لم أتوقّع أن أقضي الليلة التي وصلت فيها إلى بيروت في قاعة المحتجزين في مطار بيروت، بعدما تمّ منعي من الدخول إثر تحقيق من قِبل الأمن العامّ حول زيارتي فلسطين في شهر تمّوز/ يوليو 2023: “سبب زيارتي وأهدافي المخفيّة والظاهرة، والمدن التي زرتها ولماذا زرتها ومن أعرف هناك”.
تنقّلت أو نُقلت بين عدّة غرف، وبين كلّ غرفة وغرفة كان الضابط الذي يقودني مثل حيوان غير أليف، يعدني أنه خلال دقائق سيتمّ إطلاق سراحي، وأدخل إلى بيروت سالماً منتصراً على التحقيق، وحين وصلت إلى الغرفة الأخيرة وطرق صاحب السمو؛ ضابط التنقّلات، الباب، أشار إلى الضابط الآخر الذي فتح الباب لنا، قال لي: “هذا الضابط الذي يستطيع مساعدتك”، وبالفعل قام بمساعدتي بأن أوصلني إلى الغرفة الأخيرة.
كانت الصدمة قوّية، لا سيّما أني دخلت لبنان في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 دون أيّة مشاكل.
رائحة الدخان الكثيف وسعال المدخّنين سبقت رؤيتي الغرفة السحرية، سقف مهترئ ومقاعد كتلك التي يجلس عليها المسافرون أثناء انتظار رحلاتهم، والتي سأدرك في الحال أنها أيضاً ستكون الفراش الذي سننام جميعنا، أي المحتجزين، عليه في تلك الليلة.
أما الضابط الجديد الذي أصبح مسؤولاً عني، فأعلمني بوضوح أن كلّ من يصل إلى هذه المنطقة، المساعدة الوحيدة التي يمكن أن يتلقّاها هي مغادرة لبنان بأقرب فرصة، وأن المغادرة فقط سوف تكون إلى المكان الذي أتيت منه، أينما كان، ومع شركة الطيران نفسها التي أتيت على متنها فقط لا غير.
كنت في طريقي إلى دمشق عبر بيروت، وكان عليّ أن أعود إلى باريس، ومن هناك أجد طريقة أخرى للذهاب إلى دمشق، بالرغم من أنني كنت على مسافة قريبة جدّاً منها، بالإضافة إلى أنه كان عليّ أن أشتري بطاقة الترحيل بنفسي.
بقيت في غرفة الترحيل لمدّة أربع وعشرين ساعة مع عشرة أشخاص، منهم سيّدتان، الأولى سورية والثانية من السودان، كان هناك رجل من اليمن والباقي من سوريا، لم يكن أحد غيري من المحتجزين والمحتجزات يعلم سبب الاحتجاز، وكان الجواب دوماً: “لا أعرف، لم يخبروني”، مع الإشارة لي: “أنت قصّتك صعبة للغاية”.
السيّدة السودانية، الزيارة الأولى للبنان، حصلت على فيزا وحجزت غرفة في أوتيل في بيروت لمدّة أسبوع، أوقفها ضابط الهجرة وأخذها إلى غرفة الأمن العامّ الذي سألها ما إذا كانت تعرف أحداً في بيروت، كانت قادمة لموعد طبّي وتحمل الأوراق التي تثبت ذلك، لكن تمّ احتجازها، ومن ثم ترحيلها إلى المطار الذي أتت منه، بعدما اشترت بطاقة السفر. جلست تبكي طوال الوقت، وتتساءل أمامنا لماذا تمّ احتجازها؟ ولماذا لا يحقّ لها أن تعرف السبب؟ بعد عشرين ساعة من الاحتجاز، غادرت باكية وربما غاضبة.
المحتجز اليمني أيضاً أتى من أجل عمليّة طبّية بسيطة، لكن تمّ احتجازه لثلاثة أيّام لأن الرحلات إلى عدن نادرة، وينبغي أن يذهب إلى عدن مع أنه أتى من دولة أخرى، بعد ثلاثة أيّام قضاها على المقاعد المتّسخة، أدرك ضابط الأمن بأن لديه إقامة في دولة خليجية، وأنه حاول مراراً أن يشرح للمسؤولين ذلك، ولكنّهم لم “يضيّعوا الوقت بأن يستمعوا إليه”… “حاولت التكلّم معهم بلهجة شامية بعدما تذكّرت أنهم لا يفهمون لهجتي اليمنية”، كان يخبرنا جملته المفضّلة تلك باستمرار، ويبتسم مثل كلّ اليمنيين اللطيفين. غادرت وتركته ينتظر حظّه في إيجاد طريقة ما لترحيله.
إقرأوا أيضاً:
سيّدة سورية شاركتنا غرفة الاحتجاز، تعيش في دولة أوربية، كان لديها منع دخول إلى لبنان مدّته خمس سنوات امتدّت من 2015 حتى 2020. أتت بعد ستّ سنوات من انتهاء المنع، ولم تكن تعرف سبب احتجازها، حين قالت للضابط إن المنع انتهى في 2020، أجابها: “ثم بدأ الآن”، كانت عائلتها التي لم ترها منذ أحد عشر عاماً، تنتظرها في الخارج، لكن تمّت إعادتها في الصباح إلى الدولة التي أتت منها، بينما ظلّت عائلتها تنتظر ذلك اللقاء الموعود.
أما باقي الأشخاص فكانوا باستثناء محتجز واحد، يعيشون في أوروبا وأتوا لزيارة سوريا للمرّة الأولى منذ أن غادروها، وانتهى بهم الحلم بزيارة غرفة المحتجزين، بعضهم انتظر لأربعة أيّام على تلك المقاعد، حالماً بفانوس سحري يُدخله إلى لبنان ومن ثم العبور إلى سوريا، أحدهم لم يرَ أطفاله وزوجته الذين يعيشون في لبنان منذ ثلاث سنوات، لأنه ما زال ينتظر لمّ الشمل في ألمانيا.
سوري آخر أتى من العراق بعدما انتهت إقامته، لم يُسمح له بالعودة إلى العراق لأنه يحتاج إلى فيزا، ولم يُسمح له بالدخول إلى لبنان والعبور منه إلى سوريا، بعد ثلاثة أيّام قبلت الشركة التي سافر على متنها إعادته إلى العراق، حيث سيتمّ احتجازه هناك، وعلى الأغلب ستتمّ إعادته إلى بيروت، وربما سيقضي الشتاء على تلك المقاعد وهو يراقب قطرات المطر الذي يسقي بيروت، أو طائرة الميدل إيست المعطّلة في زاوية من زوايا المطار القريبة من غرفة الحجز، أو أنه سيعدّ الغيوم التي سيصادفها في كلّ رحلة سيقضيها بين بيروت وبغداد عبر الترحيل والترحيل المعاكس. الحسنة الوحيدة التي قد تنفعه في سعيه، هي امتلاكه خطّ إنترنت استفدنا منه جميعاً أثناء وجوده، حيث لا إنترنت في المكان على الإطلاق، باستثناء لحظات كانت هناك نوبة من حُسن المزاج للضابط المسؤول، الذي وهبنا ستّ دقائق إنترنت من تلفونه الخاصّ لمرّة واحدة، لنطمئن عائلاتنا.
إذاً، كان هناك غياب واضح في حقّ الحصول على المعلومات وأسباب الاحتجاز والترحيل، وكانت هناك صعوبات واضحة في الحصول على الطعام والشراب، الذي كان مرتبطاً بمزاج الضابط الذي سيأخذ شخصاً أو اثنين ليشتريا طعاماً وماء لباقي المحتجزين من كافيه خارج غرفة الحجز. لم يكن هناك وصول للإنترنت قط، وكان الوصول ممكناً فقط عبر الحظّ، بأن يكون لدى أحد المحتجزين خطّ لبناني أو دولي يستطيع مشاركته مع الباقين. لم يجد بعض الضبّاط صعوبة في ممارسة السلطة والصراخ على المحتجزين بسبب أو دون سبب، ولم يجد بعض الضبّاط صعوبة بأن يكونوا في غاية اللطف والتعاطف.
أخبرنا أحد الضبّاط أنه تمّ إلغاء قانون يتعلّق بمرور السوريين إلى سوريا. كان السوريون يتلقّون وثيقة طرد تسمح لهم بالبقاء في لبنان لمدّة أربع وعشرين ساعة يغادرون خلالها إلى سوريا. كان تبرير الإلغاء هو مخافة أن يبقى السوريون في لبنان. طبعاً الغالبية الساحقة من السوريين الذين يعبرون مطار بيروت لزيارة سوريا، هم ممن لديهم إقامات في أوروبا، فلماذا يريد هؤلاء البقاء في لبنان؟ حين سألت الضابط عن ذلك أجاب بعبارة وحيدة: “لا أعرف”.
كانت غرفة الاحتجاز مسرحاً عبثياً لممارسة الاحتجاز التعسّفي، لأشخاص يظنّ بعض المسؤولين أنهم بإمكانهم منعهم من دخول لبنان خارج إطار القوانين الناظمة. كانت أعداد المحتجزين متزايدة باستمرار، وكان التعامل من قِبل الضبّاط مزاجياً أو بحسب خلفية الضابط الطائفية أو السياسية أو الفكرية.
بالنسبة إلى وضعي، كان التعامل حسب الأسماء التي تدلّ على خلفيّات معيّنة. فالضابط الذي شتمني بوضوح حين سألته عن سبب توقيفي، كان اسمه يدلّ على أنه ضابط “غيور” على فلسطين، بينما ضابط آخر قابلني في الليل وقال: “يحزنني أن أراك هنا”.
إقرأوا أيضاً:













