السياسة هي فن الممكن، وفي بلد الفرص الضائعة، حتى المستحيل يصبح خياراً.
الانتخابات البلدية التي أُجريت الشهر الماضي، للمرة الأولى منذ قرابة عقد من الزمن، لم تكن سوى مثال صغير على مدى استعداد الطبقة الحاكمة لإعادة ابتكار نفسها وتأمين طوق نجاة. فالتحالف بين “حزب الله” و”القوات اللبنانية” للحفاظ على السيطرة الكاملة على الفضاءات العامة في العاصمة – وهو تحالف مفاجئ حتى بمعايير السياسة اللبنانية – يبدو باهتاً أمام ما يحصل خلف الكواليس.
في قصر بعبدا، يُبنى بيت من ورق. فقد أعرب الأميركيون عن استيائهم من طريقة تعامل الرئيس جوزاف عون مع تنفيذ القرار 1701 ومسألة نزع سلاح “حزب الله”. وعلى رغم أن الرئيس يولي هذا الملف أهمية كبيرة، إلا أن أولوياته باتت في مكان آخر. فمع اقتراب الانتخابات، أصبح تركيزه منصبّاً على تأمين أكبر كتلة نيابية ممكنة، بأي تحالف كان. فالأمر بالنسبة إليه بات متعلقاً بكيفية تخليد اسمه في ذاكرة التاريخ.
ولا يمكن لوم عون على طريقة تفكيره.
“القوات اللبنانية” خرجت منتصرة من الانتخابات البلدية، وزعيمها سمير جعجع، الذي يُعد أبرز منافسي عون، يحظى بدعم وثقة المملكة العربية السعودية، أقوى لاعب سنّي على الساحة الإقليمية. وعلى الرغم من أن السعوديين يدعمون عون، إلا أنه ليس خيارهم الأول، خصوصاً في ظل التقارب الأخير بين الرياض والحاكم الجديد في دمشق، ما يزيد المشهد تعقيداً. الرئيس يدرك أهمية الدعم السني، إلا أن تركيزه حالياً يصبّ على الحفاظ على موقعه، والذي يبدأ من ضمان وجود قوي داخل البرلمان.
هنا تبرز لعبة “الواقعية السياسية” (Realpolitik)، فتدفعه إلى أحضان “الرجل الحكيم” في السياسة اللبنانية. مؤشرات – بعضها محض تكهّنات وأخرى أوضح – تشير إلى أن الرئيس يتجه نحو تحالف مع “الشيعي المعتدل” وأحد أذكى اللاعبين السياسيين في لبنان، رئيس مجلس النواب نبيه بري. وتدور في بيروت شائعات تفيد بأن إصرار بري على تعيين القاضي زاهر حماده – وهو شخصية تدور حولها شبهات فساد – يتم بضوء أخضر غير معلن من الرئيس.
مصادر قريبة من الرئيس تقلل من أهمية هذا التقارب مع بري. وحتى لو كان دعم ترشيح حماده لا يزال محل نقاش، فإن تعيين علي حمية، الوزير السابق المقرّب من “حزب الله”، كمستشار في بعبدا، لا يترك مجالاً كبيراً للتأويل. فبعضهم يرى في هذا التعيين غصن زيتون ممدوداً للحزب في سبيل التقدّم بمسار نزع السلاح. إلا أن الواقع لا يدعم هذا التحليل، إذ كان بالإمكان الاستعانة بشخصيات أقل إثارة للجدل – وأقل فساداً. هنا المخاطرة تقع على كاهل الرئيس، الذي قد يفقد مصداقيته محلياً ودولياً في حال قدّم تنازلات تمسّ السيادة والإصلاح، بينما يضمن بري بقاءه في موقعه إلى الأبد.
أما جعجع، فليس أفضل حالاً. فهو، كالرئيس، يسعى إلى كتلة نيابية كبيرة تمكّنه من التأثير في هوية الرئيس المقبل، إلا أن حساباته أعقد بكثير. فتطهير حزبه من رموز الفساد – إن كان يرغب في ذلك أصلاً – سيكلفه تمويلاً ومقاعد نيابية لا يستطيع التفريط بها. العالم يتغير، والدعم السعودي يبقى أساسياً، لكن الأنظار تتجه إلى دمشق. وإن صحّت الأنباء عن عودة الإدارة السورية إلى الإمساك بالملف اللبناني، فإن جعجع أكثر من يعرف ما يعنيه ذلك – ولا يرغب في أن يمضي هذه المرحلة في السجن. ومن يلومه؟
حتى وليد جنبلاط، الزعيم السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، لا يعيش ظروفاً أفضل. فشؤون الدروز في سوريا لا يمكنه تجاهلها، إلا أن أي خطوة خاطئة قد تضع حداً لزعامته، ليس فقط في الجبل بل على مستوى لبنان كله.
وسط هذا التعقيد كله، يعمل نواف سلام بجهد، لكنه يلعب على المضمون.
فإذا كانت لعنة الرئيس عون هي الإصغاء إلى نصائح سيئة، فإن لعنة رئيس الحكومة تكمن في عدم الاستماع إلى أحد. ما كان في السابق نقطة قوته كقاضٍ – الاستقلالية – بات اليوم أكبر تحدياته السياسية. استراتيجيته هي الاحتواء: تحقيق الممكن خلال عمر حكومته القصير، والذي يُتوقّع ألا يتجاوز السنة، مع تقليل المخاطر من خلال مصافحة كل “شيطان” متاح.
أما الإصلاحيون – بعضهم في بعبدا، وبعضهم الآخر في الحكومة، وآخرون في البرلمان – فيختلفون من حيث التفاؤل والجدية والقدرة على التضحية، إلا أنهم يمنحون انطباعاً لا يكاد يتجاوز ذلك. ومع مرور الوقت، يدركون جميعاً أن تحت شعار الواقعية السياسية، سيتم إقصاؤهم قريباً، لأنهم يرفضون اللعب وفق قواعد النظام.
وهنا تكمن الخطيئة الكبرى التي يرتكبها كل من جوزاف عون ونواف سلام.
الواقعية السياسية تعني تغليب المصلحة الوطنية على المبادئ المثالية. والمصلحة الوطنية لا تعني مصلحة طائفة أو زعيم أو حزب. ما نشهده – وما سنراه في الأشهر المقبلة قبل الانتخابات – ليس إلا تكراراً للمشهد ذاته. فمحاولة تطبيق الواقعية السياسية على هذا النحو تكشف عن سذاجة سياسية تكاد تلامس الانتحار. الرئيسان عون وسلام يتخليان عن الإصلاح، ويتحالفان مع من يستطيع ضمان بقائهما. وبهذه المقاربة، سيعيد النظام إنتاج نفسه من جديد، ولكن بعد أن يكونا قد فقدا ما تبقّى لهما من أوراق قوة. ولبنان، بلد الفرص الضائعة، سيُضاف إليه لقب جديد: بلد اللا-حكم، لا لأن النظام أقوى من أن يُهزم، بل لأن من كان يمكنه القضاء عليه اختار استخدامه لأجندات أخرى.
وعملياً، نعم، الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بأن “القوات اللبنانية” و”حركة أمل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” هم لاعبون أساسيون في المشهد، وهم الوحيدون الذين يملكون بنى تحتية حقيقية يمكن البناء عليها. لكن هذا لا يعني التخلي عن كل أوراق القوة أمامهم. هناك خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها – بدءاً من الأيادي التي يقرر الرئيسان عون وسلام مصافحتها. يمكن تفهّم تحالف مع نبيه بري، وربما حتى الإشادة به. لكن خوض معركة من أجل زاهر حماده لا يمكن تبريره. وغضّ الطرف عن الرجل الذي يقود حملة شيطنة المجتمع المدني – بل وحتى الحكومة ورئيسها – ليس براغماتية، بل انتحار سياسي.
إقرأوا أيضاً:











