ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لقد عثرنا على شبح مرفأ بيروت

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إلى من كانت موجّهة شحنة نترات الأمونيوم التي خُزِّنت في مرفأ بيروت عام 2013؟ ولماذا بقيت هناك لمدة سبع سنوات، رغم تحذيرات عدة بشأن خطورتها؟ ولماذا اختفى جزء من الكمية؟ بعد أربع سنوات من الانفجار الذي أسفر عن 235 قتيلاً وأكثر من 6000 جريح، لا تزال التحقيقات تراوح مكانها، ويستمر الغموض حول المسؤوليات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

نشر هذا التحقيق في revue XXI

بعد تحقيقات مطوّلة، تمكنت مجلة «XXI» من تحديد شخصية محورية لم تكن معروفة من قبل: ألكسندر شيشكين، الوسيط الروسي الغامض الذي كان على صلة بمختلف الجهات المعنية بعملية التوريد. التقيناه في أحد فنادق إسطنبول خلال مواجهة متوتّرة.

الفصل الأول 

مستودع الألغاز

من دونه، حين خُزِّن نحو 3000 طن من نترات الأمونيوم لمدة سبع سنوات على أرصفة مرفأ بيروت، لما حدثت كارثة تدمير المرفأ. ألكسندر شيشكين هو الشبح في هذه القضية. شركته، Dreymoor Fertilizers، لم تكن يوماً موضع تساؤل في التحقيقات القضائية الجارية. هذا التاجر الروسي للأسمدة لم يُذكر اسمه أبداً.  

لم يستدعِه أي قاضٍ للاستجواب. ومع ذلك، لولا دوره، لما وصلت شحنة النترات التي تسببت بالكارثة إلى لبنان.  

فيما لا تزال التحقيقات القضائية في حالة جمود، يجلس الآن أمامنا، غارقاً في قائمة الطعام، يبحث عن أطباق تتناسب مع حساسيته الغذائية. قبل أن نلتقي به في هذا الفندق الفاخر في إسطنبول، المطل على مضيق البوسفور تحت شمس تشرين الأول/ أكتوبر الساطعة، طاردناه لمدة ثلاث سنوات.  

هناك غموض كبير يحيط بانفجار مرفأ بيروت، الى درجة أن قائمة الحقائق المؤكدة لا تتعدى البضعة أسطر. في 4 آب/ أغسطس 2020، اندلع حريق لم تُحدد أسبابه في العنبر رقم 12. في وقت متأخر من بعد الظهر، امتدت النيران إلى عنبر آخر، ما تسبب في انفجارين، أحدهما كان هائلاً. أسفر الانفجار عن مقتل 235 شخصاً وإصابة أكثر من 6000، فيما أحدثت قوة الانفجار أضراراً على مدى كيلومترات، وقُدرت الخسائر بالمليارات.  

أكدت نتائج تحقيقات فرقة متخصصة بالمتفجرات من الدرك الفرنسي، التي دعتها السلطات اللبنانية، أن المادة التي انفجرت في العنبر الثاني هي نترات الأمونيوم المخزنة هناك.

هل تم نسيان مخزون نترات الأمونيوم؟ أم أنه تم التخلي عنه؟ أم احتُفظ به لغاية محددة؟

الوثيقة التي تمكّنا من الاطلاع عليها، تؤكد أن “الفرضية المرتبطة بتدخل بشري (عرضي أو متعمد)، وكذلك سبب كهربائي، وفي درجة أقل سبب كيميائي، تظل مطروحة”. كما هو الحال في مصنع AZF قرب تولوز الذي انفجر في عام 2001، فإن نترات الأمونيوم المخزنة من دون عناية يمكن أن تسبب انفجارات مدمرة إذا تعرضت للهب. في بيروت، بقيت هذه المادة لمدة سبع سنوات في أحد المستودعات.

من هنا، تصبح مسألة أصل النترات قضية أساسية، بالإضافة إلى نوايا من استوردوها، بخاصة وسط الحرب السورية التي بدأت في عام 2011. فنترات الأمونيوم هي بالطبع سماد، لكنها مادة حساسة يمكن أن تتحول إلى متفجّرة إذا استُخدمت لغايات أخرى غير مخصّصة لها.  

لشحن هذه المادة، يتطلب الأمر اتفاقاً بين منتج ومشترٍ، إذ يجب على المشتري – بحسب تركيبة المنتج – أن يثبت أنه سيكون المستخدم النهائي. وبين الطرفين، يظهر وسطاء لترتيب الصفقة ونقل البضائع.

أين يظهر التاجر الروسي؟  

في أيلول/ سبتمبر 2013، عندما غادرت “روسوس”، وهي سفينة معطوبة ترفع علم مولدوفا، ميناء باتومي الجورجي على البحر الأسود، كانت محملة بشحنة النترات المذكورة، التي أنتجتها شركة “روستافي آزوت” الجورجية. أما المشتري الرسمي، فهو المصنع الوطني للمتفجرات في موزمبيق. كانت هذه الصفقة مشبوهة، إذ إن الشركة الحكومية الموزمبيقية لم تسعَ أبداً الى استلام البضائع.  

أما الوسيط، فهو “سافارو”، وهي شركة واجهة غامضة تخفي هويّة المساهمين والمستفيدين منها. “سافارو” هي التي طلبت الشحنة. هذا كله وُثِّق وذُكر مسبقاً.  

ما لم يكن معروفاً، هو أن المهندس الحقيقي لهذه الصفقة، والذي جمع بين الأطراف المختلفة، هو شركة “دريمور فيرتيلايزرز”.

المرة الأولى التي بدأنا فيها بالاهتمام بـDreymoor Fertilizers كانت في حزيران/ يونيو 2021، بينما كنا في بيروت. نحن صحافيان، أحدنا مقيم في جنيف والآخر في باريس. اعتدنا العمل معاً على تحقيقات دولية طويلة الأمد. في ذلك الوقت، كنا نحاول تسليط الضوء على الجوانب الغامضة لهذه المأساة التي صدمت العالم بأسره.  

بعد عشرة أشهر من الانفجار، لا تزال المدينة تعاني من الدمار. الكثير من النوافذ والواجهات الزجاجية ما زالت مغلقة بالكرتون أو ألواح الخشب. آثار واحدة من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ تبدو واضحة في كل مكان.

في مقهى قريب من شارع دمشق – الخط الفاصل القديم بين شرق المدينة وغربها – نحصل على الوثيقة التي تقودنا إلى مسار التاجر. إنها نسخة من تصريح تصدير نترات الأمونيوم الذي انفجر في 4 آب/ أغسطس 2020. شهادة الشحن (bill of lading) أو وثيقة حمولة السفينة مؤرخة في 23 أيلول/ سبتمبر 2013، ولا تذكر Dreymoor Fertilizers.  

عند مراجعة وثائق أخرى، جمعتها الشرطة الجورجية وحصلنا عليها، نجد نسخة لاحقة من الشهادة ذاتها، مؤرخة هذه المرة في 27 أيلول/ سبتمبر 2013، وهو يوم مغادرة السفينة.

يؤكد العقد الخاص بنقل الشحنة بشكل قاطع أن التصدير تم “لصالح وباسم Dreymoor Fertilizers”. وتؤكد وثيقة أخرى من الجمارك الجورجية أن الشركة الروسية دفعت قيمة الشحنة البالغة 803,000 دولار.

يبدو أن الشركة لعبت دوراً محورياً لم يلفت انتباه القضاة اللبنانيين، ولا حتى القضاة في فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، الذين يحققون في الأسباب التي جعلت نترات الأمونيوم تبقى في مستودع لمدة سبع سنوات، رغم أن شروط التخزين محكومة بمعايير أمان صارمة.  

سبع سنوات اختفى خلالها جزء كبير من الشحنة. في بيروت، قدّر المحققون أن نحو 500 طن فقط انفجرت. 

إذاً، ما مصير 2200 طن أخرى من أصل 2700 طن تم تفريغها في عام 2013؟ هل هُرِّبت إلى سوريا، حيث يُستخدم هذا المنتج على نطاق واسع من الأطراف المتحاربة في تصنيع المتفجرات؟

الأمر بسيط: حتى وقت قريب، لم تكن هناك أي إشارة إلى ألكسندر شيشكين على الإنترنت.

في عالم التجارة، يتميز الوسيط الجيد بقدرته على تأمين الإمدادات وجعل نفسه عنصراً لا غنى عنه. ليس من الضروري أن يكون معروفاً لتحقيق النجاح، وألكسندر شيشكين هو رجل حذر للغاية. بصفته المالك الوحيد لشركة Dreymoor Fertilizers التي أنشأها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، صرح في عام 2016 للقضاء السويسري بأنه يحقق إيرادات سنوية تبلغ 1.5 مليار دولار.

لا يظهر أي هيكل تنظيمي على موقع الشركة الإلكتروني، ولا يُذكر اسمه. الأدلة القليلة على وجوده تأتي من المحاكم. في الولايات المتحدة وحدها، سُجِّل نحو عشرة نزاعات تخص Dreymoor  خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، وهو أمر غير غير مستغرب لشركة عالمية تتعامل مع آلاف الأطنان من البضائع سنوياً. هذه النزاعات غالباً ما تتعلق بمشاكل في التسليم أو مع شركات التأمين، وانتهى معظمها بتسويات ودية بعيدة من الأضواء.

في كل مرة، كان يمثل Dreymoor محامون بارزون أو مديرون إقليميون. ورغم أن ألكسندر شيشكين يقيم في موسكو وأن معظم الموظفين الذين تم التعرف عليهم روس، فإن الشركة مسجلة في سنغافورة، ولا تربطها أي صلة رسمية بروسيا.

الأمر بسيط: حتى وقت قريب، لم يكن هناك أي ذكر لمؤسس الشركة على الإنترنت. كان شيشكين يعمل بعيداً من الأنظار، مستفيداً من تشابه اسمه مع نائب روسي مشهور يظهر عند البحث عن اسمه على الإنترنت، ما أتاح له متابعة أعماله بهدوء.

قبل عامين، انكشف شيشكين فجأة ودخل دائرة الضوء.

ظهور في لورين  

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، تم استدعاء ألكسندر شيشكين للإدلاء بشهادته أمام محكمة مدينة نانسي، ضد دميتري مالينوفسكي، رجل أعمال أوكراني دفع له 13 مليون يورو مقابل شحنة أسمدة لم يستلمها قط. ومع ذلك، لم تحقق شهادته أي نتيجة. 

لم تمنحه العدالة الفرنسية وضع الضحية، معتبرة أنه لم يثبت أن مالينوفسكي استخدم الأموال لشراء قصر لا روشبوت في بورغوني، وهو محور محاكمة بتهمة “غسيل الأموال”.

في آذار/ مارس 2024، تابعت مجلة XXI تطورات هذه القضية المثيرة للجدل.

كان خروج شيشكين من الظل لحظة حاسمة. وبفضل الرسام القضائي ZZIIGG، الذي حضر خلال الجلسة، أصبح بإمكاننا أخيراً رؤية وجه هذا الاسم الغامض. من خلال أحد رسوماته، قارنا ملامح وجه شيشكين مع صور عدة جمعناها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بفضل تسريب بيانات شخصية نظمها مواطنون روس على شبكة الإنترنت المظلم. 

في إحدى الوثائق، وجدنا رقم هاتف التاجر، تواصلنا معه وطلبنا لقاءه. في البداية، أحالنا شيشكين إلى محاميه. وبعد أشهر من المحادثات عبر تطبيق “واتسآب”، سنحت الفرصة أخيراً للقائه في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 2024. يومها قال: “سأكون في إسطنبول الخميس، والأسبوع المقبل في طشقند”، بعد رفض وإلغاء آخر دقيقة لمكالمة فيديو. 

انطلقنا بسرعة إلى تركيا، بينما أكدت لنا مصادر قضائية لبنانية، عند تواصلنا معها، أنها لم تسمع أبداً عن شيشكين ضمن تحقيقاتها في انفجار مرفأ بيروت.

الفصل الثاني  

بينغ بونغ في إسطنبول  

كان شيشكين كما تخيلناه تماماً، رجل نحيف في الستينات من عمره، لم يرتدِ بذلة كما في رسم الجلسة، لكنه بدا بالملامح المتجهمة نفسها، البشرة المحمرة قليلاً، والشعر الأبيض المصفف إلى الجانب. يتبنى أسلوباً يميز الأثرياء السلافيين الذين يُشاهَدون في القصور الأوروبية، على شاطئ الريفييرا أو في منتجعات التزلج الفاخرة: تيشيرت ضيق منDolce & Gabbana، جينز، حذاء رياضي، وهاتف ذكي ضخم في يده.

التقيناه في فندق Kempinski في إسطنبول، وهو قصر رائع على ضفاف البوسفور حيث يتصرف شيشكين كأنه من الزبائن الدائمين. ورغم تحفظه المعروف، وافق أخيراً على لقائنا لأنه لا يزال غاضباً من دميتري مالينوفسكي، رجل الأعمال الأوكراني الذي يدين له بـ13 مليون يورو. في الاستئناف، أُدين مالينوفسكي في ربيع 2024، لكن التاجر الروسي لم يحصل على حقه بعد. 

وضع ألكسندر شيشكين القائمة على الطاولة، وأبقى النظارات القابلة للطي على أنفه وهو يختار الكالامار المشوي مع الباذنجان المقلي والشاي. بدأت المحادثة بشكل طبيعي عن عدوّه اللدود. قال وهو متوتر: “أنا حاصل على شهادة في علم النفس، ويمكنني أن أؤكد لكم، هذا مرضي. لقد احتال على كل من عمل معه واستمتع بذلك. لقد اشترى معلماً سياحياً، قصراً شهيراً، وهذا تصرف غبي تماماً. لكنه ليس غباء، بل هو مرض نفسي”.

بين لقمتين من الكالامار، أصبح شيشكين أكثر صراحة، إلى أن انحرفت المحادثة نحو مرفأ بيروت وصفقة النترات. تغيرت ملامحه فجأة. قال: “هذا الأمر لا أتذكره”. أصررنا على السؤال. أجاب: “إذا كنتم هنا للحديث عن ذلك، نوقف الحديث فوراً. كنت أعتقد أن اللقاء عن مالينوفسكي. إذا كان الأمر يتعلق بـ Dreymoor، فأنا لا أحتاج إلى دعاية”. وهنا بدأت محادثة أكثر توتراً وعمقاً.

بعد الانفجار، صرحت الشركة الموزمبيقية التي كانت المشتري المزعوم للشحنة، لـCNN، أنها لم تدفع ثمن البضاعة قط. بناءً على ذلك، يوضح خبراء كثر في القانون البحري والقانون الدولي قمنا باستشارتهم، أن الوسطاء قد يكونون هم أصحاب نترات الأمونيوم، وبالتالي يتحملون المسؤولية القانونية.  

قال مارك تايلور، خبير في القانون والعقوبات الدولية: “إذا كانت سافارو مجرد شركة واجهة، فإن المسؤولية تقع على عاتق المالكين الحقيقيين. الوثائق التي حصلنا عليها تشير إلى أن Dreymoor تلعب دوراً أساسياً في تقديم الإجابات”. 

بعيداً من الجوانب القانونية، فإن شركة ألكسندر شيشكين تقع بلا شك في صميم صفقة يحاول محققون من جميع أنحاء العالم فك شفرتها. ومع ذلك، يصر التاجر على إقناعنا بأنه بالكاد على دراية بما حدث: “نحن شركة دولية، لا أرى سبباً يجعل هذه الصفقة موضع تساؤل. ليس لنا أي علاقة بالأمر”.  

هل يمكنه إذاً أن يخبرنا المزيد عن شريكه الجورجي، الشركة المصنعة Rustavi Azot؟ أجاب شيشكين: “إنهم ينتجون أسمدة زراعية يمكن استخدامها لصنع متفجرات، لكنها ليست متفجرات بحد ذاتها. وهناك شهادة تثبت أنها غير قابلة للانفجار”.

يُلقي شيشكين بالمسؤولية عن الانفجار على سلطات المرفأ اللبنانية: “المنتج آمن إذا لم تحتفظ به بالقرب من النار… وهذا ما حدث في ما يبدو في بيروت، حسب ما قرأته في الصحافة”.

الحطام المولدوفي  

تنهال أسئلتنا، ماذا يعرف شيشكين أكثر عن هذه الشركة الجورجية؟ إذا لم يكن الموزمبيق المستلم الحقيقي لنترات الأمونيوم الذي بيع بوساطته، فما كانت نوايا الوسيط الآخر، سافارو، عندما اشتراها باسم الشركة الأفريقية؟ هل يمكن أن تكون صفقة سافارو مجرد غطاء لإعادة بيع مادة متفجرة لأطراف متحاربة في سوريا أثناء ذروة الحرب الأهلية؟  

من دون أن يلمس بقية طبقه، يؤكد شيشكين أنه لا يتذكر: “من يحتفظ بوثائق تعود الى عام 2013؟”، ويحاول أن ينأى بنفسه عن شركة Rustavi Azot، مشيراً إليها على أنها مجرد مورد من بين آخرين.  

لكننا نستعرض وثائق تثبت عكس ذلك، إذ تُظهر أن الشركة الجورجية فرضت Dreymoor كوسيط في صفقة أخرى. عندها يحدث تحوّل غريب في الموقف، إذ يعترف شيشكين، الذي كان ينكر أي معرفة بالشركة: “كانت لدي 10 في المئة من الأسهم منذ سنوات، لكنها كانت مجرد استثمار من دون أي صلاحيات [إدارية، ملاحظة المحرر]”.

ويؤكد أنه منذ ذلك الحين اشترت شركة Indorama الهندية العملاقة هذه الأسهم، وأن علاقته بالشركة الجورجية تقتصر الآن على اتفاقية شراء مسبق (offtake agreement) تسمح بشراء البضائع قبل إنتاجها لإعادة بيعها.

عادةً، تكون شركات التجارة هي المسؤولة عن اختيار السفن، ولكن في هذه الحالة، كانت السفينة نفسها جزءاً من المشكلة. كانت Rhosus أشبه بحطام عائم. فكيف يمكن تفسير اختيار هذه السفينة لرحلة تمتد آلاف الكيلومترات، كما كان مخططاً في البداية؟  

وفقاً للوثائق الرسمية، كان من المقرر أن تعبر السفينة البحر الأسود وقناة السويس وصولاً إلى السواحل الموزمبيقية، رغم أن السلطات الجورجية أدرجتها في العام السابق ضمن القائمة السوداء للسفن عالية المخاطر، بل ومُنعت من دخول جورجيا لسنوات.

وكما هو متوقع، بالكاد غادرت السفينة البلاد محمّلة بنترات الأمونيوم حتى بدأت المشاكل التقنية تتراكم. وعند وصولها قبالة بيروت، تقرر توقيفها لفترة أطول رسمياً لتحميل آلات زلزالية. هذه العملية، وفقاً للمصادر الرسمية، تسببت بأضرار جسيمة للسفينة، ما جعلها غير قادرة على مواصلة الرحلة. وعندها، تم تنظيم تفريغ شحنة النترات.

هنا، فقد شيشكين هدوءه تماماً، جمع أغراضه، مستعداً للنهوض والمغادرة.

تغيّر موقف شيشكين بشكل مفاجئ، نافياً تماماً أن يكون قد اختار السفينة. في بداية الغداء، عندما سألناه عن دور شركته في الصفقة، كان حاسماً: “نحن نستأجر السفينة، ونشتري المنتج، ونجهزه للنقل”. وأوضح أن شركته تخزن في بعض الحالات المنتجات قبل إعادة بيعها، “بخاصة في البرازيل”.

لكن عندما انحرفت المحادثة نحو انفجار المرفأ، بدأ يخفف من موقفه: “هذه ليست مشكلتنا، لكن مما قرأته في الصحافة، السفينة تعطلت. مثل كل الآلات في العالم، السفن أيضاً تميل إلى التعطّل من وقت الى آخر”.

ثم عاد لتوجيه اللوم للإدارة اللبنانية: “هذه ليست مشكلة السفينة، بل السلطات المرفئية في بيروت التي لم تتصرف كما ينبغي”.  

استغلينا الدقائق الأخيرة لنسأله عن شركة Savaro، المشتبه بها الرئيسي في تحقيقات قضائية جارية عدة. في عام 2021، كشف OCCRP، وهو اتحاد للصحافيين الاستقصائيين، أن هذه الشركة البريطانية كانت في الواقع مجرد واجهة مرتبطة برجال أعمال أوكرانيين، أي أنها شركة وهمية.

مؤامرة كبرى؟  

في عام 2022، أثناء التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت، نجحت العدالة البريطانية في منع المسؤولين عن شركة Savaro من تصفية شركتهم. طالبت المحكمة العليا بالكشف عن المالكين الحقيقيين للشركة، لكن من دون جدوى. وفي شباط/ فبراير 2023، ألزمت المحكمة الشركة بتعويض أربع عائلات من ضحايا الانفجار الذين رفعوا دعاوى قضائية. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الدور الحقيقي لـ Savaro.  

يواصل شيشكين التأكيد: “لم ألتقِ بهم أبداً، لكني أعرف بوجودهم. حسب ما أعلم، ربما كانوا يعملون في مجال الأسمدة، بكميات صغيرة، أو ربما”. هذا التصريح جاء رغم تعامل شركته معهم، ورغم تأكيده سابقاً أنه يجري تحقيقات دقيقة عن شركائه التجاريين.

وأضاف: “لا أعلم إذا كنا قد أجرينا أي معاملات معهم. سمعت الاسم من أحد وسطاء شركتي السابقين. كان يبحث عن شيء ما”. لكنه رفض الإفصاح عن المزيد رغم محاولاتنا المتكررة. ومع ذلك، أكدت شركة Savaro أمام المحكمة العليا البريطانية أنها وقّعت عقداً مع Dreymoor في تموز/ يوليو 2013. 

بعد ساعتين من المحادثة، والتي تخللتها توترات، وصل النقاش إلى حدوده. قال شيشكين: “أنتم تبحثون عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، لكن لا توجد قطة”. ثم وقف، التقط حقيبته البلاستيكية ومغلفه الجلدي الصغير، وأردف: “بصراحة، أفهمكم. كصحافيين، تريدون قصة مثيرة. يمكنني حتى متابعة طريقة تفكيركم، لا سيما بعد هذه الحادثة التاريخية. نعم، يبدو الأمر… أقصد، بخاصة وأنا مواطن إسرائيلي منذ 2017… يبدو وكأنها مؤامرة كبيرة جداً، ولكن بالطبع، هذا ليس صحيحاً”.

وأضاف: “كما اتفقنا، إذا كان لديكم المزيد من الأسئلة، أرسلوا إلينا القائمة”. 

بعد ساعتين من اللقاء، بدا أن شيشكين شعر بالندم، إذ بادر إلى مراسلتنا. وبعد أسابيع، عندما طلبنا توضيحات حول وثائق جديدة تؤكد دور Dreymoor، تولى محاموه في لندن وباريس الرد.

كانت رسالتهم واضحة: “موكلنا لا علاقة له بالانفجار”. أقروا بدور شركة ألكسندر شيشكين في الصفقة، لكنهم شددوا على أن “الشحنة كانت موجهة إلى موزمبيق، كما تشير الوثائق”. وألقوا بالمسؤولية عن اختيار السفينة على Savaro.  

وفقًا لهم: “Savaro وليس Dreymoor، هي المسؤولة عن المنتج بمجرد تحميله. على أي حال، لم يكن لـ Dreymoor أي سيطرة على ما حدث بعد تحميل المنتج على السفينة Rhosus”. 

وادعوا أخيراً أن هذه الصفقة كانت “عادية تماماً”، وموجّهة إلى “عميل نشط ومعترف به في السوق”.

لكن ما هو مؤكد، أن الأدلة التي جمعناها حول دور الشركة في جورجيا تفتح آفاقاً جديدة للتحقيقات القضائية التي توقفت منذ عامين. سواء كان شيشكين مجرد شاهد أم صاحب قرار بشأن نقل النترات، سيكون من المستحيل كشف لغز 4 آب/ أغسطس 2020 من دون الرجوع إليه وإلى شركته Dreymoor.  

تقول تانيا، محامية لبنانية فقدت زوجها في الانفجار: “كل كشف جديد هو قطعة أساسية لاستكمال الأحجية والوصول إلى الحقيقة والعدالة”.  

On a retrouvé le fantôme du port de Beyrouth – Revue21.fr

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 11.04.2026

كيف يعيش إيرانيون في سوريا بعد سقوط الأسد؟ 

برز الحضور الإيراني في سوريا بشكل خاصّ غداة اندلاع ثورة آذار/ مارس 2011، ومسارعة طهران إلى مساندة نظام بشّار الأسد في قمع المحتجّين على امتداد السنوات اللاحقة. لكنّ حضور الإيرانيين في سوريا لم يكن نتيجة الثورة السورية وحدها، بل سابق على ذلك بكثير، إذ يعيش في سوريا جالية إيرانية يعود جذور بعض أفرادها إلى زمن…
20.12.2024
زمن القراءة: 12 minutes

إلى من كانت موجّهة شحنة نترات الأمونيوم التي خُزِّنت في مرفأ بيروت عام 2013؟ ولماذا بقيت هناك لمدة سبع سنوات، رغم تحذيرات عدة بشأن خطورتها؟ ولماذا اختفى جزء من الكمية؟ بعد أربع سنوات من الانفجار الذي أسفر عن 235 قتيلاً وأكثر من 6000 جريح، لا تزال التحقيقات تراوح مكانها، ويستمر الغموض حول المسؤوليات.

نشر هذا التحقيق في revue XXI

بعد تحقيقات مطوّلة، تمكنت مجلة «XXI» من تحديد شخصية محورية لم تكن معروفة من قبل: ألكسندر شيشكين، الوسيط الروسي الغامض الذي كان على صلة بمختلف الجهات المعنية بعملية التوريد. التقيناه في أحد فنادق إسطنبول خلال مواجهة متوتّرة.

الفصل الأول 

مستودع الألغاز

من دونه، حين خُزِّن نحو 3000 طن من نترات الأمونيوم لمدة سبع سنوات على أرصفة مرفأ بيروت، لما حدثت كارثة تدمير المرفأ. ألكسندر شيشكين هو الشبح في هذه القضية. شركته، Dreymoor Fertilizers، لم تكن يوماً موضع تساؤل في التحقيقات القضائية الجارية. هذا التاجر الروسي للأسمدة لم يُذكر اسمه أبداً.  

لم يستدعِه أي قاضٍ للاستجواب. ومع ذلك، لولا دوره، لما وصلت شحنة النترات التي تسببت بالكارثة إلى لبنان.  

فيما لا تزال التحقيقات القضائية في حالة جمود، يجلس الآن أمامنا، غارقاً في قائمة الطعام، يبحث عن أطباق تتناسب مع حساسيته الغذائية. قبل أن نلتقي به في هذا الفندق الفاخر في إسطنبول، المطل على مضيق البوسفور تحت شمس تشرين الأول/ أكتوبر الساطعة، طاردناه لمدة ثلاث سنوات.  

هناك غموض كبير يحيط بانفجار مرفأ بيروت، الى درجة أن قائمة الحقائق المؤكدة لا تتعدى البضعة أسطر. في 4 آب/ أغسطس 2020، اندلع حريق لم تُحدد أسبابه في العنبر رقم 12. في وقت متأخر من بعد الظهر، امتدت النيران إلى عنبر آخر، ما تسبب في انفجارين، أحدهما كان هائلاً. أسفر الانفجار عن مقتل 235 شخصاً وإصابة أكثر من 6000، فيما أحدثت قوة الانفجار أضراراً على مدى كيلومترات، وقُدرت الخسائر بالمليارات.  

أكدت نتائج تحقيقات فرقة متخصصة بالمتفجرات من الدرك الفرنسي، التي دعتها السلطات اللبنانية، أن المادة التي انفجرت في العنبر الثاني هي نترات الأمونيوم المخزنة هناك.

هل تم نسيان مخزون نترات الأمونيوم؟ أم أنه تم التخلي عنه؟ أم احتُفظ به لغاية محددة؟

الوثيقة التي تمكّنا من الاطلاع عليها، تؤكد أن “الفرضية المرتبطة بتدخل بشري (عرضي أو متعمد)، وكذلك سبب كهربائي، وفي درجة أقل سبب كيميائي، تظل مطروحة”. كما هو الحال في مصنع AZF قرب تولوز الذي انفجر في عام 2001، فإن نترات الأمونيوم المخزنة من دون عناية يمكن أن تسبب انفجارات مدمرة إذا تعرضت للهب. في بيروت، بقيت هذه المادة لمدة سبع سنوات في أحد المستودعات.

من هنا، تصبح مسألة أصل النترات قضية أساسية، بالإضافة إلى نوايا من استوردوها، بخاصة وسط الحرب السورية التي بدأت في عام 2011. فنترات الأمونيوم هي بالطبع سماد، لكنها مادة حساسة يمكن أن تتحول إلى متفجّرة إذا استُخدمت لغايات أخرى غير مخصّصة لها.  

لشحن هذه المادة، يتطلب الأمر اتفاقاً بين منتج ومشترٍ، إذ يجب على المشتري – بحسب تركيبة المنتج – أن يثبت أنه سيكون المستخدم النهائي. وبين الطرفين، يظهر وسطاء لترتيب الصفقة ونقل البضائع.

أين يظهر التاجر الروسي؟  

في أيلول/ سبتمبر 2013، عندما غادرت “روسوس”، وهي سفينة معطوبة ترفع علم مولدوفا، ميناء باتومي الجورجي على البحر الأسود، كانت محملة بشحنة النترات المذكورة، التي أنتجتها شركة “روستافي آزوت” الجورجية. أما المشتري الرسمي، فهو المصنع الوطني للمتفجرات في موزمبيق. كانت هذه الصفقة مشبوهة، إذ إن الشركة الحكومية الموزمبيقية لم تسعَ أبداً الى استلام البضائع.  

أما الوسيط، فهو “سافارو”، وهي شركة واجهة غامضة تخفي هويّة المساهمين والمستفيدين منها. “سافارو” هي التي طلبت الشحنة. هذا كله وُثِّق وذُكر مسبقاً.  

ما لم يكن معروفاً، هو أن المهندس الحقيقي لهذه الصفقة، والذي جمع بين الأطراف المختلفة، هو شركة “دريمور فيرتيلايزرز”.

المرة الأولى التي بدأنا فيها بالاهتمام بـDreymoor Fertilizers كانت في حزيران/ يونيو 2021، بينما كنا في بيروت. نحن صحافيان، أحدنا مقيم في جنيف والآخر في باريس. اعتدنا العمل معاً على تحقيقات دولية طويلة الأمد. في ذلك الوقت، كنا نحاول تسليط الضوء على الجوانب الغامضة لهذه المأساة التي صدمت العالم بأسره.  

بعد عشرة أشهر من الانفجار، لا تزال المدينة تعاني من الدمار. الكثير من النوافذ والواجهات الزجاجية ما زالت مغلقة بالكرتون أو ألواح الخشب. آثار واحدة من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ تبدو واضحة في كل مكان.

في مقهى قريب من شارع دمشق – الخط الفاصل القديم بين شرق المدينة وغربها – نحصل على الوثيقة التي تقودنا إلى مسار التاجر. إنها نسخة من تصريح تصدير نترات الأمونيوم الذي انفجر في 4 آب/ أغسطس 2020. شهادة الشحن (bill of lading) أو وثيقة حمولة السفينة مؤرخة في 23 أيلول/ سبتمبر 2013، ولا تذكر Dreymoor Fertilizers.  

عند مراجعة وثائق أخرى، جمعتها الشرطة الجورجية وحصلنا عليها، نجد نسخة لاحقة من الشهادة ذاتها، مؤرخة هذه المرة في 27 أيلول/ سبتمبر 2013، وهو يوم مغادرة السفينة.

يؤكد العقد الخاص بنقل الشحنة بشكل قاطع أن التصدير تم “لصالح وباسم Dreymoor Fertilizers”. وتؤكد وثيقة أخرى من الجمارك الجورجية أن الشركة الروسية دفعت قيمة الشحنة البالغة 803,000 دولار.

يبدو أن الشركة لعبت دوراً محورياً لم يلفت انتباه القضاة اللبنانيين، ولا حتى القضاة في فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، الذين يحققون في الأسباب التي جعلت نترات الأمونيوم تبقى في مستودع لمدة سبع سنوات، رغم أن شروط التخزين محكومة بمعايير أمان صارمة.  

سبع سنوات اختفى خلالها جزء كبير من الشحنة. في بيروت، قدّر المحققون أن نحو 500 طن فقط انفجرت. 

إذاً، ما مصير 2200 طن أخرى من أصل 2700 طن تم تفريغها في عام 2013؟ هل هُرِّبت إلى سوريا، حيث يُستخدم هذا المنتج على نطاق واسع من الأطراف المتحاربة في تصنيع المتفجرات؟

الأمر بسيط: حتى وقت قريب، لم تكن هناك أي إشارة إلى ألكسندر شيشكين على الإنترنت.

في عالم التجارة، يتميز الوسيط الجيد بقدرته على تأمين الإمدادات وجعل نفسه عنصراً لا غنى عنه. ليس من الضروري أن يكون معروفاً لتحقيق النجاح، وألكسندر شيشكين هو رجل حذر للغاية. بصفته المالك الوحيد لشركة Dreymoor Fertilizers التي أنشأها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، صرح في عام 2016 للقضاء السويسري بأنه يحقق إيرادات سنوية تبلغ 1.5 مليار دولار.

لا يظهر أي هيكل تنظيمي على موقع الشركة الإلكتروني، ولا يُذكر اسمه. الأدلة القليلة على وجوده تأتي من المحاكم. في الولايات المتحدة وحدها، سُجِّل نحو عشرة نزاعات تخص Dreymoor  خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، وهو أمر غير غير مستغرب لشركة عالمية تتعامل مع آلاف الأطنان من البضائع سنوياً. هذه النزاعات غالباً ما تتعلق بمشاكل في التسليم أو مع شركات التأمين، وانتهى معظمها بتسويات ودية بعيدة من الأضواء.

في كل مرة، كان يمثل Dreymoor محامون بارزون أو مديرون إقليميون. ورغم أن ألكسندر شيشكين يقيم في موسكو وأن معظم الموظفين الذين تم التعرف عليهم روس، فإن الشركة مسجلة في سنغافورة، ولا تربطها أي صلة رسمية بروسيا.

الأمر بسيط: حتى وقت قريب، لم يكن هناك أي ذكر لمؤسس الشركة على الإنترنت. كان شيشكين يعمل بعيداً من الأنظار، مستفيداً من تشابه اسمه مع نائب روسي مشهور يظهر عند البحث عن اسمه على الإنترنت، ما أتاح له متابعة أعماله بهدوء.

قبل عامين، انكشف شيشكين فجأة ودخل دائرة الضوء.

ظهور في لورين  

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، تم استدعاء ألكسندر شيشكين للإدلاء بشهادته أمام محكمة مدينة نانسي، ضد دميتري مالينوفسكي، رجل أعمال أوكراني دفع له 13 مليون يورو مقابل شحنة أسمدة لم يستلمها قط. ومع ذلك، لم تحقق شهادته أي نتيجة. 

لم تمنحه العدالة الفرنسية وضع الضحية، معتبرة أنه لم يثبت أن مالينوفسكي استخدم الأموال لشراء قصر لا روشبوت في بورغوني، وهو محور محاكمة بتهمة “غسيل الأموال”.

في آذار/ مارس 2024، تابعت مجلة XXI تطورات هذه القضية المثيرة للجدل.

كان خروج شيشكين من الظل لحظة حاسمة. وبفضل الرسام القضائي ZZIIGG، الذي حضر خلال الجلسة، أصبح بإمكاننا أخيراً رؤية وجه هذا الاسم الغامض. من خلال أحد رسوماته، قارنا ملامح وجه شيشكين مع صور عدة جمعناها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بفضل تسريب بيانات شخصية نظمها مواطنون روس على شبكة الإنترنت المظلم. 

في إحدى الوثائق، وجدنا رقم هاتف التاجر، تواصلنا معه وطلبنا لقاءه. في البداية، أحالنا شيشكين إلى محاميه. وبعد أشهر من المحادثات عبر تطبيق “واتسآب”، سنحت الفرصة أخيراً للقائه في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 2024. يومها قال: “سأكون في إسطنبول الخميس، والأسبوع المقبل في طشقند”، بعد رفض وإلغاء آخر دقيقة لمكالمة فيديو. 

انطلقنا بسرعة إلى تركيا، بينما أكدت لنا مصادر قضائية لبنانية، عند تواصلنا معها، أنها لم تسمع أبداً عن شيشكين ضمن تحقيقاتها في انفجار مرفأ بيروت.

الفصل الثاني  

بينغ بونغ في إسطنبول  

كان شيشكين كما تخيلناه تماماً، رجل نحيف في الستينات من عمره، لم يرتدِ بذلة كما في رسم الجلسة، لكنه بدا بالملامح المتجهمة نفسها، البشرة المحمرة قليلاً، والشعر الأبيض المصفف إلى الجانب. يتبنى أسلوباً يميز الأثرياء السلافيين الذين يُشاهَدون في القصور الأوروبية، على شاطئ الريفييرا أو في منتجعات التزلج الفاخرة: تيشيرت ضيق منDolce & Gabbana، جينز، حذاء رياضي، وهاتف ذكي ضخم في يده.

التقيناه في فندق Kempinski في إسطنبول، وهو قصر رائع على ضفاف البوسفور حيث يتصرف شيشكين كأنه من الزبائن الدائمين. ورغم تحفظه المعروف، وافق أخيراً على لقائنا لأنه لا يزال غاضباً من دميتري مالينوفسكي، رجل الأعمال الأوكراني الذي يدين له بـ13 مليون يورو. في الاستئناف، أُدين مالينوفسكي في ربيع 2024، لكن التاجر الروسي لم يحصل على حقه بعد. 

وضع ألكسندر شيشكين القائمة على الطاولة، وأبقى النظارات القابلة للطي على أنفه وهو يختار الكالامار المشوي مع الباذنجان المقلي والشاي. بدأت المحادثة بشكل طبيعي عن عدوّه اللدود. قال وهو متوتر: “أنا حاصل على شهادة في علم النفس، ويمكنني أن أؤكد لكم، هذا مرضي. لقد احتال على كل من عمل معه واستمتع بذلك. لقد اشترى معلماً سياحياً، قصراً شهيراً، وهذا تصرف غبي تماماً. لكنه ليس غباء، بل هو مرض نفسي”.

بين لقمتين من الكالامار، أصبح شيشكين أكثر صراحة، إلى أن انحرفت المحادثة نحو مرفأ بيروت وصفقة النترات. تغيرت ملامحه فجأة. قال: “هذا الأمر لا أتذكره”. أصررنا على السؤال. أجاب: “إذا كنتم هنا للحديث عن ذلك، نوقف الحديث فوراً. كنت أعتقد أن اللقاء عن مالينوفسكي. إذا كان الأمر يتعلق بـ Dreymoor، فأنا لا أحتاج إلى دعاية”. وهنا بدأت محادثة أكثر توتراً وعمقاً.

بعد الانفجار، صرحت الشركة الموزمبيقية التي كانت المشتري المزعوم للشحنة، لـCNN، أنها لم تدفع ثمن البضاعة قط. بناءً على ذلك، يوضح خبراء كثر في القانون البحري والقانون الدولي قمنا باستشارتهم، أن الوسطاء قد يكونون هم أصحاب نترات الأمونيوم، وبالتالي يتحملون المسؤولية القانونية.  

قال مارك تايلور، خبير في القانون والعقوبات الدولية: “إذا كانت سافارو مجرد شركة واجهة، فإن المسؤولية تقع على عاتق المالكين الحقيقيين. الوثائق التي حصلنا عليها تشير إلى أن Dreymoor تلعب دوراً أساسياً في تقديم الإجابات”. 

بعيداً من الجوانب القانونية، فإن شركة ألكسندر شيشكين تقع بلا شك في صميم صفقة يحاول محققون من جميع أنحاء العالم فك شفرتها. ومع ذلك، يصر التاجر على إقناعنا بأنه بالكاد على دراية بما حدث: “نحن شركة دولية، لا أرى سبباً يجعل هذه الصفقة موضع تساؤل. ليس لنا أي علاقة بالأمر”.  

هل يمكنه إذاً أن يخبرنا المزيد عن شريكه الجورجي، الشركة المصنعة Rustavi Azot؟ أجاب شيشكين: “إنهم ينتجون أسمدة زراعية يمكن استخدامها لصنع متفجرات، لكنها ليست متفجرات بحد ذاتها. وهناك شهادة تثبت أنها غير قابلة للانفجار”.

يُلقي شيشكين بالمسؤولية عن الانفجار على سلطات المرفأ اللبنانية: “المنتج آمن إذا لم تحتفظ به بالقرب من النار… وهذا ما حدث في ما يبدو في بيروت، حسب ما قرأته في الصحافة”.

الحطام المولدوفي  

تنهال أسئلتنا، ماذا يعرف شيشكين أكثر عن هذه الشركة الجورجية؟ إذا لم يكن الموزمبيق المستلم الحقيقي لنترات الأمونيوم الذي بيع بوساطته، فما كانت نوايا الوسيط الآخر، سافارو، عندما اشتراها باسم الشركة الأفريقية؟ هل يمكن أن تكون صفقة سافارو مجرد غطاء لإعادة بيع مادة متفجرة لأطراف متحاربة في سوريا أثناء ذروة الحرب الأهلية؟  

من دون أن يلمس بقية طبقه، يؤكد شيشكين أنه لا يتذكر: “من يحتفظ بوثائق تعود الى عام 2013؟”، ويحاول أن ينأى بنفسه عن شركة Rustavi Azot، مشيراً إليها على أنها مجرد مورد من بين آخرين.  

لكننا نستعرض وثائق تثبت عكس ذلك، إذ تُظهر أن الشركة الجورجية فرضت Dreymoor كوسيط في صفقة أخرى. عندها يحدث تحوّل غريب في الموقف، إذ يعترف شيشكين، الذي كان ينكر أي معرفة بالشركة: “كانت لدي 10 في المئة من الأسهم منذ سنوات، لكنها كانت مجرد استثمار من دون أي صلاحيات [إدارية، ملاحظة المحرر]”.

ويؤكد أنه منذ ذلك الحين اشترت شركة Indorama الهندية العملاقة هذه الأسهم، وأن علاقته بالشركة الجورجية تقتصر الآن على اتفاقية شراء مسبق (offtake agreement) تسمح بشراء البضائع قبل إنتاجها لإعادة بيعها.

عادةً، تكون شركات التجارة هي المسؤولة عن اختيار السفن، ولكن في هذه الحالة، كانت السفينة نفسها جزءاً من المشكلة. كانت Rhosus أشبه بحطام عائم. فكيف يمكن تفسير اختيار هذه السفينة لرحلة تمتد آلاف الكيلومترات، كما كان مخططاً في البداية؟  

وفقاً للوثائق الرسمية، كان من المقرر أن تعبر السفينة البحر الأسود وقناة السويس وصولاً إلى السواحل الموزمبيقية، رغم أن السلطات الجورجية أدرجتها في العام السابق ضمن القائمة السوداء للسفن عالية المخاطر، بل ومُنعت من دخول جورجيا لسنوات.

وكما هو متوقع، بالكاد غادرت السفينة البلاد محمّلة بنترات الأمونيوم حتى بدأت المشاكل التقنية تتراكم. وعند وصولها قبالة بيروت، تقرر توقيفها لفترة أطول رسمياً لتحميل آلات زلزالية. هذه العملية، وفقاً للمصادر الرسمية، تسببت بأضرار جسيمة للسفينة، ما جعلها غير قادرة على مواصلة الرحلة. وعندها، تم تنظيم تفريغ شحنة النترات.

هنا، فقد شيشكين هدوءه تماماً، جمع أغراضه، مستعداً للنهوض والمغادرة.

تغيّر موقف شيشكين بشكل مفاجئ، نافياً تماماً أن يكون قد اختار السفينة. في بداية الغداء، عندما سألناه عن دور شركته في الصفقة، كان حاسماً: “نحن نستأجر السفينة، ونشتري المنتج، ونجهزه للنقل”. وأوضح أن شركته تخزن في بعض الحالات المنتجات قبل إعادة بيعها، “بخاصة في البرازيل”.

لكن عندما انحرفت المحادثة نحو انفجار المرفأ، بدأ يخفف من موقفه: “هذه ليست مشكلتنا، لكن مما قرأته في الصحافة، السفينة تعطلت. مثل كل الآلات في العالم، السفن أيضاً تميل إلى التعطّل من وقت الى آخر”.

ثم عاد لتوجيه اللوم للإدارة اللبنانية: “هذه ليست مشكلة السفينة، بل السلطات المرفئية في بيروت التي لم تتصرف كما ينبغي”.  

استغلينا الدقائق الأخيرة لنسأله عن شركة Savaro، المشتبه بها الرئيسي في تحقيقات قضائية جارية عدة. في عام 2021، كشف OCCRP، وهو اتحاد للصحافيين الاستقصائيين، أن هذه الشركة البريطانية كانت في الواقع مجرد واجهة مرتبطة برجال أعمال أوكرانيين، أي أنها شركة وهمية.

مؤامرة كبرى؟  

في عام 2022، أثناء التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت، نجحت العدالة البريطانية في منع المسؤولين عن شركة Savaro من تصفية شركتهم. طالبت المحكمة العليا بالكشف عن المالكين الحقيقيين للشركة، لكن من دون جدوى. وفي شباط/ فبراير 2023، ألزمت المحكمة الشركة بتعويض أربع عائلات من ضحايا الانفجار الذين رفعوا دعاوى قضائية. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الدور الحقيقي لـ Savaro.  

يواصل شيشكين التأكيد: “لم ألتقِ بهم أبداً، لكني أعرف بوجودهم. حسب ما أعلم، ربما كانوا يعملون في مجال الأسمدة، بكميات صغيرة، أو ربما”. هذا التصريح جاء رغم تعامل شركته معهم، ورغم تأكيده سابقاً أنه يجري تحقيقات دقيقة عن شركائه التجاريين.

وأضاف: “لا أعلم إذا كنا قد أجرينا أي معاملات معهم. سمعت الاسم من أحد وسطاء شركتي السابقين. كان يبحث عن شيء ما”. لكنه رفض الإفصاح عن المزيد رغم محاولاتنا المتكررة. ومع ذلك، أكدت شركة Savaro أمام المحكمة العليا البريطانية أنها وقّعت عقداً مع Dreymoor في تموز/ يوليو 2013. 

بعد ساعتين من المحادثة، والتي تخللتها توترات، وصل النقاش إلى حدوده. قال شيشكين: “أنتم تبحثون عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، لكن لا توجد قطة”. ثم وقف، التقط حقيبته البلاستيكية ومغلفه الجلدي الصغير، وأردف: “بصراحة، أفهمكم. كصحافيين، تريدون قصة مثيرة. يمكنني حتى متابعة طريقة تفكيركم، لا سيما بعد هذه الحادثة التاريخية. نعم، يبدو الأمر… أقصد، بخاصة وأنا مواطن إسرائيلي منذ 2017… يبدو وكأنها مؤامرة كبيرة جداً، ولكن بالطبع، هذا ليس صحيحاً”.

وأضاف: “كما اتفقنا، إذا كان لديكم المزيد من الأسئلة، أرسلوا إلينا القائمة”. 

بعد ساعتين من اللقاء، بدا أن شيشكين شعر بالندم، إذ بادر إلى مراسلتنا. وبعد أسابيع، عندما طلبنا توضيحات حول وثائق جديدة تؤكد دور Dreymoor، تولى محاموه في لندن وباريس الرد.

كانت رسالتهم واضحة: “موكلنا لا علاقة له بالانفجار”. أقروا بدور شركة ألكسندر شيشكين في الصفقة، لكنهم شددوا على أن “الشحنة كانت موجهة إلى موزمبيق، كما تشير الوثائق”. وألقوا بالمسؤولية عن اختيار السفينة على Savaro.  

وفقًا لهم: “Savaro وليس Dreymoor، هي المسؤولة عن المنتج بمجرد تحميله. على أي حال، لم يكن لـ Dreymoor أي سيطرة على ما حدث بعد تحميل المنتج على السفينة Rhosus”. 

وادعوا أخيراً أن هذه الصفقة كانت “عادية تماماً”، وموجّهة إلى “عميل نشط ومعترف به في السوق”.

لكن ما هو مؤكد، أن الأدلة التي جمعناها حول دور الشركة في جورجيا تفتح آفاقاً جديدة للتحقيقات القضائية التي توقفت منذ عامين. سواء كان شيشكين مجرد شاهد أم صاحب قرار بشأن نقل النترات، سيكون من المستحيل كشف لغز 4 آب/ أغسطس 2020 من دون الرجوع إليه وإلى شركته Dreymoor.  

تقول تانيا، محامية لبنانية فقدت زوجها في الانفجار: “كل كشف جديد هو قطعة أساسية لاستكمال الأحجية والوصول إلى الحقيقة والعدالة”.  

On a retrouvé le fantôme du port de Beyrouth – Revue21.fr