس وزعمائها ولصالحهم، ويعتاشون من الخوّات والتقارير المخابراتية.

لم يتعجّب أحد من تنصّل رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي من مأساة الأبنية المتهالكة، وهي غير منفصلة عن فساد قروض الإسكان المسؤولة عن تشريد عشرات عائلات طرابلس، أمّا الحديث عن سلطته الرئاسية وثرائه العالمي، فبات ممجوجاً ودون جدوى. 

حين سُئل مرّة عن ثروته، استحضر ميقاتي “قل أعوذ برب الفلق”. نسخة إيمانية لـ”الخرزة الزرقاء” التي رفعها “تيّار المستقبل”. من ناحيته، قرّر النائب فيصل كرامي ترميم “بركة الملاحة” في سوق قديم، أقصى ما تعنيه وراثته السياسية الطويلة، ولنقس على البقيّة، نواباً ووزراء جدداً وقدامى.

يمارس هؤلاء ما يسمّى بـ”عقيدة الصدمة”، بوصفها آليّة حكم غير معلنة تُستثمر فيها الأزمات الكبرى. لقد وظّفت الأزمات المتلاحقة في طرابلس في إعادة تشكيل سلوك المدينة. أدخل هؤلاء السياسيون الناس بالفعل في حالة إنهاك ذهني وعاطفي تسلب قدرتهم على المراقبة والمحاسبة، وتحصر أقصى طموحاتهم في طلب سقف يؤويهم.

لم يكن انتشال طرابلس في السنوات الأخيرة ممنوعاً بالقمع السياسي، أسوة بمناطق طرفية أخرى في البقاع والجنوب، إنما التغيير في طرابلس ممنوع بالإرهاق. تبلور بعد رتل من الأزمات والخذلانات المتعمّدة مجتمع متكيّف مع ما يُعدّ غير مقبول  إنسانياً. 

كلّ هذا السياق يُضاف إلى تكوين عضوي لمدينة مستقرّة في امتداد تاريخيّ لقرن من التقاليد والوراثة- على عكس بيروت منقطعة السياقات والمراحل-  فغدت طرابلس، وعلى صورتها المباني، مثقلة بكامل محمولها الاجتماعي والتقاليدي والديني، وما تمليه أو تتركه على حاله، عائلاتها “العريقة”، التي لا تزال تستلم القيادة لأنّها مقتبسة من هذا المحمول الثقيل.  

من الخطأ الاعتقاد بأن أصحاب القرار في طرابلس لم يُحدثوا فرقاً. لقد أفلحوا حقّاً في مسألتين: تكريس اليأس، بعد كوم من الوعود المهدورة على منوال “ممنوع حدا يجوع بطرابلس”، وهي تندرج ضمن أدوات الإفقار الممنهج، بحيث  توظّف القواعد البشرية الفقيرة في الكسب الانتخابي، والتخدير والتفريغ بالممنوعات والسلاح المتفشّي، الذي تتكاثر ضحاياه في شهر رمضان بصورة مريبة، ويستقبله الطرابلسيون بقلوب متكدّرة تخاف مرّتين: الموت تحت أنقاض بيوتهم أو مبنى يمرّون بقربه، أو الموت برصاصة.