استيقظ لبنان اليوم على حافّة حرب لم يعلنها… ولا يريدها.
في مؤتمر صحافي عقده اليوم، أعلن رئيس الحكومة نوّاف سلام أن مجلس الوزراء قرّر “حظر أيّ نشاط أمني أو عسكري لحزب الله، وحصر دوره في العمل السياسي”، وأكّد أنه “لا يجوز انطلاق أيّ عمليّات عسكرية من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسّسات الدولة الشرعية”، ووجّه الأجهزة الأمنية إلى “منع مثل هذه الهجمات”، وقال سلام أيضاً، إن حكومته “مستعدّة لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل”، وطلب من الجيش البدء بتنفيذ خطّته شمال نهر الليطاني.
يمثّل كلام سلام أوضح موقف تتبنّاه حكومته حتى الآن، لكن هل هذا الموقف كافٍ لوقف التصعيد العسكري الإسرائيلي؟ الأمر لا يزال غير مؤكّد.
مساء الأحد، أُطلقت صواريخ تجاه إسرائيل من الجانب اللبناني. اللبنانيون في غالبيتهم افترضوا في البداية أن “حزب الله” لا يمكن أن يكون المسؤول. فطوال أشهر منذ وقف إطلاق النار، امتنع الحزب عن الردّ على الانتهاكات الإسرائيلية المتكرّرة في الجنوب.
كان الناس يتوقّعون توضيحاً، وربما نفياً، لكنّ البيان وصل واضحاً ولا لبس فيه.
أكّد “حزب الله” أن الصواريخ أُطلقت “انتقاماً لمقتل آية الله خامنئي”، وهذا ليس تفصيلاً صغيراً، هذا التأكيد، يعني أن الهجوم لم يُقدَّم بوصفه دفاعاً عن لبنان، بل مشاركة في مواجهة إقليمية أوسع.
وجاء الردّ الإسرائيلي سريعاً وقاسياً. تعرّضت الضاحية الجنوبية لبيروت لقصف عنيف، وامتدّت الضربات من بيروت إلى الجنوب إلى البقاع.
وقع الهجوم الأوّل من دون إنذار، مخلّفاً أكثر من 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، ثم صدرت تحذيرات بالإخلاء من الجيش الإسرائيلي. طُلب من سكّان أكثر من 53 قرية في جنوب لبنان والبقاع مغادرة منازلهم والابتعاد مسافة لا تقلّ عن ألف متر، وغادرت عائلات بكاملها منازلها بملابس النوم، ونام آلاف في سيّاراتهم مع أطفالهم.
هذه ليست جيوسياسة مجرّدة، إنها تروما تعود من جديد، وقد لا تكون سوى البداية…
قال مسؤولون إسرائيليون إن اجتياحاً برّياً “ليس مطروحاً بعد”، لكنّهم حذروا من أن لبنان سيتحمّل المسؤولية ما لم تتحرّك الدولة بحزم، وقد بدأت بالفعل دعوات تطالب الحكومة اللبنانية بتصنيف “حزب الله” منظّمة إرهابية أو مواجهة العواقب… وهنا يتعمّق خطر سوء الحسابات.
يخاطر لبنان الآن بالانجرار إلى حرب تسميات في لحظة خاطئة، فالزيارة الأخيرة لقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى واشنطن تحمل دلالة مهمّة، وبحسب معظم الروايات، كانت الاجتماعات جدّية ومثمرة، وركّزت على الاستقرار والتنسيق ومنع التصعيد، لكن ما تصدّر العناوين كان التبادل العلني مع السيناتور ليندسي غراهام، الذي ضغط على هيكل ليُعلن ما إذا كان يعتبر “حزب الله” منظمة إرهابية… غلبت الصورة على الجوهر.
ليس جديداً أن تصنّف الولايات المتّحدة “حزب الله” منظّمة إرهابية، فهذا الموقف ثابت منذ عقود، لكنّ مطالبة لبنان اليوم بجعل المصطلحات محور ردّه، قد تفوّت النقطة الاستراتيجية بالكامل.
السيادة لا تُرسَّخ بالصفات، بل تُرسَّخ بالسلطة، يجب أن تكون أولوية الحكومة اللبنانية واضحة، ولا لبس فيها: حماية لبنان وحماية اللبنانيين جميعاً.
تقنياً وسياسياً، ليس تصنيف “حزب الله” منظّمة إرهابية إجراءً بسيطاً، فالحزب يشغل مقاعد في البرلمان وهو ممثّل في الحكومة، وأيّ تصنيف شامل سيهزّ مؤسّسات الدولة، ويزعزع بنية سياسية هشّة أصلاً… لكن الخطر الأعمق اجتماعي!
يحمل لبنان في ذاكرته القريبة تجربة الحرب الأهلية، وحتى لو تراجعت شعبية “حزب الله” داخل أجزاء من المجتمع الشيعي، فإن دفع ثلث السكّان إلى الشعور بأنهم مستهدفون جماعياً أو مُستبعَدون، سيكون تصرّفاً سياسياً متهوّراً.
يشكّل المجتمع الشيعي نحو ثلث سكّان لبنان، وهو ليس ملحقاً، بل ركيزة اجتماعية وثقافية أساسية في البلاد، واليوم، عائلات كثيرة نازحة تنام في السيّارات تنتمي إلى هذا المجتمع تحديداً، هؤلاء ليسوا وكلاء لأحد، إنهم مواطنون.
لأكثر من عام، انتهكت إسرائيل مراراً وقف إطلاق النار في لبنان، قُتل مدنيون، وخلال معظم هذه الفترة، لم يُصعّد “حزب الله” بشكل متناسب، بل على العكس، امتنع إلى حدّ كبير عن الردّ.
لكنّ الأمس شكّل تحوّلاً، فقد قُدِّمت الصواريخ صراحة بوصفها انتقاماً لزعيم أجنبي، ولهذا تحديداً تتطلّب هذه اللحظة وضوحاً من الدولة اللبنانية.
إقرأوا أيضاً:
لا يحتاج لبنان اليوم إلى إطلاق أيّ توصيف على “حزب الله”، فالوقائع واضحة. عندما تُطلق صواريخ ردّاً على أحداث تقع خارج حدود لبنان، لم تعد المسألة لغوية، بل دستورية.
من يقرّر الحرب والسلام في لبنان؟ ولأيّ غاية؟ وفي خدمة أيّ أجندة؟ الإجابات باتت الآن مؤلمة الوضوح.
مسؤولية الحكومة ليست الانتصار في معارك خطابية في الخارج، بل تأكيد السلطة الحصرية على القرارات، التي تحدّد ما إذا كان مواطنوها سيعيشون بأمان أم في هشاشة دائمة؟
وهذه ليست مهمّة رئيس الحكومة وحده، بل مسؤولية رئيس الجمهورية، وقائد الجيش، ورئيس مجلس النوّاب. يجب أن يأتي الردّ منهم جميعاً، بالفعل… فالسيادة لا يمكن أن تكون انتقائية.
لا يستطيع لبنان أن يتحوّل إلى منصّة لانتقام إقليمي، ولا أن ينجرف إلى مواجهة لأن آخرين اختاروا التصعيد، والأهمّ، لا يمكن للبنان أن يسمح بتشكيل روايته عبر أصوات خارجية.
ففي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، شبّه السيناتور ليندسي غراهام “حزب الله” بشخص صعد إلى سفينة تايتانيك بعد مشاهدة الفيلم. الاستعارة قوية، لكنّها في غير محلّها، هذه ليست لحظة للاتّهامات المسرحية، بل لحظة وضوح استراتيجي.
مطالبة لبنان الآن بتقديم المصطلحات على السلطة، قد تصرف الانتباه عن المهمّة العاجلة: منع جرّ البلاد إلى حريق إقليمي واسع، الأولوية ليست تسمية الجبل الجليدي، بل الابتعاد عنه، وقارب النجاة ليس كلمة، بل سلطة الدولة.
لا يحتاج لبنان إلى مفردات جديدة، بل إلى دولة تتصرّف كدولة، وهذا يعني التأكيد بوضوح ومن دون غموض، أن قرارات الحرب والسلم تعود حصراً إلى مؤسّسات الدولة، ويعني إعادة التأكيد أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وتقديم سلامة المدنيين اللبنانيين على أيّ اصطفاف مع أيّ محور إقليمي.
إنها لحظة نادرة وخطيرة، لكنّها أيضاً فرصة. فرصة للدولة اللبنانية كي ترقى إلى مستوى مسؤولياتها، ولإثبات أن السيادة ليست شعاراً. ففي النهاية، لا تُقاس القيادة بمدى ارتفاع الصوت في تسمية الخصم، بل بما إذا كان الأطفال اللبنانيون سينامون الليلة في منازلهم، أم في سيّارات ذويهم…
هذه هي مسؤولية الدولة.
إقرأوا أيضاً:














