ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لبنان: نازحون بين نار الحرب وجشع الإيجارات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد توسّع رقعة الغارات الإسرائيلية التي طاولت الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات إضافية في جنوب لبنان والبقاع، وجد عدد كبير من سكّان هذه المناطق أنفسهم من دون مأوى، ورغم تسجيل بعضهم في مراكز الإيواء، واجه آخرون معضلة البحث عن سكن، في ظلّ ارتفاع بدلات الإيجار بشكل يستنزف مدخّراتهم ويستغلّ معاناتهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“سمعنا ضرب قوي كثير، لقيت حالي عم بجيب الاولاد من تختهم لإهرب فيهن!”.

مع وقوع أوّل غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، هرعت بتول إلى غرفة ولديها التوأمين البالغين من العمر خمس سنوات، وبعد لحظات، وجدت نفسها معهما في الشارع يسيرون على الأقدام، من دون أن تعلم ما المصير الذي ينتظرهم، فيما كان زوجها خارج المنزل يعمل على سيّارة أجرة، وفق ما قالت لـ”درج”.

وبسبب زحمة السير الخانقة حينها، ركبت وطفليها خلف أحد الأشخاص على درّاجة نارية، حتى وصلوا إلى ساحة الشهداء في وسط بيروت، حيث التقت بزوجها، وقالت لـ”درج”: “قرّرنا نقعد ليلتين بساحة الشهداء لحتى يفتحوا مراكز الإيواء أو نستأجر شقّة صغيرة”. 

ومن هنا بدأت معاناة البحث عن شقّة للإيجار… تقول بتول إن الأسعار ارتفعت بشكل مهول، إضافة إلى التدقيق الحادّ الذي يمارسه بعض المالكين قبل الموافقة على التأجير، بحجّة أنها خطوة احترازية وضرورية لحماية سكّان المبنى.

كانت الوجهة الأولى مدينة عاليه، حيث لجأت مع عائلتها خلال حرب الـ66 يوماً في عام 2024، وتمكّنت حينها من استئجار شقّة تبلغ مساحتها نحو 100 متر مقابل 500 دولار. وتشدّد بتول على أن المبلغ لم يكن قليلاً في ذلك الوقت، لكنّها عندما اتّصلت بصاحب الشقّة نفسها هذه المرّة، طلب منها 1500 دولار.

ومع محاولاتها اليائسة للعثور على مسكن، استقرّت بتول وعائلتها في نهاية المطاف داخل مدرسة خُصصت لإيواء النازحين، بانتظار انتهاء الحرب والعودة إلى منزلها.

الحال لم تختلف كثيراً بالنسبة إلى طارق إسماعيل، الذي اضطرّ للنزوح من بلدته شقرا في جنوب لبنان، إثر القصف العنيف، وبدأ بدوره رحلة البحث عن شقّة للإيجار.

وبعد مشقّة طويلة، يقول إسماعيل إنه وجد شقّة يمكن أن تؤويه، لكنّ مالكها طلب منه دفع بدل ثلاثة أشهر مقدّماً، الأمر الذي أثار استغرابه، إذ يشير إلى أنه “خلال الحرب التي اندلعت قبل نحو سنة ونصف السنة لم يكن هذا الشرط مطروحاً مقابل الإيجار”. 

بالإضافة إلى ذلك، أكد اسماعيل أن “هذه الدفعة تتضمّن أيضاً عمولة المكتب، الذي كان وسيطاً بينه وبين مالك الشقّة”. 

البلديات بين الشلل والتشدّد 

نحو ثمانمئة ألف نازح بات مسجلاً في مراكز الإيواء في لبنان منذ بداية القصف الإسرائيلي في 2 آذار/ مارس 2026، وحتى تاريخ نشر هذا التقرير، وفقاً لوحدة إدارة الكوارث التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية.

لا بدّ من التنويه أن هذا العدد الذي يتزايد يومياً، لا يشمل النازحين الذين يفترشون الأرصفة العامّة والطرقات. 

بعد توسّع رقعة الغارات الإسرائيلية التي طاولت الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات إضافية في جنوب لبنان والبقاع، وجد عدد كبير من سكّان هذه المناطق أنفسهم من دون مأوى، ورغم تسجيل بعضهم في مراكز الإيواء، واجه آخرون معضلة البحث عن سكن، في ظلّ ارتفاع بدلات الإيجار بشكل يستنزف مدخّراتهم ويستغلّ معاناتهم.

وبنظرة سريعة إلى مجموعات بيع وتأجير الشقق على تطبيق “فايسبوك”، يتبيّن أن الأسعار المطروحة غير منطقية، فقد تجاوز إيجار الشقّة في مناطق بعيدة نسبياً عن العاصمة اللبنانية بيروت 1500 دولار أميركي، في حين كان هذا المبلغ قبل الحرب كافياً لاستئجار شقّة في أحياء بيروت التي تُعدّ راقية. 

سلفة على 3-6 أشهر 

مع تصاعد حركة النزوح يومياً، اتّخذت بعض البلديات قرارات اعتُبرت صارمة لاستقبال النازحين، وأخرى وجدت نفسها غير قادرة على لجم الوضع. 

على سبيل المثال لا الحصر، في بلدة بشامون حيث يوجد عدد كبير من النازحين، قال عضو المجلس البلدي شادي مسعود لـ”درج”: “برزت صعوبات في التعامل مع أصحاب الشقق التي تُعرض للإيجار للنازحين، في ظلّ غياب أيّ عقود إيجار رسمية”.

وتنقسم بشامون إلى قسمين: الأوّل يُعرف بـ”بشامون الضيعة”، والثاني “بشامون المدارس” حيث تشهد المدارس اكتظاظاً كبيراً نتيجة استخدامها كمراكز لإيواء النازحين، لذلك، أكّد مسعود لـ”درج” أنه “ليس لدى البلدية أيّ معلومات إضافية عن النازحين، أماكن سكنهم، وعددهم”. 

في المقابل، أصدرت بلديات أخرى بيانات ومقرّرات متشدّدة كشرط أساسي لاستقبال النازحين، سواء في مراكز الإيواء أو في الشقق المستأجرة. 

في جولة سريعة قمنا بها ضمن نطاق بلدية الشويفات، لاحظنا وقوف شرطة البلدية على بوّابات المدارس، سبقها تسجيل العائلات النازحة، واضطرّت البلديات أن تتّخذ هذه الخطوات خوفاً من الاغتيالات الإسرائيلية العشوائية، وما رافقها من ذعر من قِبل سكّان المناطق. 

كما اكتفى بعض البلديات بإصدار تعاميم تطلب الإبلاغ المسبق عن أيّ عمليّة تأجير أو استضافة أشخاص، مع تخصيص خطوط ساخنة للتبليغ، كما فعلت بلديات كفردبيان وعنّايا وكفربعال وفاريا وزوق مصبح وحراجل وفرن الشبّاك.

بينما ذهبت بلديات أخرى إلى أبعد من ذلك، فدعت السكّان إلى التعاون مع المجالس البلدية والمخاتير للإبلاغ عن أيّ تجمّعات غير اعتيادية أو حوادث قد تثير الشبهات، “حرصاً على السلامة العامّة”. 

ومن بين هذه البلديات، بلدية جونية التي أشارت في تعميمها إلى قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر أيّ نشاط أمني أو عسكري لـ”حزب الله”، واعتباره خارجاً عن القانون.

كما اتّخذ بعض البلديات تدابير احترازية إضافية، مثل إقفال طرقات ليلاً، وتركيب وتشغيل كاميرات مراقبة في الشوارع الرئيسية، وتشكيل لجان طوارئ لمتابعة أوضاع السكّان وضمان سلامتهم، كما حصل في بلدية حومال.

في موازاة ذلك، لوّحت بلديات بإجراءات قانونية بحقّ المخالفين، من بينها تنظيم محاضر ضبط وفرض غرامات مالية مرتفعة، وصولاً إلى اتّخاذ تدابير إدارية قد تصل إلى إقفال المأجور بالشمع الأحمر عند الضرورة، وفق ما ورد في تعميم بلدية الدكوانة.

إقرأوا أيضاً:

11.03.2026
زمن القراءة: 4 minutes

بعد توسّع رقعة الغارات الإسرائيلية التي طاولت الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات إضافية في جنوب لبنان والبقاع، وجد عدد كبير من سكّان هذه المناطق أنفسهم من دون مأوى، ورغم تسجيل بعضهم في مراكز الإيواء، واجه آخرون معضلة البحث عن سكن، في ظلّ ارتفاع بدلات الإيجار بشكل يستنزف مدخّراتهم ويستغلّ معاناتهم.

“سمعنا ضرب قوي كثير، لقيت حالي عم بجيب الاولاد من تختهم لإهرب فيهن!”.

مع وقوع أوّل غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، هرعت بتول إلى غرفة ولديها التوأمين البالغين من العمر خمس سنوات، وبعد لحظات، وجدت نفسها معهما في الشارع يسيرون على الأقدام، من دون أن تعلم ما المصير الذي ينتظرهم، فيما كان زوجها خارج المنزل يعمل على سيّارة أجرة، وفق ما قالت لـ”درج”.

وبسبب زحمة السير الخانقة حينها، ركبت وطفليها خلف أحد الأشخاص على درّاجة نارية، حتى وصلوا إلى ساحة الشهداء في وسط بيروت، حيث التقت بزوجها، وقالت لـ”درج”: “قرّرنا نقعد ليلتين بساحة الشهداء لحتى يفتحوا مراكز الإيواء أو نستأجر شقّة صغيرة”. 

ومن هنا بدأت معاناة البحث عن شقّة للإيجار… تقول بتول إن الأسعار ارتفعت بشكل مهول، إضافة إلى التدقيق الحادّ الذي يمارسه بعض المالكين قبل الموافقة على التأجير، بحجّة أنها خطوة احترازية وضرورية لحماية سكّان المبنى.

كانت الوجهة الأولى مدينة عاليه، حيث لجأت مع عائلتها خلال حرب الـ66 يوماً في عام 2024، وتمكّنت حينها من استئجار شقّة تبلغ مساحتها نحو 100 متر مقابل 500 دولار. وتشدّد بتول على أن المبلغ لم يكن قليلاً في ذلك الوقت، لكنّها عندما اتّصلت بصاحب الشقّة نفسها هذه المرّة، طلب منها 1500 دولار.

ومع محاولاتها اليائسة للعثور على مسكن، استقرّت بتول وعائلتها في نهاية المطاف داخل مدرسة خُصصت لإيواء النازحين، بانتظار انتهاء الحرب والعودة إلى منزلها.

الحال لم تختلف كثيراً بالنسبة إلى طارق إسماعيل، الذي اضطرّ للنزوح من بلدته شقرا في جنوب لبنان، إثر القصف العنيف، وبدأ بدوره رحلة البحث عن شقّة للإيجار.

وبعد مشقّة طويلة، يقول إسماعيل إنه وجد شقّة يمكن أن تؤويه، لكنّ مالكها طلب منه دفع بدل ثلاثة أشهر مقدّماً، الأمر الذي أثار استغرابه، إذ يشير إلى أنه “خلال الحرب التي اندلعت قبل نحو سنة ونصف السنة لم يكن هذا الشرط مطروحاً مقابل الإيجار”. 

بالإضافة إلى ذلك، أكد اسماعيل أن “هذه الدفعة تتضمّن أيضاً عمولة المكتب، الذي كان وسيطاً بينه وبين مالك الشقّة”. 

البلديات بين الشلل والتشدّد 

نحو ثمانمئة ألف نازح بات مسجلاً في مراكز الإيواء في لبنان منذ بداية القصف الإسرائيلي في 2 آذار/ مارس 2026، وحتى تاريخ نشر هذا التقرير، وفقاً لوحدة إدارة الكوارث التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية.

لا بدّ من التنويه أن هذا العدد الذي يتزايد يومياً، لا يشمل النازحين الذين يفترشون الأرصفة العامّة والطرقات. 

بعد توسّع رقعة الغارات الإسرائيلية التي طاولت الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات إضافية في جنوب لبنان والبقاع، وجد عدد كبير من سكّان هذه المناطق أنفسهم من دون مأوى، ورغم تسجيل بعضهم في مراكز الإيواء، واجه آخرون معضلة البحث عن سكن، في ظلّ ارتفاع بدلات الإيجار بشكل يستنزف مدخّراتهم ويستغلّ معاناتهم.

وبنظرة سريعة إلى مجموعات بيع وتأجير الشقق على تطبيق “فايسبوك”، يتبيّن أن الأسعار المطروحة غير منطقية، فقد تجاوز إيجار الشقّة في مناطق بعيدة نسبياً عن العاصمة اللبنانية بيروت 1500 دولار أميركي، في حين كان هذا المبلغ قبل الحرب كافياً لاستئجار شقّة في أحياء بيروت التي تُعدّ راقية. 

سلفة على 3-6 أشهر 

مع تصاعد حركة النزوح يومياً، اتّخذت بعض البلديات قرارات اعتُبرت صارمة لاستقبال النازحين، وأخرى وجدت نفسها غير قادرة على لجم الوضع. 

على سبيل المثال لا الحصر، في بلدة بشامون حيث يوجد عدد كبير من النازحين، قال عضو المجلس البلدي شادي مسعود لـ”درج”: “برزت صعوبات في التعامل مع أصحاب الشقق التي تُعرض للإيجار للنازحين، في ظلّ غياب أيّ عقود إيجار رسمية”.

وتنقسم بشامون إلى قسمين: الأوّل يُعرف بـ”بشامون الضيعة”، والثاني “بشامون المدارس” حيث تشهد المدارس اكتظاظاً كبيراً نتيجة استخدامها كمراكز لإيواء النازحين، لذلك، أكّد مسعود لـ”درج” أنه “ليس لدى البلدية أيّ معلومات إضافية عن النازحين، أماكن سكنهم، وعددهم”. 

في المقابل، أصدرت بلديات أخرى بيانات ومقرّرات متشدّدة كشرط أساسي لاستقبال النازحين، سواء في مراكز الإيواء أو في الشقق المستأجرة. 

في جولة سريعة قمنا بها ضمن نطاق بلدية الشويفات، لاحظنا وقوف شرطة البلدية على بوّابات المدارس، سبقها تسجيل العائلات النازحة، واضطرّت البلديات أن تتّخذ هذه الخطوات خوفاً من الاغتيالات الإسرائيلية العشوائية، وما رافقها من ذعر من قِبل سكّان المناطق. 

كما اكتفى بعض البلديات بإصدار تعاميم تطلب الإبلاغ المسبق عن أيّ عمليّة تأجير أو استضافة أشخاص، مع تخصيص خطوط ساخنة للتبليغ، كما فعلت بلديات كفردبيان وعنّايا وكفربعال وفاريا وزوق مصبح وحراجل وفرن الشبّاك.

بينما ذهبت بلديات أخرى إلى أبعد من ذلك، فدعت السكّان إلى التعاون مع المجالس البلدية والمخاتير للإبلاغ عن أيّ تجمّعات غير اعتيادية أو حوادث قد تثير الشبهات، “حرصاً على السلامة العامّة”. 

ومن بين هذه البلديات، بلدية جونية التي أشارت في تعميمها إلى قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر أيّ نشاط أمني أو عسكري لـ”حزب الله”، واعتباره خارجاً عن القانون.

كما اتّخذ بعض البلديات تدابير احترازية إضافية، مثل إقفال طرقات ليلاً، وتركيب وتشغيل كاميرات مراقبة في الشوارع الرئيسية، وتشكيل لجان طوارئ لمتابعة أوضاع السكّان وضمان سلامتهم، كما حصل في بلدية حومال.

في موازاة ذلك، لوّحت بلديات بإجراءات قانونية بحقّ المخالفين، من بينها تنظيم محاضر ضبط وفرض غرامات مالية مرتفعة، وصولاً إلى اتّخاذ تدابير إدارية قد تصل إلى إقفال المأجور بالشمع الأحمر عند الضرورة، وفق ما ورد في تعميم بلدية الدكوانة.

إقرأوا أيضاً: