ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لبنان: الخيانة كتعويذة وطنية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التفاوض الواقعي بشأن الحرب في لبنان يجري في إسلام آباد وليس في واشنطن! لما يجري في العاصمة الأميركية قيمة رمزية، فيما تمكّنت طهران كما لم تتمكّن سابقاً، من كسر ظهر لبنان وانتزاع حقّ لها فيه. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

نعم، لم تعد قصّتنا مع “حزب الله”، فالأخير صار اسماً وصورة وBRAND حزب دون وجوه وأسماء وهياكل، وحلّ محلّه “الحرس الثوري” بمختلف مفاصله. لكنّ الأهمّ من كل هذا، هو أن الحزب لم يعد تورية لبنانية لـ”فيلق القدس”، ولم تعد إيران بحاجة إلى أقنعة لبنانية. 

لا نحتاج نحن “السياديين” إلى جهد لنقنع القاعدة الاجتماعية والطائفية لـ”حزب الله”، أن الأخير يخوض حرب إيران في لبنان. سيأتي الردّ على النحو التالي: “نعم إنها حرب الدفاع عن إيران، وهي صواريخ الانتقام للخامنئي”، صار لهذا الردّ شرعية “اجتماعية”. 

ليس مصادفة أن يقول رئيس البرلمان الإيراني محمّد باقر قاليباف إن لبنان يخوض حرب دفاع عن إيران. هو يعرف أن قوله هذا لن يكون خروجاً عن إجماع لبناني، ويعرف أنه صار بالإمكان المجاهرة به، وأن الصواريخ الستّة التي افتتحت بها إيران الجبهة في لبنان، إنما أصابت ما تبقّى من ماء وجه السيادة.

تصريحات نوّاب “حزب الله” التي أعقبت الإعلان عن صواريخ الثأر، والتي حاولت لبننة أهداف الصواريخ، كانت هزيلة وأقرب إلى الهراء. 

الحقيقة أن إيران انتزعت “حقّاً” باستعمال لبنان في حربها مع أميركا، وهو حقّ تعدّى “حزب الله” إلى بيئة أوسع، وإلى جزء من رأي عامّ لبناني، وإلى خطاب إعلامي لا يغيظه استتباع على هذا القدر من الوضوح والمأساوية. خطاب إعلامي يتعدّى قناتي “المنار” و”الميادين” وجريدة “الأخبار”، فالمحتفلون بالصواريخ الإيرانية، والذين ألغوا المسافة النقدية التي كانت بينهم وبين “حزب الله”، ليسوا فقط الدائرة التي يرعاها ويموّلها الحزب، فالدائرة امتدّت لتشمل نخباً كانت انشقّت عن الحزب في أعقاب الثورة السورية، وأخرى كانت التحقت بالخطاب “الإبراهيمي” بعد سقوط نظام الأسد في سوريا. 

وفي هذا السياق يجب أن ننتبه إلى أن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لم يسجّل أيّ تحفّظ حول “حقّ إيران” في خوض الحرب في لبنان، وهذا أبرز مؤشّر إلى أننا صرنا في مكان آخر، وأن “السيادة” لم تعد شرطاً وطنياً.

الأهمّ في ما أنجزته إيران في لبنان هو إزالة الحاجة إلى تورية الولاء لها. فاليوم لم تعد نقيصة أن يجاهر المرء بخوضه الحرب في لبنان ثأراً للخامنئي. من المؤكّد أن المجاهرة هي موضوع انقسام لبناني، لكنّها ليست تابو سياسياً أو أخلاقياً، وعندما يقول قاليباف إن “لبنان هو روح إيران”، يعرف أن قوله هذا سيخلّف أثراً حميداً ونشوة وطرباً في وجدان جزء من اللبنانيين، لا بل أثراً يشبه الأثر الذي تخلّفه أقوال موازية في وجدانيات الجماعات الأخرى، كأن يسمع السنّي عبارة رفيق الحريري الأثيرة: “استودعتكم هذا البلد الحبيب لبنان…”، أو ما تخلّفه قصائد سعيد عقل في الوجدان الماروني.

لقد أدّى اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله، بين ما أدّى إليه، إلى إزالة الوسيط بين البيئة الاجتماعية لـ”حزب الله” وبين إيران، وجاء الشعور باليتم ليكمل المهمّة. الحاجة الملحّة إلى “أب قائد” لم يلبّها الأمين العام الجديد نعيم قاسم. وبعد ذلك جرى اغتيال المرشد علي الخامنئي. الجماعة اللبنانية صارت بوضع “مهدوي”! القتال صار غيبياً، واستيقظ طيف المهدي، وحلّت المشاعر محلّ الوقائع لتفسير ما يجري، إلى أن استقرّ في المخيّلة الجماعية الجندي الإيراني المجهول الوجه والاسم. في أيّام نصرالله، لم يكن لجندي “الحرس الثوري” حضور، الأمر مختلف اليوم.

جولة القتال الأخيرة في لبنان عزّزت لدى الجماعة شعوراً أن إيران هي الحلّ، وحيكت حول قدراتها العسكرية قصص وجدت أثراً لها في جولات القتال الأخيرة. المفاوض الإيراني صار نجم الحكايات. المجاهرة بضرورة الدفاع عن إيران في لبنان لم تعد ضمنية، صارت جزءاً من خطاب سياسي وإعلامي له مكان في السجال اللبناني.

يشيع في لبنان اليوم تخوينان، تتبادلهما الجماعات الأهلية على نحو واضح وصريح، والجميع على حقّ بما يتّهم الآخر به. تخوَّن بيئة “حزب الله” بسبب رهنها لبنان للمفاوض الإيراني، ويخوَّن خصوم البيئة لأنهم جزء من الخيار الأميركي. 

وطالما أن الجميع لم يعد بحاجة إلى التخفّف من تبعات التهمة التي تلصق به، بعد أن جاهر الإيرانيون بضمّهم لبنان، وجاهر أنطون صحناوي بـ”صهيونيته”، فلربما كان الحلّ بجعل الخيانة جزءاً من تراث وطني نتوافق حوله.        

25.04.2026
زمن القراءة: 3 minutes

التفاوض الواقعي بشأن الحرب في لبنان يجري في إسلام آباد وليس في واشنطن! لما يجري في العاصمة الأميركية قيمة رمزية، فيما تمكّنت طهران كما لم تتمكّن سابقاً، من كسر ظهر لبنان وانتزاع حقّ لها فيه. 

نعم، لم تعد قصّتنا مع “حزب الله”، فالأخير صار اسماً وصورة وBRAND حزب دون وجوه وأسماء وهياكل، وحلّ محلّه “الحرس الثوري” بمختلف مفاصله. لكنّ الأهمّ من كل هذا، هو أن الحزب لم يعد تورية لبنانية لـ”فيلق القدس”، ولم تعد إيران بحاجة إلى أقنعة لبنانية. 

لا نحتاج نحن “السياديين” إلى جهد لنقنع القاعدة الاجتماعية والطائفية لـ”حزب الله”، أن الأخير يخوض حرب إيران في لبنان. سيأتي الردّ على النحو التالي: “نعم إنها حرب الدفاع عن إيران، وهي صواريخ الانتقام للخامنئي”، صار لهذا الردّ شرعية “اجتماعية”. 

ليس مصادفة أن يقول رئيس البرلمان الإيراني محمّد باقر قاليباف إن لبنان يخوض حرب دفاع عن إيران. هو يعرف أن قوله هذا لن يكون خروجاً عن إجماع لبناني، ويعرف أنه صار بالإمكان المجاهرة به، وأن الصواريخ الستّة التي افتتحت بها إيران الجبهة في لبنان، إنما أصابت ما تبقّى من ماء وجه السيادة.

تصريحات نوّاب “حزب الله” التي أعقبت الإعلان عن صواريخ الثأر، والتي حاولت لبننة أهداف الصواريخ، كانت هزيلة وأقرب إلى الهراء. 

الحقيقة أن إيران انتزعت “حقّاً” باستعمال لبنان في حربها مع أميركا، وهو حقّ تعدّى “حزب الله” إلى بيئة أوسع، وإلى جزء من رأي عامّ لبناني، وإلى خطاب إعلامي لا يغيظه استتباع على هذا القدر من الوضوح والمأساوية. خطاب إعلامي يتعدّى قناتي “المنار” و”الميادين” وجريدة “الأخبار”، فالمحتفلون بالصواريخ الإيرانية، والذين ألغوا المسافة النقدية التي كانت بينهم وبين “حزب الله”، ليسوا فقط الدائرة التي يرعاها ويموّلها الحزب، فالدائرة امتدّت لتشمل نخباً كانت انشقّت عن الحزب في أعقاب الثورة السورية، وأخرى كانت التحقت بالخطاب “الإبراهيمي” بعد سقوط نظام الأسد في سوريا. 

وفي هذا السياق يجب أن ننتبه إلى أن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لم يسجّل أيّ تحفّظ حول “حقّ إيران” في خوض الحرب في لبنان، وهذا أبرز مؤشّر إلى أننا صرنا في مكان آخر، وأن “السيادة” لم تعد شرطاً وطنياً.

الأهمّ في ما أنجزته إيران في لبنان هو إزالة الحاجة إلى تورية الولاء لها. فاليوم لم تعد نقيصة أن يجاهر المرء بخوضه الحرب في لبنان ثأراً للخامنئي. من المؤكّد أن المجاهرة هي موضوع انقسام لبناني، لكنّها ليست تابو سياسياً أو أخلاقياً، وعندما يقول قاليباف إن “لبنان هو روح إيران”، يعرف أن قوله هذا سيخلّف أثراً حميداً ونشوة وطرباً في وجدان جزء من اللبنانيين، لا بل أثراً يشبه الأثر الذي تخلّفه أقوال موازية في وجدانيات الجماعات الأخرى، كأن يسمع السنّي عبارة رفيق الحريري الأثيرة: “استودعتكم هذا البلد الحبيب لبنان…”، أو ما تخلّفه قصائد سعيد عقل في الوجدان الماروني.

لقد أدّى اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله، بين ما أدّى إليه، إلى إزالة الوسيط بين البيئة الاجتماعية لـ”حزب الله” وبين إيران، وجاء الشعور باليتم ليكمل المهمّة. الحاجة الملحّة إلى “أب قائد” لم يلبّها الأمين العام الجديد نعيم قاسم. وبعد ذلك جرى اغتيال المرشد علي الخامنئي. الجماعة اللبنانية صارت بوضع “مهدوي”! القتال صار غيبياً، واستيقظ طيف المهدي، وحلّت المشاعر محلّ الوقائع لتفسير ما يجري، إلى أن استقرّ في المخيّلة الجماعية الجندي الإيراني المجهول الوجه والاسم. في أيّام نصرالله، لم يكن لجندي “الحرس الثوري” حضور، الأمر مختلف اليوم.

جولة القتال الأخيرة في لبنان عزّزت لدى الجماعة شعوراً أن إيران هي الحلّ، وحيكت حول قدراتها العسكرية قصص وجدت أثراً لها في جولات القتال الأخيرة. المفاوض الإيراني صار نجم الحكايات. المجاهرة بضرورة الدفاع عن إيران في لبنان لم تعد ضمنية، صارت جزءاً من خطاب سياسي وإعلامي له مكان في السجال اللبناني.

يشيع في لبنان اليوم تخوينان، تتبادلهما الجماعات الأهلية على نحو واضح وصريح، والجميع على حقّ بما يتّهم الآخر به. تخوَّن بيئة “حزب الله” بسبب رهنها لبنان للمفاوض الإيراني، ويخوَّن خصوم البيئة لأنهم جزء من الخيار الأميركي. 

وطالما أن الجميع لم يعد بحاجة إلى التخفّف من تبعات التهمة التي تلصق به، بعد أن جاهر الإيرانيون بضمّهم لبنان، وجاهر أنطون صحناوي بـ”صهيونيته”، فلربما كان الحلّ بجعل الخيانة جزءاً من تراث وطني نتوافق حوله.