في السياق اللبناني الراهن، يكتسب هذا النقاش بعداً عملياً مباشراً، مع تصاعد الجدل حول مسار التفاوض، وحدود القرار السيادي، ودور “حزب الله” في تحديد خيارات الحرب والسلم. فالمسألة لم تعد نظرية، بل تتّصل بكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل، وبما إذا كان منطق الرفض المطلق والتصعيد هو الخيار الوحيد، أم أن التفاوض يشكّل أداة ضرورية ضمن استراتيجية أوسع.
في هذا الإطار، يصبح السؤال حول الراديكالية ليس سؤالاً أخلاقياً مجرّداً، بل سؤال يتعلّق مباشرةً بكلفة الخيارات على المجتمع اللبناني. ففي حين يمكن للراديكالية أن تؤدّي وظيفة تفكيكية أو تحفيزية في مجالات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي، حيث تكون الكلفة المباشرة محدودة نسبياً، فإن نقلها إلى مجال السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية يُدخلها في بنية مختلفة تماماً، تحكمها مفاهيم مثل الردع، وموازين القوى العسكرية، وإدارة المخاطر، واحتمالات التصعيد العسكري. في هذا الإطار، لا تعود الجذرية مجرّد خيار خطابي، بل تتحوّل إلى عامل مادّي قد يُفضي إلى العنف المنظّم والحرب.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة تعريف الراديكالية بوصفها أداة لا غاية. فوفق مقاربات علم السياسة، ولا سيّما في تقاليد الواقعية والواقعية الجديدة، تقاس السياسات بقدرتها على حماية الدولة والمجتمع وتقليل الخسائر ضمن بيئة دولية وإقليمية فوضوية. في المقابل، حين تتحوّل الراديكالية إلى قيمة معيارية مستقلّة، فإننا ننتقل إلى ما يمكن تسميته “أدلجة الوسائل”، حيث تُختزَل السياسة في تحقيق اتّساق أيديولوجي بدل إدارة النتائج. هذا التحوّل يفتح الباب أمام ما يُعرَف في الأدبيات بـ “التصعيد غير المقصود”، حيث تقود المواقف القصوى إلى ديناميات يصعب التحكّم بها.
التاريخ الحديث يقدّم أمثلة واضحة على هذا النمط. أحد أبرز الحالات هي ما سبق حرب الأيّام الستّة، حيث ساد خطاب راديكالي في العالم العربي يقوم على رفض أيّ تسوية مع إسرائيل، وتبنّي شعارات المواجهة الشاملة. في تلك المرحلة، لم يكن الخطاب مجرّد أداة تفاوضية، بل تحوّل إلى معيار للشرعية السياسية. أيّ خروج عنه كان يُصنَّف كتنازل أو خيانة. ضمن هذا المناخ، اتّخذت قيادة جمال عبد الناصر سلسلة خطوات تصعيدية، حشد القوّات، سحب قوّات الطوارئ الدولية، إغلاق مضيق تيران، كلّها كانت قابلة للقراءة كأوراق ضغط، لكنّها ضمن مناخ الراديكالية تحوّلت إلى التزامات يصعب التراجع عنها.
ما حصل لاحقاً يندرج ضمن ما تسمّيه نظرية الألعاب “فخّ الالتزام”، حيث يؤدّي رفع السقوف إلى تقليص هامش المناورة. اندلاع الحرب أظهر فجوة كبيرة بين الخطاب والقدرة الفعلية، وانتهى بهزيمة عسكرية وخسائر استراتيجية واسعة. المفارقة أن المسار انتهى لاحقاً إلى حلول أقلّ راديكالية بكثير ممّا كان ممكناً قبل الحرب، لكن بعد كلفة بشرية وسياسية مضاعفة. هذه الحالة تبيّن كيف يمكن للراديكالية في السياسة الخارجية أن تتحوّل من أداة ضغط إلى قيد استراتيجي، يدفع نحو التصعيد بدل تحسين الموقع التفاوضي.
إذا انتقلنا إلى الحالة اللبنانية، نجد أن هذه المفاهيم ليست نظرية فقط، بل تنعكس بوضوح في ديناميات السياسة الدفاعية والخارجية. يشكّل “حزب الله” نموذجاً معاصراً لتجسيد الراديكالية كعقيدة سياسية في مجال الأمن والدفاع. فمنذ نشأته، بنى خطابه على ثنائية حادّة: مقاومة مطلقة مقابل خيانة، ورفض أيّ مسار تفاوضي يُنظَر إليه كتنازل. هذا الخطاب لم يبقَ في مستوى التعبئة، بل تحوّل إلى إطار حاكم لقرارات استراتيجية تتعلّق بالحرب والسلم والولاء الأيديولوجي المطلق للنظام الإيراني.
هذا التداخل بين الأيديولوجيا والسياسة الدفاعية أدّى إلى توسيع نطاق الانخراط العسكري لـ”حزب الله” في المنطقة، وما تبعه من كلفة بشرية ومادّية على لبنان وناسه. في الوقت نفسه، أضعف هذا الخيار موقع الدولة اللبنانية في النظام الدولي، وعرّضها لضغوط، وعمّق عزلتها.
في السنوات الأخيرة، ظهر بوضوح هذا النمط في سياق التوتّرات الإقليمية المرتبطة بالحرب في غزّة. الانخراط في “حروب الإسناد” يعكس منطق الراديكالية ذاته: الوقوع في “فخّ الالتزام”، توسيع دائرة الصراع بدل احتوائه، ورفع سقف المواجهة بدل إدارة المخاطر. في هذه الحالة، لا تقاس القرارات فقط بمدى خدمتها مصالح لبنان المباشرة، بل بمدى انسجامها مع خطاب أوسع والولاء الأيديولوجي للنظام الديني في إيران. وهنا يظهر التناقض البنيوي: الدولة اللبنانية، بوصفها فاعلاً ضعيفاً نسبياً في النظام الدولي، تحتاج إلى استراتيجيات تقليل المخاطر، بينما يدفع الخطاب الراديكالي نحو تعظيمها.
إقرأوا أيضاً:
هذا يقود إلى مسألة التفاوض، التي تُعدّ عنصراً مركزياً في السياسة الخارجية. في الأدبيات الأكاديمية، يُنظر إلى التفاوض كأداة لإدارة الصراع وليس بالضرورة لحلّه جذرياً. نجاح التفاوض يعتمد على ما يُعرَف بـ “أفضل بديل لاتّفاق تفاوضي”، أي قدرة الطرف على تحسين موقعه دون اللجوء إلى التصعيد. لكنّ الراديكالية، حين تتحوّل إلى عقيدة، تُضعف هذا الخيار، لأنها تقيّد القدرة على تقديم تنازلات تكتيكية، حتى لو كانت تخدم مصلحة استراتيجية أوسع.
في الحالة اللبنانية، يظهر هذا بوضوح في النقاش حول من يملك قرار التفاوض. حين يُحتكَر قرار الحرب والسلم خارج مؤسّسات الدولة، تتفكّك وحدة التمثيل، ويضعف الموقف التفاوضي. من منظور نظرية العلاقات الدولية، هذا يخلق ما يُعرَف بـ “تعدّد الفاعلين غير المنسّقين”، وهو عامل يُضعف قدرة الدولة على التفاوض بفعّالية. في المقابل، إعادة القرار إلى المؤسّسات الرسمية لا تعني التخلّي عن المصالح أو الحقوق، بل تعني إدارتها ضمن إطار يسمح بالموازنة بين المبادئ والنتائج.
المشكلة الأعمق تكمن في البعد الثقافي للراديكالية، حيث تتحوّل إلى ما يشبه “رأسمال رمزي” يمنح الشرعية السياسية. في هذا السياق، تصبح المواقف الأكثر حدّة هي الأكثر قبولاً جماهيرياً، حتى لو كانت أقلّ جدوى عملياً. حيث يعاد إنتاج منظومة فكرية تجعل الخيارات المكلفة تبدو طبيعية أو حتى مرغوبة. في لبنان، يتجلّى ذلك في تمجيد الخطاب التصعيدي، وفي رمنسة الحرب والدمار والنزاعات المسلّحة، مقابل شيطنة أيّ دعوة إلى التهدئة أو التفاوض.
غير أن التحليل الواقعي يفرض طرح سؤال مختلف: ما هو الهدف النهائي للسياسة؟ إذا كان الهدف هو الإنسان ورفاهيّته، فإن أيّ سياسة، راديكالية كانت أو براغماتية، يجب أن تقيّم بناءً على نتائجها. في هذا الإطار، لا تعود الجذرية معياراً بحدّ ذاته، بل تصبح مشروطة بقدرتها على تحقيق هذا الهدف. حين تفشل في ذلك، وتتحوّل إلى سبب مباشر أو غير مباشر للخسائر، فإنها تفقد مشروعيتها الأداتية.
من هنا، يمكن القول إن التحدّي في الحالة اللبنانية لا يكمن في الاختيار بين “التصلّب” و”التفاوض” بوصفهما ثنائيتين متناقضتين، بل في إعادة صياغة العلاقة بينهما ضمن استراتيجية شاملة. هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من مبدأ احتكار الدولة للعنف وأن تُدمَج أدوات القوّة ضمن إطار مؤسّساتي يخضع للمساءلة. في هذا السياق، يصبح التفاوض جزءاً من منظومة أوسع لإدارة الصراع، لا نقيضاً لها.
في الخلاصة، تُظهر التجارب التاريخية والنظرية أن الراديكالية حين تتحوّل من أداة إلى غاية، تميل إلى إنتاج نتائج عكسية، خصوصاً في مجالات السياسة الدفاعية والخارجية.
في الحالة اللبنانية، يتجلّى هذا الخطر في تداخل الأيديولوجيا مع القرار الاستراتيجي، وفي تحويل الخطاب الجذري إلى إطار يقيّد إمكانات التفاوض ويزيد احتمالات التصعيد. إعادة وضع الإنسان ورفاهيّته في مركز السياسة تقتضي إعادة تقييم هذه المقاربة، والانتقال من منطق “النقاء الأيديولوجي” إلى منطق “تقليل الكلفة وتعظيم الفائدة”، عندها فقط تستعيد السياسة وظيفتها الأساسية: حماية المجتمع، لا تعريضه لمخاطر غير محسوبة.
إقرأوا أيضاً:












