ننام على أزيز الطائرات المسيّرة. نستيقظ على هدير الطائرات الحربية. ننكفئ إلى حزنٍ لا قعر له مع كل غارةٍ عنيفة. نستعدّ لأكثر من نزوح في أكثر من منطقة. نعدُّ الضحايا. “حصيلة الضحايا”: يا لها من عبارةٍ باردة. وُلِدنا تحت القصف ومن المرجّح أن نموت تحته. من القصف وإلى القصف نعود. نخشع أمام شبابٍ في مقتبل العمر يقاتلون جيشاً لا يعرف الرحمة. ننتظر وحشاً آخر، ينزع الألغام الأرضية التي تفصل بيننا وبينه بهدوء، قبل انفلاته من عقاله، وهناك من بيننا من يسارع إلى دعوته يأساً أو خبثاً. ووحوش العالم كلها تراقب. وحوش العالم كلها تنتظر فرصتها، كما في كل محنة. كما عند كل سقوط.
نطرح ألف سؤال يبدأ بـ “ماذا لو؟”، وألف سؤالٍ آخر يبدأ بـ “لماذا؟”. نخفي غضبنا، وقاراً، تجاه من اتخذ القرار برمي الجميع في التهلكة، فينبتُ الصبّار في صدورنا، ويقبض الخذلان على حلوقنا. ما عاد ينفعُ لومٌ الآن، وليس للآتي من اسمٍ سوى المأساة. ليس للآتي من طعمٍ سوى العلقم. هل يبقى للعقل دورٌ في إيجاد المعنى في زمن الفاجعة الكبرى؟
كيف يحافظ الإنسان، إن نجا من القتل، على قواه الذهنية، حين تأسر مخيلته فكرة أن من يحبّهم قد يتحوّلون في أي لحظة إلى جثث متفحّمة، ومجرّد أرقام في عدّاد الضحايا؟ هي لحظة انهيار السببية، بل وجميع بديهيات العقل.
لن تعرف القنابل قلوبنا، ولن تكترث أصوات المدافع لعقولنا. لن تعود مقولة رينيه ديكارت “أنا أفكّر إذن أنا موجود” صالحة حتى للتفكير، على الرغم من أن وجودنا هو الذي يحتّم علينا التفكير أساساً. ففي المأساة، يتّصل الوجود بالألم وحده، وأحياناً بالتفكير في الألم. وتتحوّل الأسئلة من “ماذا لو؟” و”لماذا؟”، إلى “ماذا بعد؟”.
لا يُهزَم العقل تماماً، لكن لا تعود مهمته هي الفهم والتفسير والمناورة وإيجاد الحلول، بل تسجيل صوت آذان المساجد في الشوارع الخالية، ورائحة البارود التي تختلط أحياناً برائحة الخبز، وطعم الغبار والدخان الأسود، وارتجافات الجدران، وتهشّم الزجاج، والجثث على الأرصفة، والأحياء في الخيم تحت المطر، وألعاب الأطفال المبعثرة بين الأنقاض، وأصوات العصافير بين غارةٍ وأخرى، وهلع الكلاب والقطط والجرذان الجائعة في مكان، وتراكم النفايات جبالاً في مكان آخر. ببساطة، يستحيل العقل أرشيفاً، لا يسأل، بل يجمع تفاصيل الموت والقهر، بصبر النمل، بصمت الحجارة.
إقرأوا أيضاً:
توسُّلٌ إلى مجهول
نعدُّهم بدقّة متناهية. 65 في اليوم… هذا هو معدّل ضحايانا اليومي، حتى الآن، ومعدّل جرحانا 162 يومياً. أرقام لا تعني شيئاً إلا لمن كان قريباً من واحدٍ منها. وفي كل يومٍ جديد سيكون كل واحدٍ منا أقرب إلى واحدٍ منها. ونتوقّع متألّمين أن تتزايد هذه المعدّلات مع بدء الاجتياح الاسرائيلي البري الواسع، خصوصاً بعدما نُشِرت تقارير في الإعلام الإسرائيلي تفيد بأن الحكومة تستعد لطلب الموافقة على تعبئة نحو 450 ألف جندي احتياط، يُضافون إلى عشرات الآلاف من الجنود المحتشدين على الحدود اللبنانية مع آلاف المدرّعات والدبابات، وبغطاءٍ ناري جوي وبحري ومدفعي هائل. لم تعد الحدود تفصل بيننا وبين الموت.
ويُضاف إلى كل ما سبق، تحشيد جيش النظام السوري الجديد على حدودنا. جيشٌ لديه من أسباب الانتقام ما ليس لإسرائيل، بعدما عاث “حزب الله” خراباً في سوريا، وبخاصة في محافظتي حمص وريف دمشق، نصرةً للنظام السابق. جيشٌ يبحث عن ثأره فينا، بدون تمييز، كما شهدنا في مناطق الساحل السوري والسويداء. لا يهمّ إن كنا مؤيدين للثورة السورية، أو معارضين بشدّة لانخراط “حزب الله” في الوحل السوري، ما يهمّ الآن هو أن مصيرنا، الذي فُرِض علينا، على الرغم من إرادتنا، أصبح، بشكلٍ أو بآخر، متصلاً بمصير هذا الحزب القابض على كل قرار سياسي والمتهرّب من كل مسؤولية سياسية. نحنُ أمام مأساة مكتملة المعالم، تتشابه في جنوب لبنان تحديداً وحتى هذه اللحظة فقط، مع نكبة فلسطين. وإذا ما زلنا نسأل الآن “كيف ننجو؟”، فإن هذا السؤال ربما سيصير ترفاً لا نملكه بعد حين.
ألا تكفي مأساةٌ واحدة؟ فالمأساة داخل المأساة، هي فخٌّ يمكن أن يستدرجنا إليه بعض اليمين المتطرّف، عبر تحريض السلطات اللبنانية والجيش على قتال “حزب الله” بدلاً من تحصين الحدود الشرقية والشمالية، وتكثيف التواصل والتنسيق مع السلطات السورية الجديدة لمنع الأسوأ. أو فخٌّ آخر يمكن أن يستدرجنا إليه بعض اليمين الممانع المتلطّي بثوب يسار الممانعة، الذي ربما يكون أشدّ تطرفاً من اليمين اللبناني التقليدي، والذي يدعو بوقاحةٍ دموية إلى شقّ صفوف الجيش اللبناني طائفياً.
ما يدعو إليه مراهقو السياسة، طفوليو اليمين على الضفتين، لن يؤدي إلى حسمٍ عسكري ضد “حزب الله” لصالح لبنان ودولته المركزية، ولا إلى استعادة أمجاد الثلاثية الكارثية “الجيش، الشعب، المقاومة”، بل ستكون نتيجته حرباً أهلية دامية، ربما لن تنتهي في 15 عاماً، وستنهار معها آخر معالم الدولة الناجية من الحرب الأهلية السابقة. حربٌ سيعجز العقل الذي يسجّل أعداد الضحايا بدقّة متناهية اليوم أن يجاريها… أخٌ يقتلُ أخاه…
لقد فشلنا في تفادي المأساة الأولى، التي تبدو آتية لا محال، إلا إن حصلت لنا معجزة، وشاء السيّافون أن يبعدوا المقصلة عن رؤوسنا، عطفاً ورحمة. لقد عجزنا عن تفادي المقصلة الأولى، وها هي ذي تسقط. لكنني أتوسّل: دعونا لا نرمي برؤوسنا تحت مقصلةٍ أكبر، وألا نفتح باباً لمأساةٍ داخل المأساة…
إقرأوا أيضاً:












