“ماذا كنتِ ترتدين؟”، “هل شربتِ الكحول؟”، “هل بينكما علاقة سابقة؟”، “هل أنتِ متأكدة أنه لم يكن برضاك؟”، “هل لديك شهود؟”، “لماذا انتظرتِ كل هذا الوقت لتتقدّمي بشكوى؟”، “هل تملكين دليلاً؟”…
هذه الأسئلة التي تحتضن كل معاني التشكيك والوصم، كانت أول ما واجهته نور من الشرطي حين حاولت اللجوء إلى القانون للتبليغ عن تعرّضها للتحرش الجنسي.
“لم يهتم أحد بما حدث لي أو بحالتي النفسية. انكسر شيء في داخلي في تلك الليلة أثناء وجودي في المخفر للسير في الطريق نحو العدالة، لأنني قوبلت بنظراتٍ يملؤها الارتياب وعدم التصديق إلى حدّ ما”، قالت نور بصوتٍ مخنوق في حديثٍ لـ”درج”.
حاولت نور، التي تعرضت للتحرش في أحد شوارع بيروت، أن تروي ما حدث لها حين تقدمت بشكوى للجهات الأمنية المعنية، لكن كل كلمة كانت ترتد عليها كاتهامٍ ضمني. فالأسئلة التي وُجّهت إليها لم تكن مجرد إجراءاتٍ رسمية، بل ذكرت أنها “شعرت بها كسكاكين تقطعني وتهزّ ثقتي بنفسي وتزيد شعوري بالخذلان”. وأضافت: “خرجت من المخفر مثقلة بالألم والخوف، وشعرت ليس فقط بأن القانون الذي لجأت إليه لم يحمِني، بل كأنه حاكمني مرتين: مرةً بصمته، ومرةً بلغته الجافة غير المنصفة”.
هذه ليست حكاية استثنائية، بل مرآة تعكس الصراع الأكبر الذي تواجهه فتيات لبنان ونساؤه: عجز القوانين المتعلقة بالاعتداء الجنسي عن حماية الناجيات أو إنصافهن. فلا يعترف القانون اللبناني بالاعتداء في جميع أشكاله، ولا يُدرج مفهوم “الرضا” عند تعريف الجريمة، ولا يرى في الاغتصاب الزوجي جريمة أصلاً، ولا في العنف النفسي أو التهديد القائم على السلطة نوعاً من الاعتداء. كما تعيش النساء في ظل ثقافة اجتماعية تسارع إلى وضع اللوم على الناجية بدلًا من حماية حقها في العدالة. والنتيجة أن كثيرات يخرجن من غرف التحقيق أكثر وجعًا مما دخلنها، في حال تجرأن على التبليغ.
كسر الصمت القانوني
في محاولةٍ منها لـ”إعادة تعريف مفهوم الاعتداء الجنسي نفسه في ضوء معايير حقوق الإنسان والعدالة الجندرية”، وفي أثناء سعيها إلى “إسقاط ما تبقّى من صمتٍ قانوني يختبئ خلف النصوص”، أعدت منظمة “أبعاد” دراسةً وطنيةً جديدة ضمن حملتها السنوية المطالبة بتشديد العقوبات على هذه الجرائم، واعتبار الاغتصاب والاعتداء الجنسي جرائم عنف جنسي، وعدم ربطها بمواضيع “العرض والشرف والعار”.
وكشفت الدراسة “هشاشة الحماية القانونية للبنانيين/ات، وضرورة الإصلاح القانوني العاجل لضمان العدالة للجميع”، كما تؤكد “ضرورة إخراج هذه الجرائم من وصاية التقاليد ومنحها الإطار القانوني الذي يحمي المواطنين/ات”.
فوفق الدراسة، رأى 81 في المئة أن العقوبات الحالية على الجرائم الجنسية غير كافية، واعتبر 51 في المئة أن التبليغ عن العنف الجنسي يسبب “العار” للعائلة، فيما أيّد 86 في المئة تحديد العقوبة بالسجن من خمسة إلى عشرين عاماً، ووافق 95 في المئة على ضرورة تغليظ عقوبة الاعتداء على قاصر حتى عشرين عاماً.
كما أقرّ 78 في المئة بأن إكراه الزوجة على العلاقة الجنسية جريمة، في حين اعتقد 78 في المئة أن السلطات لا تبذل ما يكفي لحماية الفتيات والنساء من العنف الجنسي، بينما طالب 71 في المئة باستبدال مصطلح “الاعتداء على العرض” بمصطلح “الاعتداء الجنسي” الأكثر دقة واحتراماً للكرامة الإنسانية.
تعكس هذه النتائج تناقضاً في الواقع اللبناني: فانتشار الإدراك العام بأن القانون الحالي غير رادع يقابله قانون قديم وثقافة “العار” والخوف ولوم الناجيات، وهي ثقافة تحول دون التبليغ. كما تبرز رغبة لدى اللبنانيين/ات في التشدد بمواجهة العنف الجنسي، واعتراف متزايد بالحقوق الجسدية والجنسانية للمرأة.
القانون لا يحمي الناجيات
على الرغم من كل ما يُقال عن تطوّر القوانين في لبنان خلال السنوات الأخيرة، لا يزال الواقع أبعد ما يكون عن الحماية الحقيقية للنساء والفتيات من العنف الجنسي. فالنصوص القانونية، خصوصاً المواد 503 إلى 521 من قانون العقوبات، تبدو كأنها تنتمي إلى زمنٍ آخر. فهي تُعرّف هذه الجرائم وفق مقاربة بطريركية لا تعترف بالرضا كمعيار أساسي، وتُفرّق في العدالة تبعاً للعلاقة بين الجاني والضحية بدلاً من الفعل نفسه.
ولا يقتصر الخلل على المصطلحات، بل ينعكس على مصير الناجيات اللواتي يقعن ضمن نظامٍ يضاعف الظلم في حقهن. فغياب تعريف واضح للرضا كأساس للتجريم، وإنكار أشكال الاعتداء الجنسي كافة، ومن بينها الاغتصاب الزوجي، يتركهن بلا أي حق في العدالة والمحاسبة. وحتى حين يعترف القانون بالجريمة، تتعثر الناجيات في الإجراءات بسبب غياب مسار واضح للدعم النفسي والاجتماعي، وضعف آليات التبليغ الآمن، وقلة مراكز الإيواء، وغياب منظومة حماية متكاملة بين الشرطة والقضاء والقطاع الصحي.
الثغرات في القوانين اللبنانية
تغيّر الخطاب العام حول العنف الجنسي خلال الأعوام الأخيرة، لكن لا تزال القوانين التي يُفترض أن تحمي الفتيات والنساء عالقة في مقاربة قديمة. تكفي العودة إلى المواد 503 إلى 522 لفهم حجم الفجوة بين ما يعيشه المجتمع وما يقوله القانون. فالأخير يخلو من تعريف واضح وشامل للعنف أو الاعتداء الجنسي، ويُدرج بعض الأفعال تحت عناوين مثل “الاعتداء على العرض” أو “الفعل المنافي للحشمة”، وهي مصطلحات تنتهك كرامة الناجيات.
كما يحصر الاغتصاب في الفعل المرتكب “بالعنف”، مختزلاً الجريمة في العنف الجسدي، متجاهلاً أدوات العنف الأخرى مثل الضغط النفسي، والتهديد، واستغلال السلطة أو المركز الوظيفي، والخوف الذي يُفقد الضحية القدرة على الرفض.
إقرأوا أيضاً:
وعلى الرغم من إلغاء المادة 522 عام 2017، إلا أن آثارها لا تزال قائمة في المادتين 505 و518 اللتين تسمحان بتخفيف مسؤولية الجاني تحت ستار “الوعد بالزواج” أو “زواج القاصر”، ما يبقي بعض أشكال الاعتداء أقل خضوعاً للمساءلة.
أما الثغرة الأكثر فداحة، فهي عدم الاعتراف بالاغتصاب الزوجي. فالمواد 503 و504 تسمي الاغتصاب فقط حين تكون الضحية “غير الزوجة”. وبذلك تُعامَل العلاقة الزوجية وكأنها عقد يلغي مفهوم الرضا، ويبرر أي علاقة جنسية حتى لو كانت بلا موافقة.
بهذه الثغرات، تصبح العملية القانونية نفسها امتداداً للعنف الذي يفترض أنها جاءت لمعالجته.
بين القانون والمجتمع: معركةٌ مزدوجة
في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول حقوق النساء والفتيات في لبنان، تظهر فجوة لا تُردم بين النص القانوني وما يحدث في الواقع. فحتى لو عُدّل القانون، تبقى الذهنيّات في مكانها، متجمدة عند موروث ذكوري قديم يختبئ خلف “العادات والتقاليد” أو “شرف الأسرة”.
ويبقى القانون عاجزًا إذا كانت المؤسسات التي تطبقه تفكر بعقلية الأمس. فالقضاة، والضباط، والمحققون، والعاملون الاجتماعيون، جميعهم أبناء منظومة ثقافية شرعنت لسنوات السيطرة الذكورية على أجساد النساء وحيواتهن.
كما أن هذه العقلية المتوارثة لا تزال ترى العنف “شأناً عائلياً”، وتتعامل مع الشكوى كـ”فضيحة”، ما يغلق الأبواب في وجه الناجيات ويزيد ترددهن باللجوء إلى القضاء.
الحماية الفعلية للناجيات لا تقتصر على الأحكام، بل على خلق بيئة لا تحوّل الألم إلى عبء، ولا تُعاقب المرأة على نجاتها، ولا تضعها أمام خيارين أحلاهما مر: الصمت أو “العار”.
حين تتخطى الذهنية النصوص
قد يبدو الحديث عن إصلاحٍ ثقافي ترفاً، لكن الحقيقة أنه شرط ضروري. فالتحوّل المطلوب لا يحدث بقوة القانون وحده، بل يحتاج إلى وقت طويل، وإلى بناء وعي يبدأ من المناهج المدرسية، ويمر بالإعلام لوقف إعادة إنتاج خطاب الكراهية، ولا ينتهي عند تدريب العاملين في القطاعين الأمني والقضائي على مقاربة قائمة على حقوق الإنسان، وتمكين النساء اقتصادياً ليصبحن أقل خضوعاً للابتزاز.
القضية ليست مجرد تعديل مواد أو تعريف مصطلحات، بل تتعلق بالوصمة، واللوم، ونظرة المجتمع الى حرية المرأة في امتلاك جسدها ورضاها، وفكرة “الشرف” التي تُستخدم كسلاح ضدها. وما لم يحدث هذا التغيير، سيبقى القانون مجرد واجهة، والناجيات يواجهن المعركة الأصعب وحدهن.
قانون لا يسمع الناجيات
تبدو الحاجة اليوم إلى إصلاح جذري أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فنساء لبنان وفتياته يحتجن إلى قانون يُدرج الرضا كأساس لأي تعريف للانتهاك، ويعترف بكل أشكال العنف من دون استثناءات أو تبريرات، ويضمن لهن الحق في العدالة والحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
بالتأكيد لن يحدث التغيير غداً، وسيبقى الطريق طويلاً ومليئاً بالأسئلة الجارحة والنظرات المشككة التي تُرمى في وجه الناجيات قبل أن يُسأل المعتدي عن شيء. لكن المؤكد اليوم هو أن الخلل في النصوص ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو الفجوة التي يتسرّب منها الظلم والعنف يومياً.













