ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لغة الشتيمة في بُعدها النفسي والاجتماعي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
منى جهمي

اﻟﻌﻨﻒ اﻟﻠﻔﻈﻲ ﻋﺪوى، وﻫﻮ ﻣﻜﺘﺴﺐ أوّلاً ﻣﻦ اﻟﺘﻨﺸﺌﺔ اﻷﺳﺮﻳﺔ، فذاك اﻟﺬي ﻳﻬﺪّدك ﺑﺄﻗﺬع اﻟﻌﺒﺎرات وﻳﻨﻌﺘﻚ بأقذر اﻟﺼﻔﺎت ﻋﻠﻰ ﻣﻮاﻗﻊ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻻ ﺗﻐﻔﻞ أﻧﻪ ﻓﻲ ﺻﻐﺮه ﻋﺎﻧﻰ ﻣﺎ ﺗﻌﺎﻧﻴﻪ أﻧﺖ ﻣﻦ ﻗِﺒﻠﻪ.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تقول اﻟﺤﻜﺎﻳﺔ إن ﺳﺎﻋﻲ اﻟﺒﺮﻳﺪ ﻃﺮق اﻟﺒﺎب ليسلّم رﺳﺎﻟﺔ إﻟﻰ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ. بعدما ﻗﺮأ اﻟﺮﺟﻞ ﻣﻀﻤﻮن الرسالة، استشاط غضباً وبدأ يشرئبّ، ملقياً ﺑﺎﻟﻠﻌﻨﺎت واﻟﺸﺘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ زوﺟﺘﻪ.

الزوجة المسكينة التي ﻟﻢ ﺗﺪرِ ما إذا كانت اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺗﺨﺒﺮ زوﺟﻬﺎ ﺑﺈﻗﺎﻟﺘﻪ ﻣﻦ وﻇﻴﻔﺘﻪ اﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻳﺘﻘﻦ فيها مهارة واﺣﺪة، ما كان منها، كردّة فعل، إلا أن انهالت ﻋﻠﻰ اﺑﻨﻬﺎ ضرباً، وﻫﺬا اﻷﺧﻴﺮ ﻧﻔﺚ ﻏﻀﺒﻪ ﻋﻠﻰ أﺧﺘﻪ اﻟﺘﻲ ركلت اﻟﻬﺮّة اﻟﻀﻌﻴﻔﺔ بقدمها. 

هكذا ﺗﻨﺘﻘﻞ ﻋﺪوى اﻟﻌﻨﻒ اﻟﺠﺴﺪي واﻟﻠﻔﻈﻲ واﻟﺴﻠﻮﻛﻲ، ﺑﺤﻴﺚ ينفّس اﻟﻘﻮيّ ﺗﻌﻘﻴﺪاﺗﻪ اﻟﻼواﻋﻴﺔ ﻓﻲ وﺟﻪ أيّ ﻛﺎﺋﻦ ﺿﻌﻴﻒ ﻳﺼﺪف أن ﻳكون موجوداً أﻣﺎﻣﻪ.

 وﺑﻄﺒﻌﻪ، اﻹﻧﺴﺎن ﻛﺎﺋﻦ ﻳﺤﺘﺎج إﻟﻰ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﻣﻴﻮﻟﻪ وأﻓﻜﺎره وﻣﺸﺎﻋﺮه، ﺳﻮاء ﺑﺎﻹﻳﻤﺎءات أو ﻣﻼﻣﺢ اﻟﻮﺟﻪ وﺣﺮﻛﺔ اﻟﻌﻴﻨﻴﻦ، أو اﻟﻬﻤﻬﻤﺎت اﻟﻨﻄﻘﻴﺔ، أو اﻟﻠﻐﺔ واﻟﻜﺘﺎﺑﺔ… إﻧﻬﺎ رﺣﻠﺔ اﻟﺤﻀﺎرة اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﻤﻔﻌﻤﺔ ﺑﺎﻟﺠﻤﺎل واﻟﻤﺜﻘﻠﺔ ﺑﺎﻟﻘﺒﺢ ﻋﻠﻰ ﺣﺪّ ﺳﻮاء. 

ﻓﻤﻦ الناحية الأولى، ﺷﻬﺪت اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت ﻋﻠﻰ أﻧﻤﺎﻃﻬﺎ اﻟﻤﺘﻨﻮّﻋﺔ ﻋﻤﻠﻴّﺔ ﺗﺜﺎقف وﺗﻼﻗﺢ ﻛﺎدت أن ﺗﺠﻌﻞ ﻣﻦ اﻷرض كوكباً بهيّاً ﻣﻨﺴﺠﻤﺎً، غير أن اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻔﻄﻮر ﻋﻠﻰ اﻷﻧﺎﻧﻴﺔ واﻟﺠﺸﻊ واﻻﺳﺘﺌﺜﺎر ﺑﻜﻞّ ﺷﻲء ﻟﻤﺼﻠﺤﺘﻪ، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺣﺮّﻳﺔ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ اﻵراء واﻟﻤﻮاﻗﻒ على المستويات كافّة.

في مطلع اﻷﻟﻔﻴﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ، ﻇﻦّ ﻛﺜﻴﺮون- وأﻧﺎ ﻣﻨﻬﻢ – أن اﻟﻘﺮن اﻟﺤﺎدي واﻟﻌﺸﺮﻳﻦ ﺳﻳﺘﺠﺎوز العصبيّات اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ واﻟﺪﻳﻨﻴﺔ، وسيفتتح ﻧﻬﻀﺔ ﺟﺪﻳﺪة ﻟﻠﺒﺸﺮﻳﺔ: ﻋﻠﻤﺎً وﺗﻘﺎﻧﺔ وﻓﻠﺴﻔﺔ وأدﺑﺎً وﻓﻨّﺎً. ﺗﻮﻫّﻤﻨﺎ أن ﺟﺴﻮر اﻟﺘﻮاﺻﻞ ﺑﻴﻦ اﻟﺒﻠﺪان واﻟﺸﻌﻮب واﻟﺤﻜﻮﻣﺎت ﻗﺪ ﺗﺮﺳّﺨﺖ، وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺳﺘﻌﺰّز الأﻟﻔﺔ واﻟﺴﻼم واﻟﺘﺴﺎﻣﺢ وﻗﺒﻮل اﻵﺧﺮ، ﺑﻤﻌﺰل ﻋﻦ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ واﻟﺠﻨﺲ واﻟﻌﺮق واﻟﻤﻌﺘﻘﺪ والاﻧﺘﻤﺎء اﻟﺤﺰﺑﻲ واﻟﺴﻴﺎﺳﻲ. 

ﺑﻴﺪ أن ﺧﻴﺒﺔ اﻷﻣﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻮارى ﺧﻠﻒ اﻷﺑﻮاب، ﻓﺎﻷﻃﻤﺎع الاﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻟﻤﺎﻟﻴﺔ أﻃﺎﺣﺖ ﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﻘﻴﻢ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ، واﻟﻌﻨﻒ ﺑﻠﻎ ﻣﻦ اﻟﺤﺪّة ﻣﺎ ﻳﺮوّع اﻟﺠﺒﺎل – ﻻ ﻧﻨسى ﻏﺰو اﻟﻌﺮاق في ﻋﺎم 2003، وﻻ أوﺿﺎع ﺳﻮرﻳﺎ ﻓﻲ ﻇﻞّ أﺳﻮأ دﻛﺘﺎﺗﻮرﻳﺔ اﺳﺘﺒﺪادﻳﺔ دﻣﻮﻳﺔ ﺷﻬﺪﻫﺎ اﻟﺘﺎرﻳﺦ، وﻻ اﻟﻌﺪوان اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ اﻟﻤﺘﻮﺣّﺶ ﻋﻠﻰ ﻏﺰّة، أو اﻟﻤﺠﺎزر واﻟﻔﻈﺎﺋﻊ اﻟﻤﺮﺗﻜَﺒﺔ ﻓﻲ اﻟﺴﻮدان.

 أﻣﺎ ﻟﺒﻨﺎن، ﻓﻘﺪ ﻋﺎﻧﻰ ﺷﺘّﻰ أﻧﻮاع اﻟﻨﻜﺒﺎت واﻷزﻣﺎت واﻟﺤﺮوب واﻟﺘﻔﺠﻴﺮات، آﺧﺮﻫﺎ ﺗﻔﺠﻴﺮ ﻣﺮﻓﺄ ﺑﻴﺮوت ﻓﻲ 4 آب/ أغسطس 2020، ﻧﺎﻫﻴﻚ بمجموعة اﻻﻏﺘﻴﺎﻻت اﻟﺘﻲ ﻃﺎوﻟﺖ ﻫﺎﻣﺎت ﻟﺒﻨﺎﻧﻴﺔ ﻓﻜﺮﻳﺔ وﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻋﻈﻤﻰ، لينتكب الآن بحرب إسرائيلية طاحنة لا أفق واضح كيف ستنتهي. 

توسّعت اﻟﻬﻮّة ﻛﺎﻟﻌﺎدة، ﺑﻴﻦ اﻷﻃﺮاف واﻷﺣﺰاب واﻟﻄﻮاﺋﻒ في بلد صغير ضئيل الموارد، ضعيف اﻟﻤﺆﺳّﺴﺎت اﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ، أﻧﻬﻜﺘﻪ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﺣﺎﻛﻤﺔ ﻓﺎﺳﺪة، ﻧﻬﺒﺖ وداﺋﻊ اﻟﻨﺎس ﻓﻲ اﻟﻤﺼﺎرف، واﺳﺘﺤﻜﻤﺖ ﺑﻤﻔﺎﺻﻞ اﻟﺪوﻟﺔ، واﺳﺘﺄﺛﺮت ﺑﺎﻟﻤﻐﺎﻧﻢ واﻟﻤﺼﺎﻟﺢ، ﻓﺄﺻﺒﺢ اﻻﺳﺘﺰﻻم اﻟﻮﺿﻴﻊ ﻟﺰﻋﻴﻢ اﻟﻄﺎﺋﻔﺔ وﻟﻘﺎﺋﺪ اﻟﺤﺰب ﻫﻮ اﻟﻘﺎﻋﺪة، بينما اﻻﺣﺘﻜﺎم إﻟﻰ اﻟﺪﺳﺘﻮر واﻟﺴﻠﻄﺎت اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ واﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ واﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻫﻮ اﻻﺳﺘﺜﻨﺎء.

 إذاً، ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن، وعلى رﻏﻢ اﻧﻐﻤﺎس اﻟﻤﻮاﻃﻦ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ اﻟﻼﻓﺖ ﻓﻲ ﻣﻮاﻛﺒﺔ اﻟﺘﻘﺪّم اﻟﺘﻜﻨﻮ- ﺗﻮاﺻﻠﻲ، هالنا ما نراه ﻣﻦ ﺗﻔﻜّﻚ وﻃﻨﻲ، وخطاب سياسي عنفي فوقي، بالتالي ﻻ ﻣﻔﺮّ ﻣﻦ ﻃﺮح إﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﺳﻴﻜﻮ- ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ، هل لا يزال ممكناً ﺗﺄﺳﻴﺲ ﺧﻄﺎب ﺳﻴﺎﺳﻲ وﻃﻨﻲ ﻳﺠﻤﻊ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻴﻴﻦ؟

ﺑﻮاﻗﻌﻴﺔ ﺳﻠﻴﻤﺔ، اﻹﺟﺎﺑﺔ: ﻻ. ﺑﻞ ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻫﺬا اﻟﻬدف، لكن ﻟﻤﺎذا؟ لأننا لا نمتلك أدوات اﻟﺘﺮﺑﻴﺔ اﻷﺳﺮﻳﺔ واﻟﻤﺪرﺳﻴﺔ واﻟﻜﺸﻔﻴﺔ واﻟﺠﺎﻣﻌﻴﺔ واﻟﺤﺰﺑﻴﺔ اﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﻓﻲ إﻧﺠﺎز ﻣﻬﻤّﺔ ﻛﻬﺬه. ﻳﻜﻔﻲ أن ﻧﻼﺣﻆ ﻣﺼﺎدرة اﻵﺧﺮ ﻟﻶﺧﺮ في اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ اﻟﻮاﺣﺪة، بحيث ﻳﺘﺤﻮّل اﻟﺘﻨﻮّع اﻟﻐﻨﻲّ إﻟﻰ ﺻﺮاع. وﻓﻲ اﻟﺼﻒ اﻟﻮاﺣﺪ أﻳﻀﺎً، وﻓﻲ اﻟﺤﻲّ واﻟﺴﻮق واﻟﺼﻴﺪﻟﻴﺔ والجامعة، ﻳﺘﻨﺎﺣﺮ اللبنانيون ﻋﻠﻰ أﺗﻔﻪ اﻷﺳﺒﺎب: أﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺻﻮاب، وأﻧﺖ ﻣﺨﻄﺊ، وﺑﺪل اﻟﻤﺤﺎﺟﺠﺔ اﻟﻤﻨﻄﻘﻴﺔ، تسود ﻟﻐﺔ اﻟﺸﺘﺎﺋﻢ واﻟﻘﺬاﺋﻊ.

وﻓﻖ اﻟﻤﺬﻫﺐ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ، اﻟﺸﺘﻴﻤﺔ ﺗﻨﻘﺾ اﻟﻮﺿﻮء؛ ﻓﻤَﻦ ﺻﺪر ﻣﻨﻪ ﻓﺤﺶ اﻟﻘﻮل وﺑﺬاءة اﻟﻜﻼم ﻋﻠﻴﻪ أن ﻳﺠﺪّد وﺿﻮءه، وﻗﺪ ﻗﺎل اﻟﺴيّد اﻟﻤﺴﻴﺢ “ﻟﻴﺲ اﻟﻨﺠﺲ ﻣﺎ ﻳﺪﺧﻞ اﻟﻔﻢ، ﺑﻞ ﻣﺎ ﻳﺨﺮج ﻣﻦ اﻟﻔﻢ ﻫﻮ اﻟﺬي ﻳﻨﺠّﺲ”، وﻓﻲ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﻓﺮوﻳﺪ ﻓﻲ اﻟﺘﺤﻠﻴﻞ اﻟﻨﻔﺴﻲ، اﻟﺸﺘﻴﻤﺔ ﻫﻲ آليّة دﻓﺎﻋﻴﺔ ﻟﺘﻔﺮﻳﻎ اﻟﻐﻀﺐ اﻟﻤﻜﺒﻮت واﻟﺘﻮﺗّﺮ واﻟﻬﻮاﺟﺲ، مثلاً: هاجس الهزيمة، اﻟﻘﻠﻖ ﻣﻦ اﻹﺣﺒﺎط واﻟﺘﻬﻤﻴﺶ؛ ﺗﺠﻨّﺐ اﻟﺠﻠﺴﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﻠﺰم ﻧﻘﺎﺷﺎً ﻣﻌﺮﻓﻴﺎً وﻓﻜﺮاً ﻋﻤﻴﻘﺎً.

 ﻓﻤﺘﻰ ﻛﺎن اﻟﻤﺮء ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ وﻫﻦ وﺿﻌﻒ وﻧﻘﺺ، ﺳﻴﻠﺠﺄ إﻟﻰ ﺧﻄﺎب اﻟﺴﺒﺎب ﺗﻔﺎدﻳﺎً ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ، ﻳﺮﻓﺾ اﻻﻋﺘﺮاف ﺑﺎﻧﻜﺴﺎره، ﻳﺼﺮخ ﺑﺼﻮت ﺗﻘﺮﻳﻌﻲ ﻫﺠﺎﺋﻲ، ﺑﺤﻴﺚ يعرّي اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ ﻣﻦ أﻳّﺔ ﻗﻴﻤﺔ إﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻧﺒﻴﻠﺔ، وﻳﺴﻠﺒﻪ اﻟﺤﻖّ ﻓﻲ اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻮﻗﻔﺎً وﻣﻌﺘﻘﺪاً. 

ﺗﺮاه ﻳﺠﺮّد ﺷﺮﻛﺎءه في اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ واﻟﻮﻃﻦ ﻣﻦ أﻳّﺔ ﻓﺮﺻﺔ ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ اﺳﺘﻴﺎﺋﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﻮﺿﻊ اﻟﻘﺎﺋﻢ: ﻫﻢ أﻋﺪاؤﻧﺎ… ﻧﻘﻄﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻄﺮ.

 هذا فضلاً ﻋﻦ اﺳﺘﺨﺪام ﻓﺎﺟﺮ ﻟﻸوﺗﺎر اﻟﺼﻮﺗﻴﺔ، واﻟﻠﻬﺠﺔ اﻟﻤﻠﻌﻠﻌﺔ اﻟﺠﻮﻓﺎء، وﺣﺮﻛﺎت اﻟﻴﺪﻳﻦ اﻟﺴﺮﻳﻌﺔ واﻟﺤﻤﻘﺎء.

ﻳﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﻌﺾ اﻟﺸﺘّﺎﻣﻴﻦ ﺑﺈرﺳﺎل ﺻﻮر ﺑﻮرﻧﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ، وإﻳﺤﺎءات ﺟﻨﺴﻴﺔ، ﺑﻬﺪف اﻟﻨﻴﻞ ﻣﻦ ﻛﺮاﻣﺔ اﻟﻤﺮﺳَﻞ إﻟﻴﻪ/ ا، واﻻﺳﺘﺨﻔﺎف بمكانته الاجتماعية والمهنية، وﻻ ﺿﻴﺮ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻰ اﻟﻤﺮﺳِﻞ ﻓﻲ ﻫﺘﻚ كرامة الأجساد واﺧﺘﻼق أﺣﺪاث ﻣﺸﺒﻮﻫﺔ ﺗﺘﻌﻠّﻖ ﺑﺎﻟﺸﺮف وﺼﻮن الكرامة واﻟﺤﺮﻣﺔ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ.

كيف نشأ شخص بهذه اﻟﺮداءة ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻮك واﻟﺨﻄﺎب واﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻵﺧﺮﻳﻦ؟ لنعد إلى اﻟﺤﻜﺎﻳﺔ أﻋﻼه… اﻟﻌﻨﻒ اﻟﻠﻔﻈﻲ ﻋﺪوى، وﻫﻮ ﻣﻜﺘﺴﺐ أوّلاً ﻣﻦ اﻟﺘﻨﺸﺌﺔ اﻷﺳﺮﻳﺔ، فذاك اﻟﺬي ﻳﻬﺪّدك ﺑﺄﻗﺬع اﻟﻌﺒﺎرات وﻳﻨﻌﺘﻚ بأقذر اﻟﺼﻔﺎت ﻋﻠﻰ ﻣﻮاﻗﻊ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻻ ﺗﻐﻔﻞ أﻧﻪ ﻓﻲ ﺻﻐﺮه ﻋﺎﻧﻰ ﻣﺎ ﺗﻌﺎﻧﻴﻪ أﻧﺖ ﻣﻦ ﻗِﺒﻠﻪ.

ﻣﺴﻜﻴﻦ ﻫﻮ، ﺗﻌﻠّﻢ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻻ يدري ﻛﻠﻤﺎت شائنة ﺗﻘﺸﻌﺮّ ﻟﻬﺎ اﻷﺑﺪان، وﺗﺸﻤﺌﺰّ ﻣﻨﻬﺎ اﻟﻨﻔﻮس. ﻗﺪ ﻻ ﻧﻠﻮﻣﻪ، ﻓﻬﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﺘﺴﺐ ﻣﻦ والديه ﻟﻐﺔ ﻣﻬﺬّﺑﺔ راﻗﻴﺔ ﻳﺮدّ ﺑﻬﺎ حتى على خصومه، أو رﺑﻤﺎ ﺗﺮﺑّﻰ ﻋﻠﻰ ﻳﺪيْ أب ذي ﺧﻠﻔﻴﺔ ذﻛﻮرﻳﺔ، ﺗﻤﻨﺤﻪ ﺣﻖّ اﻻﺳﺘﺌﺜﺎر ﺑﺎﻟﻜﻤﻴّﺔ واﻟﻨﻮﻋﻴﺔ ﻓﻲ آن ﻣﻌﺎً. ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ أن ﻳﻬﺠﻢ وﻳﻀﺮب وﻳﻌﺘﺪي، ﻗﺪ ﻳﻬﺪّدك ﺑﻜﺎﺗﻢ اﻟﺼﻮت، وﺛﻤّﺔ اﺣﺘﻤﺎل ﻛﺒﻴﺮ ﺑﺘﻨﻔﻴﺬ اﻷﻣﺮ، لا ﺳﻴّﻤﺎ إذا ﻛﺎن ﻋﻠﻰ ﻳﻘﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﺘﻐﻴﻴﺐ اﻟﺘﺎمّ ﻟﻸﺟﻬﺰة اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ. 

أذﻛﺮ أن إﺣﺪى اﻟﻄﺎﻟﺒﺎت ﻟﺠﺄت إﻟﻲّ ﻣﺮّة ﻟﺘﺒﻮح ﺑﻌﺬاﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﻌﺎﻣﻞ أﻣّﻬﺎ ﻣﻌﻬﺎ. اﺳﺘﻨﺘﺠﺖ ﻣﻦ أﻃﺮاف ﻣﻜﺎﺷﻔﺘﻬﺎ أن أﻣّﻬﺎ واﻗﻌﺔ ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻋﺪواﻧﻴﺔ اﻷب: ﻳﻬﻴﻨﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺮأى من أوﻻدﻫﺎ، وﻳﻬﺪّدﻫﺎ ﺑﺎﻟﻄﻼق ﺳﺎﻋﺔ ﻳﺸﺎء، وﻳﺤﺮﻣﻬﺎ من ﻣﺼﺮوﻓﻬﺎ اﻟﻤﺎﻟﻲ. ﻻ ﺷﻌﻮرﻳاً تستدخل اﻷمّ ﺳﻠﻮك اﻷب وﺗﺘﻤﺎﻫﻰ معه، ﻓﺘﺒﻌﺚ أﻟﻤﻬﺎ وأﺣﺎﺳﻴﺴﻬﺎ اﻟﻤﺴﻤﻮﻣﺔ ﻓﻲ وﺟﺪان ﺑﻨﺎﺗﻬﺎ، وﺗﺘﺠﻨّﺐ اﻟﺼﺒﻴﺎن اﻟﻤﺴﺘﻨﺪﻳﻦ إﻟﻰ ﻧﻔﻮذ أﺑﻴﻬﻢ وﺳﻠﻄﺘﻪ اﻟﺬﻛﻮرﻳﺔ.

بالأمس، ﻫﺬه اﻟﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎﻟﺬات اﻟﺘﻲ ﺳﺎﻧﺪﺗﻬﺎ ﻣﻌﻨﻮﻳﺎً ودﻋﻤﺘﻬﺎ ﻋﺎﻃﻔﻴﺎً ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أﻧﻬﺎ إﺣﺪى ﺑﻨﺎﺗﻲ، دﺧﻠﺖ إﻟﻰ ﺻﻔﺤﺘﻲ الفيسبوكية متلصّصة، ﻓﺸﺘﻤﺘﻨﻲ وﻧﻌﺘﺘﻨﻲ ﺑﺎﻟﻌﻤﻴﻠﺔ!

أﺗﺴﺎءل أﺣﻴﺎﻧﺎً، ﻃﺎﻟﻤﺎ أن دور اﻟﻌﺒﺎدة ﻣﻨﺘﺸﺮة ﺑﻌﺪد ﻛﺒﻴﺮ ﺣﻴﺜﻤﺎ ﺣﻠﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن، وﺑﻤﺎ أن ﻣﻈﺎﻫﺮ اﻻﻟﺘﺰام اﻟﺪﻳﻨﻲ ﻣﺘﻔﺸّﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺪّ اﻟﻌﻴﻦ واﻟﺒﺼﺮ، ﻣﻦ أﻳﻦ ﺗﻨﺒﻊ ﻫﺬه اﻟﺮذاﺋﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ؟ ﻣﺎ ﺳﺮّ اﻻﻧﺤﺪار اﻟﻘﻴﻤﻲ اﻟﺬي ﻧﻌﺎﻧﻴﻪ؟ لقد اﺳﺘﺜﻤﺮ رﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻤﻨﺎﺑﺮ ﻟﻠﺘﺤﺮﻳﺾ وﺑﺚّ اﻟﻔﺘﻦ، واﻟﺪﻋﻮة إﻟﻰ اﻟﺘﻤﺴّﻚ ﺑﻘﺸﻮر اﻟﺪﻳﻦ، ﻓﺘﻐﺎﻓﻠﻮا ﻋﻦ اﻟﺘﺒﺸﻴﺮ ﺑﺎﻟﺴﻠﻮك اﻟﺤﺴﻦ واﻟﺠﻴﺮة اﻟﻄﻴّﺒﺔ واﻟﺤﺲّ اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻟﻤﺘﺤﻀّﺮ. 

ﻧﺎدراً ﻣﺎ ﻧﺴﻤﻊ ﺷﻴﺨﺎً ﻳﻮﺿﺢ ﻟﻠﻨﺎس اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻸﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮوف واﻟﻨﻬﻲ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ، وتوطيد اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﻨﺎس، وﺗﺮﺷﻴﺪ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ وﻣﻜﺎﻓﺤﺔ اﻟﻔﺴﺎد، ﺧﺪﻣﺔ ﻟﻠﺸﺄن اﻟﻌﺎمّ. 

ﻟﻸﺳﻒ، ﻳﻨﺤﻮ رﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ إﻟﻰ ﻣﻤﺎﻷة اﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ وﻣﺪح “إﻧﺠﺎزاﺗﻬﺎ” اﻟﻮﻫﻤﻴﺔ، ﻃﻤﻌﺎً ﻓﻲ ﻣﻜﺴﺐ ﻫﻨﺎ أو ﻧﻔﻮذ ﻫﻨﺎك. رﺟﻞ اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻔﺎﺳﺪ ذاﺗﻪ ﻳﺠﻬﻞ أﻧﻪ ﻳﺸﻜّﻞ ﻓﻲ ﻣﺨﻴّﻠﺔ اﻟﺸﺒﺎب أﺑﺎً رﻣﺰﻳﺎً – ﻏﻴﺮ ﺑﻴﻮﻟﻮﺟﻲ- ﻳﺘﻤﺎﻫﻮن معه وﻳﺘﺄﺛّﺮون به، وهذا ﻣﺎ ﻳﻔﺴّﺮ ﺗﻔﻠّﺖ ﺟﻴﻞ اﻟﻤﺮاﻫﻘﻴﻦ واﻟﺸﺒﺎب ﻣﻦ أيّ ﻋﻘﺎل أﺧﻼﻗﻲ وﺳﻠﻮﻛﻲ وﻟﻔﻈﻲ ﺗﺠﺎه اﻟﻤﻌﺎرﺿﻴﻦ ﻟﻬﻢ، وحتى إن كانوا أﻛﺒﺮ منهم سنّاً، وأﻋﻤﻖ ﺧﺒﺮة ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎة.

على اﻟﺼﻌﻴﺪ اﻟﻤﺪرﺳﻲ واﻟﺠﺎﻣﻌﻲ، ﻧﻌﻠﻢ أن ﻟﻜﻞّ ﺣﺰب وﻃﺎﺋﻔﺔ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن ﻣﺆﺳّﺴﺎﺗهما اﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻴﺔ اﻟﺨﺎﺻّﺔ بهما، إذاً، ﻣﻦ ﺑﺪﻳﻬﻴﺎﺗهما أدﻟﺠﺔ عقول اﻟﺘﻼﻣﻴﺬ واﻟﻄﻼب ﻋﻠﻰ ﻫﻮاهما، ﻓﻴﻔﺮزان إﻟﻰ ﺻﻠﺐ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ ﻋﻘﻮﻻً “ﻣﻌﻜﻮﻓﺔ” ـ ﻋﻠﻰ ﺣﺪّ ﺗﻌﺒﻴﺮ زﻳﺎد اﻟﺮﺣﺒﺎﻧﻲ- وﻓﺎرﻏﺔ ﻻ ﺗﻤﺘﻠﻚ اﻟﺤﺪّ اﻷدﻧﻰ ﻣﻦ اﻟﻜﻔﺎءة اﻟﺤﻮارﻳﺔ، واﻷﺳﻠﻮب اﻹﻗﻨﺎﻋﻲ، واﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ﺗﺒﺎدل اﻷﻓﻜﺎر واﻟﺘﺠﺎرب. 

ﻫﺬه اﻟﻌﻘﻮل اﻟﻤﺤﻨّﻄﺔ اﻟﻤﻬﺠﻮﺳﺔ بفائض اﻟﻘﻮّة واﻟﺴﻼح، واﻟﻤﻬﻮوﺳﺔ بـ”اﻟﻤﺮﺟَﻠﺔ” واﻟﺼﺮاخ واﻟﺸﺘﻢ، ﻫﻲ اﻟﻄﺎﻋﻮن اﻟﺬي أردى اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻋﺎﻣّﺔ، واﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ بخاصة (كان أﺟﺪادﻧﺎ ﻳﻘﻮﻟﻮن إن ﻛﻠﺐ اﻟﻤﻴﺮ مير).

 يستحيل إﻋﺎدة ﺗﺮﻣﻴﻢ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ وﺳﻂ ذﻫﻨﻴﺎت ﻣﺮَﺿﻴﺔ اﺳﺘﻌﻼﺋﻴﺔ، فما ﻧﻮاجهه ﻋﻠﻰ ﻣﻨﺼّﺎت اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ هو ﺣﺎﻻت ﻣﺮﻋﺒﺔ لروّاد مصابين ﺑﺠﻨﻮن اﻻرﺗﻴﺎب واﻟﺸﻚّ واﻻﺿﻄﻬﺎد. 

وﻣﺎ أﺷﺮس اﻟﻤﻀﻄﻬَﺪ ﺣﻴﻦ ﻳﺼﺒﺢ ﻣﻀﻄﻬِداً: ﻳُﺴﻘِﻂ ﻧﻘﺎﺋﺼﻪ وﻋﻴﻮﺑﻪ وﻋﻘﺪه ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﻳﻦ. ﻫﻮ اﻟﻌﻤﻴﻞ، إﻧﻤﺎ يجد أنه ﻳﺤﻖّ ﻟﻪ اﺗّﻬﺎم اﻵﺧﺮﻳﻦ ﺑﺎﻟﻌﻤﺎﻟﺔ. ﻫﻮ اﻟﺨﺎﺋﻦ، ﻏﻴﺮ أﻧﻪ ﻳﺨﻮّﻧﻨﺎ. ﻫﻮ اﻟﻐﺒﻲ، وﻣﻊ ذﻟﻚ ﻳﺤﺎول استغباءنا.

هل نمتلك وﺳﻴﻠﺔ إﻋﻼﻣﻴﺔ ﻧﻌﺒّﺮ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻋﻦ ﺧﻄﺎب ﻣﺴﺘﻘﻴﻢ ﻧﺰﻳﻪ وﻣﻀﺎدّ ﻟﻤﻦ ﻳﺴﻴﺌﻮن إﻟﻴﻨﺎ؟ ﻛﻼ. 

إذاً، ﻟﻢَ ﻻ ﻧﺴﺘﻔﺴﺮ وﻧﺒﺤﺚ؟ هل نردّ ﻟﻬﻢ اﻟﺴﻦّ ﺑﺎﻟﺴﻦّ واﻟﻈﻠﻢ ﺑﺎﻟﻈﻠﻢ؟ ﻣﺎ ﻫﻜﺬا ترﺑّﻴﻨﺎ وﻻ ﻛﺴﺒﺖ أﻳﺪﻳﻨﺎ. هل تكفي منشوراتنا اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻋﻠﻰ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ؟ ﻟِﻢَ ﻻ ﻧﺆﺳّﺲ ﻣﻨﺼّﺎت ﺟﻤَﻌﻴﺔ ﺗﻘﻮّﻳﻨﺎ وﺗﺸﺠّﻌﻨﺎ وﺗﻤﻨﺤﻨﺎ اﻟﺜﻘﺔ واﻟﺼﻤﻮد ﻟﻤﻮاﺻﻠﺔ ﻣﺴﻴﺮﺗﻨﺎ ﻧﺤﻮ ﺑﻨﺎء دوﻟﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮن واﻟﻤﺆﺳّﺴﺎت واﻟﻌﺪل؟ ﻟﻤﺎذا ﻻ ﻧﺒﺤﺚ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﻛﻠّﻬﺎ ﻋﻦ ﻣﻘﺎهٍ ﻧﺠﺘﻤﻊ ﻓﻴﻬﺎ ﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ طروحاتنا اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ؟ ﻻ أرى حائلاً دون ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻫﺬه اﻟﻐﺎﻳﺔ. 

ﺑﻞ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ دﻋﻮة ﺣﺘﻰ اﻷﺷﺨﺎص اﻟﻤﻌﺘﺮﺿﻴﻦ ﻋﻠﻰ أﻓﻜﺎرﻧﺎ، ﻋﺴﺎﻫﻢ ﻳﺘﺨﻠّﻮن ﺗﺪرﻳﺠﻴﺎً ﻋﻦ ﻣﻼﻓﻈﻬﻢ اﻟﺒﻐﻴﻀﺔ، ﻓﻴﻜﺘﺸﻔﻮا أﻧﻨﺎ ﺑﺴﻄﺎء ﻓﻘﺮاء ﻏﻴﺮ ﻣﺄﺟﻮرﻳﻦ ولا متعاملين بالدولار ﻣﺜﻞ زﻋﻴﻤﻬﻢ! وﻋﺴﺎﻧﺎ ﻧﻌﻠّﻤﻬﻢ ﻣﻌﻨﻰ ﺑﻨﺎء اﻟﻮﻃﻦ ﺑﺮﻗﻲّ اﻟﺘﺨﺎﻃﺐ وﻧﺒﻞ اﻟﻌﺒﺎرة وإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﺘﻨﻮّع.

قال علي ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ: “ﺳُﻨّﺔ اﻟﻠﺌﺎم ﻗﺒﺢ اﻟﻜﻼم”، والسلام عليكم. 

07.04.2026
زمن القراءة: 6 minutes

اﻟﻌﻨﻒ اﻟﻠﻔﻈﻲ ﻋﺪوى، وﻫﻮ ﻣﻜﺘﺴﺐ أوّلاً ﻣﻦ اﻟﺘﻨﺸﺌﺔ اﻷﺳﺮﻳﺔ، فذاك اﻟﺬي ﻳﻬﺪّدك ﺑﺄﻗﺬع اﻟﻌﺒﺎرات وﻳﻨﻌﺘﻚ بأقذر اﻟﺼﻔﺎت ﻋﻠﻰ ﻣﻮاﻗﻊ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻻ ﺗﻐﻔﻞ أﻧﻪ ﻓﻲ ﺻﻐﺮه ﻋﺎﻧﻰ ﻣﺎ ﺗﻌﺎﻧﻴﻪ أﻧﺖ ﻣﻦ ﻗِﺒﻠﻪ.

تقول اﻟﺤﻜﺎﻳﺔ إن ﺳﺎﻋﻲ اﻟﺒﺮﻳﺪ ﻃﺮق اﻟﺒﺎب ليسلّم رﺳﺎﻟﺔ إﻟﻰ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ. بعدما ﻗﺮأ اﻟﺮﺟﻞ ﻣﻀﻤﻮن الرسالة، استشاط غضباً وبدأ يشرئبّ، ملقياً ﺑﺎﻟﻠﻌﻨﺎت واﻟﺸﺘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ زوﺟﺘﻪ.

الزوجة المسكينة التي ﻟﻢ ﺗﺪرِ ما إذا كانت اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺗﺨﺒﺮ زوﺟﻬﺎ ﺑﺈﻗﺎﻟﺘﻪ ﻣﻦ وﻇﻴﻔﺘﻪ اﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻳﺘﻘﻦ فيها مهارة واﺣﺪة، ما كان منها، كردّة فعل، إلا أن انهالت ﻋﻠﻰ اﺑﻨﻬﺎ ضرباً، وﻫﺬا اﻷﺧﻴﺮ ﻧﻔﺚ ﻏﻀﺒﻪ ﻋﻠﻰ أﺧﺘﻪ اﻟﺘﻲ ركلت اﻟﻬﺮّة اﻟﻀﻌﻴﻔﺔ بقدمها. 

هكذا ﺗﻨﺘﻘﻞ ﻋﺪوى اﻟﻌﻨﻒ اﻟﺠﺴﺪي واﻟﻠﻔﻈﻲ واﻟﺴﻠﻮﻛﻲ، ﺑﺤﻴﺚ ينفّس اﻟﻘﻮيّ ﺗﻌﻘﻴﺪاﺗﻪ اﻟﻼواﻋﻴﺔ ﻓﻲ وﺟﻪ أيّ ﻛﺎﺋﻦ ﺿﻌﻴﻒ ﻳﺼﺪف أن ﻳكون موجوداً أﻣﺎﻣﻪ.

 وﺑﻄﺒﻌﻪ، اﻹﻧﺴﺎن ﻛﺎﺋﻦ ﻳﺤﺘﺎج إﻟﻰ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﻣﻴﻮﻟﻪ وأﻓﻜﺎره وﻣﺸﺎﻋﺮه، ﺳﻮاء ﺑﺎﻹﻳﻤﺎءات أو ﻣﻼﻣﺢ اﻟﻮﺟﻪ وﺣﺮﻛﺔ اﻟﻌﻴﻨﻴﻦ، أو اﻟﻬﻤﻬﻤﺎت اﻟﻨﻄﻘﻴﺔ، أو اﻟﻠﻐﺔ واﻟﻜﺘﺎﺑﺔ… إﻧﻬﺎ رﺣﻠﺔ اﻟﺤﻀﺎرة اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﻤﻔﻌﻤﺔ ﺑﺎﻟﺠﻤﺎل واﻟﻤﺜﻘﻠﺔ ﺑﺎﻟﻘﺒﺢ ﻋﻠﻰ ﺣﺪّ ﺳﻮاء. 

ﻓﻤﻦ الناحية الأولى، ﺷﻬﺪت اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت ﻋﻠﻰ أﻧﻤﺎﻃﻬﺎ اﻟﻤﺘﻨﻮّﻋﺔ ﻋﻤﻠﻴّﺔ ﺗﺜﺎقف وﺗﻼﻗﺢ ﻛﺎدت أن ﺗﺠﻌﻞ ﻣﻦ اﻷرض كوكباً بهيّاً ﻣﻨﺴﺠﻤﺎً، غير أن اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻔﻄﻮر ﻋﻠﻰ اﻷﻧﺎﻧﻴﺔ واﻟﺠﺸﻊ واﻻﺳﺘﺌﺜﺎر ﺑﻜﻞّ ﺷﻲء ﻟﻤﺼﻠﺤﺘﻪ، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺣﺮّﻳﺔ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ اﻵراء واﻟﻤﻮاﻗﻒ على المستويات كافّة.

في مطلع اﻷﻟﻔﻴﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ، ﻇﻦّ ﻛﺜﻴﺮون- وأﻧﺎ ﻣﻨﻬﻢ – أن اﻟﻘﺮن اﻟﺤﺎدي واﻟﻌﺸﺮﻳﻦ ﺳﻳﺘﺠﺎوز العصبيّات اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ واﻟﺪﻳﻨﻴﺔ، وسيفتتح ﻧﻬﻀﺔ ﺟﺪﻳﺪة ﻟﻠﺒﺸﺮﻳﺔ: ﻋﻠﻤﺎً وﺗﻘﺎﻧﺔ وﻓﻠﺴﻔﺔ وأدﺑﺎً وﻓﻨّﺎً. ﺗﻮﻫّﻤﻨﺎ أن ﺟﺴﻮر اﻟﺘﻮاﺻﻞ ﺑﻴﻦ اﻟﺒﻠﺪان واﻟﺸﻌﻮب واﻟﺤﻜﻮﻣﺎت ﻗﺪ ﺗﺮﺳّﺨﺖ، وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺳﺘﻌﺰّز الأﻟﻔﺔ واﻟﺴﻼم واﻟﺘﺴﺎﻣﺢ وﻗﺒﻮل اﻵﺧﺮ، ﺑﻤﻌﺰل ﻋﻦ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ واﻟﺠﻨﺲ واﻟﻌﺮق واﻟﻤﻌﺘﻘﺪ والاﻧﺘﻤﺎء اﻟﺤﺰﺑﻲ واﻟﺴﻴﺎﺳﻲ. 

ﺑﻴﺪ أن ﺧﻴﺒﺔ اﻷﻣﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻮارى ﺧﻠﻒ اﻷﺑﻮاب، ﻓﺎﻷﻃﻤﺎع الاﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻟﻤﺎﻟﻴﺔ أﻃﺎﺣﺖ ﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﻘﻴﻢ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ، واﻟﻌﻨﻒ ﺑﻠﻎ ﻣﻦ اﻟﺤﺪّة ﻣﺎ ﻳﺮوّع اﻟﺠﺒﺎل – ﻻ ﻧﻨسى ﻏﺰو اﻟﻌﺮاق في ﻋﺎم 2003، وﻻ أوﺿﺎع ﺳﻮرﻳﺎ ﻓﻲ ﻇﻞّ أﺳﻮأ دﻛﺘﺎﺗﻮرﻳﺔ اﺳﺘﺒﺪادﻳﺔ دﻣﻮﻳﺔ ﺷﻬﺪﻫﺎ اﻟﺘﺎرﻳﺦ، وﻻ اﻟﻌﺪوان اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ اﻟﻤﺘﻮﺣّﺶ ﻋﻠﻰ ﻏﺰّة، أو اﻟﻤﺠﺎزر واﻟﻔﻈﺎﺋﻊ اﻟﻤﺮﺗﻜَﺒﺔ ﻓﻲ اﻟﺴﻮدان.

 أﻣﺎ ﻟﺒﻨﺎن، ﻓﻘﺪ ﻋﺎﻧﻰ ﺷﺘّﻰ أﻧﻮاع اﻟﻨﻜﺒﺎت واﻷزﻣﺎت واﻟﺤﺮوب واﻟﺘﻔﺠﻴﺮات، آﺧﺮﻫﺎ ﺗﻔﺠﻴﺮ ﻣﺮﻓﺄ ﺑﻴﺮوت ﻓﻲ 4 آب/ أغسطس 2020، ﻧﺎﻫﻴﻚ بمجموعة اﻻﻏﺘﻴﺎﻻت اﻟﺘﻲ ﻃﺎوﻟﺖ ﻫﺎﻣﺎت ﻟﺒﻨﺎﻧﻴﺔ ﻓﻜﺮﻳﺔ وﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻋﻈﻤﻰ، لينتكب الآن بحرب إسرائيلية طاحنة لا أفق واضح كيف ستنتهي. 

توسّعت اﻟﻬﻮّة ﻛﺎﻟﻌﺎدة، ﺑﻴﻦ اﻷﻃﺮاف واﻷﺣﺰاب واﻟﻄﻮاﺋﻒ في بلد صغير ضئيل الموارد، ضعيف اﻟﻤﺆﺳّﺴﺎت اﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ، أﻧﻬﻜﺘﻪ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﺣﺎﻛﻤﺔ ﻓﺎﺳﺪة، ﻧﻬﺒﺖ وداﺋﻊ اﻟﻨﺎس ﻓﻲ اﻟﻤﺼﺎرف، واﺳﺘﺤﻜﻤﺖ ﺑﻤﻔﺎﺻﻞ اﻟﺪوﻟﺔ، واﺳﺘﺄﺛﺮت ﺑﺎﻟﻤﻐﺎﻧﻢ واﻟﻤﺼﺎﻟﺢ، ﻓﺄﺻﺒﺢ اﻻﺳﺘﺰﻻم اﻟﻮﺿﻴﻊ ﻟﺰﻋﻴﻢ اﻟﻄﺎﺋﻔﺔ وﻟﻘﺎﺋﺪ اﻟﺤﺰب ﻫﻮ اﻟﻘﺎﻋﺪة، بينما اﻻﺣﺘﻜﺎم إﻟﻰ اﻟﺪﺳﺘﻮر واﻟﺴﻠﻄﺎت اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ واﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ واﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻫﻮ اﻻﺳﺘﺜﻨﺎء.

 إذاً، ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن، وعلى رﻏﻢ اﻧﻐﻤﺎس اﻟﻤﻮاﻃﻦ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ اﻟﻼﻓﺖ ﻓﻲ ﻣﻮاﻛﺒﺔ اﻟﺘﻘﺪّم اﻟﺘﻜﻨﻮ- ﺗﻮاﺻﻠﻲ، هالنا ما نراه ﻣﻦ ﺗﻔﻜّﻚ وﻃﻨﻲ، وخطاب سياسي عنفي فوقي، بالتالي ﻻ ﻣﻔﺮّ ﻣﻦ ﻃﺮح إﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﺳﻴﻜﻮ- ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ، هل لا يزال ممكناً ﺗﺄﺳﻴﺲ ﺧﻄﺎب ﺳﻴﺎﺳﻲ وﻃﻨﻲ ﻳﺠﻤﻊ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻴﻴﻦ؟

ﺑﻮاﻗﻌﻴﺔ ﺳﻠﻴﻤﺔ، اﻹﺟﺎﺑﺔ: ﻻ. ﺑﻞ ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻫﺬا اﻟﻬدف، لكن ﻟﻤﺎذا؟ لأننا لا نمتلك أدوات اﻟﺘﺮﺑﻴﺔ اﻷﺳﺮﻳﺔ واﻟﻤﺪرﺳﻴﺔ واﻟﻜﺸﻔﻴﺔ واﻟﺠﺎﻣﻌﻴﺔ واﻟﺤﺰﺑﻴﺔ اﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﻓﻲ إﻧﺠﺎز ﻣﻬﻤّﺔ ﻛﻬﺬه. ﻳﻜﻔﻲ أن ﻧﻼﺣﻆ ﻣﺼﺎدرة اﻵﺧﺮ ﻟﻶﺧﺮ في اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ اﻟﻮاﺣﺪة، بحيث ﻳﺘﺤﻮّل اﻟﺘﻨﻮّع اﻟﻐﻨﻲّ إﻟﻰ ﺻﺮاع. وﻓﻲ اﻟﺼﻒ اﻟﻮاﺣﺪ أﻳﻀﺎً، وﻓﻲ اﻟﺤﻲّ واﻟﺴﻮق واﻟﺼﻴﺪﻟﻴﺔ والجامعة، ﻳﺘﻨﺎﺣﺮ اللبنانيون ﻋﻠﻰ أﺗﻔﻪ اﻷﺳﺒﺎب: أﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺻﻮاب، وأﻧﺖ ﻣﺨﻄﺊ، وﺑﺪل اﻟﻤﺤﺎﺟﺠﺔ اﻟﻤﻨﻄﻘﻴﺔ، تسود ﻟﻐﺔ اﻟﺸﺘﺎﺋﻢ واﻟﻘﺬاﺋﻊ.

وﻓﻖ اﻟﻤﺬﻫﺐ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ، اﻟﺸﺘﻴﻤﺔ ﺗﻨﻘﺾ اﻟﻮﺿﻮء؛ ﻓﻤَﻦ ﺻﺪر ﻣﻨﻪ ﻓﺤﺶ اﻟﻘﻮل وﺑﺬاءة اﻟﻜﻼم ﻋﻠﻴﻪ أن ﻳﺠﺪّد وﺿﻮءه، وﻗﺪ ﻗﺎل اﻟﺴيّد اﻟﻤﺴﻴﺢ “ﻟﻴﺲ اﻟﻨﺠﺲ ﻣﺎ ﻳﺪﺧﻞ اﻟﻔﻢ، ﺑﻞ ﻣﺎ ﻳﺨﺮج ﻣﻦ اﻟﻔﻢ ﻫﻮ اﻟﺬي ﻳﻨﺠّﺲ”، وﻓﻲ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﻓﺮوﻳﺪ ﻓﻲ اﻟﺘﺤﻠﻴﻞ اﻟﻨﻔﺴﻲ، اﻟﺸﺘﻴﻤﺔ ﻫﻲ آليّة دﻓﺎﻋﻴﺔ ﻟﺘﻔﺮﻳﻎ اﻟﻐﻀﺐ اﻟﻤﻜﺒﻮت واﻟﺘﻮﺗّﺮ واﻟﻬﻮاﺟﺲ، مثلاً: هاجس الهزيمة، اﻟﻘﻠﻖ ﻣﻦ اﻹﺣﺒﺎط واﻟﺘﻬﻤﻴﺶ؛ ﺗﺠﻨّﺐ اﻟﺠﻠﺴﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﻠﺰم ﻧﻘﺎﺷﺎً ﻣﻌﺮﻓﻴﺎً وﻓﻜﺮاً ﻋﻤﻴﻘﺎً.

 ﻓﻤﺘﻰ ﻛﺎن اﻟﻤﺮء ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ وﻫﻦ وﺿﻌﻒ وﻧﻘﺺ، ﺳﻴﻠﺠﺄ إﻟﻰ ﺧﻄﺎب اﻟﺴﺒﺎب ﺗﻔﺎدﻳﺎً ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ، ﻳﺮﻓﺾ اﻻﻋﺘﺮاف ﺑﺎﻧﻜﺴﺎره، ﻳﺼﺮخ ﺑﺼﻮت ﺗﻘﺮﻳﻌﻲ ﻫﺠﺎﺋﻲ، ﺑﺤﻴﺚ يعرّي اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ ﻣﻦ أﻳّﺔ ﻗﻴﻤﺔ إﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻧﺒﻴﻠﺔ، وﻳﺴﻠﺒﻪ اﻟﺤﻖّ ﻓﻲ اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻮﻗﻔﺎً وﻣﻌﺘﻘﺪاً. 

ﺗﺮاه ﻳﺠﺮّد ﺷﺮﻛﺎءه في اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ واﻟﻮﻃﻦ ﻣﻦ أﻳّﺔ ﻓﺮﺻﺔ ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ اﺳﺘﻴﺎﺋﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﻮﺿﻊ اﻟﻘﺎﺋﻢ: ﻫﻢ أﻋﺪاؤﻧﺎ… ﻧﻘﻄﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻄﺮ.

 هذا فضلاً ﻋﻦ اﺳﺘﺨﺪام ﻓﺎﺟﺮ ﻟﻸوﺗﺎر اﻟﺼﻮﺗﻴﺔ، واﻟﻠﻬﺠﺔ اﻟﻤﻠﻌﻠﻌﺔ اﻟﺠﻮﻓﺎء، وﺣﺮﻛﺎت اﻟﻴﺪﻳﻦ اﻟﺴﺮﻳﻌﺔ واﻟﺤﻤﻘﺎء.

ﻳﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﻌﺾ اﻟﺸﺘّﺎﻣﻴﻦ ﺑﺈرﺳﺎل ﺻﻮر ﺑﻮرﻧﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ، وإﻳﺤﺎءات ﺟﻨﺴﻴﺔ، ﺑﻬﺪف اﻟﻨﻴﻞ ﻣﻦ ﻛﺮاﻣﺔ اﻟﻤﺮﺳَﻞ إﻟﻴﻪ/ ا، واﻻﺳﺘﺨﻔﺎف بمكانته الاجتماعية والمهنية، وﻻ ﺿﻴﺮ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻰ اﻟﻤﺮﺳِﻞ ﻓﻲ ﻫﺘﻚ كرامة الأجساد واﺧﺘﻼق أﺣﺪاث ﻣﺸﺒﻮﻫﺔ ﺗﺘﻌﻠّﻖ ﺑﺎﻟﺸﺮف وﺼﻮن الكرامة واﻟﺤﺮﻣﺔ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ.

كيف نشأ شخص بهذه اﻟﺮداءة ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻮك واﻟﺨﻄﺎب واﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻵﺧﺮﻳﻦ؟ لنعد إلى اﻟﺤﻜﺎﻳﺔ أﻋﻼه… اﻟﻌﻨﻒ اﻟﻠﻔﻈﻲ ﻋﺪوى، وﻫﻮ ﻣﻜﺘﺴﺐ أوّلاً ﻣﻦ اﻟﺘﻨﺸﺌﺔ اﻷﺳﺮﻳﺔ، فذاك اﻟﺬي ﻳﻬﺪّدك ﺑﺄﻗﺬع اﻟﻌﺒﺎرات وﻳﻨﻌﺘﻚ بأقذر اﻟﺼﻔﺎت ﻋﻠﻰ ﻣﻮاﻗﻊ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻻ ﺗﻐﻔﻞ أﻧﻪ ﻓﻲ ﺻﻐﺮه ﻋﺎﻧﻰ ﻣﺎ ﺗﻌﺎﻧﻴﻪ أﻧﺖ ﻣﻦ ﻗِﺒﻠﻪ.

ﻣﺴﻜﻴﻦ ﻫﻮ، ﺗﻌﻠّﻢ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻻ يدري ﻛﻠﻤﺎت شائنة ﺗﻘﺸﻌﺮّ ﻟﻬﺎ اﻷﺑﺪان، وﺗﺸﻤﺌﺰّ ﻣﻨﻬﺎ اﻟﻨﻔﻮس. ﻗﺪ ﻻ ﻧﻠﻮﻣﻪ، ﻓﻬﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﺘﺴﺐ ﻣﻦ والديه ﻟﻐﺔ ﻣﻬﺬّﺑﺔ راﻗﻴﺔ ﻳﺮدّ ﺑﻬﺎ حتى على خصومه، أو رﺑﻤﺎ ﺗﺮﺑّﻰ ﻋﻠﻰ ﻳﺪيْ أب ذي ﺧﻠﻔﻴﺔ ذﻛﻮرﻳﺔ، ﺗﻤﻨﺤﻪ ﺣﻖّ اﻻﺳﺘﺌﺜﺎر ﺑﺎﻟﻜﻤﻴّﺔ واﻟﻨﻮﻋﻴﺔ ﻓﻲ آن ﻣﻌﺎً. ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ أن ﻳﻬﺠﻢ وﻳﻀﺮب وﻳﻌﺘﺪي، ﻗﺪ ﻳﻬﺪّدك ﺑﻜﺎﺗﻢ اﻟﺼﻮت، وﺛﻤّﺔ اﺣﺘﻤﺎل ﻛﺒﻴﺮ ﺑﺘﻨﻔﻴﺬ اﻷﻣﺮ، لا ﺳﻴّﻤﺎ إذا ﻛﺎن ﻋﻠﻰ ﻳﻘﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﺘﻐﻴﻴﺐ اﻟﺘﺎمّ ﻟﻸﺟﻬﺰة اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ. 

أذﻛﺮ أن إﺣﺪى اﻟﻄﺎﻟﺒﺎت ﻟﺠﺄت إﻟﻲّ ﻣﺮّة ﻟﺘﺒﻮح ﺑﻌﺬاﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﻌﺎﻣﻞ أﻣّﻬﺎ ﻣﻌﻬﺎ. اﺳﺘﻨﺘﺠﺖ ﻣﻦ أﻃﺮاف ﻣﻜﺎﺷﻔﺘﻬﺎ أن أﻣّﻬﺎ واﻗﻌﺔ ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻋﺪواﻧﻴﺔ اﻷب: ﻳﻬﻴﻨﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺮأى من أوﻻدﻫﺎ، وﻳﻬﺪّدﻫﺎ ﺑﺎﻟﻄﻼق ﺳﺎﻋﺔ ﻳﺸﺎء، وﻳﺤﺮﻣﻬﺎ من ﻣﺼﺮوﻓﻬﺎ اﻟﻤﺎﻟﻲ. ﻻ ﺷﻌﻮرﻳاً تستدخل اﻷمّ ﺳﻠﻮك اﻷب وﺗﺘﻤﺎﻫﻰ معه، ﻓﺘﺒﻌﺚ أﻟﻤﻬﺎ وأﺣﺎﺳﻴﺴﻬﺎ اﻟﻤﺴﻤﻮﻣﺔ ﻓﻲ وﺟﺪان ﺑﻨﺎﺗﻬﺎ، وﺗﺘﺠﻨّﺐ اﻟﺼﺒﻴﺎن اﻟﻤﺴﺘﻨﺪﻳﻦ إﻟﻰ ﻧﻔﻮذ أﺑﻴﻬﻢ وﺳﻠﻄﺘﻪ اﻟﺬﻛﻮرﻳﺔ.

بالأمس، ﻫﺬه اﻟﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎﻟﺬات اﻟﺘﻲ ﺳﺎﻧﺪﺗﻬﺎ ﻣﻌﻨﻮﻳﺎً ودﻋﻤﺘﻬﺎ ﻋﺎﻃﻔﻴﺎً ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أﻧﻬﺎ إﺣﺪى ﺑﻨﺎﺗﻲ، دﺧﻠﺖ إﻟﻰ ﺻﻔﺤﺘﻲ الفيسبوكية متلصّصة، ﻓﺸﺘﻤﺘﻨﻲ وﻧﻌﺘﺘﻨﻲ ﺑﺎﻟﻌﻤﻴﻠﺔ!

أﺗﺴﺎءل أﺣﻴﺎﻧﺎً، ﻃﺎﻟﻤﺎ أن دور اﻟﻌﺒﺎدة ﻣﻨﺘﺸﺮة ﺑﻌﺪد ﻛﺒﻴﺮ ﺣﻴﺜﻤﺎ ﺣﻠﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن، وﺑﻤﺎ أن ﻣﻈﺎﻫﺮ اﻻﻟﺘﺰام اﻟﺪﻳﻨﻲ ﻣﺘﻔﺸّﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺪّ اﻟﻌﻴﻦ واﻟﺒﺼﺮ، ﻣﻦ أﻳﻦ ﺗﻨﺒﻊ ﻫﺬه اﻟﺮذاﺋﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ؟ ﻣﺎ ﺳﺮّ اﻻﻧﺤﺪار اﻟﻘﻴﻤﻲ اﻟﺬي ﻧﻌﺎﻧﻴﻪ؟ لقد اﺳﺘﺜﻤﺮ رﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻤﻨﺎﺑﺮ ﻟﻠﺘﺤﺮﻳﺾ وﺑﺚّ اﻟﻔﺘﻦ، واﻟﺪﻋﻮة إﻟﻰ اﻟﺘﻤﺴّﻚ ﺑﻘﺸﻮر اﻟﺪﻳﻦ، ﻓﺘﻐﺎﻓﻠﻮا ﻋﻦ اﻟﺘﺒﺸﻴﺮ ﺑﺎﻟﺴﻠﻮك اﻟﺤﺴﻦ واﻟﺠﻴﺮة اﻟﻄﻴّﺒﺔ واﻟﺤﺲّ اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻟﻤﺘﺤﻀّﺮ. 

ﻧﺎدراً ﻣﺎ ﻧﺴﻤﻊ ﺷﻴﺨﺎً ﻳﻮﺿﺢ ﻟﻠﻨﺎس اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻸﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮوف واﻟﻨﻬﻲ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ، وتوطيد اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﻨﺎس، وﺗﺮﺷﻴﺪ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ وﻣﻜﺎﻓﺤﺔ اﻟﻔﺴﺎد، ﺧﺪﻣﺔ ﻟﻠﺸﺄن اﻟﻌﺎمّ. 

ﻟﻸﺳﻒ، ﻳﻨﺤﻮ رﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ إﻟﻰ ﻣﻤﺎﻷة اﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ وﻣﺪح “إﻧﺠﺎزاﺗﻬﺎ” اﻟﻮﻫﻤﻴﺔ، ﻃﻤﻌﺎً ﻓﻲ ﻣﻜﺴﺐ ﻫﻨﺎ أو ﻧﻔﻮذ ﻫﻨﺎك. رﺟﻞ اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻔﺎﺳﺪ ذاﺗﻪ ﻳﺠﻬﻞ أﻧﻪ ﻳﺸﻜّﻞ ﻓﻲ ﻣﺨﻴّﻠﺔ اﻟﺸﺒﺎب أﺑﺎً رﻣﺰﻳﺎً – ﻏﻴﺮ ﺑﻴﻮﻟﻮﺟﻲ- ﻳﺘﻤﺎﻫﻮن معه وﻳﺘﺄﺛّﺮون به، وهذا ﻣﺎ ﻳﻔﺴّﺮ ﺗﻔﻠّﺖ ﺟﻴﻞ اﻟﻤﺮاﻫﻘﻴﻦ واﻟﺸﺒﺎب ﻣﻦ أيّ ﻋﻘﺎل أﺧﻼﻗﻲ وﺳﻠﻮﻛﻲ وﻟﻔﻈﻲ ﺗﺠﺎه اﻟﻤﻌﺎرﺿﻴﻦ ﻟﻬﻢ، وحتى إن كانوا أﻛﺒﺮ منهم سنّاً، وأﻋﻤﻖ ﺧﺒﺮة ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎة.

على اﻟﺼﻌﻴﺪ اﻟﻤﺪرﺳﻲ واﻟﺠﺎﻣﻌﻲ، ﻧﻌﻠﻢ أن ﻟﻜﻞّ ﺣﺰب وﻃﺎﺋﻔﺔ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن ﻣﺆﺳّﺴﺎﺗهما اﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻴﺔ اﻟﺨﺎﺻّﺔ بهما، إذاً، ﻣﻦ ﺑﺪﻳﻬﻴﺎﺗهما أدﻟﺠﺔ عقول اﻟﺘﻼﻣﻴﺬ واﻟﻄﻼب ﻋﻠﻰ ﻫﻮاهما، ﻓﻴﻔﺮزان إﻟﻰ ﺻﻠﺐ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ ﻋﻘﻮﻻً “ﻣﻌﻜﻮﻓﺔ” ـ ﻋﻠﻰ ﺣﺪّ ﺗﻌﺒﻴﺮ زﻳﺎد اﻟﺮﺣﺒﺎﻧﻲ- وﻓﺎرﻏﺔ ﻻ ﺗﻤﺘﻠﻚ اﻟﺤﺪّ اﻷدﻧﻰ ﻣﻦ اﻟﻜﻔﺎءة اﻟﺤﻮارﻳﺔ، واﻷﺳﻠﻮب اﻹﻗﻨﺎﻋﻲ، واﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ﺗﺒﺎدل اﻷﻓﻜﺎر واﻟﺘﺠﺎرب. 

ﻫﺬه اﻟﻌﻘﻮل اﻟﻤﺤﻨّﻄﺔ اﻟﻤﻬﺠﻮﺳﺔ بفائض اﻟﻘﻮّة واﻟﺴﻼح، واﻟﻤﻬﻮوﺳﺔ بـ”اﻟﻤﺮﺟَﻠﺔ” واﻟﺼﺮاخ واﻟﺸﺘﻢ، ﻫﻲ اﻟﻄﺎﻋﻮن اﻟﺬي أردى اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻋﺎﻣّﺔ، واﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ بخاصة (كان أﺟﺪادﻧﺎ ﻳﻘﻮﻟﻮن إن ﻛﻠﺐ اﻟﻤﻴﺮ مير).

 يستحيل إﻋﺎدة ﺗﺮﻣﻴﻢ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ وﺳﻂ ذﻫﻨﻴﺎت ﻣﺮَﺿﻴﺔ اﺳﺘﻌﻼﺋﻴﺔ، فما ﻧﻮاجهه ﻋﻠﻰ ﻣﻨﺼّﺎت اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ هو ﺣﺎﻻت ﻣﺮﻋﺒﺔ لروّاد مصابين ﺑﺠﻨﻮن اﻻرﺗﻴﺎب واﻟﺸﻚّ واﻻﺿﻄﻬﺎد. 

وﻣﺎ أﺷﺮس اﻟﻤﻀﻄﻬَﺪ ﺣﻴﻦ ﻳﺼﺒﺢ ﻣﻀﻄﻬِداً: ﻳُﺴﻘِﻂ ﻧﻘﺎﺋﺼﻪ وﻋﻴﻮﺑﻪ وﻋﻘﺪه ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﻳﻦ. ﻫﻮ اﻟﻌﻤﻴﻞ، إﻧﻤﺎ يجد أنه ﻳﺤﻖّ ﻟﻪ اﺗّﻬﺎم اﻵﺧﺮﻳﻦ ﺑﺎﻟﻌﻤﺎﻟﺔ. ﻫﻮ اﻟﺨﺎﺋﻦ، ﻏﻴﺮ أﻧﻪ ﻳﺨﻮّﻧﻨﺎ. ﻫﻮ اﻟﻐﺒﻲ، وﻣﻊ ذﻟﻚ ﻳﺤﺎول استغباءنا.

هل نمتلك وﺳﻴﻠﺔ إﻋﻼﻣﻴﺔ ﻧﻌﺒّﺮ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻋﻦ ﺧﻄﺎب ﻣﺴﺘﻘﻴﻢ ﻧﺰﻳﻪ وﻣﻀﺎدّ ﻟﻤﻦ ﻳﺴﻴﺌﻮن إﻟﻴﻨﺎ؟ ﻛﻼ. 

إذاً، ﻟﻢَ ﻻ ﻧﺴﺘﻔﺴﺮ وﻧﺒﺤﺚ؟ هل نردّ ﻟﻬﻢ اﻟﺴﻦّ ﺑﺎﻟﺴﻦّ واﻟﻈﻠﻢ ﺑﺎﻟﻈﻠﻢ؟ ﻣﺎ ﻫﻜﺬا ترﺑّﻴﻨﺎ وﻻ ﻛﺴﺒﺖ أﻳﺪﻳﻨﺎ. هل تكفي منشوراتنا اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻋﻠﻰ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ؟ ﻟِﻢَ ﻻ ﻧﺆﺳّﺲ ﻣﻨﺼّﺎت ﺟﻤَﻌﻴﺔ ﺗﻘﻮّﻳﻨﺎ وﺗﺸﺠّﻌﻨﺎ وﺗﻤﻨﺤﻨﺎ اﻟﺜﻘﺔ واﻟﺼﻤﻮد ﻟﻤﻮاﺻﻠﺔ ﻣﺴﻴﺮﺗﻨﺎ ﻧﺤﻮ ﺑﻨﺎء دوﻟﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮن واﻟﻤﺆﺳّﺴﺎت واﻟﻌﺪل؟ ﻟﻤﺎذا ﻻ ﻧﺒﺤﺚ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﻛﻠّﻬﺎ ﻋﻦ ﻣﻘﺎهٍ ﻧﺠﺘﻤﻊ ﻓﻴﻬﺎ ﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ طروحاتنا اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ؟ ﻻ أرى حائلاً دون ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻫﺬه اﻟﻐﺎﻳﺔ. 

ﺑﻞ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ دﻋﻮة ﺣﺘﻰ اﻷﺷﺨﺎص اﻟﻤﻌﺘﺮﺿﻴﻦ ﻋﻠﻰ أﻓﻜﺎرﻧﺎ، ﻋﺴﺎﻫﻢ ﻳﺘﺨﻠّﻮن ﺗﺪرﻳﺠﻴﺎً ﻋﻦ ﻣﻼﻓﻈﻬﻢ اﻟﺒﻐﻴﻀﺔ، ﻓﻴﻜﺘﺸﻔﻮا أﻧﻨﺎ ﺑﺴﻄﺎء ﻓﻘﺮاء ﻏﻴﺮ ﻣﺄﺟﻮرﻳﻦ ولا متعاملين بالدولار ﻣﺜﻞ زﻋﻴﻤﻬﻢ! وﻋﺴﺎﻧﺎ ﻧﻌﻠّﻤﻬﻢ ﻣﻌﻨﻰ ﺑﻨﺎء اﻟﻮﻃﻦ ﺑﺮﻗﻲّ اﻟﺘﺨﺎﻃﺐ وﻧﺒﻞ اﻟﻌﺒﺎرة وإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﺘﻨﻮّع.

قال علي ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ: “ﺳُﻨّﺔ اﻟﻠﺌﺎم ﻗﺒﺢ اﻟﻜﻼم”، والسلام عليكم.