ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لبنان: بين “وعود” باريس و”لحمة” الأمازون

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بينما يعلن لبنان التزامه باتفاق باريس بهدف حصر ارتفاع حرارة الكوكب بـ1.5 درجة مئوية، ينشأ جزء من بصمته الكربونية الفعلية خارج البلاد عبر المنتجات المستوردة، إذ تغزو السوبرماركات اللبنانية لحوماً برازيلية مبردة أو معلبة. وهذا يفتح سؤالاً أوسع حول مدى قدرة لبنان على تحقيق أهدافه المناخية في ظل اعتماد كبير على منتجات تُعد من أبرز مسببات أزمة المناخ عالمياً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يكاد لا يخلو سوبرماركت أو ملحمة في لبنان من لحم مستورد من البرازيل. أسعاره مقبولة وتجد رواجاً واسعاً عند الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل الذين يجدون صعوبة في شراء اللحمة الطازجة المحلية التي تكون عادة أغلى سعراً. وعلى رغم صغر مساحة لبنان الجغرافية والديمغرافية، احتل المرتبة الخامسة عربياً من بين مستوردي اللحوم البرازيلية خلال عام 2025، إذ تستحوذ هذه اللحوم على القسم الأكبر من الاستهلاك المحلّي.

لكن بعيداً عن الكلفة الاقتصادية المقبولة نسبياً للحم البرازيلي، هناك أثر يتم تجاهله. تحمل قطع اللحم البرازيلي المعروضة في السوبرماركات اللبنانية أثراً بيئياً عابراً للقارات. ففي الجهة الأخرى من العالم، على مقربة من قاعات مؤتمر تغير المناخ “كوب 30″، تلتهم مزارع الأبقار مساحات شاسعة من الغابات المطرية لتلبية طلب عالمي متزايد يشمل لبنان، ما يفاقم انبعاثات الكربون ويقوّض حقوق الشعوب الأصلية. وهكذا تتحول قطعة اللحم المطروحة على المائدة اللبنانية إلى حلقة في أزمة التغير المناخي.

بحسب إدارة الجمارك اللبنانية، بلغت قيمة استيراد الحيوانات والمنتجات الحيوانية في لبنان من البرازيل  186.075 ألف دولار بمعدل 44.67 طناً بين شهري كانون الثاني/ يناير 2025 وآب/ أغسطس 2025. ووفقاً لـ”جمعية مصانع اللحوم البرازيلية (ABRAFRIGO)”، احتلّ لبنان المرتبة الـ 17 بين مستوردي اللحوم البرازيلية عام 2024، بقيمة تجاوزت الـ100 مليون دولار خلال عام واحد.

اللحوم المستوردة: الثغرة المنسيّة في الخطط المناخيّة

قبيل انعقاد مؤتمر تغيّر المناخ “كوب 30” في مدينة بيليم البرازيلية، دار نقاش واسع حول جدوى مشاركة لبنان في ضوء “مساهمته الضئيلة في الانبعاثات العالمية”. لكن الواقع يكشف فجوة واضحة بين الانبعاثات التي يتسبب بها لبنان ضمن حدوده، وتلك التي يساهم فيها عبر أنماط استهلاكه الغذائية. 

بموجب اتفاق باريس لعام 2015، يتعين على الدول إعداد ما يسمى بـ “المساهمات المحددة وطنياً (NDC)” لتوضيح جهودها لخفض الانبعاثات التي تقع داخل حدودها فقط، من دون احتساب الانبعاثات المرتبطة بالمنتجات المستوردة أو بسلاسل الإمداد العالمية. وعلى الرغم من أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية أكد أن المساهمات المحددة وطنياً التزام واجب لا خيار طوعي، إلا أن عدداً محدوداً من الدول هو الذي بادر فعلياً إلى تقديمها.

وقبيل انعقاد المؤتمر، أظهر تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن العالم بعيد عن هدف 1.5 درجة مئوية التي أعلن عنها اتفاق باريس، وأن خفض الانبعاثات لن يتجاوز الـ10 في المئة بحلول 2035 بدلاً من 60 في المئة المطلوبة. 

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2025، التزم لبنان بخفض انبعاثاته الوطنية من الغازات الدفيئة بنسبة 22 في المئة كهدف غير مشروط، وبنسبة 33 في المئة كهدف مشروط، وذلك مقارنةً بسيناريو “استمرار الأعمال كالمعتاد” أو “Business as usual” بحلول عام 2035.

لكن بينما يعلن لبنان التزامه باتفاق باريس بهدف حصر ارتفاع حرارة الكوكب بـ1.5 درجة مئوية، ينشأ جزء من بصمته الكربونية الفعلية خارج البلاد عبر المنتجات المستوردة، إذ تغزو السوبرماركات اللبنانية لحوماً برازيلية مبردة أو معلبة. وهذا يفتح سؤالاً أوسع حول مدى قدرة لبنان على تحقيق أهدافه المناخية في ظل اعتماد كبير على منتجات تُعد من أبرز مسببات أزمة المناخ عالمياً.

في هذا السياق، يقول بنيامين شاختر، منسّق فريق البيئة وتغيّر المناخ في مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان لـ “درج”، إن “العمل المناخي يجب أن يتماشى مع التزامات حقوق الإنسان، بما يشمل الحق في بيئة صحية وحقوق الشعوب الأصلية”. ويضيف شاختر أن “الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يشدد على أن جميع الدول ملزمة باتخاذ تدابير لمنع الإضرار بالبيئة، ويدعوها إلى مواءمة مساهمتها المحددة وطنيًا (NDCs) مع هدف 1.5 درجة الوارد في اتفاق باريس”. 

وعن المفاوضات السارية في بيليم، يقول شاختر إن الدول “تمتلك فرصة مهمّة في كوب 30 لاعتماد نتائج تتسق مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، بما في ذلك في مجال التعاون الدولي في الجهود الرامية إلى مواجهة تغيّر المناخ وآثاره، سواء داخل حدودها أو خارجها”.

ذبح رئة العالم لإنتاج البرغر

تُعرف غابات الأمازون بـ”رئة العالم”، إذ تعتبر بمثابة “منظم مناخي”، فهي تخزن سنوياً ما يقارب الـ150 مليار طن من الكربون. وتمتص غابات الأمازون نحو ملياري طن من ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي سنوياً، أي ما يعادل 5 في المئة من الانبعاثات العالمية، ما يخفض درجات الحرارة ويبقي كوكب الأرض صالحاً للحياة.

وخلال الفترة الممتدة بين 1985 و2022، تم توسيع المساحات الزراعية في البرازيل بنسبة 50 في المئة. ويقدر أن نحو 64 في المئة من هذا التوسع نتجت من إزالة الغابات بهدف تحويلها إلى مراعٍ للماشية. 

تطلق إزالة الغابات المرتبطة بتربية المواشي نحو 340 مليون طن من الكربون سنويًا إلى الغلاف الجوي، أي ما يعادل 3.4 في المئة من الانبعاثات العالمية الحالية، وفقاً لمنظمة الصندوق العالمي للطبيعة. ووفقاً للحكومة البرازيلية، تقف تربية المواشي وحدها وراء ما يصل إلى 80 في المئة من إجمالي إزالة غابات الأمازون. وفي السنوات الأخيرة، فُقد هكتار واحد من غابات الأمازون كل 18 ثانية لصالح مربّي الماشية.

في أيلول/ سبتمبر 2025، سجّلت صادرات البرازيل من لحوم الأبقار ارتفاعاً لافتاً وصل إلى 1.92 مليار دولار أميركي، ما يشكّل زيادة بنسبة 49 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024.

ويظهر تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، أن اللحم القادم من مناطق إزالة الغابات لا يحمل بصمة كربونية فقط، بل بصمة حقوقية أيضاً، إذ يرتبط في كثير من الأحيان بانتهاك حقوق الشعوب الأصلية وانتزاع أراضيها. وهكذا، يدخل المستهلك اللبناني في معادلة إزالة الغابات وتقويض حياة الشعوب الأصلية في كل مرة يختار اللحم البرازيلي الأرخص ثمناً. 

بالنسبة الى المجتمع المدني العربي، يشكل انعقاد القمة هذا العام في الأمازون فرصة مناسبة للتذكير  بالتحولات الخطيرة التي حصلت في الطبيعة وكيف اقتُلع السكان الأصليون وطُمست ثقافتهم واقتُلعت الغابـات لزراعة فول الصويا وحُوِّلت الى أعلاف للأبقار لزيادة إنتاج اللحم وتصديره لصناعة “الهمبرغر، عماد الحياة الاستهلاكية”. 

حقوق الأرض والشعوب الأصلية: حلول مناخيّة

بعد مرور 30 عاماً على اتفاقية ريو دي جانيرو، تعود المفاوضات المناخية إلى قلب الأمازون، وتضم قاعات المؤتمر في بيليم أكبر وفد للشعوب الأصلية في تاريخ القمّة، ويشارك أكثر من 900 من ممثّلي الشعوب الأصلية في النقاشات الرسمية. وتحمل قمة المناخ هذا العام التزامات جديدة بالاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية بوصفها أحد الحلول لأزمة التغير المناخي. 

وأطلقت البرازيل هذا العام مبادرة “المراجعة الأخلاقية العالمية” لإبراز العدالة والمساواة في العمل المناخي. وتركز المبادرة على البعد الأخلاقي والثقافي للأزمة المناخية وتأثيرها على النساء والأطفال والشعوب الأصلية. وحمل المؤتمر، الذي وصفه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بـ “منبر عالمي للسكان الأصليين”، تعهداً بحماية 160 مليون هكتار من أراضي الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية بحلول عام 2030.

وتقود البرازيل مبادرة “مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد” (Tropical Forests Forever Facility)، التي تهدف إلى توفير تمويل طويل الأمد يكافئ الدول على حماية غاباتها، ويخصص جزءاً من العائدات للشعوب الأصلية. وتهدف المبادرة إلى جمع 25 مليار دولار من الدول المانحة و100 مليار دولار من القطاع الخاص.

خلصت قرارات محاكم في مختلف مناطق العالم إلى أنّ ممارسات الإنتاج الغذائي غير المستدامة تشكّل انتهاكاً للحق في بيئة صحية. ومن بين هذه القرارات، حكم محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية مجتمعات الشعوب الأصلية التابعة لجمعية لهاكا هونهات ضد الأرجنتين، الذي أدان تربية المواشي ونصب الأسوار داخل أراضي الشعوب الأصلية باعتبارها ممارسات تقوّض حقوقهم البيئية والإنسانية.

في هذا السياق، يقول بينامين شاختر لـ “درج” إنه و”وفقا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC)، تؤدي المقاربات القائمة على الحقوق إلى عمل مناخي أكثر فعالية واستدامة”. ويضيف: “يؤكّد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول تجاه تغيّر المناخ بشكل لا لبس فيه، أنّ على الدول التزامات متعلقة بحقوق الإنسان في ما يخص تغيّر المناخ، ويشدد على أنّ البيئة النظيفة والصحية والمستدامة تُعدّ شرطًا أساسيًا للتمتع بسائر حقوق الإنسان”.

وهم اللحم الصديق للمناخ

في مؤتمر “كوب 30″، يسعى مربو الماشية وشركات تعبئة اللحوم الكبرى إلى الترويج لفكرة إنتاج “لحم منخفض الكربون”، مستندين إلى تقنيات التقاط الكربون، في محاولة لتسويقها كحلّ مناخي. غير أنّ العلماء يرون في ذلك شكلاً من أشكال “الغسيل الأخضر”.

 ووفقاً للبروفيسور بيت سميث من جامعة أبردين البريطانية، فإن التقاط الكربون “لا يكفي لتعويض الميثان الذي تنتجه الماشية”. أما مركز القانون البيئي الدولي (CIEL) فيؤكد أن “الملوثين يدفعون باتجاه تقنيات احتجاز وتخزين الكربون بوصفها وسيلة لالتقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ونقلها ودفنها تحت الأرض، إلا أنّ هذه التكنولوجيا خطيرة، باهظة التكلفة، وقد أثبتت فشلها في تحقيق النتائج الموعودة”.

ووفقاً للمركز، ارتفع عدد جماعات الضغط التي تمثل مصالح تربية الماشية الصناعية والحبوب التجارية والمبيدات بنسبة 14 في المئة هذا العام، مقارنة بقمة تغير المناخ في نسختها الثلاثين التي عقدت العام الماضي في العاصمة الأذربيجانية باكو. 

تُعدّ الماشية المصدر الزراعي الأول لانبعاثات الغازات الدفيئة حول العالم، إذ تُطلق كلّ بقرة ما يقارب الـ100 كيلوغرام من الميثان في الجو عبر التجشؤ. وقال البروفيسور سميث إن “انبعاثات الميثان من الماشية ما زالت تشكل جزءاً كبيراً من مشكلة تغيّر المناخ”. ووفقاً لدراسة نشرت عام 2018، فإن إنتاج كيلوغرام واحد من اللحم يولد نحو 100 كيلوغرام من الغازات الدفيئة.

بعد ثلاثة عقود على انطلاق مفاوضات المناخ، تحوّل مؤتمر الأطراف  إلى تقليد سنوي غالباً ما ينتهي بتعهدات فضفاضة لا ترقى إلى مستوى التحول المطلوب، فيما تظلّ أنماط الإنتاج والاستهلاك، مثل تربية الماشية الصناعية والتوسع على حساب الغابات، خارج أي مسارات جدية للتغيير.

يتطلّب الوصول إلى مسار يتماشى مع اتفاقية باريس، “خفض إنتاج الأعلاف والأغذية المشتقّة من الحيوانات، وخفضاً هائلًا في استهلاك لحم البقر”، وفقا لعالمة المناخ وأنظمة الغذاء في جامعة أوكسفورد هيلين هاروات.

وشدد المجتمع المدني في المنطقة العربية “على أهمية إعادة الاعتبار للثقافة الأصلية الموجودة في كل حضارات العالم لإنقاذ المناخ والبشرية جمعاء”، وعلى ضرورة  “تبني مقاربة ثقافية بيئية عبر تشجيع الأنماط الاقتصادية والزراعية والنقلية الأقل استنزافاً للبيئة”. ويعني ذلك إعادة التفكير في السياسات الزراعية والغذائية، بما فيها الاعتماد المتزايد على اللحوم المستوردة من مناطق تشهد إزالة واسعة للغابات.

في هذا السياق، تقول لوسيانا تييز تشافيز، باحثة أولى في قسم البيئة وحقوق الإنسان في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن “معالجة إزالة الغابات والانتهاكات الحقوقية المضمّنة في سلاسل توريد الماشية، هي مسؤولية مشتركة بين البائعين والمشترين”.

وفي حالة لبنان، لم تعد السياسات التجارية والغذائية ولا خيارات المستهلك اللبناني شأناً داخلياً، بل جزءاً من معادلة مناخية تتجاوز الحدود، إذ ينعكس ما يوضع على المائدة على الغابات وحقوق الشعوب الأصلية في الجانب الآخر من العالم.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
20.11.2025
زمن القراءة: 7 minutes

بينما يعلن لبنان التزامه باتفاق باريس بهدف حصر ارتفاع حرارة الكوكب بـ1.5 درجة مئوية، ينشأ جزء من بصمته الكربونية الفعلية خارج البلاد عبر المنتجات المستوردة، إذ تغزو السوبرماركات اللبنانية لحوماً برازيلية مبردة أو معلبة. وهذا يفتح سؤالاً أوسع حول مدى قدرة لبنان على تحقيق أهدافه المناخية في ظل اعتماد كبير على منتجات تُعد من أبرز مسببات أزمة المناخ عالمياً.

يكاد لا يخلو سوبرماركت أو ملحمة في لبنان من لحم مستورد من البرازيل. أسعاره مقبولة وتجد رواجاً واسعاً عند الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل الذين يجدون صعوبة في شراء اللحمة الطازجة المحلية التي تكون عادة أغلى سعراً. وعلى رغم صغر مساحة لبنان الجغرافية والديمغرافية، احتل المرتبة الخامسة عربياً من بين مستوردي اللحوم البرازيلية خلال عام 2025، إذ تستحوذ هذه اللحوم على القسم الأكبر من الاستهلاك المحلّي.

لكن بعيداً عن الكلفة الاقتصادية المقبولة نسبياً للحم البرازيلي، هناك أثر يتم تجاهله. تحمل قطع اللحم البرازيلي المعروضة في السوبرماركات اللبنانية أثراً بيئياً عابراً للقارات. ففي الجهة الأخرى من العالم، على مقربة من قاعات مؤتمر تغير المناخ “كوب 30″، تلتهم مزارع الأبقار مساحات شاسعة من الغابات المطرية لتلبية طلب عالمي متزايد يشمل لبنان، ما يفاقم انبعاثات الكربون ويقوّض حقوق الشعوب الأصلية. وهكذا تتحول قطعة اللحم المطروحة على المائدة اللبنانية إلى حلقة في أزمة التغير المناخي.

بحسب إدارة الجمارك اللبنانية، بلغت قيمة استيراد الحيوانات والمنتجات الحيوانية في لبنان من البرازيل  186.075 ألف دولار بمعدل 44.67 طناً بين شهري كانون الثاني/ يناير 2025 وآب/ أغسطس 2025. ووفقاً لـ”جمعية مصانع اللحوم البرازيلية (ABRAFRIGO)”، احتلّ لبنان المرتبة الـ 17 بين مستوردي اللحوم البرازيلية عام 2024، بقيمة تجاوزت الـ100 مليون دولار خلال عام واحد.

اللحوم المستوردة: الثغرة المنسيّة في الخطط المناخيّة

قبيل انعقاد مؤتمر تغيّر المناخ “كوب 30” في مدينة بيليم البرازيلية، دار نقاش واسع حول جدوى مشاركة لبنان في ضوء “مساهمته الضئيلة في الانبعاثات العالمية”. لكن الواقع يكشف فجوة واضحة بين الانبعاثات التي يتسبب بها لبنان ضمن حدوده، وتلك التي يساهم فيها عبر أنماط استهلاكه الغذائية. 

بموجب اتفاق باريس لعام 2015، يتعين على الدول إعداد ما يسمى بـ “المساهمات المحددة وطنياً (NDC)” لتوضيح جهودها لخفض الانبعاثات التي تقع داخل حدودها فقط، من دون احتساب الانبعاثات المرتبطة بالمنتجات المستوردة أو بسلاسل الإمداد العالمية. وعلى الرغم من أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية أكد أن المساهمات المحددة وطنياً التزام واجب لا خيار طوعي، إلا أن عدداً محدوداً من الدول هو الذي بادر فعلياً إلى تقديمها.

وقبيل انعقاد المؤتمر، أظهر تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن العالم بعيد عن هدف 1.5 درجة مئوية التي أعلن عنها اتفاق باريس، وأن خفض الانبعاثات لن يتجاوز الـ10 في المئة بحلول 2035 بدلاً من 60 في المئة المطلوبة. 

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2025، التزم لبنان بخفض انبعاثاته الوطنية من الغازات الدفيئة بنسبة 22 في المئة كهدف غير مشروط، وبنسبة 33 في المئة كهدف مشروط، وذلك مقارنةً بسيناريو “استمرار الأعمال كالمعتاد” أو “Business as usual” بحلول عام 2035.

لكن بينما يعلن لبنان التزامه باتفاق باريس بهدف حصر ارتفاع حرارة الكوكب بـ1.5 درجة مئوية، ينشأ جزء من بصمته الكربونية الفعلية خارج البلاد عبر المنتجات المستوردة، إذ تغزو السوبرماركات اللبنانية لحوماً برازيلية مبردة أو معلبة. وهذا يفتح سؤالاً أوسع حول مدى قدرة لبنان على تحقيق أهدافه المناخية في ظل اعتماد كبير على منتجات تُعد من أبرز مسببات أزمة المناخ عالمياً.

في هذا السياق، يقول بنيامين شاختر، منسّق فريق البيئة وتغيّر المناخ في مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان لـ “درج”، إن “العمل المناخي يجب أن يتماشى مع التزامات حقوق الإنسان، بما يشمل الحق في بيئة صحية وحقوق الشعوب الأصلية”. ويضيف شاختر أن “الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يشدد على أن جميع الدول ملزمة باتخاذ تدابير لمنع الإضرار بالبيئة، ويدعوها إلى مواءمة مساهمتها المحددة وطنيًا (NDCs) مع هدف 1.5 درجة الوارد في اتفاق باريس”. 

وعن المفاوضات السارية في بيليم، يقول شاختر إن الدول “تمتلك فرصة مهمّة في كوب 30 لاعتماد نتائج تتسق مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، بما في ذلك في مجال التعاون الدولي في الجهود الرامية إلى مواجهة تغيّر المناخ وآثاره، سواء داخل حدودها أو خارجها”.

ذبح رئة العالم لإنتاج البرغر

تُعرف غابات الأمازون بـ”رئة العالم”، إذ تعتبر بمثابة “منظم مناخي”، فهي تخزن سنوياً ما يقارب الـ150 مليار طن من الكربون. وتمتص غابات الأمازون نحو ملياري طن من ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي سنوياً، أي ما يعادل 5 في المئة من الانبعاثات العالمية، ما يخفض درجات الحرارة ويبقي كوكب الأرض صالحاً للحياة.

وخلال الفترة الممتدة بين 1985 و2022، تم توسيع المساحات الزراعية في البرازيل بنسبة 50 في المئة. ويقدر أن نحو 64 في المئة من هذا التوسع نتجت من إزالة الغابات بهدف تحويلها إلى مراعٍ للماشية. 

تطلق إزالة الغابات المرتبطة بتربية المواشي نحو 340 مليون طن من الكربون سنويًا إلى الغلاف الجوي، أي ما يعادل 3.4 في المئة من الانبعاثات العالمية الحالية، وفقاً لمنظمة الصندوق العالمي للطبيعة. ووفقاً للحكومة البرازيلية، تقف تربية المواشي وحدها وراء ما يصل إلى 80 في المئة من إجمالي إزالة غابات الأمازون. وفي السنوات الأخيرة، فُقد هكتار واحد من غابات الأمازون كل 18 ثانية لصالح مربّي الماشية.

في أيلول/ سبتمبر 2025، سجّلت صادرات البرازيل من لحوم الأبقار ارتفاعاً لافتاً وصل إلى 1.92 مليار دولار أميركي، ما يشكّل زيادة بنسبة 49 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024.

ويظهر تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، أن اللحم القادم من مناطق إزالة الغابات لا يحمل بصمة كربونية فقط، بل بصمة حقوقية أيضاً، إذ يرتبط في كثير من الأحيان بانتهاك حقوق الشعوب الأصلية وانتزاع أراضيها. وهكذا، يدخل المستهلك اللبناني في معادلة إزالة الغابات وتقويض حياة الشعوب الأصلية في كل مرة يختار اللحم البرازيلي الأرخص ثمناً. 

بالنسبة الى المجتمع المدني العربي، يشكل انعقاد القمة هذا العام في الأمازون فرصة مناسبة للتذكير  بالتحولات الخطيرة التي حصلت في الطبيعة وكيف اقتُلع السكان الأصليون وطُمست ثقافتهم واقتُلعت الغابـات لزراعة فول الصويا وحُوِّلت الى أعلاف للأبقار لزيادة إنتاج اللحم وتصديره لصناعة “الهمبرغر، عماد الحياة الاستهلاكية”. 

حقوق الأرض والشعوب الأصلية: حلول مناخيّة

بعد مرور 30 عاماً على اتفاقية ريو دي جانيرو، تعود المفاوضات المناخية إلى قلب الأمازون، وتضم قاعات المؤتمر في بيليم أكبر وفد للشعوب الأصلية في تاريخ القمّة، ويشارك أكثر من 900 من ممثّلي الشعوب الأصلية في النقاشات الرسمية. وتحمل قمة المناخ هذا العام التزامات جديدة بالاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية بوصفها أحد الحلول لأزمة التغير المناخي. 

وأطلقت البرازيل هذا العام مبادرة “المراجعة الأخلاقية العالمية” لإبراز العدالة والمساواة في العمل المناخي. وتركز المبادرة على البعد الأخلاقي والثقافي للأزمة المناخية وتأثيرها على النساء والأطفال والشعوب الأصلية. وحمل المؤتمر، الذي وصفه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بـ “منبر عالمي للسكان الأصليين”، تعهداً بحماية 160 مليون هكتار من أراضي الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية بحلول عام 2030.

وتقود البرازيل مبادرة “مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد” (Tropical Forests Forever Facility)، التي تهدف إلى توفير تمويل طويل الأمد يكافئ الدول على حماية غاباتها، ويخصص جزءاً من العائدات للشعوب الأصلية. وتهدف المبادرة إلى جمع 25 مليار دولار من الدول المانحة و100 مليار دولار من القطاع الخاص.

خلصت قرارات محاكم في مختلف مناطق العالم إلى أنّ ممارسات الإنتاج الغذائي غير المستدامة تشكّل انتهاكاً للحق في بيئة صحية. ومن بين هذه القرارات، حكم محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية مجتمعات الشعوب الأصلية التابعة لجمعية لهاكا هونهات ضد الأرجنتين، الذي أدان تربية المواشي ونصب الأسوار داخل أراضي الشعوب الأصلية باعتبارها ممارسات تقوّض حقوقهم البيئية والإنسانية.

في هذا السياق، يقول بينامين شاختر لـ “درج” إنه و”وفقا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC)، تؤدي المقاربات القائمة على الحقوق إلى عمل مناخي أكثر فعالية واستدامة”. ويضيف: “يؤكّد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول تجاه تغيّر المناخ بشكل لا لبس فيه، أنّ على الدول التزامات متعلقة بحقوق الإنسان في ما يخص تغيّر المناخ، ويشدد على أنّ البيئة النظيفة والصحية والمستدامة تُعدّ شرطًا أساسيًا للتمتع بسائر حقوق الإنسان”.

وهم اللحم الصديق للمناخ

في مؤتمر “كوب 30″، يسعى مربو الماشية وشركات تعبئة اللحوم الكبرى إلى الترويج لفكرة إنتاج “لحم منخفض الكربون”، مستندين إلى تقنيات التقاط الكربون، في محاولة لتسويقها كحلّ مناخي. غير أنّ العلماء يرون في ذلك شكلاً من أشكال “الغسيل الأخضر”.

 ووفقاً للبروفيسور بيت سميث من جامعة أبردين البريطانية، فإن التقاط الكربون “لا يكفي لتعويض الميثان الذي تنتجه الماشية”. أما مركز القانون البيئي الدولي (CIEL) فيؤكد أن “الملوثين يدفعون باتجاه تقنيات احتجاز وتخزين الكربون بوصفها وسيلة لالتقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ونقلها ودفنها تحت الأرض، إلا أنّ هذه التكنولوجيا خطيرة، باهظة التكلفة، وقد أثبتت فشلها في تحقيق النتائج الموعودة”.

ووفقاً للمركز، ارتفع عدد جماعات الضغط التي تمثل مصالح تربية الماشية الصناعية والحبوب التجارية والمبيدات بنسبة 14 في المئة هذا العام، مقارنة بقمة تغير المناخ في نسختها الثلاثين التي عقدت العام الماضي في العاصمة الأذربيجانية باكو. 

تُعدّ الماشية المصدر الزراعي الأول لانبعاثات الغازات الدفيئة حول العالم، إذ تُطلق كلّ بقرة ما يقارب الـ100 كيلوغرام من الميثان في الجو عبر التجشؤ. وقال البروفيسور سميث إن “انبعاثات الميثان من الماشية ما زالت تشكل جزءاً كبيراً من مشكلة تغيّر المناخ”. ووفقاً لدراسة نشرت عام 2018، فإن إنتاج كيلوغرام واحد من اللحم يولد نحو 100 كيلوغرام من الغازات الدفيئة.

بعد ثلاثة عقود على انطلاق مفاوضات المناخ، تحوّل مؤتمر الأطراف  إلى تقليد سنوي غالباً ما ينتهي بتعهدات فضفاضة لا ترقى إلى مستوى التحول المطلوب، فيما تظلّ أنماط الإنتاج والاستهلاك، مثل تربية الماشية الصناعية والتوسع على حساب الغابات، خارج أي مسارات جدية للتغيير.

يتطلّب الوصول إلى مسار يتماشى مع اتفاقية باريس، “خفض إنتاج الأعلاف والأغذية المشتقّة من الحيوانات، وخفضاً هائلًا في استهلاك لحم البقر”، وفقا لعالمة المناخ وأنظمة الغذاء في جامعة أوكسفورد هيلين هاروات.

وشدد المجتمع المدني في المنطقة العربية “على أهمية إعادة الاعتبار للثقافة الأصلية الموجودة في كل حضارات العالم لإنقاذ المناخ والبشرية جمعاء”، وعلى ضرورة  “تبني مقاربة ثقافية بيئية عبر تشجيع الأنماط الاقتصادية والزراعية والنقلية الأقل استنزافاً للبيئة”. ويعني ذلك إعادة التفكير في السياسات الزراعية والغذائية، بما فيها الاعتماد المتزايد على اللحوم المستوردة من مناطق تشهد إزالة واسعة للغابات.

في هذا السياق، تقول لوسيانا تييز تشافيز، باحثة أولى في قسم البيئة وحقوق الإنسان في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن “معالجة إزالة الغابات والانتهاكات الحقوقية المضمّنة في سلاسل توريد الماشية، هي مسؤولية مشتركة بين البائعين والمشترين”.

وفي حالة لبنان، لم تعد السياسات التجارية والغذائية ولا خيارات المستهلك اللبناني شأناً داخلياً، بل جزءاً من معادلة مناخية تتجاوز الحدود، إذ ينعكس ما يوضع على المائدة على الغابات وحقوق الشعوب الأصلية في الجانب الآخر من العالم.