fbpx

لبنان: أبعد من تسرب شجرة الميلاد إلى بيوت مسلمين

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تكشف الاحتفالات برأس السنة في لبنان عن موقف الطوائف المتعددة من الغرب والعروبة والأديان، إذ يتجاوز الأمر الاحتفال الديني نحو علامات سياسية وفكرية ترتبط بالمحيط و”العالم”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل أيام، مع احتفالات الطوائف المسيحية بعيد الميلاد، شاركت في تلك الاحتفالات الضاحية الجنوبية من بيروت ومدينة صور، وربما مناطق وبلدات أخرى ذات أغلبية شيعية. لقد كان لزينة الميلاد، وما يرافقها عادةً من بيع وشراء، حضورهما الشيعي الملحوظ.

والواقع أن رد هذا السلوك إلى فولكلور “التعايش والأخوة” اللبنانيين، أو “عناق الهلال والصليب” وسوى ذلك، يبقى هراء محضاً. فاليوم لا أخوة ولا تعايش من أي نوع بين اللبنانيين. ولا يُتوقع من أي طائفة أن تشارك طائفة أخرى أعيادها، فيما كل طائفة تتهم بمآسيها طائفة أو جماعة أخرى.

ما الذي حمل الشيعة الذين احتفلوا في الضاحية وصور على أن يحتفلوا؟

بعيداً من تسطيح “الصوابية السياسية” واختزاليتها، لا يمكن إلا الرجوع إلى معطيات تتعلق بأحوال الطوائف وتاريخ تلك الأحوال. فالبيئة المسيحية- وبغض النظر عن تقدم موقعها في السلطة السياسية أو تراجعه- استطاعت أن تمتلك جاذبية اجتماعية على غير المسيحيين لم تتوفر لغير المسيحيين على المسيحيين. فالطائفة السنية اليوم مصابة بنوع من البكم التعبيري الذي قد يطول، أما الطائفة الشيعية فنظامها الثقافي والرمزي الحالي، الذي يدور حول الشهداء والتحرير والقدس، لا يخاطب أحداً خارج محيط “حزب الله”، وكثيرون من غير الشيعة (ومعهم بعض الشيعة) ينظرون إلى هذا النظام التعبيري بوصفه معادياً لهم ويندفعون إلى معاداته.

أما مسيحياً فالأمر مختلف. فبغض النظر عما يصدر أحياناً عن “المركز الكاثوليكي للإعلام”، أو هذا أو ذاك من المراجع السياسية أو الدينية، وأكثرهم عونيون، تبقى القيود على الممارسات الخاصة (مأكل، مشرب، ملبس، اختلاط) أقل كثيراً مما لدى الطوائف الأخرى. وبالعودة تحديداً إلى مناسبة عيد الميلاد، تملك البيئة المسيحية جاذبيتين في مخاطبة غير المسيحيين: أولاهما الموقع المركزي للأطفال (واستهلاكهم) في تلك المناسبة، بدءاً بشجرة العيد وانتهاء بالألبسة وبقية السلع التي تُقدم هدايا لهم. أما الثانية فارتباط ذاك العيد بمناسبات وحفلات الترفيه والسهر من جهة، وبحركة ناشطة في التداول التجاري بيعاً وشراءً من جهة أخرى. وهذا ما يعززه أن أسبوعاً واحداً يفصل الميلاد عن مناسبة رأس السنة كمحطة زمنية.

فبسبب هاتين الجاذبيتين، تحول عيد الميلاد تقليدياً عيداً عابراً للطوائف. وإذا عدنا إلى سنوات ما قبل حرب 1975 والانفجار المعلن للضغائن الطائفية المتبادلة، فوجئنا بعدد البيوت المسلمة التي كانت تقتني شجرة العيد. ونعرف جيداً أن أبناء الكثير من الأُسر المسلمة الغنية والمتوسطة كانوا يتلقون تعليمهم في مدارس مسيحية، وهي حالة لم تُعكَس.

أما في سنوات التسعينات فكان ملحوظاً أن الحريرية (التي قدم تلفزيونها، “تلفزيون المستقبل”، الأعياد الدينية الإسلامية كمناسبات للترفيه والسهر والبيع والشراء) فحاكت ذاك السلوك الذي ارتبط تقليدياً بالمسيحيين، كما اعتمدت على ريبرتوارهم الفني والغنائي.

تلك المقارنات والتجارب تدل على معضلة كبرى تتعلق بالنموذج، ومن ثمّ بفرض هيمنة ثقافية وسلوكية وقيمية على المجتمع اللبناني. فالانتصار العسكري والسياسي الذي يتحقق لطرف مسلم يبقى ناقصاً تبعاً لعجزه عن تقديم نموذج اجتماعي ومثالات ثقافية مهيمنة. وهذا إنما يبدو ساطعاً جداً في حالة “حزب الله”، الذي يتزايد النفور منه خارج طائفته كلما زادت قوته الحربية ووزنه السياسي. وتعود هذه المعادلة في أصولها إلى حرب الجبل في 1860: فحينذاك انتصر الدروز عسكرياً على الموارنة، لكن من يقرأ تاريخ تلك الحقبة سيدهشه تكاثر الإرساليات والصحف التي أسسها المسيحيون في الوقت ذاته، فضلاً عن طغيان أسماء مسيحية (اليازجي والبستاني) على الحياة الثقافية لجبل لبنان. والأمر نفسه تقريباً تكرر مع “حرب الجبل” في ثمانينات القرن الماضي، حين انتصر الدروز وحلفاؤهم عسكرياً في ظل قدرة بالغة الضعف على استثمار النصر العسكري. فقد عانى الجبل حينذاك من تصحر مؤسساتي يمتد من المدرسة والمستشفى إلى المطعم والفندق. وهذا ما حدا بالزعيم الدرزي المنتصر وليد جنبلاط لأن يقول في أحد تصريحاته أنه، وإن أراد إلحاق الهزيمة بالمسيحيين، لم يشأ لهم أن ينهزموا “إلى هذا الحد”.

ونعرف أن “الهيمنة المارونية” لما قبل 1975 لم تقم فقط، ولا أساساً، على الإمساك بأدوات العنف، إذ تصاحب هذا الموقع مع موقع متقدم ومؤثر في المجالات جميعاً، الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الثقافية والتعليمية والإعلامية، فضلاً عن السياسية.  

وهذا، بطبيعة الحال، لا يرجع سببه إلى فارق جيني مزعوم، أو إلى روح فينيقية خرافية تقيم في المسيحيين دون سواهم. لكن علينا أن نبحث عن أسباب أخرى قد يكون أهمها ما يتعلق بالفارق في نوع الصلة بالغرب، والمدى المتحقق من الإصلاحات الدينية، ودرجة الحرية في العلاقة بين الفرد ومحيطه القرابي. فالمسيحيون اللبنانيون ممن تجمعهم عناصر وسمات كثيرة بمواطنيهم المسلمين، تشدهم منذ نحو القرنين عناصر وسمات أخرى إلى الغرب، فتحررهم إلى هذا الحد أو ذاك من خوف الإعجاب به وتقليده. أما الأفكار الحديثة، من قومية واشتراكية وسواها، التي رسّخت في الوعي المسلم صورة الغرب العدو، الذي أقام إسرائيل ودعمها، فأثرها ضئيل في البيئة المسيحية. 

على هذه المسألة ينبغي أن تتركز أسئلة المثقفين المسلمين، وأن لا يقلل من هذا الإلحاح واقع أن المسيحيين أنفسهم تراجعوا كثيراً وبدأوا في العقدين الأخيرين يفقدون الكثير من المواصفات التي أتاحت لهم ممارسة الهيمنة الثقافية، فهذا ليس عزاء لأحد. 

10.01.2023
زمن القراءة: 4 minutes

تكشف الاحتفالات برأس السنة في لبنان عن موقف الطوائف المتعددة من الغرب والعروبة والأديان، إذ يتجاوز الأمر الاحتفال الديني نحو علامات سياسية وفكرية ترتبط بالمحيط و”العالم”.

قبل أيام، مع احتفالات الطوائف المسيحية بعيد الميلاد، شاركت في تلك الاحتفالات الضاحية الجنوبية من بيروت ومدينة صور، وربما مناطق وبلدات أخرى ذات أغلبية شيعية. لقد كان لزينة الميلاد، وما يرافقها عادةً من بيع وشراء، حضورهما الشيعي الملحوظ.

والواقع أن رد هذا السلوك إلى فولكلور “التعايش والأخوة” اللبنانيين، أو “عناق الهلال والصليب” وسوى ذلك، يبقى هراء محضاً. فاليوم لا أخوة ولا تعايش من أي نوع بين اللبنانيين. ولا يُتوقع من أي طائفة أن تشارك طائفة أخرى أعيادها، فيما كل طائفة تتهم بمآسيها طائفة أو جماعة أخرى.

ما الذي حمل الشيعة الذين احتفلوا في الضاحية وصور على أن يحتفلوا؟

بعيداً من تسطيح “الصوابية السياسية” واختزاليتها، لا يمكن إلا الرجوع إلى معطيات تتعلق بأحوال الطوائف وتاريخ تلك الأحوال. فالبيئة المسيحية- وبغض النظر عن تقدم موقعها في السلطة السياسية أو تراجعه- استطاعت أن تمتلك جاذبية اجتماعية على غير المسيحيين لم تتوفر لغير المسيحيين على المسيحيين. فالطائفة السنية اليوم مصابة بنوع من البكم التعبيري الذي قد يطول، أما الطائفة الشيعية فنظامها الثقافي والرمزي الحالي، الذي يدور حول الشهداء والتحرير والقدس، لا يخاطب أحداً خارج محيط “حزب الله”، وكثيرون من غير الشيعة (ومعهم بعض الشيعة) ينظرون إلى هذا النظام التعبيري بوصفه معادياً لهم ويندفعون إلى معاداته.

أما مسيحياً فالأمر مختلف. فبغض النظر عما يصدر أحياناً عن “المركز الكاثوليكي للإعلام”، أو هذا أو ذاك من المراجع السياسية أو الدينية، وأكثرهم عونيون، تبقى القيود على الممارسات الخاصة (مأكل، مشرب، ملبس، اختلاط) أقل كثيراً مما لدى الطوائف الأخرى. وبالعودة تحديداً إلى مناسبة عيد الميلاد، تملك البيئة المسيحية جاذبيتين في مخاطبة غير المسيحيين: أولاهما الموقع المركزي للأطفال (واستهلاكهم) في تلك المناسبة، بدءاً بشجرة العيد وانتهاء بالألبسة وبقية السلع التي تُقدم هدايا لهم. أما الثانية فارتباط ذاك العيد بمناسبات وحفلات الترفيه والسهر من جهة، وبحركة ناشطة في التداول التجاري بيعاً وشراءً من جهة أخرى. وهذا ما يعززه أن أسبوعاً واحداً يفصل الميلاد عن مناسبة رأس السنة كمحطة زمنية.

فبسبب هاتين الجاذبيتين، تحول عيد الميلاد تقليدياً عيداً عابراً للطوائف. وإذا عدنا إلى سنوات ما قبل حرب 1975 والانفجار المعلن للضغائن الطائفية المتبادلة، فوجئنا بعدد البيوت المسلمة التي كانت تقتني شجرة العيد. ونعرف جيداً أن أبناء الكثير من الأُسر المسلمة الغنية والمتوسطة كانوا يتلقون تعليمهم في مدارس مسيحية، وهي حالة لم تُعكَس.

أما في سنوات التسعينات فكان ملحوظاً أن الحريرية (التي قدم تلفزيونها، “تلفزيون المستقبل”، الأعياد الدينية الإسلامية كمناسبات للترفيه والسهر والبيع والشراء) فحاكت ذاك السلوك الذي ارتبط تقليدياً بالمسيحيين، كما اعتمدت على ريبرتوارهم الفني والغنائي.

تلك المقارنات والتجارب تدل على معضلة كبرى تتعلق بالنموذج، ومن ثمّ بفرض هيمنة ثقافية وسلوكية وقيمية على المجتمع اللبناني. فالانتصار العسكري والسياسي الذي يتحقق لطرف مسلم يبقى ناقصاً تبعاً لعجزه عن تقديم نموذج اجتماعي ومثالات ثقافية مهيمنة. وهذا إنما يبدو ساطعاً جداً في حالة “حزب الله”، الذي يتزايد النفور منه خارج طائفته كلما زادت قوته الحربية ووزنه السياسي. وتعود هذه المعادلة في أصولها إلى حرب الجبل في 1860: فحينذاك انتصر الدروز عسكرياً على الموارنة، لكن من يقرأ تاريخ تلك الحقبة سيدهشه تكاثر الإرساليات والصحف التي أسسها المسيحيون في الوقت ذاته، فضلاً عن طغيان أسماء مسيحية (اليازجي والبستاني) على الحياة الثقافية لجبل لبنان. والأمر نفسه تقريباً تكرر مع “حرب الجبل” في ثمانينات القرن الماضي، حين انتصر الدروز وحلفاؤهم عسكرياً في ظل قدرة بالغة الضعف على استثمار النصر العسكري. فقد عانى الجبل حينذاك من تصحر مؤسساتي يمتد من المدرسة والمستشفى إلى المطعم والفندق. وهذا ما حدا بالزعيم الدرزي المنتصر وليد جنبلاط لأن يقول في أحد تصريحاته أنه، وإن أراد إلحاق الهزيمة بالمسيحيين، لم يشأ لهم أن ينهزموا “إلى هذا الحد”.

ونعرف أن “الهيمنة المارونية” لما قبل 1975 لم تقم فقط، ولا أساساً، على الإمساك بأدوات العنف، إذ تصاحب هذا الموقع مع موقع متقدم ومؤثر في المجالات جميعاً، الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الثقافية والتعليمية والإعلامية، فضلاً عن السياسية.  

وهذا، بطبيعة الحال، لا يرجع سببه إلى فارق جيني مزعوم، أو إلى روح فينيقية خرافية تقيم في المسيحيين دون سواهم. لكن علينا أن نبحث عن أسباب أخرى قد يكون أهمها ما يتعلق بالفارق في نوع الصلة بالغرب، والمدى المتحقق من الإصلاحات الدينية، ودرجة الحرية في العلاقة بين الفرد ومحيطه القرابي. فالمسيحيون اللبنانيون ممن تجمعهم عناصر وسمات كثيرة بمواطنيهم المسلمين، تشدهم منذ نحو القرنين عناصر وسمات أخرى إلى الغرب، فتحررهم إلى هذا الحد أو ذاك من خوف الإعجاب به وتقليده. أما الأفكار الحديثة، من قومية واشتراكية وسواها، التي رسّخت في الوعي المسلم صورة الغرب العدو، الذي أقام إسرائيل ودعمها، فأثرها ضئيل في البيئة المسيحية. 

على هذه المسألة ينبغي أن تتركز أسئلة المثقفين المسلمين، وأن لا يقلل من هذا الإلحاح واقع أن المسيحيين أنفسهم تراجعوا كثيراً وبدأوا في العقدين الأخيرين يفقدون الكثير من المواصفات التي أتاحت لهم ممارسة الهيمنة الثقافية، فهذا ليس عزاء لأحد. 

10.01.2023
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية