ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لا شيء يعوّض المنازل المدمّرة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

منازل الجنوب اليوم ملامح تتهدّم. هي، وعلى نحو دقيق، بمثابة نتف الخبز التي التهمها العدو والصديق ليمحوا طريق العودة ويفسحا المجال أمام كل وعود الخلاص الأخروية. كلها لم يتبقَّ منها إلا ملامح ذكرى سرعان ما ستتلاشى بين الغبار والنار وحفريات سلاسل الدبابات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تنتشر على الصفحات، وفي القنوات الإعلامية، وفي رسائل التطبيقات الفورية، فيديوهات توثّق تفخيخ قوات العدو قرىً أو أحياءً أو أنفاقاً في الجنوب اللبناني. كما تنتشر صور وتسجيلات أخرى تُظهر قصف مجموعات من المنازل أو الأبنية السكنية، كما كانت تُظهر تدمير أبنية في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، أو في بيروت العاصمة، أو في البقاع… وفي مجمل الحالات، يحكم المشهد تزامن رهيب بين صورة الانفجار واللهب المتأتي عنه، ويرافقه صوت دويّ مهيب لا يقل رعباً، يحوم فوقهما مشهد النار والغبار والدخان خلال رحلة تحوّل المنازل أو الأبنية إلى كومة ركام مكدّسة فوق بعضها البعض، بما يشبه جبلاً من الحزن والأسى. ما يجعل تلك القرى والمناطق والمدن والضواحي مجرد حيّز فارغ، على الرغم من أنه كان يحوي المنازل والمدارس والمباني البلدية والإسعافات والمراكز الصحية ومراكز الدفاع المدني… بما يوحي بأن الحيّز أضحى مرادفاً لمقبرة كبيرة، للحجر والبشر وبقية الكائنات، وللذاكرة أولاً وأخيراً.

في غمرة هذا كله، لا شيء على الإطلاق يمكنه اليوم، بعد مرور كل هذه المدة، مواساة أو تعويض من تدمرت منازلهم، وهم ينتظرون وقف إطلاق النار، وتتآكل آمالهم بحل ينهي المقتلة، وبعدها بمشاريع الإعمار. أولئك الذين يحاولون الحفاظ، ليس على حياتهم وبقائهم وحده، بقدر ما يحاولون الحفاظ على الذاكرة التي تجمعهم بهذا الحيّز الممتد في الزمان والمكان، في التاريخ والجغرافيا، في القلب والعقل، وفي الجسد والروح.

فمن ناحيتها، تشهد تلك المنازل التي نجهل معظمها، وبتنا نعرفها اليوم كحطام، أو التي نحفظ بعضها عن ظهر قلب، على حقل الذكريات والنقاشات والمناكفات، على الضحك والبكاء ونشوء الأفكار والأحلام. ونستذكر، بالإضافة إلى كل ما سبق، كيفية اضمحلال هذه الأحلام وأصحابها.

قد يبدو للبعض أنها مجرد منازل، مجرد أبنية من حيطان وأسقف وشبابيك، يمكن استبدالها بما هو أفضل أو أسوأ منها، بهذا الشكل التبسيطي، على منوال “سنعيدها أجمل مما كانت”. قد يبدو أن الأمر مجرد إرادة للبقاء، لصمود الشعارات والمفاهيم والانتصارات التي تؤدي إلى الحفاظ على بضع ذكريات من هنا، وبعض الأنين أو القهقهات من هناك. ذكريات قد تداوي الجراح، إلا أن جلّها مجرد محاولة للمواساة في حدث لا يمكن مواساته. فلا الكلام ولا الأفكار تعوّض، ولا المواساة تعوّض، ولا الوعود بأن المنازل “ستعود أجمل مما كانت”، ولا حتى تلك التي تعد بإعادتها على النحو الذي كانت عليه. 

وفوق هذه وتلك، أكثر ما يضاعف الشعور بالخسارة هو كمية الانتصارات المزعومة، وإرادة القتال حين لا يعود القتال مجدياً. لا شيء يمكنه أن يعيد الشعور بكل زوايا وتفاصيل تلك الإمكانات التي تكمن خلف تسلّل الهواء من بين عتبات المنازل.

إنها هزيمة اللغة نفسها، حين تعجز عن التعبير عن قوّة الحدث، بل هو مأزق الفكر حين تتحول عملية التفكير ذاتها إلى معيق، حين تتحول إلى مأساة تتأسس على وقع الحطام وتراجيديته، على المأساة الناجمة حين تنهار الأشياء والتفاصيل الصغيرة التي كانت مبعثرة على الأرضية، أو تحت الأسرّة والمقاعد. لا شعور يتكيّف مع آلام الفقد عندما يمسّ ما تبقّى من فيلم، أو مسلسل، كان أصحاب البيت يتابعونه، وهو يهيم اليوم وحيداً تحت سقف تداعى. كما أن لا كلام يضاهي جمال اصطفاف الورود والأزهار والعطور التي كانت تزيّن مداخل البيوت والتجارب الجديدة، قبل أن يتسلّل الليل من مفاصل أبواب حديدية تعاني من التشققات والفراغات لأنها لم تكن توصد بشكل محكم.

قد تبدو التفاصيل مجرد عينات صغيرة عمّا يفتقده أصحاب تلك البيوت، تلك التفاصيل التي تبتلعها الأيديولوجيات والقضايا الكبيرة. قد تبدو بلا أي قيمة للآخرين. لكن هذه القيم المتهافتة في جعب الذاكرة هي كل ما يملكه المرء من خلف الدمار، ومن خلف كل وعود المقاومة والخلاص والتحرر. هي كل التفاصيل التي تجعل من المنزل بيتاً حقاً. فالبيوت خصوصيات تنبني على التفاصيل الصغيرة، لا تلك الكبيرة التي يمكن مشاهدتها من المنازل أو القرى المجاورة. للبيوت خصوصيات، لا بل هي خصوصيات قائمة بحد ذاتها، تبدأ من آلية ترتيب علاقة الأشخاص الخاصة بالأشياء، أو بما هو بلا أي قيمة بالنسبة إلى الآخرين، ولا يقدّم أو يؤخر في حياتهم. هي هذه العناصر التي تجعل من البيت بيتاً على النحو الذي كان عليه بالتمام والكمال. هذه العلاقات بين التفاصيل والعناصر التي توجد في منازل أخرى أيضاً، فتمنحها هوياتها كما لكل منزل هويته الخاصة. إنها العلاقة بين الإنسان وتفاصيل يومياته، بينه وبين بقايا الأشياء المنتشرة في الروح، والتي ترتّب أي حيّز فتجعله آلية تعبير عن هوية صامدة قبل أن تقضي عليها كميات هائلة من المتفجرات أو صواريخ الطائرات والبوارج، أو حتى لهب المدافع والدبابات وفوهاتها، أو أزيز المسيّرات.

تتبادر إلى ذهني قصة للأخوين الأخوان غريم (“هانسل وغريتل”)، حيث ترك الأب طفليه في الغابة ليلاً بسبب الفقر، فتاهَا واحتجزتهما الساحرة بعدما التهمت الطيور نتف الخبز التي وضعها أحد الطفلين للتعرف إلى طريق العودة.

منازل الجنوب اليوم ملامح تتهدّم. هي، وعلى نحو دقيق، بمثابة نتف الخبز التي التهمها العدو والصديق ليمحوا طريق العودة ويفسحا المجال أمام كل وعود الخلاص الأخروية. كلها لم يتبقَّ منها إلا ملامح ذكرى سرعان ما ستتلاشى بين الغبار والنار وحفريات سلاسل الدبابات، وغيرها من آليات القتل المنتشرة على الطرقات وبين الغيوم، وبين مخلّص من هنا أو من هناك.

هي منازل لا تتناسخ، فكل واحد منها نموذج ونسخة قائمة بذاتها لا يمكن مقارنتها بأي منزل آخر، مهما تشابه شكلياً معه. منازل مختلفة كمّاً وكيفاً، لا تتكرر على أي نحو. فالمنازل هي الكرامات، بيوت الخصوصيات، فضاءات الرواية، أمكنة امتداد آليات حماية الأحلام. هناك، حيث لا شيء يتشابه، لا شيء يتعمّم، بل كل التفاصيل قائمة ومرتبة على نحو وحيد وفريد، لا تعني إلا صاحبها من بين كل أفراد  الجماعة وأيديولوجياتها.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
29.05.2026
زمن القراءة: 4 minutes

منازل الجنوب اليوم ملامح تتهدّم. هي، وعلى نحو دقيق، بمثابة نتف الخبز التي التهمها العدو والصديق ليمحوا طريق العودة ويفسحا المجال أمام كل وعود الخلاص الأخروية. كلها لم يتبقَّ منها إلا ملامح ذكرى سرعان ما ستتلاشى بين الغبار والنار وحفريات سلاسل الدبابات.


تنتشر على الصفحات، وفي القنوات الإعلامية، وفي رسائل التطبيقات الفورية، فيديوهات توثّق تفخيخ قوات العدو قرىً أو أحياءً أو أنفاقاً في الجنوب اللبناني. كما تنتشر صور وتسجيلات أخرى تُظهر قصف مجموعات من المنازل أو الأبنية السكنية، كما كانت تُظهر تدمير أبنية في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، أو في بيروت العاصمة، أو في البقاع… وفي مجمل الحالات، يحكم المشهد تزامن رهيب بين صورة الانفجار واللهب المتأتي عنه، ويرافقه صوت دويّ مهيب لا يقل رعباً، يحوم فوقهما مشهد النار والغبار والدخان خلال رحلة تحوّل المنازل أو الأبنية إلى كومة ركام مكدّسة فوق بعضها البعض، بما يشبه جبلاً من الحزن والأسى. ما يجعل تلك القرى والمناطق والمدن والضواحي مجرد حيّز فارغ، على الرغم من أنه كان يحوي المنازل والمدارس والمباني البلدية والإسعافات والمراكز الصحية ومراكز الدفاع المدني… بما يوحي بأن الحيّز أضحى مرادفاً لمقبرة كبيرة، للحجر والبشر وبقية الكائنات، وللذاكرة أولاً وأخيراً.

في غمرة هذا كله، لا شيء على الإطلاق يمكنه اليوم، بعد مرور كل هذه المدة، مواساة أو تعويض من تدمرت منازلهم، وهم ينتظرون وقف إطلاق النار، وتتآكل آمالهم بحل ينهي المقتلة، وبعدها بمشاريع الإعمار. أولئك الذين يحاولون الحفاظ، ليس على حياتهم وبقائهم وحده، بقدر ما يحاولون الحفاظ على الذاكرة التي تجمعهم بهذا الحيّز الممتد في الزمان والمكان، في التاريخ والجغرافيا، في القلب والعقل، وفي الجسد والروح.

فمن ناحيتها، تشهد تلك المنازل التي نجهل معظمها، وبتنا نعرفها اليوم كحطام، أو التي نحفظ بعضها عن ظهر قلب، على حقل الذكريات والنقاشات والمناكفات، على الضحك والبكاء ونشوء الأفكار والأحلام. ونستذكر، بالإضافة إلى كل ما سبق، كيفية اضمحلال هذه الأحلام وأصحابها.

قد يبدو للبعض أنها مجرد منازل، مجرد أبنية من حيطان وأسقف وشبابيك، يمكن استبدالها بما هو أفضل أو أسوأ منها، بهذا الشكل التبسيطي، على منوال “سنعيدها أجمل مما كانت”. قد يبدو أن الأمر مجرد إرادة للبقاء، لصمود الشعارات والمفاهيم والانتصارات التي تؤدي إلى الحفاظ على بضع ذكريات من هنا، وبعض الأنين أو القهقهات من هناك. ذكريات قد تداوي الجراح، إلا أن جلّها مجرد محاولة للمواساة في حدث لا يمكن مواساته. فلا الكلام ولا الأفكار تعوّض، ولا المواساة تعوّض، ولا الوعود بأن المنازل “ستعود أجمل مما كانت”، ولا حتى تلك التي تعد بإعادتها على النحو الذي كانت عليه. 

وفوق هذه وتلك، أكثر ما يضاعف الشعور بالخسارة هو كمية الانتصارات المزعومة، وإرادة القتال حين لا يعود القتال مجدياً. لا شيء يمكنه أن يعيد الشعور بكل زوايا وتفاصيل تلك الإمكانات التي تكمن خلف تسلّل الهواء من بين عتبات المنازل.

إنها هزيمة اللغة نفسها، حين تعجز عن التعبير عن قوّة الحدث، بل هو مأزق الفكر حين تتحول عملية التفكير ذاتها إلى معيق، حين تتحول إلى مأساة تتأسس على وقع الحطام وتراجيديته، على المأساة الناجمة حين تنهار الأشياء والتفاصيل الصغيرة التي كانت مبعثرة على الأرضية، أو تحت الأسرّة والمقاعد. لا شعور يتكيّف مع آلام الفقد عندما يمسّ ما تبقّى من فيلم، أو مسلسل، كان أصحاب البيت يتابعونه، وهو يهيم اليوم وحيداً تحت سقف تداعى. كما أن لا كلام يضاهي جمال اصطفاف الورود والأزهار والعطور التي كانت تزيّن مداخل البيوت والتجارب الجديدة، قبل أن يتسلّل الليل من مفاصل أبواب حديدية تعاني من التشققات والفراغات لأنها لم تكن توصد بشكل محكم.

قد تبدو التفاصيل مجرد عينات صغيرة عمّا يفتقده أصحاب تلك البيوت، تلك التفاصيل التي تبتلعها الأيديولوجيات والقضايا الكبيرة. قد تبدو بلا أي قيمة للآخرين. لكن هذه القيم المتهافتة في جعب الذاكرة هي كل ما يملكه المرء من خلف الدمار، ومن خلف كل وعود المقاومة والخلاص والتحرر. هي كل التفاصيل التي تجعل من المنزل بيتاً حقاً. فالبيوت خصوصيات تنبني على التفاصيل الصغيرة، لا تلك الكبيرة التي يمكن مشاهدتها من المنازل أو القرى المجاورة. للبيوت خصوصيات، لا بل هي خصوصيات قائمة بحد ذاتها، تبدأ من آلية ترتيب علاقة الأشخاص الخاصة بالأشياء، أو بما هو بلا أي قيمة بالنسبة إلى الآخرين، ولا يقدّم أو يؤخر في حياتهم. هي هذه العناصر التي تجعل من البيت بيتاً على النحو الذي كان عليه بالتمام والكمال. هذه العلاقات بين التفاصيل والعناصر التي توجد في منازل أخرى أيضاً، فتمنحها هوياتها كما لكل منزل هويته الخاصة. إنها العلاقة بين الإنسان وتفاصيل يومياته، بينه وبين بقايا الأشياء المنتشرة في الروح، والتي ترتّب أي حيّز فتجعله آلية تعبير عن هوية صامدة قبل أن تقضي عليها كميات هائلة من المتفجرات أو صواريخ الطائرات والبوارج، أو حتى لهب المدافع والدبابات وفوهاتها، أو أزيز المسيّرات.

تتبادر إلى ذهني قصة للأخوين الأخوان غريم (“هانسل وغريتل”)، حيث ترك الأب طفليه في الغابة ليلاً بسبب الفقر، فتاهَا واحتجزتهما الساحرة بعدما التهمت الطيور نتف الخبز التي وضعها أحد الطفلين للتعرف إلى طريق العودة.

منازل الجنوب اليوم ملامح تتهدّم. هي، وعلى نحو دقيق، بمثابة نتف الخبز التي التهمها العدو والصديق ليمحوا طريق العودة ويفسحا المجال أمام كل وعود الخلاص الأخروية. كلها لم يتبقَّ منها إلا ملامح ذكرى سرعان ما ستتلاشى بين الغبار والنار وحفريات سلاسل الدبابات، وغيرها من آليات القتل المنتشرة على الطرقات وبين الغيوم، وبين مخلّص من هنا أو من هناك.

هي منازل لا تتناسخ، فكل واحد منها نموذج ونسخة قائمة بذاتها لا يمكن مقارنتها بأي منزل آخر، مهما تشابه شكلياً معه. منازل مختلفة كمّاً وكيفاً، لا تتكرر على أي نحو. فالمنازل هي الكرامات، بيوت الخصوصيات، فضاءات الرواية، أمكنة امتداد آليات حماية الأحلام. هناك، حيث لا شيء يتشابه، لا شيء يتعمّم، بل كل التفاصيل قائمة ومرتبة على نحو وحيد وفريد، لا تعني إلا صاحبها من بين كل أفراد  الجماعة وأيديولوجياتها.