ذات زمن، كان لبنان يُعرَف بأزرق بحره، وأخضر زيتونه، وأحمر قرميده. اليوم، تدرّبت عيوننا على قراءة طيف بصري أكثر قسوة: لمعة برتقالية مرعبة تخطف النظر، يعقبها رماد إسمنتي خانق يبتلع المشهد.
ربما لم تعد الكتابة عن لبنان اليوم محاولة لوصف الحرب الاسرائيلية فحسب، بل محاولة لفهم ما فعلته هذه السنوات بعلاقة الناس مع الحياة. فالأزمات المتلاحقة والحروب لم تسرق الحجر وحده، بل سلبت اللبناني جزءاً من قدرته على التقاط التفاصيل الجميلة، وعلى رؤية الحياة بألوانها. كأن البلاد التي عاشت طويلاً على الحيوية والتنوّع، صارت تدريجياً محصورة في طيف ضيّق من الاعتياد على الخراب.
في ظل الحرب وتكرار الانفجارات والأزمات، لم تعد الحياة تُقاس فقط بما يحدث، بل بسرعة ما يحدث. صار الوقت نفسه متعباً، وصارت سرعة العالم في اللحاق بالأحداث تغلب قدرة الإنسان على الهدوء، وعلى الاستمتاع بما تحمله الحياة من غنى وتدرّج. كأن كل لحظة تدفعنا إلى الأمام من دون فسحة للتأمل، فنجد أنفسنا في حالة استجابة دائمة لواقع مرير، بدل أن نعيش تجربة إنسانية مفتوحة على التدرّج والألوان.
في الفضاء البصري والرقمي، هناك ملايين الألوان بين الأبيض والأسود. وقد استطاع اللبنانيون، لفترات طويلة، أن يعبّروا من خلالها عن هويتهم ومشاعرهم وطريقة عيشهم. كانت الألوان جزءاً من المشهد اللبناني، وتفصيلاً يعكس حياة مليئة بالحركة والتنوّع: من ألوان الطبيعة، إلى المنازل والسيارات بطابعها الجريء والحيوي، إلى واجهات المحال، والزهور المعلّقة على الشرفات والنوافذ.
اليوم، تبدو عبارة “حمرا سطيحاتك حمرا، وخضرا طرقاتك خضرا” كأنها تميل أكثر فأكثر إلى الأسود والرمادي والأبيض. الغارات الإسرائيلية لم تسرق الأبنية فقط، بل سرقت أيضاً قدرة لبنان على العيش بألوانه. ولعل اللبناني، تحت ثقل الخوف والإنهاك، فقد شيئاً من رغبته في اللون، وبات يميل إلى ألوان تشبه واقعه المرهق.
حين نقول قرى لبنان وطبيعته الريفية، نستحضر لوحة غنية بالألوان الحيّة: الصخور الحجرية، البيوت القديمة، القرميد الأحمر الذي يمنح المبنى هويته الخاصة، حقول الزيتون الخضراء، والسماء الزرقاء الصافية. هذه الصورة هي التي صنعت جزءاً من هوية لبنان، وشكّلت جانباً أساسياً من ذاكرته وثقافته.
لكن مع دخوله في دوّامة الصراع، تبدّلت هذه الألوان سريعاً: من أحمر القرميد إلى رمادي الركام، ومن أخضر الحقول إلى أسود التفحّم، ومن أزرق السماء إلى دخان يحجب الصفاء. صارت أعين العالم مركّزة على الانفجار البرتقالي الذي يخطف العدسات، ثم على ما يليه من صور الرماد والخراب.
الألوان ليست مؤثراً بصرياً فحسب، بل مؤثر نفسي أيضاً. من خلالها، شكّلت الكائنات الحية هويتها الخاصة، وصاغ الإنسان خصوصاً ثقافةً وغنىً حسياً ملموساً. وفي الوقت نفسه، كُتبت تحليلات كثيرة عمّا تحمله الألوان من معانٍ ورموز، لعل أبرزها كتاب نظرية الألوان للشاعر والمفكر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته.
يرى غوته أن اللون البرتقالي يمنح انطباعاً بالدفء والبهجة. من سيخبره أن هذا الدفء صار في لبنان أقرب إلى الحريق؟ وأن تلك البهجة باتت أقرب إلى لعنة؟ لقد تحوّل اللون الذي كان يستدعي مشاعر الحيوية، إلى ومضة يخشى كثر أن تخطفهم قبل أن يتمكّنوا من الاحتماء منها.
إقرأوا أيضاً:
أما الأخضر، فيراه غوته لوناً ناتجاً من توازن الأصفر والأزرق، يمنح الإنسان شعوراً بالراحة والانسجام والاكتفاء. من سيخبره عن قلق اللبنانيين أمام كل مساحة خضراء مهددة بالفقدان؟ وعن الألم الذي تثيره رؤية هذا الأخضر وهو يميل إلى سواد خانق وقاتل؟
وبينما تبهت ألوان لبنان، يبدو أن الألوان الوحيدة التي يتفاعل معها اللبناني اليوم هي أزرق شاشة الهاتف، وأحمر إنذارات الإخلاء، وأخضر واتساب للاطمئنان إلى سلامة الأهل. كأن ألوان الحياة اختُزلت في هذه الثلاثية القاسية، لا بوصفها ألواناً للبهجة أو التواصل الطبيعي، بل بوصفها إشارات للنجاة، والقلق، والانتظار.
مؤخراً، انشغل كثيرون حول العالم بمقارنة الحياة بين التسعينات واليوم. تظهر صور تلك المرحلة منازل بألوان مفرحة ربما كانت تعكس أهلها، وأثاثاً يعيد الحياة إلى كل من ينظر إليه. حتى السيارات حملت ألواناً جريئة توحي بالحيوية وتمنحها معنى نفسياً أعمق. أما اليوم، فتبدو مدن كثيرة وكأنها تتجه تدريجياً نحو ألوان أكثر برودة وخفوتاً: أبنية إسمنتية متشابهة، واجهات رمادية، ونوافذ زجاجية زرقاء تعكس الشمس ببرودة. حتى السيارات، صار لونها “الافتراضي” في كثير من الأحيان أسود أو أبيض.
إذا كانت الألوان تعبّر فعلاً عن الهوية والمشاعر، فهل بات العالم حزيناً إلى هذا الحد حتى غلب عليه الأسود؟ وهل صار فارغاً من الأحاسيس حتى طغى عليه الأبيض؟ كأن العولمة، بدل أن تقرّب العالم مع الحفاظ على اختلافه، نجحت في توحيده بصرياً، وسرقت شيئاً من تنوّعه الصارخ والغني.
لبنان ليس بعيداً عن هذه الحالة، لكن الصورة فيه أكثر قسوة. فبدل الأبنية ذات الواجهات الرمادية، ينتشر الركام في كل مكان، حتى يكاد المرء لا يميز من أي منزل أتى. يتحول كل شيء إلى كتلة واحدة متشابهة: قطع باطون مبعثرة، وجدران فقدت ما كانت تحمله يوماً من ألوان، وهوية، وذكريات أصحابها. تبدّلت اللوحة اللبنانية من حيوية مبنية على التنوّع، إلى لوحة مشغولة بآثار ما تتركه الأزمات والحروب من غبار وركام متشابه. لم تعد الألوان تعبّر عن الحياة فقط، بل عمّا تبقّى منها.
لكن الأخطر من تغيّر المشهد هو التعوّد عليه. هنا يحضر مفهوم “نافذة أوفرتون”، الذي يصف كيف يمكن لأفكار أو مشاهد كانت تُعدّ مرفوضة أو متطرفة أو حتى وحشية، أن تنتقل تدريجياً إلى قلب الحديث العام، وأن تصبح مألوفة بفعل التكرار.
هكذا تعتاد العين على البرتقالي والرمادي. تمرّ ألوان الانفجار كخبر يومي عابر، ويصبح الركام جزءاً من المشهد العادي. وعندما يحدث ذلك، نكون قد بدأنا لا نخسر الألوان فحسب، بل نغضّ النظر أيضاً عن حق الإنسان في عيش حياة كريمة؛ حياة مليئة بتدرّجاتها، صارخة بالحيوية والبهجة التي اعتادها، بعيدة عن الأسود والأبيض والرمادي، وغارقة في كل لون ممكن بينهما.
إقرأوا أيضاً:












