قالها رئيس الجمهورية جوزاف عون، وتلقّفها الرئيس نبيه برّي، والأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، والنائب جميل السيّد.
عون صرّح أمام وفد من نقابة المحرّرين، أنّ هناك شخصيّات لبنانية تزور واشنطن وتشي بكلام سيّئ عن شخصيّات لبنانية أخرى، ووصف ذلك بأنّه “بخّ السمّ” في واشنطن من فئة من اللبنانيين. وهذا “بخّ السمّ” بدا عند عون كما لو أنّه “تفّاحة نيوتن”.
قبل لقائه وفد نقابة المحرّرين، يمكن للمرء أن يتخيّل حال رئيس الجمهورية مختلياً بنفسه في إحدى غرف القصر الجمهوري، يقلّب في رأسه أفكاراً كثيرة حول سؤال واحد: ما الفكرة التي ترتقي باللقاء ليصير حدثاً!؟ وقد جرّد “حزب الله” قسمه من حدثيّته.
لدينا رئيس جمهورية أعطى نفسه وكالة حصرية للتفاوض مع “حزب الله” في موضوع سلاحه، بما يتناسب مع خطاب كان أقسم على تنفيذه يوم انتخابه. رئيس يقترب من نهاية أولى سنوات عهده، بوفاض يكاد يخلو إلا من وعد صار أقرب إلى “زلّة لسان” رئاسية، ويكثّف استعصاءه خطابات متواترة للأمين العام لـ”حزب الله”، الذي أحال وعد الرئيس إلى ورقة نعوة على جدران وطن آيل للسقوط، معنونة بعبارة: “لن نسلّم السلاح”.
تزامناً، تسرّب حديث لرئيس الجمهورية عن انتهاء “حزب الله” بشقّه العسكري، وأنّ الأمر يستدعي إخراجاً لائقاً له. تسريب يُفترض عدم نفيه، وإلا أُدرج في سياق “بخّ السمّ”.
أوّل أمس، كان الشيخ نعيم قاسم ينسف كلام عون من موقع النفي، ويجزم بأنّ حزبه والحلفاء والشعب والجيش قادرون على الصمود. إدراج الجيش في كلام الأمين العام يستدعي من جديد تلك “الثلاثية” التي تنفي وعد الرئيس بحصرية السلاح، والتي تتبدّى في مضمونها استدعاءً للحرب من جهة، وتسخيفاً متعمّداً للدور المناط بالجيش من جهة أخرى.
وكان استعصاء الوعد حاضراً في ذهن الرئيس قبل لقاء محرّري الصحف. توسّعه في الحديث عن “بخّ السمّ” جاء كتقدير بأنّ الحديث سيُفتتح على الأرجح بسؤال عن وعدٍ تشي وقائعه المتعثّرة بأنّ الجواب عنه محكوم بأسرار الآلهة أو آياتهم. أخضع الرئيس نفسه لعصف ذهني لعلّه يخرج من متاهة السؤال والجواب، وصرخ في داخله: “وجدتها”. “بخّ السمّ” في واشنطن هو ما يصنع هذه الحالة الطردية بين الوعد والوفاء به.
إقرأوا أيضاً:
سقوط التفّاحة على رأس نيوتن كان فتحاً علمياً اقترن باسمه في الفيزياء، أمّا “بخّ السمّ” فينطوي على جاذبية ظرفية تخفّف عن كاهل الرئيس مشقّة الوعد، بسقطة “الفسَّادين”. هذا ما اعتقده رئيس الجمهورية وهو يقول لنفسه: “وجدتها”.
ولنفترض أن مقاربة عون صحيحة – وهي كذلك على الأرجح – ولنخضع أنفسنا نحن أيضاً لعصف ذهني حول الواشين ووشاياتهم عن رئيس الجمهورية، وعن رئيس البرلمان، وعن قائد الجيش.
هل سيقول هؤلاء “الفسّادون” أكثر ممّا قاله ويعرفه توم باراك، أو أكثر ممّا قالته وتعرفه مورغان أورتاغوس حين يتخفّفان من المجاملات اللفظية ويخلعان الأقنعة الدبلوماسية؟
الأكيد لا. والأرجح أن الوشاية بنسختها اللبنانية تبقى عديمة التأثير في الرؤية الأميركية أمام الوقائع الملموسة عن دولتنا وأحوالها، التي أفضت إليها زيارات المبعوثين المذكورين إلى لبنان، واستدعت بلسانهما وصفين سلبيين، أقلّه عن “الدولة الفاشلة” وعن “الكلام الكثير والفعل القليل”، وتكثّف ذلك راهناً بقرار أميركي ألغى زيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة الأميركية.
قرار استبطن تعليلاً تعسّفياً عن إسرائيل وسماتها العدوانية، وتعليلاً آخر لم يستدعه إلى القرار “بخّ السمّ” بقدر ما يستدعيه كلام الشيخ نعيم قاسم ومسؤولي حزبه عن استعصاء حصر السلاح بيد الدولة.
اللبنانيون واشون؟ نعم. لكن استشراف أفق الوشاية في القاموس اللبناني هو على الأرجح أقرب إلى التفاهة منه إلى التأثير السياسي. الوشاية عندنا تصنع السياسة، لكنّ الأخيرة في بلاد “العم سام” صناعة استراتيجية، وشتّان ما بين الصناعتين…
الوشاية ديدن سياسيّينا، وضالتهم أيضاً منذ اتّفاق الطائف وغرف الوصاية السورية، مروراً بوثائق “ويكيليكس” التي تعمّدت الولايات المتحدة تسويقها كمؤشّر إلى ضحالة السياسة في لبنان، وصولاً إلى راهن أسوأ ما فيه أن نجد سياسياً ممانعاً يذمّ سياسياً آخر لمجرّد أنّه “فسّاد” أو محرّض. سياسي يعرف أنّ من جعل الإدارة الأميركية خصماً وحكماً هو سياسة لبنانية خرقاء تفضي حيناً إلى الحرب، وأحياناً إلى العيش على تخومها، وأنّ وأدها هو فقط بيد “أميركا”.
“التفسيد” إذاً، تهمة حيناً وسعفة أحياناً، “نقاهة” عقلية راجحة، وخواء سياسي جمعي ملازم لها.
راهناً، يريد اللبنانيون أمراً واحداً: تجنّب الحرب وللأبد. وحسناً فعل الرئيس عون بالحديث عن انتفاء مؤهّلات قوّة لا يملكها، وأن يعترف بأنّ “حزب الله” قد خسرها أيضاً. لكنّ تجنّب الحرب يقتضي منه ومن قائد الجيش، وكمصابين بـ”السمّ المبخوخ”، تطبيق السيادة بمعايير الدستور، لا بمعايير “الواشين”، والأهمّ لا بمعايير “حزب الله” التي لا يزال الرئيس وقائد الجيش أقرب إلى سرديّتها السيادية، وكأنّها مسلّمة ترسم الحدّ بين الوطني والعميل، أو بين “الفسّاد” كمذمّة شائعة تعمّد الممانعون تلقّفها وحدها من كلام عون.
تجنّب الحرب مطلب لبناني عامّ، وفي أسوأ الأحوال هو عاميّة منقوصة من “حزب الله” ومن يواليه. وتجنّب الحرب لا يحتمل تبديد المزيد من الوقت في مسايرة شروط نبيه برّي حول مسار التفاوض، أو في تصفّح كتاب مفتوح من نعيم قاسم قد يجد معه اللبنانيون عموماً، والشيعة خصوصاً، أنفسهم في حرب تدنو منهم كلّ يوم، ولن يتّسع وقتها ربما لقراءة الفاتحة على أرواحهم.
يعرف نبيه برّي، وهو يعقّب على “الواشين” بعبارة ساخرة: “مش عم نام الليل”، أنّ الجنوبيين من جمهوره ومحازبيه هم في غالبيتهم ضدّ حرب لا يني خطاب “حزب الله” يستدرجها إلى سباتهم المفقود. ويعرف رئيس الجمهورية، كما قائد الجيش، أنّ أول شروط تجنّبها هو أن نذهب إلى مفاوضات بوقائع تقتضي قبل كلّ شيء اعترافاً بالهزيمة. وهو ما يتطلّب تجرّع السمّ في لبنان، قبل البحث عن “بخّاخته” في واشنطن.















