ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لبنان “الدولة” و”الساحة”: بين ضرورة التسوية واستحالتها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إذا كان لنا أن نستخلص درساً واحداً من تاريخ المفاوضات مع إسرائيل، فهو أن أيّ عمليّة تفاوض، سواء أكان سقفها اتّفاق هدنة حقيقياً أو عمليّة سلام شامل، لا يمكن أن تنطلق بشكل جدّي قبل الانسحاب الكامل للقوّات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية المحتلّة، وإلا فنحن أمام جولان سوري جديد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هل يمكن فهم الانقسام العمودي في لبنان اليوم انطلاقاً من النزعة الثنائية التناحرية، تلك النزعة التي تضع دائماً طرفين متناقضين في سياق إقصائي شمولي، لا يمكن التوفيق بينهما بأيّ شكل من الأشكال؟ وعلى الرغم من أن ما يجعل لبنان كما نعرفه اليوم، ذلك الذي لطالما أردنا تغييره، لكننا حتماً لا نريد زواله، هو عملية التوفيق هذه بالذات، حتى وإن بدت مستحيلة؟  

ولبنان لا تعريف له في فكر بعض تيّارات المارونية السياسية سوى تابع للغرب، أو في فكر الشيعية السياسية الممثّلة بـ”حزب الله” سوى تابع لإيران، أو في بعض فكر السنية السياسية السائد سوى تابع لدول الخليج العربي. وفي كل فكر طائفي يُفترَض أن يكون لبنان “مُلحقاً”، ولكل علاقة تبعية تبريراتها “الوجودية” وسياقاتها التاريخية، وما فترات الاستقرار في تاريخ هذا البلد سوى نتاج تسويات هيمنية تفرضها القوى التي إليها تحتكم هذه الطوائف وبها “تحتمي”، من بعضها بعضاً!

حتى مسارَي “السيادة” و”الممانعة”، ولكل منهما مسلَّماته النظرية التي “لا تقبل الجدل” والمستندة إلى حقائق تبدو مطلقة من منظور العقل البديهي، يمرّان في الواقع المادّي الملموس في قنوات التبعية نفسها. فلا “سيادة” اليوم في الخطاب الرسمي من دون تغليب الخضوع التدريجي لكل ما تبتغيه واشنطن، وبالتالي القبول شيئاً فشيئاً بما تشترطه تل أبيب حتى لو بلغ ما لا يمكن لعقل أو كرامة إنسانية القبول به، أو مهَّد لنشوب حرب أهلية عبر فرض اشتباك مسلَّح بين الجيش اللبناني و”حزب الله”. ولا “ممانعة” (وبالتالي مقاومة) من دون تحويل لبنان إلى ساحة رسائل نارية لطهران تقدّم الخدمات على حساب جنوب لبنان، وكل لبنان، في الحرب كما في التفاوض.

ولكل علاقة تبعية تبريراتها المنطقية في لحظة محدَّدة من التاريخ. ففي الحالة الأولى، يبدو ثمن عدم الخضوع للشروط الأميركية هو إطلاق يد إسرائيل لتُحدِث أكبر قدر ممكن من الدمار والقتل، مستهدفة الأماكن المكتظّة بالسكّان والنازحين، والبنى التحتية والمرافق الحيوية اللازمة لاستمرار الحياة اليومية. وفي هذا المسار رهان إسرائيلي أيضاً على تفجير العنف الطائفي، وبالتالي تفكيك آخر معالم الدولة في لبنان. وفي الحالة الثانية، يبدو ثمن نزع سلاح “حزب الله”، أو الفصل عسكرياً ولوجيستياً بينه وبين المركز الإيراني في هذه اللحظة المحدَّدة دون الاحتكام إلى مسار سياسي جامع، هو فتح الباب أمام غزو إسرائيلي أوسع يقضم أضعاف ما قضمه من الأراضي اللبنانية حتى الآن، كما يحفّز في الوقت ذاته الجماعات الطائفية على العسكرة والملشنة، والخروج أكثر من عباءة الدولة أو ما تبقّى من مشروع استعادتها.

وفي جميع الحالات، نحن في الحقيقة أمام نموذج “دبلوماسية موازية”، تُلغي بالضرورة وجود سياسة خارجية رسمية موحَّدة. فلا “لبنان الرسمي”، بدءاً من وزارة خارجيته التي يديرها حزب “القوّات اللبنانية”، حيث تفرّد الوزير يوسف رجّي مراراً بقراراته وتصريحاته التي تمثّل توجّهات حزبه أكثر ممّا تمثّل السياسة الخارجية للبنان، يسلك فعلاً طريق تحقيق “السيادة”، التي تنطلق من المصلحة اللبنانية المشتركة، وأذكّر بأكثر تصريحاته استفزازاً على الإطلاق حينما قال إن “لإسرائيل الحقّ في استكمال اعتداءاتها طالما لم يسلّم حزب الله سلاحه”. 

ولا “حزب الله”، بمقاومته المشروطة بتحقيق مصلحة المحور الإيراني أوّلاً، وتفرّده بقرار الحرب والسلم والمبادرة إليه أكثر من مرّة منذ العام 2006، ثم التذرّع بالنوايا الإسرائيلية لاحقاً، وتعطيله الحياة الدستورية لسنوات طويلة ممّا أصاب الدولة في عجز متراكم وضعف بنيوي، وتأليبه المجتمع الشيعي ضدّ كل ما يمتّ لمفهوم الدولة بصلة، يسلك فعلاً طريق الخلاص من الاحتلال.

وتأكيداً على الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تفجير التناقضات الداخلية في المجتمع اللبناني، سواء على مستوى الطوائف، أو على مستوى المواجهة العسكرية بين الجيش اللبناني و”حزب الله”، وفي الحالتين بهدف تعميق مأزق الدولة اللبنانية التي أُجبِرت على التفاوض المباشر تحت ضغط النار: في النصف الساعة الأوّل من تمديد الهدنة المزعومة، ليل الأحد- الاثنين، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على بلدات خربة سلم وشقرا وكفردونين في قضاء بنت جبيل، ومحيط بلدة راشيا الفخار في قضاء حاصبيا، وبلدة طاريا وحيّ البساتين في قضاء بعلبك، كما نفّذ عمليّة اغتيال في محلّة دورس في بعلبك استهدفت قيادياً فلسطينياً، إلى جانب قصف مدفعي استهدف بلدات جبشيت والنبطية الفوقا وكفررمان في قضاء النبطية، وفي نهاية اليوم، تعرّض أكثر من ثلاثين بلدة لغارات بالطيران الحربي أو المسيّرات، وأكثر من إحدى وعشرين بلدة للقصف المدفعي.

وبالتزامن مع تصاعد العدوان في اليوم الأوّل لـ “الهدنة” الممدّدة، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن الشروط الإسرائيلية لتلبية مطلب الوفد اللبناني بانسحاب القوّات الإسرائيلية من جنوب لبنان، خمسة بنود وضعها الوفد الإسرائيلي في واشنطن تنسف مبدأ التفاوض أصلاً، وهي:

أولاً: الرفض القاطع للاكتفاء بوعود الجيش اللبناني أو قوّات “اليونيفيل”، مع إصرار على ترسيخ “حقّ إسرائيل” في التدخّل العسكري المباشر ضدّ أيّ “تهديد ناشئ”، أي عملياً ضرب مسعى تحقيق السيادة اللبنانية في العمق.

ثانياً: إنشاء “منطقة عازلة” حتى نهر الليطاني وحظر عودة سكّان القرى الحدودية، أي تثبيت التهجير القسري المزمن كواقع يمكن أن يُمهِّد لقضم استيطاني تدريجي في أسوأ الأحوال، أو إنشاء “منطقة ترامب الاقتصادية” التي تنتقص من سيادة الدولة اللبنانية على أرضها في أفضلها. 

ثالثاً: آليّة مراقبة دولية بقيادة أميركية فرنسية، وهذا المطلب الإسرائيلي ليس خطيراً بنفس القدر الذي ينطوي عليه المطلبين الأوّل والثاني، رغم أنه يفتح الباب أمام إشكالية سيادية جديدة.

رابعاً: رقابة مشدّدة على منافذ الأسلحة إلى لبنان، ومن غير المفهوم ما إذا كان ذلك يعني منع تسليح “حزب الله” أو منع تسليح لبنان نفسه ليملك قدرات دفاعية.

وخامساً وأخيراً: بقاء الاحتلال النقطي للنقاط العسكرية الخمس في الجنوب لضمان “الإنذار المبكر”، وهو أحد الملفّات الأساسية التي تذرَّع بها “حزب الله” للتهرّب من مسؤوليته في التطبيق الكامل لاتّفاق وقف إطلاق النار السابق، والالتزام بقرارات الحكومة اللبنانية وخطط قيادة الجيش اللبناني، وذلك بتوجيه إيراني رسمي علني. وعدم التزام إسرائيل بتطبيق الاتّفاق من جهتها، لا يبرّئ الحزب من مسؤوليته.

إلا أن المهمّ، والأكثر إلحاحاً في هذه اللحظة بالذات، هو وجود قرار حكومي بإرسال آلاف العناصر من الجيش اللبناني إلى مدينتي النبطية وصور فوراً، قبل سقوطهما، وتعرّضهما للتدمير الشامل على غرار ما حدث ويحدث في نطاق ما يسمّى منطقة “الخط الأصفر”، وذلك مع عدم سحب هذه العناصر تحت وطأة أيّ تهديد إسرائيلي، بالتزامن مع إطلاق حراك دبلوماسي عالمي لحماية هذه القوّات من تلك التهديدات. فهذا أوّلاً هو الحدّ الأدنى المطلوب ليُثبِت الجيش، أمام اللبنانيين وليس إسرائيل، أنه لا يزال ركيزة مشروع قيام دولة حقيقية.

ولا أعتقد أن أيّ قدر من الفجور الترامبي يجب أن يمنع الدولة اللبنانية، أيّاً كان من على رأسها، شجاعاً أم جباناً، قادراً أم عاجزاً عن ممارسة سيادتها، بشكل ملموس، على الأراضي التي لم تسقط بيد الاحتلال الإسرائيلي بعد.

فحكومة نواف سلام لم تثبت حتى الآن قدرتها على تحقيق أيّ تقدّم يُذكَر. لا سابقاً، من حيث وضع حدّ عملي لتجاوزات “حزب الله” للقرار الوطني وربطه مصير لبنان بالقوّة بمصير إيران، رغم كل التحذيرات. ولا حالياً، من حيث مواجهة الإجرام الإسرائيلي، إن كان بالكلمة والموقف، أو في رفض الاستمرار في عمليّة التفاوض فيما تستمرّ إنذارات الإخلاء الجماعي بالتمدّد إلى بلدات جديدة كل يوم، ولا حتى في اتّخاذ قرار بتكليف وزارة الخارجية تقديم طلب إعلان بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بعد أن تراجعت عنه حكومة نجيب ميقاتي في عام 2024.

أما المجلس النيابي، برئاسة نبيه برّي، فإن عدم انعقاد جلساته بشكل مستمرّ في ظلّ الظروف الحياتية والإنسانية التي تزداد مأساوية (عقد جلسته الأخيرة الاستثنائية بتاريخ 9 آذار/ مارس 2026، التي خُصِّصت حصراً لتمديد ولاية المجلس لمدّة سنتين إضافيتين، في حين يقتصر عمله على اجتماعات اللجان النيابية) بدلاً من أن يتحوّل إلى خليّة طوارئ لإقرار تشريعات إغاثية ملحَّة، ومنع تفاقم التدهور الاقتصادي والمعيشي، والاهتمام بالشؤون الإدارية والمحلّية الضرورية حفاظاً على التماسك المؤسّساتي، لا يؤكّد إلا أمراً واحداً: لقد بلغ تآكل الشرعية اللبنانية حدّاً خطيراً، لا يقلّ خطورة عن الانقسامات السياسية- الطائفية التناحرية على قاعدة تغيب عنها المصلحة الوطنية بشكل كامل.

وفي المحصّلة، إذا كان لنا أن نستخلص درساً واحداً من تاريخ المفاوضات مع إسرائيل، فهو أن أيّ عمليّة تفاوض، سواء أكان سقفها اتّفاق هدنة حقيقياً أو عمليّة سلام شامل، لا يمكن أن تنطلق بشكل جدّي قبل الانسحاب الكامل للقوّات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية المحتلّة، وإلا فنحن أمام جولان سوري جديد.

لكن لن تكون هناك نهاية للدوامة المفرغة حتى لو انسحبت القوّات الإسرائيلية، وانطلقت عمليّة سلام حقيقية برضا “حزب الله” نفسه، إذا حدث ذلك دون تسوية متزامنة لملفّ اللجوء الفلسطيني في لبنان، انطلاقاً من حقّ اللاجئين الفلسطينيين في الحصول على حقوقهم الإنسانية والمدنية، ومعالجة هذه القضايا تُلقى على عاتق المجلس النيابي الذي لم يعد يجتمع سوى للتمديد لنفسه.

أما فيما يخصّ معضلة سلاح “حزب الله”، فالجواب الذي لا يجرّ لبنان إلى الحرب الأهلية لم يعد اليوم في واشنطن، التي تفرض على لبنان خيارات جميعها تُغلِّب المصلحة الإسرائيلية، ولا في إسلام آباد، التي قد تفضي المحادثات فيها (أو عبرها) إلى وقف إطلاق نار في لبنان (أو إلى عكس ذلك تماماً، أن تؤدّي إلى إحراق كل لبنان)، لأن وقف النار على أساس المطالب الإيرانية لا يتضمّن انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني. 

جواب هذه المعضلة يكمن اليوم في الرياض، التي أصبحت تُشكِّل باعتقادي، مرحلياً، نقطة الوصل الوحيدة الحقيقية والقادرة على إحداث اختراق دبلوماسي إيجابي والدفع نحو تسوية إقليمية شاملة، بما في ذلك الضغط في اتّجاه انسحاب القوّات الإسرائيلية من جنوب لبنان، لا مجرّد الاكتفاء بوقف إطلاق النار.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
20.05.2026
زمن القراءة: 7 minutes

إذا كان لنا أن نستخلص درساً واحداً من تاريخ المفاوضات مع إسرائيل، فهو أن أيّ عمليّة تفاوض، سواء أكان سقفها اتّفاق هدنة حقيقياً أو عمليّة سلام شامل، لا يمكن أن تنطلق بشكل جدّي قبل الانسحاب الكامل للقوّات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية المحتلّة، وإلا فنحن أمام جولان سوري جديد.

هل يمكن فهم الانقسام العمودي في لبنان اليوم انطلاقاً من النزعة الثنائية التناحرية، تلك النزعة التي تضع دائماً طرفين متناقضين في سياق إقصائي شمولي، لا يمكن التوفيق بينهما بأيّ شكل من الأشكال؟ وعلى الرغم من أن ما يجعل لبنان كما نعرفه اليوم، ذلك الذي لطالما أردنا تغييره، لكننا حتماً لا نريد زواله، هو عملية التوفيق هذه بالذات، حتى وإن بدت مستحيلة؟  

ولبنان لا تعريف له في فكر بعض تيّارات المارونية السياسية سوى تابع للغرب، أو في فكر الشيعية السياسية الممثّلة بـ”حزب الله” سوى تابع لإيران، أو في بعض فكر السنية السياسية السائد سوى تابع لدول الخليج العربي. وفي كل فكر طائفي يُفترَض أن يكون لبنان “مُلحقاً”، ولكل علاقة تبعية تبريراتها “الوجودية” وسياقاتها التاريخية، وما فترات الاستقرار في تاريخ هذا البلد سوى نتاج تسويات هيمنية تفرضها القوى التي إليها تحتكم هذه الطوائف وبها “تحتمي”، من بعضها بعضاً!

حتى مسارَي “السيادة” و”الممانعة”، ولكل منهما مسلَّماته النظرية التي “لا تقبل الجدل” والمستندة إلى حقائق تبدو مطلقة من منظور العقل البديهي، يمرّان في الواقع المادّي الملموس في قنوات التبعية نفسها. فلا “سيادة” اليوم في الخطاب الرسمي من دون تغليب الخضوع التدريجي لكل ما تبتغيه واشنطن، وبالتالي القبول شيئاً فشيئاً بما تشترطه تل أبيب حتى لو بلغ ما لا يمكن لعقل أو كرامة إنسانية القبول به، أو مهَّد لنشوب حرب أهلية عبر فرض اشتباك مسلَّح بين الجيش اللبناني و”حزب الله”. ولا “ممانعة” (وبالتالي مقاومة) من دون تحويل لبنان إلى ساحة رسائل نارية لطهران تقدّم الخدمات على حساب جنوب لبنان، وكل لبنان، في الحرب كما في التفاوض.

ولكل علاقة تبعية تبريراتها المنطقية في لحظة محدَّدة من التاريخ. ففي الحالة الأولى، يبدو ثمن عدم الخضوع للشروط الأميركية هو إطلاق يد إسرائيل لتُحدِث أكبر قدر ممكن من الدمار والقتل، مستهدفة الأماكن المكتظّة بالسكّان والنازحين، والبنى التحتية والمرافق الحيوية اللازمة لاستمرار الحياة اليومية. وفي هذا المسار رهان إسرائيلي أيضاً على تفجير العنف الطائفي، وبالتالي تفكيك آخر معالم الدولة في لبنان. وفي الحالة الثانية، يبدو ثمن نزع سلاح “حزب الله”، أو الفصل عسكرياً ولوجيستياً بينه وبين المركز الإيراني في هذه اللحظة المحدَّدة دون الاحتكام إلى مسار سياسي جامع، هو فتح الباب أمام غزو إسرائيلي أوسع يقضم أضعاف ما قضمه من الأراضي اللبنانية حتى الآن، كما يحفّز في الوقت ذاته الجماعات الطائفية على العسكرة والملشنة، والخروج أكثر من عباءة الدولة أو ما تبقّى من مشروع استعادتها.

وفي جميع الحالات، نحن في الحقيقة أمام نموذج “دبلوماسية موازية”، تُلغي بالضرورة وجود سياسة خارجية رسمية موحَّدة. فلا “لبنان الرسمي”، بدءاً من وزارة خارجيته التي يديرها حزب “القوّات اللبنانية”، حيث تفرّد الوزير يوسف رجّي مراراً بقراراته وتصريحاته التي تمثّل توجّهات حزبه أكثر ممّا تمثّل السياسة الخارجية للبنان، يسلك فعلاً طريق تحقيق “السيادة”، التي تنطلق من المصلحة اللبنانية المشتركة، وأذكّر بأكثر تصريحاته استفزازاً على الإطلاق حينما قال إن “لإسرائيل الحقّ في استكمال اعتداءاتها طالما لم يسلّم حزب الله سلاحه”. 

ولا “حزب الله”، بمقاومته المشروطة بتحقيق مصلحة المحور الإيراني أوّلاً، وتفرّده بقرار الحرب والسلم والمبادرة إليه أكثر من مرّة منذ العام 2006، ثم التذرّع بالنوايا الإسرائيلية لاحقاً، وتعطيله الحياة الدستورية لسنوات طويلة ممّا أصاب الدولة في عجز متراكم وضعف بنيوي، وتأليبه المجتمع الشيعي ضدّ كل ما يمتّ لمفهوم الدولة بصلة، يسلك فعلاً طريق الخلاص من الاحتلال.

وتأكيداً على الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تفجير التناقضات الداخلية في المجتمع اللبناني، سواء على مستوى الطوائف، أو على مستوى المواجهة العسكرية بين الجيش اللبناني و”حزب الله”، وفي الحالتين بهدف تعميق مأزق الدولة اللبنانية التي أُجبِرت على التفاوض المباشر تحت ضغط النار: في النصف الساعة الأوّل من تمديد الهدنة المزعومة، ليل الأحد- الاثنين، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على بلدات خربة سلم وشقرا وكفردونين في قضاء بنت جبيل، ومحيط بلدة راشيا الفخار في قضاء حاصبيا، وبلدة طاريا وحيّ البساتين في قضاء بعلبك، كما نفّذ عمليّة اغتيال في محلّة دورس في بعلبك استهدفت قيادياً فلسطينياً، إلى جانب قصف مدفعي استهدف بلدات جبشيت والنبطية الفوقا وكفررمان في قضاء النبطية، وفي نهاية اليوم، تعرّض أكثر من ثلاثين بلدة لغارات بالطيران الحربي أو المسيّرات، وأكثر من إحدى وعشرين بلدة للقصف المدفعي.

وبالتزامن مع تصاعد العدوان في اليوم الأوّل لـ “الهدنة” الممدّدة، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن الشروط الإسرائيلية لتلبية مطلب الوفد اللبناني بانسحاب القوّات الإسرائيلية من جنوب لبنان، خمسة بنود وضعها الوفد الإسرائيلي في واشنطن تنسف مبدأ التفاوض أصلاً، وهي:

أولاً: الرفض القاطع للاكتفاء بوعود الجيش اللبناني أو قوّات “اليونيفيل”، مع إصرار على ترسيخ “حقّ إسرائيل” في التدخّل العسكري المباشر ضدّ أيّ “تهديد ناشئ”، أي عملياً ضرب مسعى تحقيق السيادة اللبنانية في العمق.

ثانياً: إنشاء “منطقة عازلة” حتى نهر الليطاني وحظر عودة سكّان القرى الحدودية، أي تثبيت التهجير القسري المزمن كواقع يمكن أن يُمهِّد لقضم استيطاني تدريجي في أسوأ الأحوال، أو إنشاء “منطقة ترامب الاقتصادية” التي تنتقص من سيادة الدولة اللبنانية على أرضها في أفضلها. 

ثالثاً: آليّة مراقبة دولية بقيادة أميركية فرنسية، وهذا المطلب الإسرائيلي ليس خطيراً بنفس القدر الذي ينطوي عليه المطلبين الأوّل والثاني، رغم أنه يفتح الباب أمام إشكالية سيادية جديدة.

رابعاً: رقابة مشدّدة على منافذ الأسلحة إلى لبنان، ومن غير المفهوم ما إذا كان ذلك يعني منع تسليح “حزب الله” أو منع تسليح لبنان نفسه ليملك قدرات دفاعية.

وخامساً وأخيراً: بقاء الاحتلال النقطي للنقاط العسكرية الخمس في الجنوب لضمان “الإنذار المبكر”، وهو أحد الملفّات الأساسية التي تذرَّع بها “حزب الله” للتهرّب من مسؤوليته في التطبيق الكامل لاتّفاق وقف إطلاق النار السابق، والالتزام بقرارات الحكومة اللبنانية وخطط قيادة الجيش اللبناني، وذلك بتوجيه إيراني رسمي علني. وعدم التزام إسرائيل بتطبيق الاتّفاق من جهتها، لا يبرّئ الحزب من مسؤوليته.

إلا أن المهمّ، والأكثر إلحاحاً في هذه اللحظة بالذات، هو وجود قرار حكومي بإرسال آلاف العناصر من الجيش اللبناني إلى مدينتي النبطية وصور فوراً، قبل سقوطهما، وتعرّضهما للتدمير الشامل على غرار ما حدث ويحدث في نطاق ما يسمّى منطقة “الخط الأصفر”، وذلك مع عدم سحب هذه العناصر تحت وطأة أيّ تهديد إسرائيلي، بالتزامن مع إطلاق حراك دبلوماسي عالمي لحماية هذه القوّات من تلك التهديدات. فهذا أوّلاً هو الحدّ الأدنى المطلوب ليُثبِت الجيش، أمام اللبنانيين وليس إسرائيل، أنه لا يزال ركيزة مشروع قيام دولة حقيقية.

ولا أعتقد أن أيّ قدر من الفجور الترامبي يجب أن يمنع الدولة اللبنانية، أيّاً كان من على رأسها، شجاعاً أم جباناً، قادراً أم عاجزاً عن ممارسة سيادتها، بشكل ملموس، على الأراضي التي لم تسقط بيد الاحتلال الإسرائيلي بعد.

فحكومة نواف سلام لم تثبت حتى الآن قدرتها على تحقيق أيّ تقدّم يُذكَر. لا سابقاً، من حيث وضع حدّ عملي لتجاوزات “حزب الله” للقرار الوطني وربطه مصير لبنان بالقوّة بمصير إيران، رغم كل التحذيرات. ولا حالياً، من حيث مواجهة الإجرام الإسرائيلي، إن كان بالكلمة والموقف، أو في رفض الاستمرار في عمليّة التفاوض فيما تستمرّ إنذارات الإخلاء الجماعي بالتمدّد إلى بلدات جديدة كل يوم، ولا حتى في اتّخاذ قرار بتكليف وزارة الخارجية تقديم طلب إعلان بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بعد أن تراجعت عنه حكومة نجيب ميقاتي في عام 2024.

أما المجلس النيابي، برئاسة نبيه برّي، فإن عدم انعقاد جلساته بشكل مستمرّ في ظلّ الظروف الحياتية والإنسانية التي تزداد مأساوية (عقد جلسته الأخيرة الاستثنائية بتاريخ 9 آذار/ مارس 2026، التي خُصِّصت حصراً لتمديد ولاية المجلس لمدّة سنتين إضافيتين، في حين يقتصر عمله على اجتماعات اللجان النيابية) بدلاً من أن يتحوّل إلى خليّة طوارئ لإقرار تشريعات إغاثية ملحَّة، ومنع تفاقم التدهور الاقتصادي والمعيشي، والاهتمام بالشؤون الإدارية والمحلّية الضرورية حفاظاً على التماسك المؤسّساتي، لا يؤكّد إلا أمراً واحداً: لقد بلغ تآكل الشرعية اللبنانية حدّاً خطيراً، لا يقلّ خطورة عن الانقسامات السياسية- الطائفية التناحرية على قاعدة تغيب عنها المصلحة الوطنية بشكل كامل.

وفي المحصّلة، إذا كان لنا أن نستخلص درساً واحداً من تاريخ المفاوضات مع إسرائيل، فهو أن أيّ عمليّة تفاوض، سواء أكان سقفها اتّفاق هدنة حقيقياً أو عمليّة سلام شامل، لا يمكن أن تنطلق بشكل جدّي قبل الانسحاب الكامل للقوّات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية المحتلّة، وإلا فنحن أمام جولان سوري جديد.

لكن لن تكون هناك نهاية للدوامة المفرغة حتى لو انسحبت القوّات الإسرائيلية، وانطلقت عمليّة سلام حقيقية برضا “حزب الله” نفسه، إذا حدث ذلك دون تسوية متزامنة لملفّ اللجوء الفلسطيني في لبنان، انطلاقاً من حقّ اللاجئين الفلسطينيين في الحصول على حقوقهم الإنسانية والمدنية، ومعالجة هذه القضايا تُلقى على عاتق المجلس النيابي الذي لم يعد يجتمع سوى للتمديد لنفسه.

أما فيما يخصّ معضلة سلاح “حزب الله”، فالجواب الذي لا يجرّ لبنان إلى الحرب الأهلية لم يعد اليوم في واشنطن، التي تفرض على لبنان خيارات جميعها تُغلِّب المصلحة الإسرائيلية، ولا في إسلام آباد، التي قد تفضي المحادثات فيها (أو عبرها) إلى وقف إطلاق نار في لبنان (أو إلى عكس ذلك تماماً، أن تؤدّي إلى إحراق كل لبنان)، لأن وقف النار على أساس المطالب الإيرانية لا يتضمّن انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني. 

جواب هذه المعضلة يكمن اليوم في الرياض، التي أصبحت تُشكِّل باعتقادي، مرحلياً، نقطة الوصل الوحيدة الحقيقية والقادرة على إحداث اختراق دبلوماسي إيجابي والدفع نحو تسوية إقليمية شاملة، بما في ذلك الضغط في اتّجاه انسحاب القوّات الإسرائيلية من جنوب لبنان، لا مجرّد الاكتفاء بوقف إطلاق النار.